سارة حواس: الكتابة فى مصر والوطن العربى «ما تأكلش عيش»!
- وأنا أكتب وضعت نفسى فى موقع القارئ وليس الكاتب أو المترجم
- الترجمة فعل حُب ونجاة كما الكتابة.. وأُترجم ما يسُرُّ روحى ويُشبع شغفى
- الكتابة قدر واختيار.. و«لقمة العيش» تحرمنا من مواهب كثيرة
- الكتابة مثل «الندَّاهة» تسحب صاحبها حتى لا يستطيع الفكاك منها أبدًا
- أُفضِّل فكرة «المشروع» فى الترجمة.. وأترجم نصوصًا جديدة قريبًا
أصدرت الدكتورة سارة حامد حواس، الكاتبة والمترجمة، الحاصلة على الدكتوراه فى اللغويات التطبيقية، كتابها الجديد «أسرار الكتابة كما يرويها كُتَّاب العالم»، عن الدار المصرية- اللبنانية، وهو الكتاب الذى حرره وقدمه الشاعر الكبير أحمد الشهاوى.
فى الكتاب الجديد، تعرج المدرس فى قسم «اللغة الإنجليزية» بجامعة المنصورة على سير 17 كاتبًا وكاتبة من مشاهير الأدب العالمى، وتذكر الكثير مما يهم الكاتب المبتدئ، كاشفة عن طرق تعامل هؤلاء الكبار مع صعوبات وتحديات الكتابة، إلى جانب أبرز الطقوس التى يتبعونها لحظة الإبداع.
«حرف» التقت الدكتورة سارة حواس، فكان هذا الحوار عن كتاب «أسرار الكتابة كما يرويها كُتَّاب العالم».

■ بداية.. كيف جاءت فكرة كتاب «أسرار الكتابة كما يرويها كُتَّاب العالم»؟
- أتت الفكرةُ من فرط حبى وشغفى واهتمامى بعملية الكتابة نفسها. فأنا منذ طفولتى شغوف بالكتابة، كفعل حُبٍّ ونجاةٍ. أحبُّ كل ما له علاقة بالكتابة، أسلوبًا ومنهجًا وطقوسًا وعادات.
أثناء قراءتى لأى عملٍ أدبىٍّ، لا أهتم فقط بالأفكار والموضوعات والأحداث، بل أهتم أيضًا بمُراقبة تدفق كلمات الكاتب فى نصِّه، وأدوِّن بصمة روحه فيما يكتب، وأُتابع كيف صاغ أسلوبه وصُوره وأفكاره.
ولا أكتفى بتلك التفاصيل فقط، بل أُطالع ما وراء كواليس الكتابة، كيف بدأ الكاتب رحلة الكتابة، وما مصادر إلهامه، وكيف وأين يكتب، وما الصعوبات التى واجهته فى بداية رحلته الإبداعية. كما أهتمُّ بتفاصيل العمل الأدبى نفسه.
من هنا، بدأت فكرة ترجمتى لنصوصٍ تتناول عملية الكتابة لعددٍ من كبار كُتَّاب العالم. فأنا أُترجم ما يسُرُّ روحى ويثرى عقلى ويُشبع شغفى واهتمامى، والترجمة لدى فعل حُب كما الكتابة.
■ فى أعمالك السابقة كتبتِ عن شعراء نالوا جائزة «بوليتزر» وآخرين.. هل يمكن اعتباره الكتاب الجديد مكملًا لـ«مشروعك» فى الترجمة؟
- أُفضِّل فكرة «المشروع» فى الترجمة، بمعنى أنَّنى أحب عندما أبدأ فى ترجمة عملٍ ما، أن أضع هذا العمل فى سياق مشروع أعمل عليه إلى الحدِّ الذى أشعرُ فيه أنه اكتمل، أو أنَّ رسالتى المرجوة منه قد وصلت بنجاحٍ إلى المُتلقى.
بدأت فى مشروع الكتابة عن الكتابة، فى سياق الترجمة وليس التأليف، بكتابى الجديد «أسرار الكتابة كما يرويها كُتَّاب العالم»، الصادر عن الدار المصرية- اللبنانية، وسأكمل هذا المشروع بترجمة كتبٍ أُخرى عن الكتابة، لأن هذا المجال شاسع ومفيد ومطلوب، ولأنه بمنزلة ورشة كتابة مجانية. كما أن هناك الكثير من التجارب لكُتَّابٍ عالميين تستحق أن تُنقل إلينا، لنستفيد من خبراتهم وننتقى منها ما يناسبنا ويلائم مبادئنا وأساليبنا ومدارسنا فى الكتابة.
اهتممت، أيضًا، فى هذا الكتاب بنقل وترجمة مواقف حياتية مهمة ومؤثرة واجهت هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب فى حياتهم، خاصة مع بداية رحلتهم فى عملية الكتابة، لأن هذا البُعد الإنسانى هو ما يجعلنا نُكمل المسيرة، ويشجعنا على مواجهة الصعوبات بشجاعةٍ وأن نؤمن بأنفسنا وإمكاناتنا، ويجعلنا نؤمن بأن الوصول إلى النجاح والتحقق ليس سهلًا، ويحتاج إلى الكثير من الدأب والالتزام وتحمل المسئولية والمثابرة والصبر، وألَّا نستسلم أبدًا لإحباطٍ أو نقدٍ أو كلمة سلبية، بل نجعل كل ذلك سُلما للصعود نحو الأفضل.
■ ما المنهجية التى حددت اختياراتك لهؤلاء الكُتَّاب دون غيرهم؟
- فى هذا الكتاب تناولت عملية الكتابة عند عدد من كبار الكُتَّاب العالميين المؤثِّرين فى العالم العربى، بعضهم نال جائزة «نوبل» فى الآداب، والآخر نال جائزة «البوكر» الإنجليزية، وفريق ثالث نال جوائز أخرى كثيرة. ومعيارى فى الاختيار لم يكن الجوائز فقط، بل قوة تأثير هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب على التكوين الثقافى للمتلقِّى العربى.
عندما كنت أقدم على ترجمة نصوص الكتابة لأى كاتبٍ، كنتُ أبحث فى مواقع التواصل الاجتماعى، عن اهتمامات القُرَّاء فى قراءة أعمال ذلك الكاتب أو تلك الكاتبة، عن طريق نشر أغلفة كتبهم المُترجمة، أو نشر اقتباسات منها على صفحاتهم الخاصة. كما كنتُ أتابع المقالات المكتوبة باللغة العربية عن هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب، المنشورة فى مختلف المواقع والمجلات والجرائد العربية المُهتمة بالشأن الأدبى الثقافى.
هدفى الأول من هذا الكتاب، إفادة المُتلقِّى العربى وإمداده بما يفيده ويهمه ويحب أن يقرأه عن كاتباته وكُتَّابه العالميين المُفضَّلين. وقبل أن أبدأ فى ترجمة تلك النصوص، آثرتُ أن أضع نفسى فى موقع القارئ وليس موقع الكاتب أو المترجم، لكى أستطيع أن أشعر شعوره، وأعرف مواطن اهتمامه، كى أشبع عند المُتلقِّى رغبته فى حب المعرفة بهذا الشأن.
كما اهتممتُ أن أنوِّع فى اختياراتى، فترجمت نصوصًا عن الكتابة لكاتبات وكُتَّاب من قارات أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأوروبا وإفريقيا وآسيا، لأقدِّم خلفيات ومدارس أدبية ثقافية واجتماعية متعددة للقارى العربى، تثرى معرفته وتحيطه بما يجرى فى عالم الكتابة بمختلف أنحاء العالم.
■ معظم الكُتَّاب يقولون إنَّ الكتابة جاءت بالمُصادفة كما حدث مع وليام فوكنر.. هل ترين أن الكتابة قدر، وهى التى تختار الكاتب، أم العكس؟
- الكتابة قدرٌ واختيارٌ فى آن. بمعنى أن الله قد يمنُّ على شخصٍ ما بموهبة الكتابة لكنه لا يسعى إلى صقلها أو الاشتغال عليها، بل يمكن أن ينشغلُ بمهام أُخرى بعيدة عن الكتابة لأسبابٍ عديدة منها «لقمة العيش»، لأن الكتابة فى مصر والوطن العربى لا يُعول عليها فى الربح المادى إلا إذا كانت كاتبة أو كاتبًا «من الأكثر مبيعًا».
أمَّا عن المصادفات فى الكتابة، فهى موجودة وأؤمن بها كثيرًا. كما أؤمن بأن الكتابة مثل «الندَّاهة» تنده صاحبها وتسحبه حتى يصبح عالقًا فى براثنها ولا يستطيع الانفكاك منها أبدًا. والدليل على ذلك أنَّ حتى الأشخاص الذين ينشغلون عن الكتابة بمهام أخرى، قد نجدهم بعد سنواتٍ من الانشغال يرجعون إلى الكتابة بطرقٍ مختلفة كأنهم يعلنون ندمهم على تركها. فالكتابة إذن، كما قلت، قدرٌ واختيارٌ.
■ رغم أنك تكتبين عن رحلاتٍ فى الكتابة تخصُّ شخوص بعينهم، يبدو الكتاب فى مجمله كأنه روشتة ناجحة للكُتَّاب أنفسهم.. كيف ترين هذا؟
- الكِتابُ روشتة ناجحة للكُتَّاب أنفسهم، لأننى اخترت كاتبات وكُتَّابًا عالميين ومتحققين وبارزين، وكثير منهم حائزون جائزة «نوبل» فى الآداب مثل الروائية الأمريكية تونى موريسون، والروائى التركى أورهان باموق، والروائى والكاتب المسرحى والمترجم النمساوى بيتر هاندكه، وكاتبة القصة الكندية أليس مونرو، والروائية البريطانية دوريس ليسينج، والروائى والكاتب الصحفى والأكاديمى البيروفى ماريو فارجاس يوسا، والروائى والكاتب الصحفى الكولومبى جابرييل جارثيا ماركيز، والروائى الأمريكى ويليام فوكنر، والروائية الفرنسية آنى إرنو، والروائى والأكاديمى التنزانى عبدالرزاق قرنح، والروائى والشاعر والكاتب المسرحى والكاتب الألمانى جونتر جراس، والروائى والكاتب الصحفى البرتغالى جوزيه ساراماجو، أو جائزة «البوكر» مثل الروائى والكاتب الصحفى البريطانى جوليان بارنز، والروائية والناشطة السياسية الهندية أورنداتى روى.
كما أن هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب حازوا أيضًا جوائز أدبية عالمية أخرى. والكتاب لهذا السبب يُعتبر روشتة ناجحة لتجارب ناجحة وعميقة ومتحققة وذات ثِقَل فى الكتابة الأدبية.
السبب الآخر يكمنُ فى اهتمامى بالتركيز على النصوص التى تتناول عملية الكتابة نفسها. لم أكتف فقط بترجمة النصوص التى تحتوى على عاداتهم وطقوسهم فى الكتابة فقط، بل اهتممت بترجمة كل ما يخصُّ عملية الكتابة لديهم، وما واجهوه من صعوبات وتحديات فى مسيرتهم بالكتابة.
الكتاب يتناول الكتابة ببعدها العملى والإنسانى فى الوقت نفسه، وآثرت أن أهتم أيضًا بالبعد الإنسانى لكى لا يتحول الكتاب إلى كتابٍ تعليمى خالٍ من التشويق. فالقارئ يحتاج إلى أن يشعر بالتوحد مع الكاتبة أو الكاتب الذى يحبه ويشعر بالاتحاد معه، ولا يشعر بأن هذه الكاتبة أو هذا الكاتب منفصل عن الواقع الذى يعيشه.
■ لماذا لا يوجد فى كتابك كاتب عربى واحد مثل إبراهيم الكونى مثلًا؟
- ترجمت نصوص هذا الكتاب من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية لنقل تجارب الكُتَّاب العالميين إلى القارئ العربى، والتعرُّف على ثقافات مختلفة ومدارس متنوعة فى الكتابة. أما الروائى الليبى العالمى إبراهيم الكونى، فيمكن لأى قارئ عربىٍّ الاطلاع على رواياته ومقالاته وحواراته التى تحدَّث فيها عن سيرته فى الكتابة، والاستفادة من تجاربه، وكل ذلك باللغة العربية. فما الجديد إذن من نقل سيرة الروائى إبراهيم الكونى إلى كتابى، وهى موجودة بالفعل فى مصادر كثيرة أخرى يسهل الوصول إليها؟!
■ معظم الذين اخترتهم كانوا صحفيين لكنهم أنتجوا مشاريع قوية، مثل إدواردو جاليانو وجابرييل جارثيا ماركيز وغيرهما.. لماذا يصرح الكثير من الكُتَّاب بأن «الصحافة قاتلة للإبداع»؟
- الصحافة ليست قاتلة للإبداع بالمعنى الحرفى، لكنها قاتلة للوقت الذى لا تمنحه لك للكتابة الإبداعية. والكتابة الصحفية تتسم بصفاتٍ مُعينة مثل التقريرية والمباشرة، ولا تجد تلك الصفات فى الكتابة الإبداعية. وبرغم ذلك قد تجد هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب قد آثروا كتاباتهم الإبداعية عن الانشغال بمهنة الصحافة، والسبب فى ذلك قد يكمن فى أن الكتابة الإبداعية خارج مصر والوطن العربى قد يُعول عليها بشكلٍ كبير فى الربح والكسب المادى، خاصة مع كُتَّابٍ كبار مثل هؤلاء، لذلك عدم انشغالهم بالصحافة لم يؤثر كثيرًا على أمانهم واستقرارهم المادى، وشجعهم ذلك على الاستمرار فى الكتابة الإبداعية من دون قلقٍ. أما الحال فى مصر والوطن العربى فهى مختلفة تمامًا كما ذكرت من قبل.
■ الكتاب يقدم محتوى لقارئ عربى.. هل تتفق نصائح الكُتَّاب ورؤيتهم لعالم الكتابة مع قارئ أو كاتب يعيش فى ظروف مختلفة تمامًا؟
- الكتابةُ هى الكتابةُ فى كل مكانٍ وزمانٍ. مهما اختلفت البيئات والظروف، تظل لغة الكتابة واحدة ومشتركة بين الكاتبات والكُتَّاب حول العالم. وأرى أن التعرض للاختلافات الموجودة بين البيئات والثقافات المختلفة قد يثرى العقل ويضيف إليه جديدًا. الحفاظ على هويتك وبصمتك الخاصة فى الكتابة، قد يخلق إبداعًا جديدًا وثريًا كنت من الممكن لا تفعله إذا كنت لم تتعرض للمدارس العالمية المختلفة والمتنوعة فى الكتابة الإبداعية. أنا دائمًا أقف فى صف التوسع والتنوع شريطة أن أنتقى ما يناسب عقلى وقناعاتى وأسلوبى.

■ هناك كُتَّاب يقولون إن الكتابة تأتى حيثما أرادت.. وهناك إيزابيل الليندى تقول إن المسألة تتعلق بالحضور.. كيف ترين هذا؟
- الكتابة بالطبع تأتى حيثما أرادت، لكننى أؤمن تمامًا بما قالته الروائية التشيلية إيزابيل الليندى أن الكتابة تأتى عندما تجيد الحضور، بمعنى عليَّ أن أهيئ نفسى للكتابة، أى أفعل طقوسى فى الكتابة التى اعتدتها كل يوم حتى تأتينى الفكرة.
يعنى هذا أن أضع نفسى فى مكان الكتابة، وأفتح جهاز الكمبيوتر وأُجرِّب، وحتى لو لم تأت الفكرة اليوم وغدًا، فحتمًا ستأتينى بعد ذلك، المهم أن أحضر وأن أكون موجودة وفاعلة. وهذا ما أعمله بالفعل. المهم أن تمحى فكرة اليأس أو الاستسلام، فالفكرة تأتى حتمًا حتى لو تأخرت قليلًا.
■ قلت فى مقدمتك إنك لم «تخنى النصوص فى الترجمة إلا خيانة محببة».. ما الذى تقصدينه بذلك؟
- الترجمة عمومًا بكل أنواعها فيها بعض من الخيانة، ولكن المترجم العارف هو الذى يخون «خيانة مُحببة»، أى يحذف أو يضيف ما يجده يتناسب أكثر مع النص بصورةٍ لا تخل بالمعنى ولا الصور البلاغية أو الجمالية، أو أسلوب ولغة الكاتب أو الشاعر، أعنى خيانة تخدم النص، لا تسىء إليه. والإساءة هنا أعنى بها الانحراف عما يؤول به الكاتب أو الشاعر فى نصِّه. كما أنَّنى أحاول دائمًا أن أحافظ على معنى النَّص ورسالة الكاتب أو الشاعر التى يريد توصيلها إلى القارىء، والحفاظ على روح النَّص التى تبرز وتميِّز كل نصٍّ أدبىٍّ عن غيره.







