الأربعاء 07 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

بالأمس كنت ميتًا.. مسارات السرد ورؤية العالم

تتجه الروائية المصرية رضوى الأسود فى روايتها «بالأمس كنت ميتًا.. حكاية عن الأرمن والكرد»، الصادرة فى طبعة حديثة «دار الشروق» صوب حال من الكشف، الذى يؤشر عليه العنوان الرئيسى للرواية «بالأمس كنت ميتًا» بوصفه مجتزأ من جملة عميقة المغزى، لجلال الدين الرومى، تحيل على نحو غير مباشر إلى شمس الدين التبريزى: «بالأمس كنت ميتًا، واليوم أصبحت حيًا»، حيث التحول الجذرى فى حياة جلال الدين الرومى، والانتقال الدراماتيكى الناعم من الغفلة إلى اليقظة، بعد المحفز الروحى شمس الدين التبريزى.

يبدو الشق الرئيسى من عنوان الرواية إذن رحبًا، يسع النفس بتركيباتها المعقدة، والعالم، يتلوه عنوان فرعى يحيل على متن واقعى، جوهره «حكاية عن الأرمن والكرد»، ينفتح على المأساة الأرمينية من جهة، والعلاقة الوثيقة بين الأرمن والكرد من جهة ثانية.

من قريب تبدأ رضوى الأسود، وتضع خط القص الرئيسى على محك العام ٢٠٠٠ ، وبذا تراوغ متلقيها، الذى يتأهب ليرى حكاية فى التاريخ، إذ تنتخب لحظة زمنية فارقة فى حياة أبطالها الثلاثة «ليلى، ومالك، ولوسى». ثمة رابط مركزى جامع بين الأبطال الثلاثة، حيث تتشارك ليلى ولوسى فى حبهما لمالك.

وتبرز علاقة مركبة جامعة بين الشخوص الثلاثة، وهى علاقة تدور زمنيتها فى اللحظة المعاصرة، لكن حين نتوغل فى السرد، نرى الأصوات السردية الثلاثة صدى لأصوات ماضوية فارقوها بامتياز، لكن لم يزل التاريخى يلقى بظله على المتن الروائى، حين يحدث الارتداد الزمنى من خلال استخدام الكاتبة تقنية «Flah back» إلى العام ١٨٤٣، حيث زمن الخلافة العثمانية، وما عناه من الاضطهاد الدينى، والعرقى، وصولًا إلى عام المذبحة، وإبادة الأرمن فى العام ١٩١٥.

فى الارتداد الزمنى الأول ١٨٤٣ ثمة عالم قديم يجتر أزمنة الإمبراطوريات، ويتعامل بمنطق الرعايا مع المواطنين الذين ليسوا متساوين فى الحقوق والواجبات، ويكفى أن ترى مشهد آرشاج الأرمينى حين جاءه أمر الاستدعاء لمقابلة السلطان العثمانى، ومشاعر الخوف والرعب المقيم المهيمنة عليه: «لم ينم ليلتها رغم تطمينات العبارة الأخيرة. احتلت رأسه الكوابيس، رأى نفسه مشنوقًا من حبل يتدلى فى إحدى الغرف المظلمة. ورأى نفسه مسجى فى غرفة رطبة عاريًا يرتجف من شدة البرودة، وفجأة تغمر جسده الصراصير التى أتت جحافلها من جحر صغير فى أحد جوانب الغرفة، فيختفى جسده تحتها، ولا يبدو منه شىء، ثم رأى نفسه أخيرًا تباغته الأفعى ذات القرون وبقفزة واحدة، تجرعه السم، فينتفض الجسد مرة واحدة وأخيرة.

بعينين متورمتين مجهدتين تحيطهما الزرقة، وجفنين يُفتحان بالكاد، يقوم من مخدعه ليشعل غليونه، أحد الأغراض التى توارثها عن أحد أجداده، والذى قد حصل عليها من إحدى فرق الحشاشين السابقين.

وبسرعة تدق ساعة الحائط لتعلن عن قرب الميعاد المزمع فيتجهز له بأحسن ما لديه من ملابس. سيقابل السلطان. لو كان أحدهم قد قالها له منذ يومين فقط لسخر منه ونعته بالجنون.

ترى ماذا يريد منى أنا بالذات؟.

تتكشف خيوط السرد شيئًا فشيئًا، وتتضح العلائق المتشابكة، حين نعلم فى اللحظة ذاتها التى ينبئنا السارد الرئيسى The main narrator بأن لوسى هى حفيدة الأرمينية بيروز آرام آرشاج ، وكروان سالار فرهد الكردى، وهما من عايشا المأساة الأرمينية، وأن مالك هو حفيد أحد مخططى الإبادة الجماعية للأرمن، فى مفارقة لا تخلو من دلالة.

هل كان مالك بالأمس ميتًا على مستوى الأجداد، واليوم قد صار حيًا، عبر التخلص من الإرث الثقيل، والتطهر فى مرآة النرفانا، والرحلة الروحية التى صنعها، وانطلاق الثالوث المعاصر فى الرواية «لوسى وليلى ومالك» من منظور الحب الأكثر اتساعًا، والذى يعد التيمة الرئيسية فى النص، والقادرة على مغالبة الكراهية.

هل نحن بحاجة لحكاية «حكاية عن الأرمن والكرد» من جديد، أم نحن بحاجة إلى تفكيكها إلى مساراتها الأولية، ثم صوغ علاقاتها المتشابكة التى عرفت جهدًا من الكاتبة فى تنويع أصوات السرد، وتعدد الخطابات اللغوية، وتضفير المعرفى والجمالى معًا فى بنية متجانسة، اتكأت على نموذج الوحدات السردية، المتشابكة، والموزعة بين زمنين، أحدهما ماضوى، والآخر راهن، وما أتاحته تلك البنية الروائية من وجود خطين متجادلين للسرد، لكل منهما أبطاله، وشخوصه، وعوالمه.

تعاين «بالأمس كنت ميتًا» عالمين متجادلين إذن، يبدوان مثل بناءين متقاطعين، يتلمس المتلقى الصلات بينهما ، فيحملانه على وصل الماضى بالحاضر، والتماس مع جدلهما الخلاق، المسكون بلغة تتعدد مستوياتها، وتتسع فيها جغرافيا الحكاية السردية، متكئة على ارتحالات زمنية قلقة، ومتوترة، درامية الطابع، تلجأ فيها الكاتبة إلى آليات السرد التأملى Reflective narrative كثيرًا، من قبيل المقطع السردى التالى: «نتوهم أن الميلاد والموت هما الشيئان الوحيدان المفروضان علينا، أما الباقى فلنا وحدنا صك الملكية وحق الاختيار. يمر الزمن.. يشيب الشعر.. يعتل القلب.. تتغضن البشرة.. يفقد الرحم خصوبته.. يقل ماء الرجل، لتصحو على حقيقة أن كل شىء مقدر ومحتوم.

ثمة جمل مركزية فى النص، من قبيل جملة آرشاج «يبدو أنه زمننا»، ولم يكن آرشاج يعلم وهو فى بلاط السلطان العثمانى أن العقود التالية ستحمل من المعاناة ما تحمل.

فى الرواية زخم هائل من الشخوص، والأحداث، المتكئة على آلية التوالد الحكائى، ولكل حكاية مسارها السردى المعضد للمسار الرئيسى للنص، وإن وجدت بعض الاستطرادات المجانية التى أثقلت كاهل الرواية.

تلعب العتبات النصية دورًا فى تأطير المسارات التأويلية للحكاية، عبر التصدير المتتابع لخطابات جمال حمدان، وجان لوك تولا بريس، وجلال الدين الرومى، مرورًا بالإهداء الدال المعبر عن تيمة الرواية «إلى كل روح أزهقت باسم الإله»، ووصولًا إلى المختتم السردى بأبيات محيى الدين بن عربى الشهيرة:

«أدين بدين الحب أنَّى توجهتْ/ ركائبه، فالحب دينى وإيمانى».

توظف الكاتبة المؤشرات الزمكانية فى الكشف عن جوهر الحكاية/ عمق المأساة، من قبيل «مصر ٢٥ يونيو ١٩١٥»: «رست السفينة على شاطئ بورسعيد، فوجدا أنفسهما مع جموع من الأرمن ممن نجحوا فى الفرار على متون السفن والمراكب التى كانت تتطوع لإنقاذهم ونقلهم من أرض الجحيم»، وصولًا إلى لحظة التماهى بين كروان سالار فرهد «الكردى»، وبيروز آرام آرشاج «الأرمينية»، فى مشهد بديع: «الاسم، فضلًا». جورجى بوجوس منديكانيان، وهذه خطيبتى وابنة عمى بیروز آرام مندیکانیان.

تنظر إليه بيروز ذاهلة، فاغرة فاهها، فيزجرها بنظرة من عينيه.

وبعد.. تنطلق رضوى الأسود من موقف مستنير من العالم، تحمل زاوية نظر تقدمية، مولعة بكل ما هو إنسانى، وحر، ونبيل، فى رواية تجدل بين الموت والحياة، وتغالب الكراهية بالمحبة، والتعصب بالتسامح، فى بنية سردية تنفتح على جدل التسجيل والتخييل، واضعة قدمًا فى التاريخ، وأخرى فى الواقع.