كتب صغيرة تفتح أبوابًا واسعة للمعرفة
لم تكن المسألة مجرد واجب أبوى عابر، فقد كانت تجسيدًا لمأزق معرفى يعيشه جيل كامل، ففى عام ٢٠١٧، كان ابنى يمر بمرحلة الدراسة الثانوية، وهى سن تتفتح فيها المدارك وتتضاعف الأسئلة حول الكون والمجتمع والتاريخ والعلوم، كان يغمرنى يوميًا بأسئلته وتبدو عليه الحيرة فى البحث عن إجابات دقيقة وموثوقة، وفى تلك الفترة كنت أتولى رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب، ورأيت فى حيرته مرآة لحيرة أبناء جيله جميعًا، حيث الفجوة واضحة بين المناهج التعليمية الجافة والكتب الفكرية الضخمة التى قد تستعصى على شاب فى مقتبل العمر، فالمناهج المدرسية غالبًا ما تركز على التلقين من أجل اجتياز الامتحانات من دون بناء وعى نقدى، بينما الكتب المتخصصة فى المكتبات تخاطب النخبة والأكاديميين وتخلو من التبسيط الإيجابى.
من هنا نبعت فكرة تأسيس سلسلة كتب جيب متخصصة، تأخذ صيغة المقدمات القصيرة جدًا، لتسد هذه الفجوة المعرفية والتربوية، وتفتح للنشء والشباب باب القراءة المنظمة القائمة على أسس علمية رصينة ومبسطة فى آن واحد، لتكون بمثابة جسر حقيقى يربط بين التعليم المدرسى والثقافة العامة الحرة.
تحولت الفكرة من هاجس شخصى إلى مشروع تنفيذى خلال نقاش جانبى على هامش أحد مهرجانات الشعر، فقد أسررت بالفكرة حينها إلى الشاعر الراحل رفعت سلام، وشرحت له ملامح هذا الحلم المعرفى، وأخبرته بأننى أطمح إلى إطلاق سلسلة يكتبها كبار المتخصصين فى مجالاتهم، شرط أن يتخلوا عن التعقيد الأكاديمى واللغة المعقدة ليكتبوا بلغة مرنة يفهمها طالب فى المرحلة الإعدادية ويستفيد منها طالب الثانوية. لم تكن الغاية مجرد تقديم معلومات عامة أو تلخيصات سطحية، لكن الأهم هو تقديم مداخل عميقة تشرح تاريخ العلم وتطوره، وأبرز مدارس الفكر، والتعريف بأهم الأعلام والاتجاهات.
وقد أردت أيضًا أن يتضمن كل كتاب جزءًا حيويًا يعمل كدليل إرشاد وترشيح، يوجه القارئ الشاب إلى عناوين ومصادر أخرى إذا ما أراد التوسع والاستمرار فى القراءة داخل ذلك التخصص.
تحمس رفعت سلام للمشروع بشكل كبير، وترجم هذا الحماس عمليًا عندما افتتح السلسلة بكتابه الأول ما الشعر، والذى ذهبت به وبفكرة السلسلة إلى الشاعر والفنان التشكيلى الكبير محمد بغدادى وكانت بيننا جلسات مطولة نتناقش فيها حول شكل السلسلة وتصميم الغلاف الموحد للسلسلة، والذى يجب أن يكون بسيطًا ومعبرًا وجاذبًا فى الوقت نفسه، واستمر النقاش حتى خرجنا بشكل السلسلة التى عرفت به على مدار تاريخها.
حقق الكتاب الأول «ما الشعر» صدى إيجابيًا واسعًا فى الأوساط الثقافية والتربوية، وشكل هذا النجاح المبدئى القوة الدافعة لاستكمال خطوات المشروع وتطويره خطوة بخطوة، كما شكل دافعًا لكبار المتخصصين للتطوع بالكتابة فى السلسلة، ومنهم «ما التاريخ؟» للدكتور أحمد زكريا الشلق و«ما علم الاجتماع؟» للدكتور أحمد زايد، و«ما الفلسفة؟» للدكتور عزت قرنى، و«ما الموسيقى؟» للدكتور زين نصار و«ما المسرح؟» للدكتور حسن عطية، و«ما السينما؟» للدكتور وليد سيف، و«ما الإبداع؟» للدكتور شاكر عبدالحميد، و«ما الفن؟» التشكيلى للفنان سمير غريب، حتى وصل عدد العناوين المنجزة فى السلسلة بنهاية عام ٢٠٢٢ إلى ما يقارب الأربعين كتابًا غطت معظم المعارف العامة الكبرى، وحققت انتشارًا ملموسًا بين الفئات المستهدفة.
تكمن الأهمية العملية والتربوية لهذه السلسلة فى قدرتها على تقديم خارطة طريق واضحة للطلاب فى مرحلة التعليم قبل الجامعى، إذ تساعدهم هذه المداخل المركزية على استكشاف ميولهم الحقيقية وتحديد التخصصات العلمية أو الأدبية التى يرغبون فى دراستها مستقبلًا بالجامعة، بناء على وعى حقيقى واطلاع مسبق وليس مجرد تخمين أو تلبية لرغبات عائلية أو ضغوط التنسيق المكتبى.
ويجعل غياب مثل هذه الوسائط التعليمية الموازية الطالب يلتحق بالجامعة دون أدنى معرفة بطبيعة التخصص الذى يدرسه، بينما تسعى هذه السلسلة إلى بناء عقلية نقدية تفكك الأفكار وتناقشها.
لقد مثّل هذا المشروع بالنسبة لى شخصيًا إنجازًا أفخر به كثيرًا، فقد كان تحقيقًا لحلم قديم طالما آمنت بضرورته لإصلاح الوعى العام وتغذية عقول الشباب بما ينفعهم، وساعدتنى الظروف الإدارية والثقافية فى الهيئة على تحويله من مجرد فكرة نظرية إلى واقع ملموس ومستدام، يثبت أن المؤسسات الثقافية الرسمية قادرة على تلبية الاحتياجات المعرفية الحقيقية للمجتمع متى ما توافرت الرؤية والتخطيط.
ورغم هذا الفخر المعرفى والإدارى بالإنجاز الذى تحقق، يبقى شعورى بالأسى الشديد نتيجة التباطؤ والتعثر الذى أصاب هذا المشروع بعد ذلك، وتوقفه لفترة قبل أن يعود للحركة ببطء شديد لا يتناسب مطلقًا مع حجم الحاجة الثقافية والتعليمية الملحة إليه وإلى أمثاله من المشروعات التنويرية.
إن التحديات الفكرية والتعليمية التى تواجه الشباب اليوم تتطلب تدفقًا مستمرًا للعناوين وضخًا متواصلًا للأفكار الحديثة، وكان من المفترض أن تسعى المؤسسة الثقافية لتطوير هذه السلسلة والبناء عليها والتوسع فى توزيعها، لا أن يتم إبطاء العمل بها ووضع العراقيل أمام استمراريتها، فالمشروعات الناجحة يجب أن تُدعم وتُطور لتصبح استراتيجية عمل ثابتة تخدم أجيالًا متعاقبة من الطلاب وتسهم بشكل حقيقى فى حماية العقل المصرى وتثقيفه.







