الأربعاء 15 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

الكُتَّاب العرب في القائمة الطويلة لـ«كتارا»: «الجوائز ليست غاية»

حرف

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» عن القوائم الطويلة لجائزتها فى مختلف فروعها: «الرواية المنشورة» و«الرواية غير المنشورة» و«رواية الفتيان» و«الرواية التاريخية» و«الدراسات النقدية»، بواقع 18 عملًا فى كل فرع.

في العدد السابق، نشرت «حرف» حوارات مع الكُتَّاب المصريين الذين وصلوا إلى القائمة الطويلة من الجائزة، وفي السطور التالية تنشر شهادات بعض الكُتَّاب العرب الذين وصلوا إلى القائمة الطويلة في أفرع الجائزة المختلفة.

وأكد كُتَّاب القائمة الطويلة لجائزة «كتارا» أن وصول رواياتهم إلى هذه المرحلة خطوة مهمة في طريق التعريف بها، وإثبات أن لها مستوى معينًا يؤهلها للمنافسة، مشددين على أن الجوائز صارت ضرورة للتعريف بالكاتب، خاصة في ظل تنامي وسائل التواصل الاجتماعي، وسيادة ثقافة الصورة، وطغيان الكم على الكيف.

جلال برجس: لا أؤمن بالرواية التي تقدم إجابات جاهزة

أشعر بالامتنان أولًا، لأن وصول رواية «معزوفة اليوم السابع»،  الصادرة عن دار «الشروق»، عن فئة «الرواية المنشورة»، إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارا» للرواية العربية، يعني أن هذا النص وجد من يصغي إليه قبل أن يصدر حكمه عليه. 

لجائزة «كتارا» مكانة خاصة لديّ، فهي كانت أول جائزة عربية أنالها، في عام 2015، عن رواية «أفاعي النار». لذا فإن عودتي اليوم إلى رحابها تحمل معنى إضافيًا من التقدير والامتنان. 

أرى أن الجوائز ليست غاية الكاتب، لكنها طريق مهم يصل العمل إلى قُراء جُدد، ويفتح أمامه مساحات أوسع للحضور والتفاعل.  الجائزة تسلط الضوء على أعمال ربما لم تكن لتحظى بالانتشار نفسه، وتفتح بابًا جديدًا أمام القراء لاكتشاف أصوات وتجارب مختلفة.

أما بالنسبة للمبدع، فالجائزة تمنحه شعورًا بأن جهده لم يذهب هباءً. لكنها في الوقت ذاته تضع على عاتقه مسؤولية أكبر. فهي لا ينبغي أن تكون محطة للاحتفاء فقط، بل دعوة لمواصلة البحث والتجريب، وتقديم ما يضيف إلى المشهد الأدبي. 

كما أنها تخلق جسورًا بين الكاتب والقارئ، وتمنح النص فرصة للوصول إلى فضاءات جديدة، لأن أجمل ما يمكن أن يحصل عليه العمل الأدبي هو أن يجد قارئًا يتفاعل معه ويحمله في ذاكرته.

الحقيقة أنا لا أؤمن بالرواية التي تقدم أجوبة جاهزة. الحياة نفسها لا تفعل ذلك. نحن نغادر هذه الدنيا مُحاطين بأسئلة أكثر مما بدأنا به، فلماذا نطالب الأدب بأن يكون أكثر يقينًا من الحياة؟

الرواية بالنسبة إليّ ليست محكمة تصدر الأحكام، بل فضاء للتأمل والشك واختبار الاحتمالات. أحب أن أترك للقارئ مساحة للمشاركة في كتابة المعنى، لأن القراءة ليست فعل تلقي فقط، بل فعل إبداع أيضًا. حين يغلق القارئ الرواية وتبقى الشخصيات والأسئلة ترافقه، أشعر بأن النص لم ينتهِ عند الصفحة الأخيرة، بل بدأ حياته الحقيقية في داخله.

لا أستطيع أن أنكر أثر الشعر في كتابتي، فهو كان بوابتي الأولى إلى اللغة. لكنني في الوقت نفسه أحرص على ألا تتحول الرواية إلى قصيدة طويلة. الشعر منحني حساسية تجاه الإيقاع والصورة وكثافة العبارة، غير أن الرواية لها منطقها المختلف، فهي تحتاج إلى بناء وشخصيات وزمن وصراع وحياة كاملة. 

لذلك أحرص على شعرية النص من دون أن تصبح عبئًا على السرد. أبحث عن الجملة التي تضيء المشهد، لا الجملة التي تستعرض جمالها. إذا شعر القارئ بموسيقى خفية في النص من غير أن تتعثر الحكاية، فأعتقد أن الشعر أدى وظيفته داخل الرواية.

لا أحب الحديث كثيرًا عن الأعمال التي ما تزال في طور التكوين، لأن الكتابة كائن هش، وقد يبدل الكاتب طريقه في أي لحظة. ما أستطيع قوله إنني ما زلت وفيًا للرواية بوصفها الفضاء الأوسع الذي أستطيع من خلاله مساءلة الإنسان في علاقته بذاته والعالم. 

هناك مشروع روائي جديد أعمل عليه بهدوء، يواصل انشغالي بالأسئلة الوجودية والاجتماعية، لكنه يذهب إلى مناطق مختلفة على مستوى البناء والرؤية.

في الوقت نفسه، لا أنقطع عن كتابة الشعر، لأنه المكان الذي أعود إليه كلما أردت أن أختبر اللغة في أكثر صورها نقاءً. أؤمن بأن الأجناس الأدبية ليست جزرًا منفصلة، بل أنهار تصب جميعها في بحر واحد اسمه الإنسان.

أسماء عليان: مصدر اعتزاز كبير وتقدير لدراستي النقدية

أسماء عليان
أسماء عليان

وصول كتابي «تقويض الاستشراق في الرواية التاريخية العربية المعاصرة.. قراءة ما بعد كولونيالية في نماذج مختارة» إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارا» فئة «الدراسات النقدية» مصدر اعتزاز كبير، لأن هذه الجائزة أصبحت واحدة من أبرز المنصات العربية التي تحتفي بالمنجز البحثي الرصين، وتمنح الدراسات النقدية مساحة تستحقها إلى جانب الإبداع الروائي.

هذا التأهل يحمل دلالة تتجاوز البُعد الشخصي؛ فهو يمثل تقديرًا لموضوع الدراسة ومنهجها، ويؤكد أن النقد العربي ما يزال قادرًا على إنتاج أسئلة جديدة وقراءات مختلفة للنصوص الروائية. كما أشعر بسعادة خاصة لأن هذا الإنجاز يضع الباحث الأردني في فضاء المنافسة العربية، ويؤكد حضور الجامعات والباحثين الأردنيين في المشهد الثقافي العربي.

يشهد النقد الأدبي العربي اليوم حراكًا واضحًا، فقد اتسعت دائرة المناهج النقدية، وأصبح الباحث العربي أكثر انفتاحًا على النظريات الحديثة، سواء في الدراسات الثقافية أو «ما بعد الكولونيالية» أو السرديات أو غيرها. وفي المقابل ما تزال الحاجة قائمة إلى دراسات تنطلق من أسئلة النص العربي نفسه، وتسهم في إنتاج معرفة نقدية نابعة من خصوصية التجربة العربية.

أما الجوائز النقدية، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في أنها تمنح البحث الأكاديمي فرصة للوصول إلى القارئ، وتعيد الاعتبار للكتاب النقدي الذي يبقى غالبًا داخل أروقة الجامعات. كما تشجع الباحثين على خوض مشروعات علمية طويلة النفس، وتفتح باب الحوار بين النقاد والروائيين والقراء، وهو ما يسهم في إثراء الحياة الثقافية العربية.

تنهض فكرة هذا الكتاب على مساءلة الاستشراق من جهة كونه منظومة معرفة وسلطة، وعلى تفحّص طرائق اشتغاله داخل السرد العربي المعاصر بوصفه نظام تمثيل يعيد ترتيب العالم، ويعيد ترسيم الحدود بين الذات والآخر، ويحوّل التاريخ إلى مادة قابلة لإعادة التأويل وفق منطق الهيمنة. 

ينفتح هذا المشروع على سؤال مركزي مفاده: كيف أعادت الرواية التاريخية العربية المعاصرة إنتاج صورة الشرق حين تكلمت من داخل أثر الاستعمار و«الإمبريالية»؟ وكيف صاغت في المقابل خطابًا مضادًا «Counter-Discourse»، يشتغل عبر الرد بالكتابة لتقويض البنى المهيمنة، وإعادة بناء معنى الهُوية ضمن حقل صراعي تتداخل فيه السياسة والمعرفة والجماليات؟

توصلت في هذه الدراسة إلى أن الرواية التاريخيّة العربية المعاصرة تُقيم صِلةً مُركبةً بالاستشراق؛ إذ تتحرك داخل فضاء تاريخ، كُتِبَ في جانبٍ كبيرٍ منه تحت عين الإمبراطوريّة، وبمفردات الأرشيف الذي رتّب الوقائع وسمى الأمكنة وأعاد تشكيل الذاكرة ضمن نظام من التمثيل.

أعادت الرواية التاريخية العربية المعاصرة فتح هذا الأرشيف، فقرأت مادته قراءةً تفكيكية ذات حسّ «ما بعد كولونيالي»، وكشفت مناطق التوتر التي تتكوّن فيها صورة الشرق بين إرادة التمثيل وحقّ السرد في استعادة الذات، فتحول الماضي إلى مختبرٍ نقديّ، تُراجع فيه الرواية أنساق الهيمنة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الذاكرة والهُوية والتاريخ عبر سردٍ يُنصت للهامش ويُصعّد سؤال الحضور داخل اللغة ذاتها.

يُقدّم الكتاب خلاصةً مفادها أن الرواية التاريخية العربية المعاصرة أنجزت فعلًا نقديًا يتجاوز سرد الوقائع نحو بناء خطابٍ مضاد يزعزع مركز المعرفة، ويعيد تعريف العلاقة بين الهُوية والتاريخ والسلطة، فتغدو الكتابة نفسها مجالًا لإنتاج معنى جديد يُقاوم تكرار الصورة ويعيد للذات حقّها في تسمية العالم.

يتحرك هذا الكتاب ضمن أفق الدراسات «ما بعد الكولونيالية» دون أن يحبس أدواته داخل توصيف تاريخي جامد. استثمرتُ في بناء القراءة مسارًا مزدوجًا: مسارًا تفكيكيًا يرصد تناقضات الخطاب وحوافّ انكساره، ومسارًا ثقافيًا يقرأ البنى الرمزية ضمن شبكة من المصالح والتصورات والتخيلات.

تبعًا لذلك، وظف الكتاب مفهوم «التقويض» بوصفه فعل قراءة يزيح مركز الدلالة، ويكشف آليات إنتاج الحقيقة داخل النص، ويُظهر ما يتسرّب من علاقات القوة إلى البنية الحكائية والصورة والاستعارة.

أتاح هذا المنهج تجاوز القراءة التي تركز على البنية الفنية وحدها، والانتقال إلى مساءلة العلاقات بين النص والسلطة والهوية والتاريخ والتمثيل الثقافي. من هنا ظهرت طبقات دلالية جديدة داخل الروايات، وأسهمت القراءة في الكشف عن الأنساق الفكرية التي تتحرك خلف السرد، وكيفية اشتغالها في إعادة تشكيل الوعي بالتاريخ.

أعمل حاليًا على مشروع نقدي جديد يتناول تمثيلات المرأة في الرواية العربية من منظور الدراسات الثقافية، وأحاول من خلاله تتبع الكيفية التي تُبنى بها صورة المرأة داخل الخطابات السردية، وعلاقتها بالسلطة والهوية والذاكرة والتمثلات الاجتماعية. ما يزال المشروع في مراحله الأولى، وأسعى إلى أن يقدم قراءة تتجاوز التصنيفات التقليدية، وتتجه إلى مساءلة الأنساق الثقافية التي تشكل حضور المرأة داخل النص الروائي.

خديجة التومي: «البية قمر» تستعيد تاريخ تونس

خديجة التومي
خديجة التومي

أشعر بامتنان كبير لوصول روايتي «البية قمر.. آكلة رؤوس بايات تونس» إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارا»، فرع «الرواية التاريخية»، لأن الوصول إلى القائمة الطويلة يعني أن الرواية وجدت من يلتفت إلى جهدها الفني والبحثي وسط عدد كبير من الأعمال العربية. 

الوصول إلى هذه المحطة بالنسبة إليّ ليس غاية في ذاته بقدر ما هو حافز لمواصلة الكتابة بثقة ومسؤولية، وهو أيضاً فرصة لتعريف القارئ العربي بتاريخ تونس من خلال الرواية.

الجوائز الجادة تمنح الكاتب مساحة أوسع للانتشار والحوار مع القراء. لكنها لا تصنع الإبداع وحدها. أما القارئ فتساعده على اكتشاف أعمال ربما لم تكن لتصل إليه بسهولة. وفي النهاية يبقى النص هو المعيار الحقيقي، لأنه وحده القادر على البقاء بعد انقضاء وهج الجوائز .

الرواية لا تقدم المرأة بوصفها رمزًا مجردًا بل شخصية تاريخية فاعلة تتقاطع فيها السلطةوالهوية والمقاومة.  لقد أردت أن أستعيد جانبًا من تاريخ تونس من خلال شخصية نسائية معقدة، لأكشف أن مقاومة الاستعمار والتخلف لم يكونا حكرًا على الرجال، وأن النساء أسهمن بطرائق مختلفة في حماية الذاكرة الوطنية وصناعة التحولات.

في الحقيقة أنا لدي مشروع كبير في الرواية التونسية، والتي تشرح تاريخ تونس في حقب مختلفة، وهو مشروع أدبي يتبلور مع كل عمل جديد.

يشدني التاريخ لأنه يحمل أسئلة الإنسان قبل أن يحمل الوقائع، وأحاول أن أقرأه بعين الروائي لا بعين المؤرخ. لذلك أبحث في الوثائق والمراجع، وأفسح المجال للخيال كي يمنح الشخصيات حياتها الإنسانية، ويعيد وصل الماضي بالحاضر، لأن التاريخ في النهاية ليس زمنًا منتهيًا بل جزء من وعينا بما نحن عليه اليوم.

أما عن التاريخ وحدود تدخلي فيه فأنا ألتزم باحترام الحقائق التاريخية الكبرى، لأنها تمثل الإطار الذي تتحرك داخله الرواية. أما مساحة التخييل فتتمثل في بناء الشخصيات والحوارات. والتفاصيل الإنسانية  ليست بديلًا عن التاريخ لكنها تمنحه نبضًا إنسانيًا، وتضيء المناطق التي قد تعجز الوثيقة وحدها عن كشفها.

حاليًا أواصل العمل على مشاريع روائية ونقدية جديدة، لأنني أؤمن بأن الكتابة مشروع حياة لا يتوقف عند كتاب أو جائزة. ومايزال التاريخ والذاكرة يشكلان رافدين أساسيين في تجربتي إلى جانب انشغالي بأسئلة الإنسان العربي وتحولاته.

أسعى دائمًا إلى أن يكون كل عمل جديد خطوة مختلفة تضيف إلى تجربتي وتفتح حوارًا أوسع مع القارئ. فالرواية الحقيقية لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة إنما تبدأ رحلتها الحقيقية عندما تصبح جزءًا من ذاكرة القارئ، والأدب لا يغير الماضي لكنه يغير طريقتنا في فهمه ومن ثم يغير نظرتنا إلى المستقبل.

عبد القادر حميدة: «قبو الأسرار» تحفر في تاريخ منسي

عبد القادر حميدة
عبد القادر حميدة

وصول روايتي «قبو الأسرار.. الحكاية التي لم يحكها محمد الخياط» إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارا»، فئة «الرواية التاريخية»، خطوة مهمة في طريق التعريف بالرواية، وإثبات أن لها مستوى معينًا يؤهلها للمنافسة. وربما تعمدت المشاركة بها مخطوطة حتى أهيء لها طريقًا يمكنها من استثارة السؤال لدى القارئ.

الجوائز صارت ضرورة للتعريف بالكاتب في ظل تنامي وسائل التواصل الاجتماعي والتسرع، وثقافة الصورة، وطغيان الكم على الكيف، فتأتي الجائزة لتنبه إلى عناوين بعينها وإلى كُتَّاب بعينهم، هنا ينتبه القارئ الذي لم يعد مكتشفًا للنصوص إلا فيما ندر، بل صار مستهلكًا من طراز خاص.

هذه الرواية تحفر في تاريخ منسي بمدينة «الجلفة» وسط الجزائر، تعود إلى الزمن الماضي لتحكي حكايات نسيها أهل «الجلفة»، مثل حكاية المحتشد أيام حكومة المحتل «فيشي» في أربعينيات القرن الماضي، وإسلام روجيه جارودي في ذات المعتقل، وكتابين كتبهما الشاعر الفرنكو إسباني ماكس أوب، صديق أندريه مالرو، وهو يعاني من قسوة الطبيعة هنا، وقسوة الاعتقال والحنين الجارف إلى الوطن.

هذا إلى جانب حكاية أحد المعتقلين واسمه «شبيلجرن»، وحكاية «إلييت» الفتاة اليهودية التي تركت الديانة اليهودية لتعتنق المسيحية، وحكاية «زارين» اليهودية التي اعتنقت الاسلام، وغيرها من الحكايات التي تتقاطع فتنقلنا إلى أبعاد إنسانية، كانت هذه المدينة مسرحًا لها خلال الأربعينيات والخمسينات من القرن الماضي.

حدود تدخلي في التاريخ أنني أجعل من الحادثة الواقعية الثابتة مطية للتخييل، وأجعل من التخييل فضاء لإعادة سرد ما هو واقعي وحقيقي وحدث بالفعل.

رواج الرواية التاريخية في الفترة الأخيرة علامة صحية، لأنها تعيد طرح أسئلة الهوية والذاكرة من جديد، وهي فعل ترميم نحن بأشد الحاجة إليه.

استمر في مشروعي الخاص بمنطقتي «الجلفة» وما حولها، وسيصدر لي عن قريب رواية جديدة عن دار «العين» بالقاهرة بعنوان «مخبأ ساراماغو: حكاية القرميد المتداعي في دار الشيوخ».

الزهرة رميج: أحفر في المجتمع المغربي بـ«رسائل دامية» 

سعيدة للغاية بوصولي إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارا»، فئة الرواية المنشورة، عن روايتي «رسائل دامية»، خاصة أن ذلك دليل على أنها حظيت بالقراءة خارج الوطن، وبالاستحسان من نقاد عرب متميزين. هذا في حد ذاته مفرح، ويتيح لها فرصة المنافسة على القائمة القصيرة.

أهمية الجوائز بالنسبة للمبدع تكمن في الإشعاع الخارجي، والتعريف بالعمل الإبداعي على نطاق واسع، سواء في العالم العربي الذي يعاني فيه الكِتَاب من ضعف التوزيع، ومحدودية طبع النسخ التي لا تتجاوز الـ1000 نسخة في غالب الأحيان، أو في العالم الغربي عندما تترجم الأعمال إلى لغات أجنبية، فيتعرف قراء الغرب على الإبداع العربي، وهذا دور مهم جداً تقوم به الجوائز الأدبية في التعريف بثقافتنا العربية، وقيمنا التي لا تختلف عن القيم الإنسانية في أي مكان.

أما بالنسبة للقارئ، فإن الجوائز تمكنه من الإطلاع على أعمال إبداعية مهمة لمبدعين يجهلهم، سواء داخل الوطن أو خارجه نظرًا لمشاكل ترويج الكتاب. 

المجتمعات تعكس سياسات الأنظمة السائدة في الأوطان. فهي صورة لما يُراد لها أن تكون عليه. لكن الضحية غالبًا ما تتحول إلى جلاد في ظل سيادة الجهل والتخلف والفقر. 

لذا، ما عانت منه «دامية» في الرواية ما كان ليحدث لو أن المجتمع كانت تسوده العدالة الاجتماعية، وتُصان فيه كرامة المواطن بضمان حقه في التعليم والصحة والشغل، وتُحارب فيه جميع مظاهر التخلف والفساد.

أدركت «دامية» من خلال تجربة الخدمة في البيوت، والاحتكاك بأنماط بشرية مختلفة، أن الحل الوحيد للخروج من العبودية هو العلم. وهو ما مكنها في النهاية من الخروج من ظلام المستنقع إلى نور الحياة الحرة الكريمة. 

مشروعي الروائي والإبداعي عمومًا قائم على الحفر في أعماق المجتمع، وطرح الأسئلة الحارقة، وتناول القضايا المسكوت عنها، أي إظهار الوجه الحقيقي للمجتمع، وإسقاط أقنعته كما تقول شخصية «دامية» في رسائلها. الحفر في المجتمع يعني بالضرورة تناول الشخصيات المهمشة، سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي.

روايتي «أخاديد الأسوار» تلقي الضوء على تهميش المناضلين الشرفاء، ومعاناتهم النفسية والجسدية بعد خروجهم من المعتقلات والسجون. ورواية «الناجون» تلقي الضوء على مرحلة تاريخية من أعنف المراحل التي عاشها المغرب ويُطلق عليها اليوم «سنوات الجمر والرصاص»، وهي مرحلة مهمشة في التاريخ الرسمي. 

أما رواية «عزوزة» فتلقي الضوء على واقع البادية المغربية المهمشة، وتبرز ما فيها من قيم الحب والجمال والمقاومة. بينما تعكس رواية «قاعة الانتظار» معاناة مرضى السرطان من فساد المنظومة الصحية، ومعاناة المواطنين المنتمين إلى المناطق المهمشة البعيدة عن المركز من غياب المستشفيات وإمكانيات العلاج في عين المكان. 

رواية «رسائل دامية» تسير في نفس الاتجاه لكونها تغوص في أعماق العالم السفلي للمجتمع، وتكشف ما يجري بعيدًا عن الواجهة البراقة... هذا الحفر يكون دائما محكومًا بالأمل في الإصلاح.

عندما يكون العمل صادقًا ونابعًا من واقع المجتمع الذي يعيش فيه المبدع، فإنه بالتأكيد سيجد صداه في بقية المناطق العربية. فنحن شعب واحد تفرقه الجغرافيا ويوحده التاريخ. لهذا، يمكن لأي شخصية روائية عربية أن تجد مثيلتها في بقية الدول العربية.

وأعتقد أن الجائزة التي تشهر الروايات الفائزة، وتجعل القراء العرب يقبلون عليها، تساهم بشكل كبير في تعريف الشعوب العربية على بعضها البعض بشكل أعمق، وبالتالي تقوية الروابط العربية، ومقاومة النزعة الشوفينية. 

أشتغل حاليًا على مجموعة قصصية أعود بها إلى جنس القصة القصيرة بعد انقطاع 10 سنوات كرستها للرواية، إذ كانت آخر إصداراتي فيه هي مجموعة «صخرة سيزيف» سنة 2015. 

صفاء أبو صبيحة: تقدير على سنوات من السهر لتطوير كتابتي

صفاء أبو صبيحة
صفاء أبو صبيحة

أعبر عن امتناني الكبير بالوصول إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارا»، فرع «رواية الفتيان»، عن روايتي «الدقيقة 61»، خاصةً أنها جائزة تُقدر الأدب وتحترمه، وتعد بمثابة شهادة تقدير لي على سنوات طويلة من القراءة والكتابة والسهر والعمل المتواصل على تطوير كتابتي ومشروعي الأدبي.

صحيح أنّ القائمة الطويلة ليست نهاية طريق هذا المشوار، لكنّها تمنح الكاتب ثقة بأنّ ما يكتبهُ قادر على الوصول إلى لجان مختصة، وهذا ما يشعرني بالمسؤولية لأبذل جهداً أكبر بغض النظر عن النتيجة.

تكمن أهمية الجوائز في تسليطها الضوء على الأعمال الجادة والحقيقية، وتمنح الكاتب فرصة الوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من القراء، وإن كانت ليست مقياسًا وحيدًا وحصريًا لقيمة الأدب، فهناك أعمال عظيمة لم تُمنح أي جوائز، وثمة أعمال حصدت جوائز لكنّها انطفأت فيما بعد وغابت عن الذاكرة.

لذا أعتقد أن الجوائز تساعد على اكتشاف أصوات جديدة، وربما أصوات بالأصل موجودة لكنها مغمورة في مساحة ضيقة، فتأتي الجائزة لتفتح أمامها الأفق الواسع والمضيء.

كل ما يمكنني قوله الآن عن رواية «الدقيقة 61» إنها رواية موجهة للفتيان، تنطلق عبرها أسئلة في زمن سريع ومتغيّر، بلغة واعية تحترم عقل اليافعين  وتحفز قريحتهم على الخيال والتفكّر والتدبّر، وإيجاد الحلول لأي مشكلة، تطور مداركهم بأسلوب غير وعظي وبعيد عن التلقين والأمر والنهي، إنما إشراكهم في المشكلة وفي حلها أيضاً، تحفزّهم على التأمل وعدم الخوف من طرح الأسئلة التي تصلهم بالنهاية إلى الطريق الصحيح والسوي.

أرى تطوّراً ملحوظاً في رواية الفتيان، لكنها تحتاج إلى اهتمام أكثر من دور النشر والنقاد والجوائز المخصصة، ليتمكن الجميع من الإطلاع عليها وقراءتها، والتشجيع لتطويرها وإخراجها من قوقعتها فتتسع في أفقٍ أكثر رحابةً، فالكتابة إلى هذه الفئة العمرية ليس بالأمر السهل، تحتاج إلى لغة معينة وأسلوب بعيد عن الوعظ والتلقين، تحتاج الى قدرة على محاكاتهم عبر توجهات يحبوّنها ويتقبلونها تارة، وبين توجهات أخرى يمكن أن نوجههم عبرَ الكتابة بطريقة سحرية غير لافتة.

ولأنني ومن خبرتي كأم وسيدة مجتمع، وعملت في مجال أعطاني مساحة كبيرة للتعامل مع الفتيان واليافعين، أخذتُ فرصتي في اكتشاف طريقة تفكيرهم وتطلعاتهم ورغباتهم، خاصة أن المعرفة مُتاحة لهم عبرَ التكنولوجيا، وهنا يأتي دور الكتابة، تحتاج أن تكون متجددة، وتجيد محاكاتهم بطريقة ذكية وغير مباشرة، تمزج بين المتعة والمغامرة والعمق الفكري، وهذا الخليط والمزيج يحتاج إلى قدرة وأسلوب منهجي مدروس ووعي بالعمق الذي يجب الوصول اليه.

في الحقيقة لا أحبّ أن يكون إبداعي محصوراً في نوع أدبي واحد، أكتب لأنّ الفكرة تراودني عن نفسي، تختارني، ورغم أنّ هذه الرواية لم تأتِ بطريق الصدفة، وجاءت من منطلق داخلي ودعوة روحية لأكتبها، ساعدني على كتابتها بالفعل طريقتي في الكتابة

أنا أعيش العمل، أتقمّص الشخصيات، أرتدي وجوههم وملامحهم، حتى أنني أفكر بطريقتهم، وأساوي عمري بعمرهم، لا بعمر تجربتي الحقيقية، ما يشغلني بالفعل أن أكتب نصاً صادقاً وهادفاً، لا لهدف المتعة فقط. باعتقادي أيّ موهبة حقيقية يجب أن يكون لها رسالة سامية تمنح الدفء للقلوب وتمنح الذاكرة عمقاً يستحقه القارئ.

أنجزتُ مؤخراً مجموعة قصصية للكبار، تحملُ في طياتها فلسفة الإنسان والوجود، متعددة الطبقات والأصوات، وأعمل على مشروع رواية جديد لا يمكنني الإفصاح عنه الآن كون الفكرة لا زالت في حالة الاختمار. لكنني في الواقع أحببت كتابة رواية الفتيان، وإن عثرت على الفكرة التي تستحق أن تروى ويمكنها أن تشغل كياني سأكون سعيدة بكتابتها.

رفيق جلول: أحلم بجائزة «نوبل» في الآداب 

رفيق جلول
رفيق جلول

بدايةً، من خلال هذا المنبر، أستغل الفرصة لأبارك لجميع الروائيين والدارسين والنقاد المتأهلين في القوائم الطويلة من أنحاء العالم العربي، متمنياً للجميع التوفيق في المراحل المقبلة.

في الحقيقة، لقد كانت المفاجأة سيدة الموقف، فالوصول إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارت»، فئة «رواية الفتيان»، بروايتي «أجنحة تكسر الظلام»، لم يكن متوقعاً بالمرة، كونها المشاركة الأولى لي في هذه الجائزة، وأول عمل أخوض به غمار الكتابة لفئة الفتيان.

بصراحة كاملة، لم أكن أنتظر إدراج اسمي في القائمة يومها، إذ كنت مسافراً خارج البيت، وبعيداً عن مكتب دار النشر التي أديرها «دار أندلسيات»، وتواجدت في منطقة تنعدم فيها تغطية الهاتف تماماً. وما إن خرجت منها وعادت التغطية، حتى تهاطلت التبريكات، وكان أولها رسالة صوتية مفاجئة من صديق جزائري مقيم في تركيا، يزف لي خبر وصول «أجنحة تكسر الظلام» إلى القائمة الطويلة.

اتذكر حوارًا طريفًا دار بيني وبين ابن عم لي، وهو قارئ مثقف ومتابع، منذ سنوات، حول أهدافي وأحلامي؛ يومها سألني: «رفيق، ما هو حلمك الأدبي؟»، فأجبته بكل ثقة: «حلمي البسيط هو الحصول على جائزة نوبل للآداب».

اندهش صديقي من جرأة الجواب، لكنني أرى أن هذا الطموح الرمزي يمثل الوقود الحقيقي لأي كاتب أو فنان يصبو لنجاح أعماله وإيصال رسالته، والجوائز تمنح المبدع هذا الاعتراف المعنوي والانتشار.

أما بالنسبة للقارئ، فالأمر يشبه تماماً موقف ابن عمي، فالجائزة تخلق حالة من الدهشة والفضول الإيجابي، وتتحول إلى بوصلة تسلط الضوء على العمل، ما يدفع القارئ للبحث بشغف وفضول عما كتبه هذا المبدع والإطلاع عليه، وهو ما يساهم في تحريك العجلة الثقافية وتطوير الذائقة العامة.

رواية «أجنحة تكسر الظلام» هي ملحمة وعي موجهة خصيصاً للفتيان. تنطلق الأحداث من قرية «عين النصر»، حيث يعيش الفتى «علي» ذو الخمسة عشر عاماً، ممزقاً بين شغفه الطفولي بكرة القدم والتزامه بحفظ القرآن. 

لكن حياته تنقلب رأساً على عقب حين يكتشف التاريخ النضالي لوالده، الذي سقط شهيداً في مجازر 8 مايو 1945 الرهيبة. هنا، وبتوجيهات حكيمة من جده «العم أحمد»، ورفيقيه الشجاعين «يوسف» و«سمية»، يتحول حلمه الشخصي الصغير إلى نضال وطني غايته نشر الوعي ومساندة ثورة التحرير الجزائرية المباركة. 

ينتقل «علي» في مسيرته من الأدوار البسيطة كتنظيم مباريات كرة القدم لجمع التبرعات، إلى الالتحاق الفعلي بالصفوف الأولى لجبهة التحرير الوطني في الجبال، خائضاً معارك بطولية يقدم من خلالها أسمى قيم التضحية والفداء في سبيل نيل حرية الوطن واستقلاله. 

 تعيش رواية الفتيان «اليافعين» في الوطن العربي حالياً مرحلة انتقال إيجابي ملموسة، بعدما ساهمت الجوائز الكبرى، وعلى رأسها جائزة «كتار» في لفت الأنظار إلى هذا الجنس الأدبي المهمل، وشجعت الكتاب والناشرين على الاستثمار في هذا الفضاء النثري الخصب.

ورغم هذا الانتعاش، لا نزال نواجه تحديات حقيقية؛ أبرزها سد الفجوة العمرية الحساسة لليافعين «من 12 إلى 18 عاماً»، والذين عانوا طويلاً من شح النصوص التي تحاكي تخبطاتهم النفسية، الفكرية، والفسيولوجية.

التحدي الحقيقي اليوم يكمن في مدى قدرتنا ككتّاب على التخلي التام عن الخطاب الوعظي والتقليدي المباشر، وتقديم نصوص بصرية، سريعة الإيقاع، وعميقة الطرح في آن واحد، تحاكي وتواكب عقول جيل الإنترنت الرقمي الحالي.

رواية «أجنحة تكسر الظلام» لم تكن في بادئ الأمر سوى تجربة إبداعية استثمارية، كغيرها من التجارب التي مررت بها؛ فكما كتبت سابقاً «نوفيلات» وقصصاً موجهة لفئة الكبار، رأيت من واجبي خوض مغامرة الكتابة للفتيان، إلى جانب رصيد من قصص الأطفال التي كتبتُها ولم تُنشر بعد.

الكتابة عندي تأتي كدفقات إبداعية قد لا يتم التخطيط المسبق لها حتى يحين وقتها المناسب لتخرج إلى النور. لكن بالتأكيد، بعد هذا التحفيز الكبير والاحتفاء الذي حظيت به الرواية بالوصول لقائمة «كتارا»، يتولد لدي التزام أعمق بالاستمرار في هذا المسار، وآمل صادقاً في المرات المقبلة أن أقدم ما هو أحسن وأجود لقرائنا الأعزاء.

توهامي بشير:  «حين تكلم الناجي» عن شخصية تاريخية حقيقية 

توهامي بشير
توهامي بشير

يسعدني أن أكون ضمن القائمة الطويلة لجائزة «كتارا» للرواية العربية، فئة «الرواية التاريخية»، برواية «حين تكلم الناجي بين ضفتين»، خاصة أن هذا الوصول يمثل تقديرًا للعمل نفسه قبل أي شيء آخر، ويمنح الكاتب دافعًا لمواصلة مشروعه بثقة ومسؤولية.

الجوائز الأدبية، في تقديري، لا تصنع المبدع، لكنها تسهم في التعريف بالأعمال الجادة، وتفتح جسورًا بين الكاتب والقارئ، وتمنح الرواية فرصة أوسع للوصول إلى جمهور عربي متنوع.

أما بخصوص رواية «حين تكلم الناجي ما بين الضفتين» فهي رواية تاريخية تنطلق من شخصية تاريخية حقيقية هي «سليم الجزائري»، كانت مدفونة في مصدرين كنسيين من مصادر القرن التاسع عشر، لكنها لا تدعي إعادة كتابة التاريخ، وإنما تحاول مساءلته من خلال الخيال الروائي.

أردت أن أمنح صوتًا لإنسان وجد نفسه عالقًا بين حضارات وأديان ولغات متعددة، وأن أطرح أسئلة الهوية والحرية والعبودية والذاكرة من خلال تجربة إنسانية عميقة تتجاوز حدود المكان والزمان.

أعتقد أن الرواية التاريخية تظل واحدة من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على محاورة الحاضر، لأنها لا تستدعي الماضي بوصفه زمنًا منتهيًا، بل بوصفه مرآة نفهم بها واقعنا المعاصر والمعقد.

غير أن نجاح هذا النوع مرهون باحترام الحدود الفاصلة بين الحقيقة التاريخية والتخييل الأدبي، فالمؤرخ يبحث عن إثبات الوقائع، بينما يحق للروائي أن يتخيل داخل المساحات التي يتركها التاريخ صامتة، شريطة ألا يزور الحقائق الثابتة أو يناقضها. 

لذلك كان البحث التاريخي بالنسبة إليّ أساسًا للبناء، بينما كان الخيال وسيلتي لإحياء الشخصيات ومنحها حياة إنسانية.