محاكمة عقل الدولة.. كيف تواجه المؤسسات المصرية «طوفان سرقة الهوية»؟
- خطة لتشكيك المصريين فى حقيقة انتسابهم لشخصيتهم التاريخية
- هناك محاولة لسلخ المصريين عن هويتهم الأصلية وسرقة تراثهم ونسبه لغير المصريين
- نحتاج لاستحداث بنية تشريعية دستورية ثابتة صارمة لمواجهة سرقة هوية إرث مصر
- يجب إنشاء قوائم سوداء بأسماء من يدعمون السطو على إرث مصر ومنعهم من دخول البلاد
مصر هى الدولة الوطنية الأعرق فى العالم، وهى التى قدمت للعالم فكرة المؤسسية كنظام للإدارة والحكم والقضاء، وتدشين ونقل العلوم، وابتكار والحفاظ على الفنون بمختلف تنوعاتها.
وكنتيجة منطقية لهذه العراقة، فقد صاغت كل مؤسسة لنفسها من المبادئ والأسس الراسخة ما يؤهلها للقيام بدورها بما يصب فى اتجاه إقامة دولة قوية، قادرة من ناحية على الدفاع عن نفسها، ومن ناحية أخرى قادرة على إنتاج وابتكار وحماية الحضارة.

اتفقت جميع المؤسسات على هدفٍ واحد، بينما اختلفت فيما بينها- حسب طبيعة كل مؤسسة- على آليات الوصول لتحقيق هذا الهدف. الهدف هو مصر ذاتها. حفظ مصر وتنشئة كل المنتمين لهذه المؤسسات على عقيدة مصر. حفظ أرض مصر وشخصيتها وثرواتها، وحماية شعبها. انتقلت مصر من حقبةٍ تاريخية لأخرى، ومن ديانةٍ لأخرى دون أن تشرد منها الأسس العامة المكونة لتلك المؤسسات وعقلها. عقلٌ وطنى يؤمن بقداسة الأرض، ويعلى من قيم الانتماء لهذه الأرض، ويحترم الفنون ويجل العلوم.
كان من الطبيعى أن تستجد فى كل حقبة تاريخية مفردات جديدة وتحديات مختلفة عما سبقها من حقب، وكان منطقيًا أن تجدد كل مؤسسة حيويتها وعقلها فى كل مرحلة بما يواكب هذه المستجدات. اختفت أو تمت محاولات إجهاض وجود بعض هذه المؤسسات فى بعض الحقب التاريخية بفعل قوى احتلال خارجى. لكن فى المحصلة النهائية لم تنجح تلك المحاولات، وكانت كل مؤسسة تعود للحياة مجددًا تعود بنفس هوية العقل والمبادئ الأصيلة التى لم تفقد بوصلتها أثناء سنوات الإخفاء العمدى. هذه الظاهرة المصرية المتفردة يمكن تسميتها بالتواصل الحضارى أو عدم الانقطاع عبر العصور. فمثلًا حين عادت المؤسسة العسكرية المصرية للحياة مجددًا فى القرن التاسع عشر فقد عادت بنفس سماتها التاريخية القديمة. هى إذن شخصية مصر التى بقيت رغم ما تعرضت له مصر من تعاقب الاحتلال الأجنبى بمسمياته وهوياته المختلفة.
وفى مصر المعاصرة نشأت مؤسساتٌ جديدة تواكب مفردات العصر بخلاف وبجوار المؤسسات التقليدية. نشأت مؤسسات ثقافية وفنية وإعلامية بمسميات محتلفة استمدت شخصيتها من تراث وحضارة مصر الأصيلة، وجعلت من نفس الهدف القديم غاية لها، وهو الحفاظ على مصر بكل مكوناتها الحضارية والبشرية والاقتصادية. كما نشأت أيضًا تحدياتٌ وجودية جديدة تتماشى مع تغير هويات أعداء مصر. تغيرت هويات أعداء مصر، ولم تختلف أهدافهم عن أهداف أسلافهم القدامى، والتى كانت دائمًا الطمع فى مصر بأرضها ومقدراتها وموقعها الجغرافى وأرضها.

لم تختلف الأهداف، إنما اختلفت الوسائل والطرق لتحقيق تلك الأهداف. ظهرت مفردات جديدة وتوسعت الأهداف الطامعة لتشمل محاولة السطو على الإرث الحضارى المصرى ذاته. لم يعد الأمر مقتصرًا على تحقيق أطماع اقتصادية، إنما أصبح يشمل محاولات تسلل وسرقة ناعمة. أصبحت فنون مصر وعلومها القديمة هدفًا، وأصبح تاريخ مصر هدفًا. وأصبح استهداف شخصية مصر ذاتها بالتشويه- إن لم تفلح محاولة السرقة- هدفًا.
فى الماضى كان الغزو العسكرى الصريح هو النموذج التقليدى المكرر. ثم تطور الأمر مؤخرًا ليصبح محاولات غزو فكرى وثقافى شمل مرحلتين، الأولى محاولة سلخ المصريين المعاصرين من هويتهم الأصيلة. ثم يأتى دور المرحلة الثانية بمحاولة سرقة تراث مصر ونسبته لغير المصريين بعد أن ظن المتآمرون أنهم نجحوا فى المرحلة الأولى.
شملت المرحلة الأولى تشكيك المصريين فى حقيقة انتسابهم لشخصيتهم التاريخية القديمة بتضخيم صفحات تاريخية بعينها، مقابل محاولات طمس الفترات والحقائق التاريخية الأضخم. محاولة تقزيم ما يزيد على ثلاثة آلاف عام حضارة وحصره فى قصة دينية يختلط فيها بعض الصدق المعلوماتى بالكثير من الخرافات والأساطير الموجهة. محاولة حجب إسهامات المصريين الموثقة بآلاف الوثائق فى خلق كل العلوم والفنون التى صنعها البشر تقريبًا، مقابل ضخ الأموال لإنتاج آلاف الأعمال الفنية الخيالية التى تكرس لقصة دينية أسطورية. محاولة طمس شخصية مصر المنتجة للحضارة لصالح شيطنة تاريخ ملك مصرى مزعوم قام باضطهاد أتباع أحد الأنبياء بهدف تحقيق غاية محددة، وهى أن يصل المصريون المعاصرون لمرحلة إنكار انتمائهم لحضارتهم تبرؤًا من الملك الكافر! ساهم فى رسم خيوط هذه المرحلة وتفعيلها مؤسساتٌ مصرية- دينية وفنية وتعليمية وثقافية- كانت مختطفة عقليًا.
ثم جاء دور المرحلة الثانية- برعاية أجهزة مخابرات ومؤسسات ومعاهد تدعى الأكاديمية- لكى تبدأ مرحلة السطو السافر على هذا الإرث الذى شيطنوه فى عقول المصريين فى المرحلة الأولى. تتمثل هذه المرحلة فى محاولة التخلص من عرقيات معينة فى دولٍ بعيدة جغرافيًا عن مصر بخلق وهم بأن مصر هى حق هذه العرقيات التاريخى، تمامًا كما فعل الأوربيون فى خلق وتنفيذ أسطورة أرض الميعاد للتخلص من عبء هجرات اليهود من أوروبا الشرقية لأوروبا الغربية. هذه المرة تتم محاولة خلق أسطورة أو خرافة أن مصر هى أرض ميعاد تاريخية لعرقيات تم خطف أجدادها واستعبادهم من سواحل إفريقيا. تم تخليقها فى معاهد وأجهزة بلاد العم سام، وتتم الآن محاولة تفعيلها وتنفيذها على الأرض.. أرض مصر!

وللتنفيذ تم استحداث فكرة التسلل الناعم عبر محاولات حجب حقائق تاريخية تتعلق بهويات أعداء مصر الوطنية التاريخيين مثل الهكسوس. ومحاولة الزج بالمعتقد الدينى لحجب الهوية الحقيقية لهؤلاء الهكسوس، رغم أن وقائع التاريخ الحديث والمعاصر قد أثبتت أن تغيير المعتقدات الدينية لم يتغير كثيرًا فى مفردات الولاء والبراء بمعناه السياسى الوطنى الحقيقى.
فالذين خانوا جوار مصر قديمًا بمسمياتٍ قديمة هم أنفسهم من قاموا وسلكوا نفس المسلك التاريخى فى العصور الحديثة والمعاصرة رغم تغيير دياناتهم. الأطماع والأحقاد والسمات الشخصية التاريخية لم ولن تتغير. مكونات الهكسوس- وباقى أعداء مصر التاريخيين- العرقية القديمة وطبيعة شخصيتهم لم تتغير معاصرًا، من ناحية استمرار أطماعهم فى مصر. قديمًا كان غزوًا اقتصاديًا وعسكريًا صريحًا. ومعاصرًا تغير الأسلوب- لتحقيق نفس الغاية- بأن جزءًا من أرض مصر أصبح موضوعًا كهدف فى أسطورة وعد إلهى يخص أحد مكونات هؤلاء الأعداء! بينما باقى المكونات تحاول تحقيق نفس الهدف براية أخرى، هى أن الأرض أرض الله، وأن مصر جزءٌ من أرض الإسلام، وهم لهم فيها حقٌ بشرعية الانتماء الدينى الإسلامى!
فى خضم كل هذه المستجدات العصرية والتحديات الوجودية الجديدة التى تتعرض لها مصر، تتعاظم الحاجة إلى حتمية تحديث عقل بعض المؤسسات المصرية لكى تستوعب فكريًا هذه المستجدات، وتضعها نصب أعينها وهى تقوم بمسئولياتها الدستورية والوطنية.
نحن الآن بحاجة لتحديث السوفت وير الفكرى والعقلى الخاص بعقل كل مؤسسة مصرية، كما أننا بحاجة لتحديث السوفت وير التقليدى الخاص بإعداد الكوادر المصرية التى سوف تلتحق بأى مؤسسة مصرية.
فيما يخص العقل المؤسسى الجمعى الخاص بكل مؤسسة، يجب أن نفرّق بين شيئين، الأول هو الخاص بالفنيات الخاصة بكل مؤسسة. وهنا فأنا لا أتحدث عن هذا، لأن المؤسسات المصرية عريقة محترفة لا يمكن لغير المتخصص أن يفتى لها بما لا يحيط به. أما الشىء الثانى الذى أقصده فهو الخاص بما استجد من تحدياتٍ ظاهرة أو ناعمة خفية مما ذكرته. وفيما يخص الكوادر فهناك نفس التفرقة. الطريقة التكنوقراطية لإعداد الكوادر هى طريقة راسخة متمرسة. أما ما أطمح إليه فهو تحديث العقل والروح لكل كادر بما يجعله ملمًا بحقيقة تلك التحديات والمستجدات الخفية الناعمة.
فعلى سبيل المثال مدرسة الدبلوماسية المصرية هى الأعرق فى العالم. وما نحتاج إلى إضافته مؤسسيًا أولًا وفيما يخص اشتراطات قبول الكوادر هو إضافة وجوب اجتياز دورات خاصة بتاريخ مصر القديم الحديث والمعاصر. أن يحمل كل شاب دبلوماسى مصرى فى عقله تاريخَ مصر كاملًا، بالإضافة لدراسة تفصيلية لحركات استهداف تاريخ وإرث مصر وهوية تلك المجموعات، لا أن يقتصر إلمامه المعلوماتى فقط على ما سوف يتم تكليفه به من ملفات. ونفس المطلب يجب أن يشمل كل شاب مصرى على أعتاب التخرج فى كلية سوف تقوده للعمل فى مؤسسات ذات طبيعة خاصة حساسة.

لدينا من مستجدات وتحديات العصر ما يوجب تحديث بعض البنية التشريعية المصرية لحماية الهوية المصرية. مؤخرًا بعض الدول فوجئتْ بأن بعض المقيمين على أراضيها يتخذون من المواقف السياسية المعلنة ما يتعارض مع أمنها أثناء مواجهة هذه الدول أحداثًا سياسية وربما عسكرية بالغة الحساسية. كان المشهد جديدًا، وتعاملت بعض الدول بقرارات سيادية باستبعاد هؤلاء خارج أراضيها. إذا اتفقنا على أن الموقف فى مصر- وفيما يخص محاولات السطو على إرثها أو جهر البعض بمواقف تتعارض مع سيادتها وشخصيتها- هو أكثر خطورة، لأن تلك المحاولات ليست موقفًا عابرًا إنما هى هدفٌ ممتد زمنيًا، تصبح الحاجة لاستحداث بنية تشريعية دستورية ثابتة صارمة أكثر منطقية.
لماذا لا يتم استحداث تشريعات تمنح الإدارات المسئولة الحق القانونى الراسخ لتجريم ما يصدر عن أشخاص أو منظمات أو هيئات- ثقافية أو مجتمعية أو حقوقية أو سياسية- من أقوال منشورة أو فعاليات موثقة تهدف لسرقة هوية إرث مصر؟! ولماذا لا يتم سن بنية تشريعية لتقنين طرد أشخاص أو وقف تراخيص هيئات أو منظمات تقوم بذلك؟! لماذا لا نسن تشريعات تمنح الإدارة المصرية الحق الكامل فى مراجعة أى مقررات دراسية يتم تدريسها على أرض مصر فى مؤسسات تعليمية خاصة مصرية أو غير مصرية؟
ولماذا لا نسن تشريعات واضحة بحق هذه الإدارة المصرية- حين تجد ما يتعارض مع شخصية مصر فى هذه المقررات- فى طرد تلك المؤسسات خارج مصر إن كانت غير مصرية، أو وقف تراخيصها إذا كانت مصرية؟
ولماذا لا نسن تشريعات تقنن إنشاء قوائم سوداء بأسماء أشخاص لمنع دخولهم مصر بناء على خلفية قيامهم بتبنى تلك الأهداف الرامية للسطو على إرث مصر أو الترويج لها بأى شكل من أشكال الترويج؟!
كيف يعلن أحدهم عن تنظيم رحلات سياحية لمصر وهو يعلن بوضوح وسفور عن تبنيه وترويجه أفكار السطو على تراث مصر، ثم يدخلها بمجموعاته السياحية، بل ويجنى أموالًا من تشويه تاريخ مصر على أرض مصر؟!
ولماذا لا يتم سن تشريعات تمنح إدارات مصر نفس الحق فى وضع قوائم سوداء بمؤسسات ومعاهد أكاديمية تتبنى نفس الأهداف فتمنعها من دخول مصر أو العمل على أراضيها؟
وفيما يخص تحديث عقل الأفراد فى هذه النقطة، فنحن نتحدث هنا عن مجموعتين منوطٍ بهما أن تقوما بهذا التحديث التشريعى. المجموعة الأولى هى نواب المجلس التشريعى. لكى تدرك هذه المجموعة حتمية قيامها بهذا الدور، يجب أولًا أن يتم إحاطة أفرادها معرفيًا بجوانب هذا الخطر عن طريق تنظيم دورات وجوبية يتدارسون خلالها الأبعاد التاريخية لما تواجهه مصر فى هذا الملف. محاضرات تاريخية عن تاريخ مصر ممزوجة بأوراق بحثية تتيح لهم كل المعلومات عن هوية الأشخاص والهيئات والمؤسسات والمنظمات التى تتبنى هذا الطرح اللصوصى تجاه إرث مصر، وعن أهدافهم السياسية طويلة المدى. يجب أن يحيط هؤلاء النواب بكل الجوانب والأخطار التى يمكن أن تواجهها مصر جراء التراخى فى مواجهة هذا الملف.

أما المجموعة الثانية فهم كل أفراد الهيئات التنفيذية الذين سيقع على عاتقهم مهام تفعيل ما سيتم تحديثه من بنية تشريعية. يقال مثلًا إن مصر لديها ترسانة قوانين مرور لو تم تطبيقها بصرامة فسوف تخرج مصر من قائمة الدول الأكثر رقمًا فى حوادث الطرق. لكن عدم الوعى التام بجوانب ومخاطر أن تكون مصر ضمن هذه القائمة جعل المشهد هو ما نراه فى كثير من شوارع مصر. وفيما أتحدث عنه يمكن أن يحدث نفس الشىء، فيمكن أن نسن تشريعات جديدة لحماية حقوق الملكية الفكرية للمصريين فى إرثهم وحضارتهم، لكن يظل الخطر متسللًا. ولن يتم مواجهة الخطر مواجهة حقيقية دون تأهيل أفراد الهيئات التنفيذية توعويًا لخطورة وأهمية الدور المنوط بهم.
منذ أيام ناقشتُ أحدهم فى موقع أثرى مصرى عن ضرورة منع الأجانب مثلًا من السطو على مهنة الحديث عن تاريخ مصر. وافقنى الرجل، لكن الأزمة هى رؤيته للقضية؛ فهو يراها شأنًا وظيفيًا إداريًا يتعلق بحقوق أصحاب المهنة. وحين أوضحت له الجانب الوطنى الأكثر خطورة، بدا الأمر وكأنه غامضًا له. هذه أزمة حقيقية فى طريقة إعداد الكوادر البشرية عقليًا ومعلوماتيًا لما تقوم به هذه الكوادر. فالذى يستحل تجارة الآثار مثلًا لديه خلل فكرى فى توصيف ما يقوم به. فالآثار حاليًا أصبحت معركة أمن قومى ولم تعد قضية تجارة غير مشروعة قانونًا. تمامًا كتجارة المخدرات التى تمثل تهديدًا للبنية البشرية المصرية بما يترتب عليه من خطر على أمن مصر القومى.
من المؤسسات المصرية الأكثر حاجة للتحديث الفكرى هى كل الإدارات التنفيذية المنوط بها ضبط سوق العمل فى مصر. يرى بعضهم ما يقوم به مجرد وظيفة إدارية اعتيادية، بينما يسقط البعض الآخر فى فخ الفساد الوظيفى التقليدى بالصهينة على مخالفات- يراها مخالفات عمل بسيطة- بينما هى من أهم وأخطر الأبواب التى تهدد اقتصاد مصر وتعبث بالشعور الجمعى لشباب مصر بحماية حقوقهم فى وطنهم. يتحرج البعض من طرق هذا الملف، بينما أرى أنه بلغ من مراحل الجد ما يوجب عدم الصمت.
فى مناطق سياحية مصرية عديدة، خاصة فى بعض مدن سواحل البحر الأحمر أو مدن جنوب مصر السياحية، وبينما يفترض أن تكون تلك المناطق من شرايين التنمية وتوفير فرص العمل لملايين المصريين، هناك مشاهد وحقائق تحتاج لتدخل إدارى عاجل وصارم؛ أجانب كثيرون من جنسيات مختلفة أصبحوا مُلاكًا ومديرى مشاريع سياحية ضخمة دون أن يكون هناك ضبط قانونى حقيقى. ملفات مسكوت عنها عن حجم الأموال التى تجد طريقها لخارج مصر دون أن تحصّل الدولة كامل مستحقاتها عنها، ودون تطبيق صارم لقوانين العمل المصرية. جزء كبير من الدخل المفترض أن تحصّل الدولة المصرية رسومًا عليه يخرج من مصر ويحصل عليه أجانب عن طريق تنفيذ سياحة أونلاين تمثل اقتصادًا موازيًا خارجًا تمامًا عن السيطرة.
وهنا فنحن لسنا بحاجة لتشريعات جديدة، إنما الحاجة هى لتحديث عقل الإدارات القائمة على ضبط سوق العمل، وهى الإدارات التى منحتها القوانين المصرية صلاحيات كاملة لضبط هذه السوق. امتلاك أجانب عقارات بمبالغ خيالية دون ضبط ضرائبى عقارى. فهل يتم تطبيق بنود القوانين التى تحمى حق شباب مصر فى وجوب تشغيلهم فى المشاريع التى يديرها أو يتملكها الأجانب؟

الخلاصة أن هناك ثلاثة ملفات متفرعة من هذا العنوان الرئيسى، كل ملف يمكنه أن يدر لمصر دخلًا تحتاجه الآن من العملة الصعبة.
الملف الأول هو ملف مهدر تمامًا يتمثل فى ملايين الدولارات يحصل عليها أجانب ينظمون برامج سياحية أونلاين على أرض مصر.
الملف الثانى هو ملف عائدات الضرائب المهدرة عن مكاسب من مشاريع سياحية تقليدية بالفعل، بعضها يتخفى صاحبه أو صاحبته خلف شخص مصرى فقط على الورق، وهذا يحتاج لتفعيل دور إدارات منظومة العمل فى مصر بشكل حقيقى لا صورى.
الملف الثالث هو حماية حق شباب مصر فى فرص العمل، ولن يكون ذلك واقعيًا إلا برقابة حقيقية فعلية على سوق العمل وضبط ملف العمالة الأجنبية ضبطًا فعليًا لا صوريصا.
من المؤسسات المصرية التى تحتاج بصورة ماسة لتحديث عقلى وفكرى هى المؤسسات الأكاديمية والتعليمية التى تتشابك تخصصيًا مع تاريخ وإرث مصر؛ كليات الآثار والسياحة فى جامعات مصر، والمجلس الأعلى للآثار المكون من كوكبة عظيمة من علماء مصر، كل هؤلاء مطالبون الآن بالانتفاض أكاديميًا وبشكل مؤسسى وخوض معركة هوية مصر بشكل مؤسسى أكاديمى. المقررات الأكاديمية بحاجة لإضافة مادة جديدة عن هوية مصر. السادة علماء مصر مطالبون بالتصدى لبعض الأصوات التى تنطلق من أرض مصر، وبعضها ينتمى وظيفيًا لبعض جامعات مصر بينما يشارك فى تشويه وتزييف تاريخ مصر.
مؤسسات الإشراف على منظمات المجتمع المدنى غير الحكومية بمختلف توجهاتها مثل المنظمات الحقوقية تحتاج لتحديث عقلها فى ضبط مساحات دور هذه المؤسسات على أرض مصر. بعض الجرأة مطلوب فى عملية التحديث هذه. ينتهى دور أى منظمة- مهما كانت ما تتخفى خلفه من مسمى- عند نقطة الاقتراب من سيادة الدولة المصرية على أرض مصر. لا حقوق لأحد على أرض مصر إذا ما تعارضت هذه الحقوق مع هذه السيادة أو مع حقوق الشعب المصرى.
مؤسسات الفن والثقافة والإعلام المصرية ربما تكون الأكثر أهمية فى الحاجة إلى هذا التحديث لأنها الأكثر تأثيرًا على العقل المصرى الجمعى. ولأن هذه المؤسسات قد ارتكبت فى عقود ماضية خطايا كبرى فى ملف هوية مصر، وعليها الآن أن تكفر عن خطايا الوطنية.
المؤسسات التى أسهمت فى التشويش على الوعى المصرى فى تلك العقود- بإنتاج أعمال فنية تضرب هذه الهوية، أو بفتح صفحات صحفها لأقلام مهّدت عقول المصريين لتقبل أفكار لا تنتمى لهوية مصر- عليها أن تتطهر من سوابق أعمالها.

المؤسسات الصحفية الوطنية مطالبة بتأهيل كوادرها من الشباب معلوماتيًا للإحاطة الحقيقية بما تواجهه مصر من قضايا هوية.
المؤسسات الرقابية على الأعمال الفنية وصناعها عليها اتخاذ مواقف صارمة من أى من هؤلاء يتورط فى المشاركة فى أعمال تقوم بتزييف الهوية والإرث المصرى إن كان هؤلاء مصريين. وعليها أن تنزع موافقاتها القانونية بالسماح بالعمل الفنى فى مصر لأى غير مصرى يقوم أو تقوم بما يصب فى اتجاه هذا التزييف أو يعرّض بأى موقف للدولة المصرية فى الشأن العام. كفانا كرمًا حاتميًا فى غير موضعه!
فى النهاية أود أن أوضح- منعًا لأى مزايدات رخيصة- أننى حين أقول بحاجة بعض مؤسسات مصر لهذا التحديث، فأنا لا أطعن أو أعرّض بأهلية هذه المؤسسات من ناحية الكفاءة الفنية التخصصية للقيام بأدوارها. لكننى أقول- انطلاقًا من تخصصى ومتابعتى- إن استجداد مخاطر طويلة المدى تهدد هوية مصر أو حق المصريين فى نسبة إرثهم الحضارى لهم حصريًا أو حقهم الحصرى فى مقدرات بلادهم، يوجب بالضرورة الحاجة لهذا التحديث. ليس عيبًا أن نعلن أو نقر بهذه الحاجة، إنما العيب كل العيب أن نستكبر عن الإقرار بما أصبح ساطعًا كالشمس.







