الإثنين 18 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

من الشاى إلى القهوة.. رحلة عبور ثقافى

حرف

- تشنج وانج يروى رحلته الشخصية من الصين الماوية إلى حياة مليئة بالفرص فى الولايات المتحدة

- الكاتب يتناول التناقضات والروابط غير المتوقعة بين التقاليد الشرقية والغربية

يَعتبر نفسه رسولًا وحلقة وصل بين الثقافات الصينية والأمريكية، ومستشارًا فى مجال التبادل الثقافى، وهو مؤلف حائز على جوائز، وكاتب فى المجلات.. تشنج وانج كاتب صينى ولد عام 1957، ونشأ وتأثر بالفكر الماوى خلال الثورة الثقافية الصينية التى استمرت عشر سنوات «1966- 1976»، وهى فترة قيدت فيها الحرية الفكرية بشدة.

ومع ذلك، استطاع عدد قليل من الرجال والنساء اللامعين تغيير مسارهم بتجاوز العديد من الحواجز الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التى واجهتهم. سواء كان ذلك بفعل القدر أو بشخصيته، كان تشنج وانج واحدًا منهم.

وبصفته أحد أفراد «الشباب المتعلم» البالغ عددهم ١٧ مليونًا فى عهد «ماو تسى تونج»، فقد عايش عن قرب الاضطرابات الاجتماعية والفكرية التى شهدتها تلك الحقبة. وقد صقلت هذه التجارب المبكرة فضوله الدائم تجاه الثقافة والتاريخ والقوى التى تشكل المجتمعات.

وفى سن السابعة والعشرين، عبر المحيط الهادئ ودرس الاقتصاد الغربى فى كلية الدراسات العليا بجامعة سينسيناتى بالولايات المتحدة لمدة خمس سنوات. الأمر الأكثر إثارة للإعجاب هو أنه لم يبدأ بتعلم اللغة الإنجليزية إلا فى العشرينات من عمره.

لكنه بنى مسيرة مهنية امتدت لعشرين عامًا فى قطاع التكنولوجيا، ليصبح فى نهاية المطاف عضوًا رئيسيًا فى الطاقم التقنى بشركة AT&T، على الرغم من عدم امتلاكه خلفية أكاديمية فى علوم الحاسب. 

وقد منحه العيش والعمل فى ثقافتين مختلفتين تمامًا، وانتقاله من مسيرة مهنية تقنية إلى الكتابة الإنسانية، منظورًا فريدًا حول التناقضات- والروابط غير المتوقعة- بين التقاليد الشرقية والغربية.

وفى الوقت الذى يميل فيه معظم الناس إلى الاستقرار، اختار تشنج أن يعيد ابتكار نفسه من جديد. بعد تقاعده فى الستين من عمره، التحق بورشة كتابة وبدأ بتدوين قصته. 

تشنج وانج
تشنج وانج

يقول وانج: «لم أتخيل يومًا أن أصبح كاتبًا محترفًا، لكن هذا لم يكن مهمًا على أى حال، لأن هذا كان لنفسى». وفى النهاية، أصبح كاتبًا ومؤلفًا حائزًا على جوائز، بفضل إخلاصه لشغفه.

تتناول كتابات وانج الثقافة والتقاليد والفلسفة، بجانب العلاقة المتطورة بين التكنولوجيا والمجتمع. واختير زميلًا فى برنامج مبادرة القيادة الملهمة بجامعة نوتردام «٢٠٢٢/ ٢٠٢٣»، وهى تجربة لمدة عام عززت مشاركته فى الحوار العالمى والتفاهم بين الثقافات. 

نشرت مقالاته فى مجلة «نوتردام»، وصحيفة «ساوث بيند تريبيون»، وغيرها من المنابر، حيث يتناول فيها مواضيع الهوية الثقافية، والتغير التاريخى، وأوجه الاختلاف والتشابه بين التقاليد الشرقية والغربية.

يؤمن تشنج بأن القيادة لا تتعلق بالألقاب أو السلطة، بل بالشخصية. فالقادة الأكثر فاعلية ليسوا من يتحدثون كثيرًا، بل من يفهم حضورهم حتى فى غيابهم. فالناس لا يتصرفون امتثالًا للأوامر، بل لأنهم يفهمون قيم القائد وتوقعاته.

يرى أن التواصل لا يقتصر على سرد الإنجازات أو تكرار السيرة الذاتية، بل هو سرد القصص. قصص عن أصولك، وما شكل شخصيتك، وما يهمك. لأن هذا ما يبقى فى الذاكرة، وهذا ما يجعلك حقيقيًا.

درس آخر قيم من رحلة تشنج هو أهمية التكيف. فقد انتقل من ثقافة إلى أخرى، من الاقتصاد إلى الهندسة، ومن التكنولوجيا إلى الكتابة. وفى كل مرة، كان يخوض تجربة جديدة تمامًا، ويجد سبيلًا للنمو والتطور من خلالها.

تظهر لنا حياة الكاتب أن النجاح لا يكمن فى اتباع مسار مستقيم أو وضع خطة مثالية، بل فى الاستعداد للتطور والتعلم وتقبل التغيير، حتى وإن كان غير مريح.

وربما الأهم من ذلك كله، أنه يذكرنا بألا نفقد هويتنا فى خضم هذه العملية. فخلفياتنا وثقافاتنا وتجاربنا الفريدة ليست نقاط ضعف، بل هى نقاط قوة تشكل طريقة تفكيرنا وتواصلنا وقيادتنا.

الجوائز 

وصلت مذكراته الشخصية الصادرة فى أغسطس عام ٢٠٢١ بعنوان: «من الشاى إلى القهوة: رحلة شاب مثقف»، عن «أوبن بوكس» فى ٢٠٥ صفحة، إلى نهائيات جائزة أفضل كتاب من مهرجان الكتاب الأمريكى لعام ٢٠٢١.

وهى الجائزة التى انطلقت عام ٢٠٠٣. وتعد من كبرى مسابقات جوائز الكتب فى الولايات المتحدة، التى تتنوع فئاتها للكتب المنشورة سنويًا فى مجالات الحيوانات الأليفة، والفنون، والسيرة الذاتية والمذكرات، والأعمال، والكتب المصورة للأطفال، وكتب الطبخ، والقصص الخيالية، والصحة، والتاريخ، والكتب غير الروائية، والشعر وغيرها.

فاز بالجائزة البابا فرنسيس والكاتبة آن لاموت وغيرهما، ويقام مهرجان الكتاب الأمريكى فى لوس أنجلوس وفينيكس، ويشارك فى العديد من جوانب صناعات النشر والترفيه.

كما اعتبرت المذكرات مرشحة نهائية لجوائز هارفى للكتاب لعام ٢٠٢١ فى مجال الأعمال والمشاريع غير الخيالية، وهى جوائز تكرم المواهب الجديدة الصاعدة والأعمال المتميزة فى مجال كتب الأعمال والمشاريع غير الروائية. وتعد قسمًا متخصصًا ضمن جوائز شانتيكلير الدولية للكتاب «CIBAs».

تمنح هذه الجوائز للكتب التى تقدم رؤى عملية فى التسويق والقيادة والتكنولوجيا، وهى مفتوحة للمؤلفين الذين ينشرون أعمالهم عبر دور النشر التقليدية أو بشكل مستقل. 

تسلط الجوائز الضوء على الأعمال التى تغطى مجالات الاستراتيجية والاقتصاد وإدارة الأموال والقيادة المؤسسية. وسميت الجوائز تيمنًا برائد الأعمال «هارفى تشوت»، وهو كاتب تقنى فى سلسلة «For Dummies» الصادرة عن دار نشر «وايلى»، ومبتكر منصة KBoards، وتهدف إلى الاحتفاء بأدب الأعمال العملى.

سرد شخصى 

«من الشاى إلى القهوة» رحلة رائعة فى التاريخ وحياة امتدت على مدى نصف قرن وقارتين. لمن يعتقدون أن الشرق والغرب لا يلتقيان أبدًا أو أنهما لا يجتمعان إلا فى تناقض، تقدم هذه المذكرات وجهة نظر مغايرة رائعة. 

حيث يروى وانج تفاصيل حياته فى ٥٢ فصلًا، فى شمال شرق الصين خلال السنوات المضطربة للثورة الثقافية التى قادها الرئيس ماو، ومحاولاته لإيجاد معنى لحياته فى أعقاب انهيارها.

عانت عائلته من قمع الحرس الأحمر، وخاصة والدته التى وصفت بأنها عدوة للدولة بسبب خلفيتها العائلية المرموقة. ومع ذلك، كان وانج مؤمنًا متحمسًا بفلسفة ماو، ومستعدًا لتولى دوره فى تحرير البشرية.

فى عام ١٩٧٥، عندما كان مراهقًا، أُرسل إلى تيانشى «التى يعنى اسمها «السعادة السماوية»، وهى قرية فلاحية فى منغوليا الداخلية، لإعادة تأهيل جذرية، وهى تجربة صممت للقضاء على أى ولاء للسلطة، بما فى ذلك ولاء عائلته، الذى ينافس ولاء ماو.

على مدى السنوات الثلاث التالية الشاقة فى المنفى الريفى، تأمل فى كيف انجرفت عائلته، التى كانت تتمتع بامتيازات، فى دوامة سياسية، وكيف سيتكشف مستقبله.

ولكن لم تكتمل تجربته مع هذه «الطبيعة القاسية وأسلوب الحياة الصعب». حيث انتهت الثورة بوفاة ماو بعد أقل من عام، وقاد الزعيم الصينى الجديد، «دينج شياو بينج»، نظامًا جديدًا من الإصلاحات يهدف إلى التحديث. 

تأثر وانج بشدة بهذه «الدوامة الهائلة» من الأيديولوجية السياسية، وهو مأزق وصفه الكاتب بوضوح: «كان صوتى الداخلى يكبت أى شكوك تتسلل إليه حتى قبل أن تطفو على السطح. أنا، مثل ملايين غيرى فى جميع أنحاء الصين، آمنت بصدق بهذا المسار، المسار الذى سيؤدى إلى عالم أفضل للبشرية».

كان على الكاتب أن يعيد صياغة إحساسه بالهدف وفهمه لطبيعة وطنه، وهى مهمة بالغة الصعوبة، خاصة بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته- «رحلة عبور ثقافى»- واستقراره مع زوجته وطفله فى ولاية كارولاينا الشمالية.

تروى مذكراته قصة كفاح وانتصار خلال الدراما الثقافية والسياسية المعاصرة فى الصين، وهو سرد نادر وشخصى يسلط الضوء على النفسية الوطنية الصينية. وكما هو الحال مع جميع الحركات السياسية السابقة، لم تكن الثورة الثقافية الأولى من نوعها، وربما لن تكون الأخيرة.

ومع ذلك، فإن تشنج وانج، الذى يعيش الآن فى كل من أمريكا والصين، لا يزال متفائلًا فى مواجهة الاستقطاب الاجتماعى الحالى بين الشرق والغرب.

يروى فى مقدمة المذكرات الدافع وراء كتابتها، يقول: فى أحد الأيام، أدركت أن بلوغى سن الرشد فى الصين، ثم بداية مرحلة النضج فى أمريكا، لم تكن قصتى الشخصية، بل كانت بالأحرى صدمة عامة ونهضة.

بالنسبة لأبناء جيلنا، خان التاريخ حماسنا الشبابى. وفقًا للبيانات الصينية، أُرسل ستة عشر مليونًا من «الشباب المتعلمين» إلى حملة إعادة التأهيل خلال تلك السنوات. 

ونتيجة لذلك، حرم أكثر من جيل من الموهوبين من التعليم الرسمى وبالتالى، ظلت أصواتهم غائبة إلى الأبد. لم يتجاوز سوى عدد قليل منهم الحواجز الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التى تقف بينهم وبين بقية العالم.

يشير إلى أن بسبب الجدل الكلاسيكى بين الرأسمالية والشيوعية، نادرًا ما فهمت الثقافات الغربية والشرقية بعضها بعضًا، وبالتالى كانت غالبًا على خلاف. 

لذلك، فإن التعرف على هذا الجزء من التاريخ يسمح للغرب بفهم الصين كقوة عظمى صاعدة، والتى تتداخل بلا شك فى كل جانب من جوانب العالم اليوم: ثقافيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا، وحرفيًا.

يتساءل، على سبيل المثال، لماذا أصبح الناس «وحتى المجتمعات» مهووسين بشكل متزايد بالعرق والهوية؟.. ألا يمكننا أن نرى بعضنا بعضًا ببساطة كبشر، لكل منا سمات وشخصيات غير منتظمة؟ لكن قبل أن نتمكن من تحقيق هذا المثال، يجب علينا أولًا معالجة الصور النمطية العرقية الشائعة.

يرى أنه لا ينبغى أن تكون النزعة العرقية مشكلة دائمًا. فقد برعت هوليوود فى نشر القيم الأمريكية حول العالم، وكذلك وادى السيليكون، بوصفه رائدًا تقنيًا عالميًا. فى هذه الحالات، من الطبيعى تمامًا أن يشعر الناس بالتفوق والتميز.

من جهة أخرى، عندما يصبح مجتمع ما متمركزًا حول عرقه نتيجة لقلة انفتاحه على الثقافات الأجنبية، يصبح الأمر إشكاليًا، إذ يولد انعدام ثقة جماعيًا، وتحيزًا، بل وعداءً تجاه الآخرين.

أكتب هذا بصفتى شخصًا أُرسل إلى معسكر إعادة تأهيل خلال الثورة الثقافية فى الصين، وعايش الاستقطاب الاجتماعى بين الشرق والغرب عن قرب. أعتقد أن الثقافتين قادرتان- بل يجب عليهما- السعى إلى فهم بعضهما بعضًا والتكامل بدلًا من التناحر.

يضيف: لا أحد ينكر مبدأ حرية التعبير. فمعظم الدول يقبل معيار الأمم المتحدة لحرية التعبير كحق إنسانى عالمى. لكن العديد من هذه الدول يخضع لقيود مختلفة، وغالبًا ما تكون أشد صرامة، من تلك المفروضة على الولايات المتحدة.

فى عالم مثالى، ينبغى للمواطنين المطلعين ووسائل الإعلام أن يدركوا أن للدول الأخرى ثقافات وتقاليد وتاريخًا مختلفًا، وكلها أسهمت فى تشكيل كل دولة وشعبها. أعتقد أننا قادرون على تحويل هذا العالم المثالى إلى واقع ملموس من خلال الجهود الجماعية. 

يرى أنه مع أن العولمة قد زادت بشكل غير مسبوق من حركة التقنيات والسلع، إلا أنها لم تسهم بالقدر نفسه فى رفع مستوى الوعى بين الثقافات فى أمريكا.

يتساءل: هل يقع على عاتق الصحافة والمثقفين واجب أخلاقى للدفاع عن مجتمع منفتح؟ هل يقع على عاتقهم واجب إعلامى وتثقيفى بوصفهم السلطة الرابعة فى الديمقراطية الأمريكية؟

اقرأ أيضًا: 

من الشاى إلى القهوة.. تشنج وانج: أكتب كل يوم.. وأحب حياة «الناس العاديين»