الإثنين 25 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

كائن رمادى.. رحلة البحث عن سر «القلق الوجودى» عند المصريين

حرف

- الإنسان الرمادى حيادى وهادئ وغير عاطفى

يظل الأدب العظيم توأم الفلسفة. والسر أن كليهما يؤسس لرؤية كلية عميقة للواقع الاجتماعى الذى يعيش فيه الإنسان، وعلاقته بالكائنات الأخرى التى تشاركه هذا الوجود. والقضايا الوجودية وعلى رأسها قضية المصير: الحياة والموت وما بعد الموت، وما تمثله من القلق الوجودى الذى يدفع بالعقل إلى متاهات الأسئلة، وبالروح إلى غياهب المجهول والاغتراب هى أظهر القضايا. وإذا كانت الفلسفة تنتهج نهجًا تأمليًا عقليًا يعتمد على الاستدلال فى بحث هذه القضايا، فإن الأدب ينتهج نهجًا يعتمد على الصورة، والتوسل بالحواس، وتحويل الوجود المادى إلى وجود خيالى حى فى الوعى وفى اللا وعى. فالمبدع ينشئ عالمًا موازيًا، وليس مستنسخًا، يشبه العالم الواقعى لكنه ليس هو مع أنهما من معين واحد وهو الوجود المادى والطبيعى.

فى هذا المقال عن «كائن رمادى» للروائى نشأت المصرى، نتحدث عن هذه المسألة التى جعلت «وليد» كائنًا رماديًا أو«مترددًا أبيض» كما وصفته رحمة فريد المرأة الرابعة فى حياته. فالقلق الوجودى الذى يبلور مسيرة وليد طيلة مسارات السرد فى الرواية لم يكن وليد أول من اكتوى بنار أسئلته، ولن يكون الأخير ما دامت أسئلة المصير باقية ومتجددة بتجدد السياقات المعرفية والحضارية فى تاريخ الوجود الإنسانى على الأرض. فمسرحية صامويل بيكيت «فى انتظار جودو» فى منتصف القرن العشرين جسدت حيرة الإنسان وتعلقه بجودو الذى يعد بالمجىء ولا يجىء. فحالة الانتظار التى يعيش فيها الإنسان طوال حياته آملًا أن تتحقق أحلامه ومساعيه، حالة دائمة ومحيرة وتطرح مفهوم الهدف من الحياة عبر الصراع القائم بين الإنسان والإنسان ثقافيًا وطبقيًا، من جهة، وبينه وبين الزمن بمعناه الفلسفى والاجتماعى القائم على الديمومة والصيرورة من جهة أخرى. 

ولو نظرنا فى السرد المصرى فى عقد الستينيات من القرن الماضى، نجد توفيق الحكيم ونجيب محفوظ مشغولين بتصوير هذا القلق الوجودى. ففى ١٩٦٢م كتب الحكيم مسرحية «يا طالع الشجرة» مستغلًا الموروث الشعبى المصرى اللا معقول فى هذه الأغنية التى يرددها الفلاح يأسًا من العدل الاجتماعى الذى طال انتظاره، وكلما ومض بريقه يختفى، وراح يجرى وراء اللا معقول، وهو أن يأتى له طالع الشجرة بالبقرة التى تعيش فوقها لتحلب له الحليب، وتسقيه بالملعقة الصينى «ياطالع الشجرة. هات لى معاك بقرة، تحلب وتسقينى بالمعلقة الصينى». فحينما يضن الواقع بتحقيق الأمل والغاية، يغترب الإنسان عنه، وينشط الخيال لخلق واقع فيه بدائل كثيرة غير محدودة، ولكن حالة الاغتراب لا تزول بل تزداد. فلا البقرة تسكن الشجرة، ولا الملعقة الصينى يمكن أن تسقى الإنسان اللبن من ضرع البقرة. ولو أكملنا هذه الأغنية الشعبية، لطرحت أسئلة بلا إجابة، فالأسئلة غيرالمعقولة، ليس لها إجابات إلا من جنسها. وتنشأ هذه الأسئلة حينما يخفت حضور العقل، أو يحتجب، وتطل قوى اللا معقول تعبيرًا عن العجز وضيق المعرفة.

نشأت المصرى
نشأت المصرى

ويتصل بهذا رواية «الطريق» التى كتبها نجيب محفوظ ١٩٦٤م وهى إحدى رواياته التى مثلت سعيه نحو البحث عن الغاية من الوجود ومصير الإنسان. فكان صابر- بعد موت أمه القوادة فى الإسكندرية ورحيله إلى القاهرة- وحيدًا بلا مال ولا عمل ولا أهل، ولم يَبق له فى الحياة سوى «أمل غريب كالحلم»، أن يجد أباه الذى اكتشفَ أنّه حى ولم يمت كما أوهمته أُمه طَوال عمرِه. ومن هنا بدأ رحلته بحثًا عن هذا الأب المجهولِ، فى محاولة للتمسكِ بآخرِ خيط يربطُه بالحياة، وللهرب من مصيرٍ مظلم قد يقوده إلى أن يصبِح قَوادًا بلطجيا، كما حذرته أُمه قبل وفاتها. فهل خلاص الفرد يكمن فى هذا العالم أو فى قوة عليا مفارقة له؟ هل نقضى وقتنا على الأرض فى البحث عن هذه القوة العليا الغامضة أو نقضيه فى العمل الدائب من أجل الذات والآخرين والتقدم البشرى؟ أين يكون طريق الخلاص؟ أيكون على الأرض وحدها؟ أم يكون فى السماء وحدها؟ أم يكون فى التقاء السماء بالأرض؟ فانقسام صابر بين انجذابه الشهوانى إلى كريمة الزوجة الشابة للعجوز صاحب الفندق وبين حبه العذرى لإلهام الفتاة العاملة المجاهدة للتغلب على مشاكل حياتها تجسيد للتباعد بين دواعى الروح ودواعى الجسد، بين نداء الأرض ونداء السماء بعد أن يئس من السعى فى طريق الوصول لأبيه، أو جودو المنتظر.

و«كائن رمادى» تسمية ملبسة ملغزة. فكل ما على الأرض من مخلوقات كائنات. والكون على اتساعه ملىء حد الازدحام بكل ما فيه من الكائنات. ولكنّ كائنًا واحدًا بينها هو الذى يعى أنه يعى، وأن وعيه سر قوته، وسر تفوقه على غيره من الكائنات. وأن هذا الوعى مرده إلى العقل والتاريخ واللغة والاعتقاد والفنون والعلم. ومن ثم، يكون إطلاق هذه التسمية على غلاف الكتاب جذابًا ومثيرًا وملغزًا. فالكائن الرمادى المعنى هنا هو حيرة وليد وما انتابه من قلق وجودى جعله كما تقول رحمة «المتردد الأبيض».

ولا يمكن للقارئ أن يقر قراره إلا بعد أن يقرأ هذا الكتاب فيكتشف عن أنه رواية، وأن الكائن الرمادى هو فرد منا اسمه وليد هو المعنى بالوصف «الرمادى» وأن «المتردد» اكتشاف توصلت إليه رحمة فريد التى ألصقت به ذمًا أو مدحًا وصف الأبيض، فازداد علمنا بأن وليد رمادى وأنه أبيض. والوصفان يمثلان مدخلًا لفهم صور الرواية أو تحولاتها منذ الجولة الأولى حتى الجولة الأخيرة وهى الجولة التاسعة. 

وجرت عادة الكتابة الروائية أن تصف الملامح الجسدية للشخصية، ولباسها ووضعها الاجتماعى وأن تؤسس على ذلك منطق الأحداث والتقابلات الناشئة بين الشخصيات. ولكننا فى هذه الرواية نجد الصفات الأبرز هى الصفات العقلية والنفسية. فوليد رمادى ومتردد وأبيض. فالرمادى كما يرى النفسيون لون محايد يقع بين الأبيض والأسود. والإنسان الرمادى حيادى وهادئ وغير عاطفى ويميل إلى العزلة، والقابلية للحزن، وحب المعرفة، ويفتقر إلى الطاقة والحيوية، ولا يقر له قرار فى زمن محدد أو مكان. والشخصية الرمادية على هذا النحو شخصية قلقة لنهمها الدائم فى المعرفة وما يصحبها من أسئلة وجودية، وافتقاد اليقين، لذلك نجدها مترددة ولكنها منقادة على نحو من نادته النداهة عند يوسف إدريس. وهى منقادة إلى المجهول. وإذا كانت رحمة وصفت وليد بأنه متردد أبيض، فلعل هذا الوصف يدل على الحيرة العقلية التى عاش فيها. فرحمة هى الزوجة الثالثة فى حياته. وهى التى استقرت على شاطئها الأمواج التى ألقت بوليد إليها. فقد علمت سيرته مع إيمان ومع غادة القعيدة قبلها. فغادة وإيمان جارتان حميمتان. ومع أن غادة لا تتكلم ولا تتحرك فإنها تمتلك لغة التعبير بالعيون التى قالت كلمتها فى زواج وليد بإيمان مع أنهما لم يبلغاها بهذا الاقتران.

والحيرة العقلية إزاء أسئلة الوجود هى التى جعلت وليد لا يبحث عن الإجابات فى قلبه أو وعيه العقلى، وراح يبحث عنها فى المكان وما به من اختلاف الجغرافيا واللغات والعادات والتقاليد والأذواق. وكانت المرأة هى المعادل الموضوعى للبحث عن الإجابات التى أرقته. فكل شىء عنده عابر مؤقت منقض متحول. حتى الزمن يتساوى فيه الماضى بالحاضر بالمستقبل. فهى حلقات تتبادل الجلوس على المقاعدالموسيقية. فكل اللاعبين يدورون حول هذه المقاعد ويجلسون كلهم ما عدا واحدًا، وتنتهى لعبة اللف والدوران حول المقاعد بفوز لاعب واحد لا يدرى لماذا فاز، ولا يدرى الخاسرون لماذا خسروا. فالفائز مثل الخاسر لم يكن بيده أسباب الفوز ولا أسباب الخسارة

فوليد فى الجولة الأولى لا ندرى لماذا كانت غادة قعيدة. وفى الجولتين الثالثة والرابعة تسفر الأحداث عن فراق وليد لإيمان لا لسبب إلا السبب الوجودى الذى جعلة ينفر من المكان وممن كانوا سر سعادته. فهو كائن بلا هدف ولا غاية فى الوجود. يقول لرحمة التى سعدت بكونها أنثى تحمل فى أحشائها طفلًا قادمًا تبحث له عن اسم: يا رحمة ارحمينى. استخدمى كلمة غير كلمة الهدف. رحمة تحولت إلى أنثى بلا نظير: دلالًا ورقة ونعومة كأنها جسد من خمر النعيم. ولأن المرأة والارتحال الدائم يمثلان له الخلاص من هذا القلق الوجودى، فلم يقر له قرار. ولم يصل بعد إلى شبه يقين أو طمأنينة. وهو أشبه بعمر الذى بلغ من العمر خمسة وأربعين عامًا فى رواية الشحاذ لنجيب محفوظ التى صدرت ١٩٦٥م. فعمر يبحث عن سر الكون وقيمة الحياة، فيبحث عن الله والإحساس بوجوده، لكنه يشعر بأن جسده أصبح خاملًا وشاعرًا بالاغتراب والانفصال عن العالَم. ويرغب فى التماس الإله داخلَه، محاوِلًا فَهم طبيعة الوجود والعالَم الميتافيزيقى، فيحاول أن يفهم الحياةَ من خلال لغة الجسد، فيجعل من جسد المرأة سرًّا للوجود، لكنه يظل تائهًا ويستمر فى المعاناة. يلجأ إلى التصوُّف علَّه يجد فيه الاطمئنانَ والسكينة والنشوة، لكنه يعجز عن الإحساس بالنشوة المرجوة، ويُقرِّر أخيرًا أن يحيا فى الخلاء بعيدًا عن البشَر، ويدخل فى حالة روحية منفردة يناجى فيها الله، يرجو الإنعام عليه بسرِّ الوجود وقيمة الحياة، والإحساس به، والوصول إلى اليقين.

وبناء الرواية كما يقدمه نشأت المصرى يعتمد على المكان وتشكلاته النفسية التى تدركها شخصية وليد. إنه دائم الترحال من مكان إلى مكان. وكل ترحال يمثل جولة. ومع أن المكان الذى يقصده فى كل جولة سواء أكان فى مصر أم تركيا مكان مدهش وجذاب، ومع أن وليد فى كل جولة لا يعتريه العوز ولا العجز، فإنه يرحل مستجيبًا لنداء داخلى يلح عليه إلحاحًا كبيرًا. فابنته نانا مع أنها حققت وجودها فى الجامعة يقول عنها «فهى لا تدرك مشكلتى ولا قضيتى، لأنها قضية كونية أبعد من قضايا الاقتصاد والوطن الذى أحبه». والوطن الذى يحبه وتكتنز ذاكرة وليد ذكرياته وصوره، هذا الوطن خرافة. يقول عندما ظهرت ملامح بلاده لعينيه وهو فى الطائرة: بدأت ملامح بلادى تظهر من أعلى. ينبض القلب نبضة زائدة تشى بأشواقى، وإن كنت أردد أن كل أرض الله أرضى. كأن الوطن خرافة لكنه ضرورة. فهاجس الفناء والمؤقت والعابر يصاحبه فى كل مكان. وكأنه ينتقل من مكان إلى مكان هربًا من عبثية الوجود. وفى مناجاة ذاتية يقول: «لماذا لا أرشح نفسى للرئاسة منذ عشرين عامًا قبل أن تتملكنى أفكار المؤقت والخلود. وهل هذه الوظيفة تجعل المؤقت خالدًا؟ ويظل اليقين هو الموت نفسه. لكنه أيضًا مؤقت له آخر هو البعث. تعبت من التساؤلات. عن أى شىء أبحث؟ كم تغنيت مع عبدالحليم وأبى ماضى (لست أدرى). لفد جئت للحياة بدون سؤال، وتمنيت الخلود على الأرض وهو هدف مستحيل».

فالكاتب حريص على تصوير شخصية وليد عبر المكان الذى أسماه الجولة، وعبر التاريخ الذى يحمل بصمات الإنسان وآثاره عليه. فالبناء الروائى يتخذ شكلًا دائريًا. فكل نقطة على محيط الدائرة متساوية مع كل النقاط الأخرى من حيث اتصالها بمركز الدائرة الذى يمثله وليد الذى رأى فى نهاية الجولة التاسعة أن يكف عن التجوال استجابة لنداء صفاء ابنته الوليدة: صرخت صفاء، وأفاقت رحمة. وفتح الليل جفنيه السوداوين، وتدافعت نجمة جذبت البطانية لتغطى وجهى بأمر من صفاء. رحت فى نوم هادئ، صفاء تريدنى نائمًا حتى لا أغادر إلى غير رجعة. وهذه النهاية غير منطقية، لأن وليد كف عن الرحيل استجابة لصفاء وهى فى المهد. فكانت هى نقطة الضعف القوية التى كبحت جموحه الدائم للرحيل. ولماذا لم تكن نانا نقطة الضعف أو غادة القعيدة أو إيمان تلك المرأة الساحرة الآسرة.