الرَحّالة.. عاطف معتمد: أريد أن أجعل الجغرافيا «علمًا لكل الناس»
- أتمنى أن أطرح كتابًا عن كل صحراء ومدينة فى مصر
- أعمل على تقريب «الجغرافيا الثقافية» إلى القارئ العام غير المتخصص
- أحرص على تقديم بيانات حديثة تعتمد على الزيارات الميدانية والأقمار الصناعية
- أعمالى مقدمة بطريقة سلسة أدبية شيقة لكنها لا تتخلى عن الدقة العلمية
أصدر الدكتور عاطف معتمد كتابه الجديد «رحلات فى ثلاث صحراوات» عن دار «الشروق». ورغم وجود الصحارى فى كتابه «صوت المكان»، اختار أن يتحدث عنها بشكل منفصل فى كتاب خاص، مع يقينه وقناعته بأن «كل صحراء تستحق كتابًا وحدها».
فى هذا الكتاب الجديد، لم يروِ الدكتور عاطف معتمد رحلته فى الصحراء بقدر ما أضاف الكثير من المعلومات الواردة من رحَّالة سابقين، إلى جانب المعارك التى شهدتها كل صحراء، ليقدم وجبة شهية ومكتملة تستحق الاقتناء والقراءة.
حول كتابه الجديد، التقت «حرف» الجغرافى الدكتور عاطف معتمد، الذى يعمل على مشروع لجعل الجغرافيا «علمًا لكل الناس»، فكان الحوار التالى.

■ كيف جاءت فكرة العمل على كتابك «رحلات فى ثلاث صحراوات»؟
- فى كتابى السابق «صوت المكان.. سيرًا على الأقدام فى جغرافية مصر» قدمنا ١٠ فصول، يكاد يكون كل فصل عن إقليم من أقاليم أو مدينة من المدن المصرية، فصل عن سيناء، وفصل عن الصحراء الشرقية، وفصل عن القاهرة، وفصل عن الدلتا، وهكذا، ثم فى النهاية فصل عن الأدب والجغرافيا.
«صوت المكان» كان بمثابة مدخل عام أو تقريب «الجغرافيا الثقافية» للقارئ العام، من خلال تقديم إطلالة عن كل إقليم مصرى فى حدود فصل، وكل فصل فى حدود ٢٠ صفحة على الأكثر.
أما كتاب «رحلات فى ثلاث صحراوات» فهدفه تركيز عدسة الدراسة والتحليل على الصحارى المصرية، وكما نعرف، أرض مصر فى الأساس هى صحراء كبرى، صحراء واحدة كبيرة ممتدة من سيناء على حدودنا مع فلسطين حتى الصحراء الغربية وبحر الرمال على حدودنا مع ليبيا، وجنوبًا أيضًا صحراء على حدودنا مع السودان، وفى الشرق صحراء على حدودنا مع البحر الأحمر فى الحدود الشرقية للأراضى المصرية. والاستثناء الوحيد فى الأراضى المصرية هو وادى النيل، الذى يأتى من الجنوب، ويصنع خطًا صغيرًا كما نعرف فى وادى النيل، ثم فى مروحة الدلتا شمالًا.
الكتاب يتعامل مع الصحراوات المصرية باعتبارها صحراء واحدة، ويضم أيضًا ١٠ فصول، لكن هذه المرة ليست فصولًا عن الأقاليم ولا المدن المصرية، وإنما عن جغرافيا الصحارى المصرية، بواقع فصلين عن سيناء، و٣ عن الصحراء الشرقية، و٣ عن الصحراء الغربية، إلى جانب فصل عن الصحارى والأدب، أى ما يرتبط بها من رواية وقصة وأغنية وموسيقى وأمثال شعبية.
■ هل تخطط للكتابة عن كل صحراء على حدة فى المستقبل؟
- الحقيقة أن الصحارى المصرية هى أكبر من أن تُجمع فى كتاب واحد مثل «رحلات فى ثلاث صحراوات»، فكل صحراء مصرية تستحق أن تكون فى كتاب منفصل. أتمنى أن أقدم كتابًا مستقلًا عن جغرافيا صحراء سيناء، وآخر عن جغرافيا الصحراء الشرقية، وثالث عن جغرافيا الصحراء الغربية، وهكذا.
كل كتاب من هذه الكتب المقترحة يقدم رؤية ومعالجة جغرافية ثقافية لكل صحراء، ندرس فيها الشقين الرئيسيين فى الجغرافيا: الجغرافيا الطبيعية للصحارى، من جبال وهضاب وجيولوجيا ووديان وصخور ونباتات وحيوان، أى كل ما له علاقة بالبيئة الطبيعية، إلى جانب ما يتعلق بالإنسان فى هذه الصحارى، من قبائل وبطون وعشائر، وتراث ثقافى لدى هذه القبائل، والعلاقات بينها وبين سكان وادى النيل المستقرين، والتغيرات التى حدثت على هذه الحياة البشرية، من تأثير الحداثة، والتعدين، والسياحة، وأثر التغيير الديموجرافى السكانى فى الإقليم، والهجرة من الوادى الى الصحراء والعكس.. كل هذه المتغيرات يمكن أن تُدرَس فى كل صحراء على حدة.
لدينا فى الصحراء الغربية بيئة جغرافية مميزة، تمثلها الواحات هناك، مثل الخارجة والداخلة والفرافرة والبحرية وسيوة وأبومنقار، وكل منها يستحق أن يُدرَس دراسة مستقلة داخل الصحراء الغربية، أو فى كتاب مستقل عن الواحات.

■ هل يمكن تحويل هذا المشروع إلى واقع؟
- المشروع طموح للغاية، ويحتاج سنوات طويلة من العمل. وللعلم، هذه ليست أول دراسة عن الصحارى، وهناك جغرافيون قدموا أعمالًا عنها منذ أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، فى الفترة التى كان فيها الجغرافيون من الإنجليز والألمان والفرنسيين، قبل ظهور الجيل المصرى الذى أسس الجغرافيا الحديثة، مثل الأستاذ الدكتور محمد عوض محمد، الذى تتلمذ على يديه كبار علماء الجغرافيا، مثل محمد رياض وصفى الدين أبوالعز وجمال حمدان، وغيرهم كثير من علماء الجغرافيا الذين تناولوا جغرافيا الصحارى.
لكن هؤلاء تناولوا جغرافيا الصحارى برؤية تستند إلى البيانات التى كانت متاحة فى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. أما اليوم فنحن فى حاجة إلى كتاب حديث يقدم بيانات حديثة، ولا يعتمد فقط على قراءة الخرائط وترجمة الكتب التى قدمها باحثون سابقون، وإنما يعتمد على الزيارات الميدانية للتعرف على المناطق الجغرافية الطبيعية، تمامًا مثل كتابى «رحلات فى ثلاث صحراوات»، الذى يتضمن رحلات أجريتها بنفسى للتعرف على البيئة الطبيعية والبيئة البشرية على أرض الواقع.
■ ما الذى تستهدفه من كتابك الأخير وأعمالك المشابهة؟
- أسعى الى تقديم معالجة تقوم على ٣ عناصر، الأول هو «الجغرافيا الثقافية»، أى تقديم الجغرافيا لكل الناس، بحيث لا يكون النص أكاديميًا علميًا جافًا، لا يستطيع أن يقرأه إلا المتخصصون، بل نهدف إلى تقديم نص جغرافى ثقافى سهل مستساغ لكل القراء من كل التخصصات، لأن المبدأ الذى أؤمن به هو أن «الجغرافيا علم لكل الناس».
الهدف الثانى هو تقديم جغرافيا مبنية على الرؤية، رؤية العيان والمشاهدة والدراسة الميدانية والرحلة، وليست فقط القراءة النظرية. أما الهدف الثالث الذى أتمنى أن توفره كتبى عن جغرافيا مصر فيتمثل فى تقديم بيانات مُحدَثَة تناسب الزمن الذى كُتبَت فيه اليوم، أعمال تناسب عام ٢٠٢٦، وتقدم بيانات حديثة عن الأراضى المصرية.

■ حرصت على تقديم الصحراء فى صورة أدبية، مع المزج بين عنصرى التشويق والمعرفة.. لماذا؟
- هذا النوع من الكتابة لا يتخلى عن الدقة العلمية، ولا يتخلى عن البحث والمراجع، ولا عن التحليل الدقيق للخريطة والبيانات الحديثة من صور الأقمار الصناعية وغيرها، وفى نفس الوقت يقدم كل ذلك بطريقة سلسة أدبية شيقة، يمكن أن يقرأها الناس دون أن يشعروا بأن هذه دروس جافة أو ثقيلة على القارئ غير المتخصص.
الكتاب مُقدَم للمثقف على اختلاف تخصصه، وأكون فى غاية السعادة حينما أعرف أن الأطباء والمهندسين والمحامين والمحاسبين والإعلاميين وغيرهم يقرأون المؤلفات أو المقالات التى نكتبها بهدف تقريب الجغرافيا إلى المثقف العام، وانطلق إلى ذلك من رؤية قائمة على محاولة الجمع بين الدقة العلمية والأسلوب الأدبى.
■ لكن الكتاب يتضمن أيضًا مصطلحات جغرافية بحتة مثل أسماء الرءوس والخلجان والجبال.. هل تحاول بذلك أن ترضى المتخصصين؟
- حينما ظهر كتاب «صوت المكان.. سيرًا على الأقدام فى جغرافية مصر»، تلقيت آراءً إيجابية من عدد كبير من غير المتخصصين. لكن بعض الجغرافيين عاتبونى بقولهم: «لماذا لا تجعل لنا نصيبًا فى هذه الكتب؟!»، أى أن تكون فيها أيضًا معلومات جغرافية أكاديمية موثقة إلى جانب المعالجة الأدبية.
لذا، فى كتابى الجديد «رحلات فى ثلاث صحراوات»، حاولت أن أمزج ولو ٢٥٪ معلومات تناسب الجغرافيين. بينما النسبة الأكبر ٧٥٪ من الكتاب تناسب غير المتخصصين، بحيث يجد كل قارئ ما يناسبه فى الكتاب. سأعمل على استكشاف رد فعل القراء من النوعين، المتخصصين وغير المتخصصين، وسأراعى ما تكشف عنه النتيجة فى عملى المقبل بإذن الله.

■ رجعت للمؤلفات والرحَّالة وما أوردوه لكى تكون صورة شمولية لكل صحراء.. هل قصدت من وراء ذلك الابتعاد عن تصنيف الكتاب ضمن أدب الرحلات؟
- نعم، الكتاب به معلومات أخرى غير نتاج رحلة المؤلف، وإنما من قراءات لمؤلفين سابقين. لذا اخترت أن يكون عنوان الكتاب «رحلات فى ثلاث صحراوات» وليس «رحلاتى فى ثلاث صحراوات»، لنبحر ونسافر فيه مع مؤلفين آخرين غيرى، خاصة أن عمرى البحثى لا يتجاوز ٣٠ سنة من السفر فى الصحراء، بينما هناك رحلات مر عليها أكثر من ١٥٠ عامًا، وبالتحديد لصحراء سيناء والصحراء الشرقية.
فى سيناء على سبيل المثال، أشرنا إلى رحلات لبعض الرحَّالة الذين أتوا إلى سيناء فى منتصف القرن التاسع عشر، وكذلك فى الصحراء الشرقية، والصحراء الغربية، ليجمع الكتاب بين رحلات قام بها المؤلف بنفسه، وسفر فى مراجع ورحلات المؤلفين من القرنين الماضى وقبل الماضى.
■ تستمر فى تقديم قليل من الفلسفة فى الكتاب الجديد كما فعلت فى كتاب «صوت المكان».. لماذا؟
- جرعة الفلسفة فى الكتاب الجديد أقل نسبيًا من الكتاب السابق، لرغبتى فى إتاحة مساحة أكبر للمعلومات، يستطيع القارئ أن يتعرف منها على طبيعة الصحراء الشرقية وسيناء والصحراء الغربية. ولعل فى الأعمال المقبلة، إذا ما تناولنا كل صحراء على حدة، وأوغلنا وتعمقنا فى جغرافيتها الثقافية، يمكن وقتها أن نقدم رؤية فلسفية، بعدما يكون القارئ قد عرف المعلومات الأساسية فى كتابى الحالى «رحلات فى ثلاث صحراوات».
■ تتحدث فى الكتاب بضمير «الأنا».. هل قصدت ذلك لتكون أكثر قربًا من القارئ؟
- سلاح ذو حدين، الجانب الإيجابى منه هو شعور البعض بأن هناك مصداقية فيما يرد من معلومات فى الكتاب، لأن المؤلف رأى بنفسه، وبعض القراء، أو دعنا نقول قطاع كبير منهم، يُقبُل على هذا النوع من الكتابة أو التدوين.
فى المقابل، هناك قُراء آخرون لا يعجبهم حضور «أنا» المتحدث أو الرحالة فى الكتاب، لأن هذا قد يفسد تذوق العمل، أو يزاحم القراء فى رحلتهم معه. وأزعم أننى كنت منتبهًا لهذا فى معظم الأحوال، فقد حاولت أن يكون حضورى بصيغة المتحدث أو الراوى الذى يقدم معلومات مباشرة من خبرة ذاتية، دون أن أسرف فى ذلك، وبهدف تأكيد أن هذه المعلومات ناتجة عن السفر والخبرة والترحال.
سأكون سعيدًا لو أن القراء أرسلوا لى أو كتبوا أن الجرعة أو المنهج لم يكن مناسبًا، أو أنهم أحبوه ويرون أنه جيد، فأنا أقوم بتجربة خاصة هى تقريب الجغرافيا للمثقف العام، وبما أنها تجربة ومحاولة، فبالتأكيد هناك نجاحات وهناك عدم توفيق.
حتى حين أكتب على صفحتى فى «فيسبوك»، أحرص على قراءة آراء المتابعين، ومدى تقبلهم للأسلوب من عدمه، كأننى فى محاضرة بالجامعة، ألاحظ استحسان الطلبة وقبولهم لما أقوله أو عدم رضاهم عنه، وأعدل من أسلوبى بناءً على ذلك، وهو ما أفعله طوال ٣١ عامًا لى فى الجامعة، منذ أن كنت معيدًا، وأحرص عليه فى الكتابة أيضًا، حتى يكون كل كتاب أفضل مما قبله.

■ لم تكتف بذكر التواريخ والأديان، وأوردت فصلًا تحت عنوان «من أدب الصحراء»، تطرقت فيه إلى أعمال أدبية مثل رواية «التبر» لإبراهيم الكونى و«واحة الغروب» لبهاء طاهر.. ما الذى قصدته؟
- فى نهاية كل عمل عن جغرافية مصر، أحرص على أن يكون هناك فصل بعنوان «الجغرافيا والأدب» أو «فواتح شهية لدخول المعرفة الجغرافية» كما فى كتابى السابق «صوت المكان»، والذى أدرجت فيه نماذج من الفيلم والرواية والقصة والقصيدة والأغنية من أماكن مصرية مختلفة، وهو ما أكرره فى كتابى الجديد، لكن هذه المرة من الصحراوات فقط، أى «فواتح شهية» فيما يتعلق بالصحراء فقط.
درست مثلًا معالجة بهاء طاهر وإبراهيم الكونى للصحراء الليبية، وأغانى وأفلامًا لها علاقة بالصحراء، فى إطار الهدف الرئيسى الذى أسعى إلى تقديمه فى أعمالى وهو «الجغرافيا الثقافية»، بما تتضمنه من روايات وقصص وأغانٍ ولوحات فنية وأمثال شعبية وغيرها، وهى أمور مهمة لتقريب الجغرافيا إلى المثقف العام دون حواجز أو قدرات أو متطلبات دراسية خاصة.
هذا الفصل أسعد به، وأتمنى أن يظل موجودًا فى نهاية كل عمل مقبل لىّ.

■ ما الفكرة التى تعمل عليها فى كتابك المقبل؟
- أعمل على استكمال هذا المشروع، وأتمنى أن أقدم كتابًا جديدًا عن مدينة من المدن المصرية، بنفس المنهج، الموازنة بين المعرفة الجغرافية المستندة على الدراسة والبحث والخريطة والصورة الفضائية والمراجع العلمية القديمة والحديثة، وفى نفس الوقت الصياغة بأسلوب مقبول مستساغ لعموم القراء، لأننى، وكما قلت من قبل، أؤمن بأن «الجغرافيا علم لكل الناس»، ويجب أن تكون مفهومة ومُتَاحَة لكل البشر فى مصر والعالم العربى والعالم، لأنها علم أساسى فى تكوين الإنسان، تساعده على فهم الحياة، والتفاعل أكثر مع بيئته والجماعات البشرية، وتعمل لصالح الحضارة والسلام، وتقليل مساحات الشر فى العالم، وفهم أبعاد الأمن القومى، وحفظ الأوطان، والبناء والتنمية.







