الثلاثاء 26 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

مختارات من قصائد شكر الله.. شاعر القطيعة مع الماضى

لوحات للفنان كنعان
لوحات للفنان كنعان

موقفُ العشق

إذ اصطفقت ضحكات الفتيات

عند منحنى الطريق

مثل طائر ضرب الماء بجناحه ثم صعد محلقًا فى عمود الشمس

عند المنحنى عند تداخل الظلمة فى النهار

واختلاط النور بالظلال الراقصة

على العتبات بين السجف الملونة مثل قطع الفضة

مثل البلور النضيد، مثل تخت سليمان

يحف به أربعون، كلٌّ حاملٌ سيفه على فخذه

من هول الليل

رقرقات جدول نضير

تنهدل بين يدى جبل الشيخ

المكلل الهام

غفوت من الغفوة، استيقظت من الصحوة

صعدت بين الناس ورددت الخمار

عن العين الغافية، ومددت بصرى وسمعى

وراء الوراء، خلف الخلف، إلى أفق الأفق

حيث انتشرت أوراق اللوتس

ونشر الألباتروس جناحيه الكليلين

فوق السارية الكسيرة 

عندما صلب النهار

فلمحت الأعين البارقة من خلال الشجر

وسمعت وقع الأقدام الصغيرة على الحصى

وهمس متكسر بأسرار

وعبير عطر آت من بعيد

فما أن اندفعت أستجيب للنداء

آخذ أختى العروس

فى جوانحى

حتى أحاطت بى تهاويل اللبلاب

وتعثرت رجلاى بالحصى وأدمى الحسك يدى

ووجهها الباكى يختفى عند المنحنى

يختفى بين أمواج البحر

فى درب الظلام

أفكلما سقط شعاع من السماء سنى

أو تفتح فى الندى وجهك الفضى

مسنى الضر وأصابنى- ربى- البلاء

الشاعر والمدينة

عمدان قديمة لمساجد جديدة

حطب جديد لنيران قديمة

بيوت تنهار لتبنى فوقها بيوت

والبيوت تمتد وترتفع وتتناكب

تنفث أنفاس الثوم فى أفواه بعضها

تستند على أكتاف بعضها

تحت قاهرة المعزّ

مائة مدينة منذ منف

هذه مدينة عنيدة صابرة 

من جراح بيوتها الفاغرة

تفوح رائحة الخبز وتخثر البول

يتدلى الندم من السقوف

مثل عناقيد العنب السوداء

العذاب يتسلق الجدران

ينسل بين الشقوق

يتحرك فى الضحكات الخابية

وهنهنات الصمت

أجساد مسجاة على مائدة التخدير

حيث يعى العقل أنه لا يعى شيئًا

أردت أن أشد المدينة حولى

أتمنطق بجراحها، أتسربل بعذاباتها

ألتف على صدرها مثل الغدير على الحصباء

مخترقًا قلاع الشجر

متجاوزًا الأسوار العشر

لنزق الحكام ونزواتهم

لقصورهم المطلة على السهول النفساء

الحجارة وألواح الصلب الملساء

والزجاج المصقول

فرأيت سكانها كناقهين

جالسين على حافة الأسرة

متكومين فى الردهات

يتأملون فى بلادة السأم

انبهار النهار

البغاث يرف على سطح البركة الآسنة

يشرئبون فى متاهات أحلامهم

لميتةٍ عنيفةٍ

تصطك لها دروب المدينة

توقظ السماء من هجعتها

مثل كلب هرم ينهض للقاء سيده

ثم يرقد هازًا ذيله

نابحًا فى استخذاء

أطبق سكان المدينة جفونهم

على عيونهم المغتلمة

لحم ينغل فيه الدود

وأنا نازل المنحدر

أعالج اللفظ الصدئ من جديد

كل معالجة بدء جديد

وفشل جديد

بمضاجعة للألفاظ الخامدة الحس

اغتصاب للمعانى التى فقدت معناها

غزو لعجمة الروح بأسلحة مفلولة

خائضًا لجاج المشاعر المتناقضة

جحافل العواطف التى اضطربت صفوفها

نتن اللغة ولغوها

تحولت إلى الدروب المهجورة 

الهاربة من تحت قدمى

أطرق أبوابًا موصدة لم تولج بعد

متعثرًا فى الخرائب مثلما تتعثر أقدام الخيل المبقورة بأحشائها

أسعى لانتشال ما ضاع فى العرصات

أنتشل ثم ضاع المرة بعد المرة

أحاول ضم الأجزاء المحطمة لبعضها

ألم أطراف المدينة وربوعها

أرص شذرات الماضى إلى أكوام الحاضر

لأجد الماضى خداع

والمستقبل بلا مستقبل

والحاضر صك المذلة

لا تأمن فيه القدم الانزلاق

يتردد فى مفازاته عواء الذئاب

وينتشر العوسج على منافذ البيوت

وفى ردهات الأذهان

أين وجهك؟

نبع المرح

قلعة الجلال

الخيل الصاهلة

والنافورات

الشوارع المرشوشة

عند انحدار الشمس

والرقص الرقص

دغدغة الموت وغدره

حين قالت الحجل

تواروا، تواروا

فأغصان الشجر

حافلة بأطفال عابثة

يغصون بضحكان مكتومة

تواروا، تواروا 

فحول النار المزدهية

تجمعت الصبايا

للسمر والرقص

ودق الدفوف

البيوت جميعها جرفها السيل

الراقصات نزلن

وراء الكثبان.

مرثيةٌ للمساء

سأغلق الباب

إذا اشتدت الريح

سأطفئ النور

إذا تسارعت

أرجل العساكر

على الدرج

الناس فى شوارع المدينة

يحملون قطع الليل الممزقة

الصمت يهبط ثقيلًا

على آخر عابرى الليل

الأحلام تتدحرج

على نواصى الأرصفة

الساعات تنتهى

كل شىء يلفه النسيان

إلا الخوف

الشراع الغارقة

تود لو تمسك بالنجوم

القلوب المكبلة

تحلم برفرفة الأجنحة

فإذا انفجرت خيوط الفجر

استيقظ السمان

من أحضان الغصون

يفتدى الزمن

تلملم أجنحته قطرات الندى

يحلم بالشواطئ القصية

تناديه

موقفُ الطير

نافذة فى الشمس

كان حبنا رُقْية نرد بها

عقم المواكب

نسمة نحرك بها

سفينة الدنيا

المكسورة الشراع

أشهدك خلال شواشى الذاكرة

مغروسة الأظافر فى جلدى المسلوخ

وجهك الضاحك بعرامة العشق

جسدك جدائل الأغصان

نسائم المساء نبيذك المخبوء

تنضح به شفتاك

تنهيدة الورد

تنضح به شهقات شهوتك

وملح دموعك

عتمة رحمك

ترتوى من عروق الأرض

تملأ خواء الليل

بخرير العشق

ورؤى الشطآن البعيدة

حبنا الوارف هذا شيع

دون شموع أو ترانيم

نباتات ضارية

نبتت فى أغوارك

أحلام مستحيلة 

شهوة أن تمزقى

زيف العالم

تمزقى حجاب الصمت

فى وطن أبدى الصمت

تمخضين بالطيب

وديان مخضبة بالدم

الدموع تأسن فى تجاويف المقل

جراحى تنز فيها هوام الأرض

بينما الأزهار تستدير مع قرص الشمس

وجهى ليس وجهى

فهو لا يبكى حين أبكى

قلت سأموت مع مقدم الشتاء

ولكنى أموت كل يوم

ميتات صغيرة

النجوم تتزاحم وتمد شباكها

الجراد الجائع يجتث عشب الحقول

القمقم المختوم فى قاع البحر

يرتج من عويل الإنسان

المحبوس فى داخله

الراهبة دميانة فى فراشها

تترقب القيامة

تترقب تترقب

عالمًا بدون عشق

بدون مضاجعة بدون إثم

بينما السواقى تدور وتئن

مغروسة فى صدرى

يدى الخرساء ولغت

فى جريمة الصمت

قلت إن فعل الحياة يدمر الحياة

واخترت أن أقتل نفسى

الآن وقد انحسرت عنا موجة العمر

أقر أنك فى السجن ثانية

جسمك المكدود لا يزال

مفعمًا بشراسة الفرح

أصابعك المغضنة لا تزال

تنحت الصخر

فمتى نبحر فوق الأجساد الغرقى

متى نسكن قرية الطيور المهاجرة