الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

رحلة ابن فطومة.. الرواية المهملة عمدًا لنجيب محفوظ

رحلة ابن فطومة
رحلة ابن فطومة

- الرواية توحى بمقدرة فائقة على هز الثوابت ومناقشتها

- تستخدم الرواية منذ بدايتها شكل السارد الأنا الذى يحكى عن ذاته

سيظل نجيب محفوظ بئرًا مليئة بالأسرار التى تحتاج إلى إعادة الكشف بين الحين والآخر، كما تحتاج بالقدر ذاته إلى إعادة النظر والتأويل، وهو الأمر الذى يبدو واضحًا عند المهتمين بالنظر إلى مراحل كتابته، وتطورها، لكن على مستوى آخر سيظل لنجيب محفوظ بعض الأعمال الذى لم يتم التبئير عليه بالقدر الذى يوفيه حقه ويضعه على خريطة أعماله فى مكان مناسب. 

فإذا ذكر اسم نجيب محفوظ يتذكر السامع أعمالًا مثل الثلاثية والحرافيش وأولاد حارتنا وميرامار واللص والكلاب... إلخ، وربما لظروف تحويل هذه الأعمال إلى دراما تليفزيونية أو سينمائية، أو لارتباط هذه الأعمال بظروف إعلامية أو اجتماعية أسهمت فى شهرتها مثل أولاد حارتنا مثلًا. لكل تظل للرجل بالقدر نفسه أعمال لم تستوف حقها، وهى التى نظن أن نسيانها أو تجاهلها لأسباب تتعلق بقدرتها على إثارة التساؤلات خاصة حول أوضاع راهنة، ومن هذه الأعمال روايته رحلة ابن فطومة التى طُبعت للمرة الأولى عام ١٩٨٣. وعلى الرغم من ولع نجيب محفوظ بالروايات الطوال، لا سيما المقسمة إلى أجزاء، فإن العديد من روائعه جاء فى صورة الرواية القصيرة بالقياس إلى ما اشتهر به. وإذا كان لنا أن نصنف رحلة ابن فطومة ضمن إطار الرواية القصيرة، «والاستخدام هنا بالقياس إلى رواياته الطويلة وليس الاستخدام الاصطلاحى»، فإن التقنيات المستخدمة فى الرواية تناسب ذلك الإطار الذى وضعت فيه منذ البداية، حيث يبقى دائمًا مقياس الكم أو الطول هو أسهل المقاييس لكنه ليس أدقها كما يقول د/ شكرى عياد. 

نمط السارد

تستخدم الرواية- منذ بدايتها- شكل السارد الأنا الذى يحكى عن ذاته، وهو الأمر الذى يتناسب مع كون الرواية تتخذ لنفسها بطلًا واحدًا تتمركز حوله وتحكى رحلته، وهو قنديل العنابى، أو ابن فطومة، الذى يترك داره راحلًا إلى المجهول الذى لم يرحل إليه أحد من قبل، أو الذى لم يعد منه أحد من قبل، غير إن السرد بهذا الضمير- النمط يتيح الكثير من الإمكانات التى لا يمكن أن تكون بغيره، فالسارد الأنا ملاصق لوعى البطل ودواخله، والسرد بطول الرواية يتم كأنه مونولوج داخلى يقوم به البطل، إلى أن نكتشف فى النهاية أنه نص الكتاب الذى كتبه قنديل عن رحلته، وإضافة إلى ذلك فإن السرد بهذه الكيفية يقوم على تأمل الحوادث والملابسات لا مجرد رصدها.

من ناحية أخرى، فإن صيغة المتكلم، مضافة إلى انطلاق الرحلة من «الوطن» وهو عنوان الفصل الأول، بما تشير إليه دائمًا من علاقات انتماء الشخصية الرئيسية إلى هذا الوطن، كل هذا مجتمعًا يسهم فى جعل هذا الوطن هو المركز الذى يقاس عليه، وتتم المقارنة بينه وبين كل محطة من محطات الرحلة، وهو الأمر الذى تؤكده الشخصية دائمًا، حين تقرر أن الهدف من الرحلة هو العودة إلى الموطن بمعلومات ومعارف يمكن أن تسهم فى إصلاح حاله الذى آل إلى مآل فاسد بسبب الازدواجية بين الظاهر الإسلامى والباطن الوثنى. 

إن التقنية هنا ملازمة للموضوع، ومتحولة بتحوله، ولعلها إحدى المرات المبكرة فى تاريخ الرواية العربية التى يمكن الإلمام إلى هذا التلازم فيها، وخاصة لدى نجيب محفوظ، خصوصًا أن تكوين الشخصية يوحى برمزية ما، غالبًا ما توجد فى رواياته الأقرب إلى الطبيعة الفلسفية، أو التأملية، غير أن سمات الشخصية تسهم- كذا- فى ائتلاف عناصر النص الروائى كلها، بما هى مركزه الأهم. 

فقنديل هو الابن الأخير لكهل فى الثمانين، بعد أن شاخ وكبر أولاده تزوج من فتاة فى الثامنة عشر، على غير رضا الأبناء، وبعد أن أنجبه مات تاركًا له ثروة تتيح له العيش الكريم، ولما خافت أمه من إخوته عليه فقد عزلته عن حياة أقرانه، وأفردت له معلمًا، فكانت حياته كلها بين العلم والتأمل حتى وصل لسن العشرين وخطب ابنة مؤذن الجامع الكفيف، على غير رغبة أمه فى البداية على الأقل، وهى التى وافقت رغبة فى مقايضة زواجه بزواجها من معلمه، غير أن خطبته قد فسخت لأن واحدًا من أهل السلطة، وهو حاجب الوالى، قد رأى خطيبته وأرادها زوجة رابعة له. وهو الموقف الذى كان له عظيم الأثر فى خلق أزمة الشخصية، حين أحست بانعدام العدالة فى الوطن، وحاولت فهم السبب فى ذلك على الرغم من تأكيد الدين على ضرورة إيجاد هذه العدالة. 

هكذا إذن صارت هذه الشخصية مؤهلة، عن طريق العلم أولًا ثم الظلم والإحساس بالخديعة والخيانة، لأن تحاول إيجاد حل للأزمة فى خارج الوطن، كما صارت مؤهلة عن طريق الوحدة التى عاينتها فى بداية حياتها للتأمل، ومحاولة تفكيك الأزمة من عناصرها.. فهو الذى رأى مجتمعه وكأنه موجود خارجه، حين كان معزولًا عنه فى صباه، وهو الذى سيرى باقى المجتمعات من خارجها حيث يمكث فيها لبضعة أيام حسب جدول الرحلة الذى لم يطبق فى أى من الديار التى اجتازها. 

وهكذا أسهم اختيار الضمير أنا فى إيجاد إحساس لدى المتلقى بالاقتراب، وهكذا أسهم اختيار الضمير أنا فى إيجاد إحساس لدى المتلقى بالاقتراب الشديد من الشخصية ومكوناتها حين كانت هذه المكونات ركيزة أساسية على مدار رؤية أحداث الرواية، وهو الأمر الذى يمنح الشخصية- كذلك- صورة المتصاعد مع الزمن، فجميع أحداث الرواية محكية بتسلسل تصاعدى فى الزمن وبوتيرة واحدة تقريبًا لا يكسر من حدة إيقاعها سوى بعض الحوارات المتواترة فى الرواية، وكذا حين تقوم الشخصية باستخدام المونولوج الاسترجاعى التأملى لاستخدامه فى المقارنة. 

المزاوجة بين الزمان والمكان

تقوم الرحلة فى الرواية على أساس خطى، يعتمد على محور الصعود فى المكان عقب الخروج من الوطن، عبر ست مراحل تلى المرحلة الأولى، فى صورة تقترب كثيرًا من آلية الرمز الدال على فكرة تطور البشرية وأنظمتها الاجتماعية والسياسية، لتصبح رحلة قنديل ذاتها معادلة الرحلة البشرية من الوثنية إلى الإيمان المطلق، ومن استبداد الفرد بحكم الجماعة إلى استكناه الفرد لقدراته الذاتية، رغبة فى الوصول إلى اليوتوبيا. 

والنظر إلى المراحل السبع يمكنه أن يمنحنا فكرة عن هذا التطور، فبعد دار الوطن التى تعلن الإسلام دينها، والتى يبدو فيها الاستبداد السياسى فى أجلى صوره، والتى قضى فيها البطل العشرين عامًا الأولى من حياته، ينتقل الرحالة إلى دار الشروق، الممثلة لأفكار البشرية البدائية، حيث عبادة القمر، والإباحية فى العلاقة بين الرجل والمرأة فى العموم، وحيث سيطرة كاهن واحد، وهى الأمور التى حاول مواجهتها البطل حين أنجب أطفاله من «عروسة» وحاول تعليمهم أصول دينه، فتم ترحيله قسرًا من هذه الدار بعد سنوات خمس قضاها فيها، ليذهب إلى دار الحيرة، المتقدمة قليلًا عن سابقتها على المستوى المادى فقط، وعلى المستوى العقدى يتطور الأمر فيها إلى عبادة الملك أو تأليهه بما يشبه العصور البشرية الوسطى، حيث الكل عبيد لهذا الملك الذى يعبدونه والذى يستأثر لنفسه بالحكمة المطلقة، ودار الحيرة هى التى أغارت بدعوى تحرير العبيد على دار الشروق، وحين انتصرت باعت هؤلاء الأسرى فى سوق العبيد، ومنهم «عروسة» أم أولاده، التى شاهدها كاهن الملك وأراد الاستئثار بها لنفسه فألقى بقنديل فى السجن عشرين عامًا حتى انقلب قائد جيوش الملك على الملك وألقى بالكاهن فى السجن وأطلق سراح قنديل ليرحل إلى دار الحلبة، حيث التحرر الكامل والحرية المطلقة والمساواة بين كل الأديان على ما تحمله هذه القيم من فساد رآه ظاهرًا من وجهة نظره حتى بين المسلمين فى هذه الدار، وخاصة حين رأى مظاهرات الشواذ وكيف يقبلها، بل ويشارك فيها بعض المسلمين هناك، وكذلك حين رأى تلاعب هذه الدار بالاتفاقات والعهود السياسية تبعًا لمصلحتها دون اعتبار للعهد. 

بعد أن بقى قنديل فى هذه الدار سنوات خمس قرر بإرادته هذه المرة التخلى عن زواجه فيها وأولاده ليتمم رحلته إلى دار الأمان التى يحكمها الفرد والصفوة «الحزب» المستبد بما فى ذلك من مساواة بين باقى الرعية، بل هو إيغال فى المساواة حتى فى المظاهر تتم بصورة يهيمن عليها الوجود البوليسى، لدرجة أن يتم تعيين مرافق له ينظر إليه دائمًا بعين الريبة والشك، ويرافقه حتى فى الحمام، ولدرجة أن يتم تحديد وقت الزيارة بعشرة أيام فقط، لا يقدر أن يمكث سواها، وهى الدار الوحيدة التى لا يوجد فيها أثر واضح للعقيدة، وحين يسأل الرحالة مرافقه عن إلههم يقرر أنهم يعبدون الأرض التى جاءوا منها مع عدم الاعتراف بأى فضل لا عليهم. 

وتأتى المحطة السادسة فى دار الغروب حيث لا وجود لأى تواصل، أو أى نظام بشرى، بل هو نظام أقرب إلى التصوف، الذى يتم فيه تدريب الفرد على يد حكيم الدار، ليكون قادرًا على استخراج كوامن قدراته، وكنوزه المخبأة، حتى يصبح مؤهلًا للرحيل إلى دار الجبل، وهى الدار التى قضى فيها فترة غير معلومة تدرب فيها على التخاطر، وقبل أن يتم تدريبه احتلت دار الأمان أجزاء من دار الغروب وخيرت أهلها بين البقاء والعمل على شريعة الأمان أو الرحيل إلى دار الجبل فاختاروا الرحيل إلى دار الجبل التى تمثل اليوتوبيا فى أجلى صورها. 

يبدو هذا التلخيص لمراحل الرحلة مخلًا خاصة إذا لم يتم النظر إليه بوصفها معادلًا للتاريخ البشرى كله وتطوره، وهى إحدى عادات نجيب المحفوظ الواضحة حين تكون الفكرة عنده مروحية تبدأ بالفرد، وأزمته، مارة بالمجتمع الصغير، ثم المجتمع الكبير لتعبر بعد ذلك إلى آفاق أبعد وأوسع حين تتماس مع التاريخ البشرى وتدرجه فى التطور، ليكتمل بذلك شكل الأمثولة، ولتتم فائدة الفلسفة على النص الأدبى. 

ومن هنا يمكن ملاحظة توازى التطور فى المكان- محطات الرحلة- مع التطور فى الزمان، على اعتبار أن كل واحدة من هذه الديار تمثل مرحلة من مراحل تطور الحضارة البشرية، والفرد-الإنسان موجود بين الاثنين، يعانى أزمته الوجودية الخاصة التى يطرحها على كل ما يصل إليه من معارف. 

شكل المتوالية وأزمة الفرد

تقترب الرواية فى شكلها هذا من المتوالية السردية- من ناحية- ومن أدب الرحلة من ناحية أخرى، لكنها رحلة مختلفة، فالرحلة هنا تتراوح بين الواقعية السحرية والرمزية، لكنها فى النهاية رحلة الفرد البشرى عبر تاريخه، ومن خلال محطات تمثل كل واحدة منها قصة منفصلة، متصلة بسواها، وهو الأمر الذى ينفى صورة المشروع الروائى عن هذه الرواية لتقترب بها من صورة التعبير القصصى بما فيها من تأملية ونزوع إلى التعبير الذاتى، المتفلسف أحيانًا، وهو الأمر الذى يمكن لنا رصده من خلال تطور أزمة هذا الفرد فى وطنه، تلك الأزمة التى تظهر واضحة عبر مناقشاته مع الحكماء والأربعة للديار التى زارها، والتى نجده منذ بدايتها يقرر إن «إثمنا فى دار الوحى أفظع من سائر الخلق» حتى لو كانوا إباحيين أو وثنيين أو متحررين أو مستبدين بالضعفاء. إنها أزمة وجود الفرد فى مجتمع يرى هو بوضوح كيف أنه قد فشل فى وضع النظام العادل تمامًا لكل أفراده، وهو الأمر الذى يعمق إحساس هذا الفرد بأزمته. 

غير إن نجيب محفوظ يموقع الأزمة داخل الفرد المستنير، الراغب فى جلب مزيد من الاستنارة إلى وطنه الذى يرى فيه إمكانية كونه مثاليًا، ذلك لأنه يقوم على أساس ثابت، هو الدين، لكنه ينظر إلى هذا الأساس الثابت بوصفه أداة فى يد البعض ليتم لهم الاستبداد والهيمنة. 

وربما يكون هو الأمر ذاته الذى حدا به إلى أن يجعل الأحداث تدور فى اللا زمان، حيث الخليفة والحاجب ومدير الجمرك والتنوع بين أشكال الحضارات البدائية والمتقدمة ماديًا، والمتطورة على المستوى الفكرى... إلى آخر ذلك من صور الحضارات التى عرفتها البشرية، ليقترب بذلك من شكل الرمز، ربما ليخرج من دائرة اللوم السياسية، التى وقع فى مثيلتها من قبل فى أولاد حارتنا، فعلى الرغم من اقتراب الروح فى الروايتين، غير إن أولاد حارتنا قد سمح بالتبئير عليها، ربما لظروف اجتماعية فى وقتها، ولم يتم النظر إلى ابن فطومة من الدائرة ذاتها، حتى لا تحدث ضجة «هم» فى غنى عنها، لما تحمله الرواية من كم غير يسير من النقد السياسى الذى يمكن طرحه على الواقع بوضوح. 

إن أزمة المجتمع التى عالجتها الرواية لا تخرج من دائرة هذا اللوم، الذى يتقلب فيه البطل على جوانب شتى، أسهمت فى تشظى البنية الفكرية للرواية على الرغم من شكلها البادى تقليديًا فى الظاهر، وثابتًا ومتماسكًا على مستوى سيرى الأحداث، التى فى سيرها تذهب بالمتلقى إلى مذاهب فكرية شتى، قد تنسيه الرحلة ليدخل فى مناقشات- جدلية ربما- مع مكونات تراثه وعقائده وواقعه وهو الأهم، على الرغم من إحكام السارد لقبضته على خط سير الرواية. 

تبدو رواية ابن فطومة إذن رواية قابلة- على هذا النحو- لعدد من التأويلات يمكنها أن توحى بمقدرة فائقة على هز الثوابت، ومناقشتها، وتغيير بعضها، عبر قدرة على التأمل، النابع من الذات بوصفها هى المركز الأهم فى صناعة الحضارة، مع عدم إغفال الظروف والملابسات المؤدية لكون هذه الحضارات الإنسانية تتخلى عن أهدافها العظيمة، أو قل تنحرف عن طرقها التى نظرتها الأنفس من أجل تحقيق مكاسب لأفراد، يبدون فى بعض الأحيان هم المتحكمون فى اتجاهاتها. 

وهو ما جعلها رواية مهملة من ناحية، وقادرة على اختراق كل مكونات الأزمات الحضارية عبر التاريخ البشرى على الرغم من ظاهرها المتخذ شكل مغامرة الرحلة، وهو ما يدعو إلى إعادة قراءتها نقديًا أكثر من مرة تبعًا للظرف التاريخى.