صاحب الثلاثية.. ياسر نبيل: كل أبطالى «ناس عاديين».. ولا أخجل من «العامية»
- لسنا فى حاجة لاستدعاء شخصيات خيالية لإنتاج أعمال درامية
- لو كتبت بلغة مثل الرافعى فلن يفهمك أحد وقد تُتَّهم بالتعالى
منذ أن تخرج فى كلية الإعلام، شق ياسر نبيل طريقه فى عالم الإخراج التليفزيونى، حيث يعمل اليوم مخرجًا فى قناة «القاهرة الإخبارية»، لكن رغم انشغاله بالمجال الإعلامى، لم يتخلَّ عن شغفه الأول وهو الأدب.
أصدر «ياسر» 3 أعمال أدبية هى «صاحب المقام» و«المارينايو»، كما كانت له رواية بعنوان «دكتور مرسيدس»، أعاد صياغتها لاحقًا لتصدر منقحة تحت اسم «مذكرات أيوب شاكر القصبى».
حول تجربته الأدبية، ورحلته مع الكتابة، وكيف يوازن بين العمل الإعلامى والإبداع الروائى، أجرت «حرف» مع المخرج والكاتب ياسر نبيل الحوار التالى.

■ تخرجت فى كلية الإعلام وعملت مخرجًا.. كيف استفدت من الإخراج فى كتابتك؟
- أنا خريج إعلام القاهرة سنة ١٩٩٧، قسم إذاعة وتليفزيون، وأنت عندما تعمل مخرجًا أو عندما تصور أى مشهد، قد تصوره بكاميرتين أو ثلاث أو أربع، وبالتالى يمكنك أن ترى هذا المشهد من أكثر من وجهة نظر؛ يعنى من وجهة نظر البطلة، ومن وجهة نظر البطل الذى أمامها بزاوية مختلفة، وعندما تأتى لتحترف الكتابة، مثل تجربتى وتجربة أناس اشتغلوا ودرسوا سينما أو درسوا إذاعة وتليفزيون، فهناك قدرة على نقل ذلك على الورق، أولًا أنا أهتم جدًا بالتفاصيل اللونية لمشاهد كثيرة، كأن هناك كاميرا تصور الأبطال، بالتالى تشعر بأنك تكتب للسينما أو للتليفزيون بسبب خبرتك أو بسبب الخلفية الحاصة بك، أنت لا تكتب فقط بلغة أدبية، بل تحاول طبعًا أن تجتهد ليكون سردك فيها جيدًا، ويصل إلى المعنى الذى تريد توصيله وتفاصيله، لكن أيضًا تريد أن تستفيد من خبراتك فى مجال التصوير ومجال الإخراج، فى أنك توظف ذلك أدبيًا. وبالتالى أنا عندى مثلًا «مذكرات أيوب» كتبت وكأنها سيناريو معد للإنتاج سينمائيًا أو تليفزيونيًا، وليس نصًا روائيًا عاديًا.

■ ماذا تقول عن روايتك «صاحب المقام»؟
- «صاحب المقام» رواية اجتماعية بالأساس، أعمدتها الرئيسية: ما نزرعه فى مرحلة تربية الأبناء نحصدُه مستقبلًا، وهو صراع تقليدى ما بين الأخ وأخيه من أيام قابيل وهابيل، يُعاد إنتاجه بشكل حديث.

■ كتبت «المارينايو» وأرخت فيها لبورسعيد.. هل قصدت التأريخ للمدينة الكوزموبوليتانية؟
- «المارينايو» رواية بالأساس مرتبطة بكل أفكارى ووجدانى، لا شك مرتبطة بجذورى أيضًا. أنا رجل من مواليد محافظة بورسعيد، رواية فيها تكوين المدينة البسيطة، وفى الخلفية تاريخ عميق، أنا لا أتحدث عن حضارتها منذ أيام تانيس الفرعونية أو الفرما فى المرحلة التاريخية المتوسطة، وإنما نتحدث عن تاريخها الحديث المرتبط بحفر قناة السويس، الذى بدأ فى سنوات من ١٨٥٩ إلى ١٨٦٩، وجذبت من مختلف أنحاء العالم كل من ارتبط بحفر القناة وباعتبار أن امتياز حفرها كان للشركة الفرنسية، فكان عندنا بحارة يونانيون، مهندسون إيطاليون، كل هؤلاء اجتمعوا فى هذه البيئة، وفى النهاية هؤلاء الناس جاءوا إلى بورسعيد ليس بوظائفهم فقط، بل جاءوا بأسرهم، بعائلاتهم، بتقاليدهم، بمطبخهم، بأدبهم، بكل شىء. لذا كنت تجد عندنا مطاعم مخصصة. طبعًا من منتصف الستينيات بدأ الموضوع يقل قليلًا، لكن بورسعيد كانت مجتمعًا كوزموبوليتانيًا، ليس شبيهًا بالإسكندرية لكنه بشكل مصغر قليلًا.

■ ماذا تمثل بورسعيد بالنسبة لمصر؟
- بورسعيد فى وجدان كل واحد فينا، بدءًا من معركة ١٩٥٦ والعدوان الثلاثى، وأنت ترى فيها المجتمع المصرى بكل التقلبات واللحظات، كل شىء؛ لذلك أنا عندى حتى فى الرواية تجد التاريخ حاضرًا من ١٩٤٨ مع مدة زمن الرواية حتى نهاية الثمانينيات، التاريخ فى خلفية الأحداث: ٤٨، حرب فلسطين وفقداننا فلسطين الغالية علينا جميعًا، ثم تأميم عبدالناصر القناة فى ١٩٥٦، وخروج الجاليات الأجنبية، وقبلها المجتمع اليهودى الذى كان موجودًا ومتغلغلًا باعتبار وجوده كان طبيعيًا، كانوا يشكلون كتلة ثالثة فى البلد، إلا أنه بعد فضيحة لافون، تحديدًا سنة ١٩٥٥، تم كشفه للمجتمع المصرى، ومع ذلك لم يكن هناك قرار رسمى بإخراجهم أو بطردهم، لكنهم وجدوا أنفسهم فى بيئة تطردهم تلقائيًا. وعلى العكس، كانوا مستقرين تمامًا ويتمتعون بحرية دينية كاملة. كان فى بورسعيد منذ ١٨٨٠ معبدان يهوديان، وبعد ذلك انقشع الأمر، وتلته بعد ذلك الهجرات الأجنبية.
وبدأت بورسعيد بشكل متدرج تفقد هذا الطابع الكوزموبوليتانى الذى كانت تتميز به، وتركوا لنا فى النهاية إرثًا معماريًا ومقابر اليهود ومقابر الأرمن ومقابر اليونان. لكن ما أراه إيجابيًا الآن هو أنه يُعاد إحياء هذه المبانى القديمة بعدما كانت تُهدم.

■ إذن هل ننتظر جزءًا ثانيًا من الرواية؟
- لا، ليس جزءًا ثانيًا، بل عودة أكيدة، لأن بورسعيد تحتمل رواية واثنتين وثلاثًا وأربعًا، وأعتقد أن هذا ليس جديدًا. عندنا مثلًا الأستاذ إبراهيم عبدالمجيد كتب عن الإسكندرية كثيرًا، وغيره الكثيرون، كما كتب أستاذ الرواية العربية نجيب محفوظ عن الحارة المصرية، أكثر من عشرين رواية من نفس البيئة. فالعودة لنفس المكان لا يعد إفلاسًا، لكن المكان يحتمل أن تتناول فيه زوايا مختلفة لم تُتناول من قبل.
■ ماذا عن روايتك «مذكرات أيوب شاكر القصبى»؟
- روايتى «مذكرات أيوب شاكر القصبى» تدور فى إطار اجتماعى ولكن بخط بوليسى، ولكن فى الحقيقة فى رواياتى الثلاث أنا مهتم بفكرة صعود الإنسان الشريف؛ هل يمكن للبطل أن يصعد بشكل شريف وبشكل نقى، وليس دائمًا كل من يصعد يبدأ مرتشيًا أو لصًا. وبالتالى كنت أريد أن أقدم ذلك فى هذه الرواية.
وهذا البطل صعد مثل أى إنسان عادى يبنى حياته بشكل متدرج، إلى أن صُدم، رغم أن الشخصية تتمتع بالعلم والذكاء، بطل الرواية مهندس يعتد بنفسه جدًا، ويشعر بأنه من الصعب خداعه، وبالتالى هو انتقم لنفسه، وكان شرطه الوحيد فى تخطيطه للانتقام أنه لا يُخدع ولا يُعاقب مرتين؛ لا يُعاقب مرة بالاستخفاف ومرة ظلمًا. فالنتيجة التى أخذها بالثأر كانت باسترداد كرامته.
■ لاحظت دمجًا لقضية اللاجئين السوريين فى الرواية؟
- بالطبع الرواية تدور فى إطار درامى حول قصة اللاجئين السوريين الذين يخرجون من إزمير فى تركيا إلى السواحل اليونانية، ومنها إلى ألمانيا. وأنا جعلت البطل يبدأ رحلته من دبى مرورًا بهذه العواصم المختلفة.
وهذه هى النقطة التى أرصدها فى الرواية وأهدف لها، أن الإنسان يمكن أن تتجدد حياته إذا أُتيحت له الفرصة لتجديدها، بمعنى أننا حين نصطدم بأمر ما فهذا ليس معناه نهاية الحياة، إنما هناك فرصة دائمة للتجديد وإعادة إحياء هذه الحياة التى نتصور فى لحظة أنها ماتت أو توقفت.
■ كل أبطال رواياتك أناس عاديون.. هل تستلهمهم من حياتك الواقعية أم من الخيال؟
- هدفى الأساسى أن أكتب عن الناس، عن أناس حقيقيين من لحم ودم وليسوا من الخيال، من الممكن مثلًا أن يتجاوز الإطار البوليسى بعض الحدود لكن عندما نشاهد الآن أى مسلسل وجرائم مبنية على قصة حقيقية، نكتشف أن الواقع أسوأ بكثير، وأشد خيالًا أحيانًا من الخيال.
وبالتالى، أنا كل تركيزى على أن الناس العاديين من حقهم أن يكونوا أبطالًا لروايات. لسنا فى حاجة لاستدعاء شخصيات خيالية لإنتاج أعمال درامية، أكتب عن المهندس والطبيب والصيدلى، هؤلاء الذين يمارسون حياتهم بشكل طبيعى جدًا، ويصلون إلى النجاح، لكنهم يصطدمون بصراع؛ وهو صراع لأن أى بناء روائى لا يخلو من الصراع، شخصيات تتصارع مع بعضها وتؤدى إلى نتيجة أو أزمة، ثم بعد ذلك انفراج وحل للأزمة.
■ كتبت رواية «دكتور مرسيدس» ثم أعدت إنتاجها فى مذكرات أيوب القصبى.. لماذا؟
- فى الحقيقة أنا أتعامل مع «دكتور مرسيدس» على أنها لم تصدر، حين نشرت لم توزع على الإطلاق. ما حدث أنها تم عرضها فى معرض الإسكندرية لمدة أربعة أيام، ليس مدة المعرض نفسه أيضًا، وبعدها لم توزع، فقررت تنقيحها والإضافة عليها ثم قمت بتغيير العنوان لأننى شعرت بأن عنوان «دكتور مرسيدس» ربما يكون ظالمًا للرواية، وهذا الأمر لست أنا أول من انتهجه، ولكن يوسف إدريس أيضًا أعاد إنتاج روايات لديه، مثل رواية «البيضاء»، وأعاد طرحها باسم آخر، لأن اسمها لم يكن تجاريًا، ولكن بالطبع فى روايتى قمت بزيادتها وكتابتها مرة أخرى، وبالتالى هى مختلفة بعض الشىء عما طرحت عليه أولًا.
■ هل أنت مع من يقولون إن العامية فى الحوار فيها بعض من العدالة من ناحية منح كل شخصية لسانها البسيط الذى تعبر من خلاله عن نفسها؟
- بالضبط. فهنا يتكلم كل شخص وفقًا لبيئته ومفرداته، بمعنى أن أمنح كل شخصية طريقة حوارها على حسب وعيها، أنا أرى أن البحار يستخدم تعبيرات تخص البحر، وتخص بيئته، وأنا مهما حاولت باللغة العربية فلن أصل إلى هذا الإحساس إذا استخدمت لغة بعيدة أو متعالية عليه، قد لا يعجب هذا البعض، لكنى أراه غير منطقى أن يكون شخص ثقافته محدودة جدًا ويقول كلامًا يصعب على المتنبى قوله.
فى النهاية، نحن نكتب للقارئ، والغاية هى الوصول إليه، كيف يصل إليه النص إذا كُتب بلغة بعيدة عنه؟ لكن بالطبع تكتب بلغة جيدة، ثرية، مجتهدًا فيها قدر الإمكان لتقدم شيئًا محترمًا، لأنك فى النهاية لا تجلس على المقهى، بل تكتب أدبًا.
لكن لا بد أن تختار لغة تصلح للعصر. وحتى لغة طه حسين وعباس العقاد كانت معقدة نسبيًا فى زمنهما، وتناسب زمنهما. أما الآن، لو كتبت بلغة مثل الرافعى، فلن يفهمك أحد، وقد تُتَّهم بالتعالى. وأنا لا أريد ذكر أمثلة، لكن هناك بعض الكتاب يتعالون على القارئ ويصرّون على هذا الأسلوب. وأنا كقارئ أشعر أحيانًا بأن الكاتب يتعمد اختيار ألفاظ مهجورة ليُقال إنه يستخدم مفردات لا تُستعمل إلا فى الكتب. فى النهاية أنا أكتب لجمهور من القراء.
■ اخترت أنماطًا مختلفة من البيئات، مثل البحار، والمهندس والصعيدى وغيرهما.. كيف تتعرف على هذه الأنماط قبل الكتابة عنها؟
- أقرأ كثيرًا قبل الكتابة، حتى لو كانت لدى خلفية. لكن بالتأكيد هناك قراءات. ففى مراحل كتابة الرواية أحاول أن أُلمّ بأبعاد الشخصيات وأعمالها وما خفى عنها.
نأخذ مثال «مذكرات أيوب شاكر القصبى»: هذه الرواية بطلها يدخل فى حياة اللاجئين السوريين، وهى قضية لا علاقة له بها من قريب ولا من بعيد، هو رجل ارتكب جريمة ويهرب وسط هؤلاء الناس.
فمن أين لى أن أعرف حياة اللاجئين السوريين؟ لا بد قبل أن أكتب هذه الرواية أن أدرس أوضاع السوريين، ومن هنا استعنت بأصدقاء خاضوا تجربة اللجوء بشكل إنسانى ووصلوا إلى ألمانيا، وعُرضوا على لجان اللاجئين وقُبلوا، ومنهم من خاض التجربة فى أسوأ أشكالها، من إزمير إلى السواحل اليونانية، ومنها إلى دول أوروبية عبر ما يسمى طريق الموت، هؤلاء قادرون على أن يمنحوك روح هذه الرحلة، كذلك قرأت شهادات طويلة للسوريين عن رحلتهم نحو «بلد الأمل». الرواية تقع أحداثها بين عامى ٢٠١٥ و٢٠١٨، وقت اشتداد الأزمة. الآن الأوضاع مختلفة نسبيًا، كذلك كان من المهم ذكر أسماء أشخاص ساعدونى فى الرواية، لهم علاقة مباشرة بالشأن السورى.
وأيضًا إذا كان بطل الرواية مهندس ميكانيكيا، فلا بد هنا أن أدرس الهندسة الميكانيكية على الأقل بشكل عام، حتى إذا قرأ المهندسون هذا العمل لا يرونه غريبًا عنهم، وإذا كتبت عن دبى، وقد زرتها أكثر من مرة، أستطيع أن أحكم على طبيعة الحياة هناك، وثقافة المجتمع الخليجى، والفارق بين الحياة هناك والحياة فى مصر. حتى شبهت ذلك فى الرواية بأنها بلاد عامرة بالخير لكنها تفتقد الحس البشرى، كأنك تشاهد فيلمًا بلا صوت، مقارنة بالحياة فى مصر المليئة بالأصوات والتفاصيل، كل هذا يحتاج إلى دراسة، إضافة إلى مهارة «تضفير» العلاقات بين الشخصيات، بحيث تنتج فى النهاية صدامًا دراميًا. لأننا فى النهاية نهدف إلى الإمتاع. أنا أرى أن قراءة الرواية هدفها الأساسى المتعة. لو أردت التاريخ أو الفلسفة أو الجغرافيا، فهناك كتب متخصصة. لكن الرواية يجب أن تكون ممتعة.
■ تكتب بلغة بسيطة.. كيف تنظر للغة فى أعمالك؟
- أنا دائمًا أعتمد على أن أكتب باللغة الفصحى بالنسبة لمتن الرواية، وأعتمد اللغة العامية فى الحوار. دائمًا يشغلنى الصراع بين الكتاب الكبار، أساتذتنا الكبار، فى مسألة اللغة الحوارية: هل نكتب باللغة العربية أم نكتب باللغة العامية؟، أنا أرى أننا نكتب لزماننا هذا.
أنا أعلم طبعًا أن الأستاذ الكبير نجيب محفوظ كان يرى عدم كتابة الحوار بالعامية، لكنى أرى أن زماننا هذا لا بد أن نصل فيه إلى مرحلة متوسطة: نرتقى بفكر الرواية كفكر، وننزل درجة قليلًا لكى نلتقى مع الناس، نشجعهم على القراءة، ونتمكن من التواصل معهم والوصول إليهم. فلغتى بسيطة، متناسبة مع العصر الذى نحن فيه، ومع ما أراه مناسبًا لأبطال رواياتى، ولا أميل كثيرًا إلى اللغة الشعرية الزائدة عن اللازم، بل أميل إلى اختيار الألفاظ وخلق لغة واقعية أشبه بلغتنا التى نمارس بها حياتنا اليومية، وإن كانت مضبوطة لغويًا.
أما الحوار، كما قلت، فأنا أعتمد العامية فيه، وقد أغير وجهة نظرى فى هذه النقطة مستقبلًا، لكن حتى الآن أنا أعتمد ذلك.







