سيبقى الشعر مدينًا.. ماجدة حسانين: الشعر مَدين للشاعر الذى يمنحه دمه ووقته وقلقه
- لم يكن من السهل دائمًا التوفيق بين الكتابة ومسئوليات البيت
- اللغة فى دواوينى «شريك تجربة» وحرصت على أن تكون بلا زخرفة زائدة
- الفكرة تختار الجنس الأدبى الذى يليق بها ويمنحها قدرتها على الحياة
- أنا «نَهِمة للحياة» وهذا ينعكس على حبى للشعر والقصة والمسرح
طرحت الشاعرة ماجدة حسانين ديوانها الأخير «سيبقى الشعر مدينًا»، عن دار «الأدهم» للنشر والتوزيع، لتواصل إبداعها الشعرى المميز، الذى تجسد سابقًا فى ديوانى «صلوات عباد الشمس» و«متع مسروقة».
ولا يقتصر إبداع ماجدة حسانين على دواوين الشعر فقط، ويمتد ليشمل القصة القصيرة، إلى جانب المسرح أيضًا، والذى شهدت خشبته عرض مسرحيتها «أبناء النور الواحد» على مسرح مكتبة أسيوط العامة، بحضور محافظ الإقليم محمد علوان للعرض الختامى، مع عملها حاليًا على كتابة مسرحية جديدة.
فى السطور التالية، تحاور «حرف» الشاعرة التى ترى أن الشعر مَدينًا لمن اعتنقوه ومنحوه دماءهم وقلقهم وأسئلتهم الكبيرة، كما أن هناك الكثير من الشعراء مدينون للشعر، بعد أن عرفهم على ذواتهم، وطرح أسئلتهم الخاصة والعامة.

■ عنوان ديوانك «سيبقى الشعر مدينًا»، وبه قصيدة تحمل نفس العنوان.. من المَدين لمن، الشعر أم الشاعر؟
- صحيح أن كثيرًا من الشعراء يقولون إنهم مدينون للشعر، لأنه قادهم إلى ذواتهم، وكشف لهم طبقات خفية من الروح ما كانوا ليبلغوها بدونه. لكننى أرى الأمر على نحو مختلف قليلًا. فالشاعر أيضًا يمنح الشعر شيئًا من دمه ووقته وقلقه وأسئلته. يمنحه عمرًا كاملًا من الإصغاء والتأمل، ومن القدرة على التقاط ما يمرّ خفيفًا فى حياة الآخرين ولا ينتبهون إليه. لذلك أشعر أن العلاقة بيننا تبادلية: نحن نمنح الشعر أصواتنا وتجاربنا، وهو يمنحنا القدرة على رؤية العالم بعيونٍ أكثر حساسية ودهشة.
لهذا اخترت عنوان «سيبقى الشعر مَدينًا»، لأننى أؤمن بأن الشعر سيظل مَدينًا لكل قلب صدّقه، ولكل روح جعلته طريقة لفهم الحياة ومقاومة قسوتها. وأرى أنه سيظل مَدينًا أيضًا لبعض المواقف الإنسانية التى يقف الشاعر عاجزًا أمام وصف ما فيها من ألمٍ وتيهٍ وحزن.. وربما فى النهاية لا يكون السؤال: «من المَدين لمَن؟» بل «كيف استطاع الشعر أن يجعل هذه العلاقة بيننا علاقة بقاء؟».
■ اللغة تبدو بطلًا حقيقيًا فى ديوانك «سيبقى الشعر مَدينًا».. كيف حققتِ ذلك؟
- اللغة فى هذا الديوان، وفيما سبقه، أتعامل معها بوصفها شريكًا فى التجربة، لا مجرد أداة لقولها. لذا كنتُ حريصة على أن تظل اللغة حيّة وقريبة من نبض الحياة، قادرة على حمل المشاعر والأفكار دون تكلّف أو زخرفة زائدة. وأظن أن اللغة والكاتب غير منفصلين، فهى جزء منه، تظهر فى كلامه اليومى، كما تظهر فى الشعر أو السرد أو المسرح.
حاولت أن أترك للغة مساحة لتقود القصيدة أحيانًا، وأن أصغى لما تقترحه من ظلال ومعانٍ. فاللغة فى نظرى ليست كلمات تُرصّ فحسب، بل كائن حساس وذكى يلتقط التفاصيل الدقيقة للحياة، ويمنحها القدرة على البقاء داخل النص. لذلك بدت فى الديوان كأنها بطل خفى يشارك فى تشكيل التجربة الشعرية ويمنحها روحها.

■ تكتبين القصة والمسرحية والشعر.. كيف توازنين بين ما تكتبين؟ وكيف تختارين القالب الأدبى المناسب لكل فكرة؟
- الفكرة هى التى تقودنى غالبًا إلى قالبها، أتعامل معها أولًا بوصفها نواة حيّة، أحاول أن أصغى جيدًا لما تريده هى قبل أن أفرض عليها شكلًا معينًا. أحيانًا تأتى الفكرة مُشبعَة بالتكثيف والومضة، فأجدها تميل بطبيعتها إلى الشعر، وأحيانًا تحتاج إلى مساحة أوسع من الحكى والتفاصيل فتذهب إلى القصة، بينما هناك أفكار لا تكتمل إلا بالحوار والحركة والصراع، فتجد طريقها إلى المسرح. وأنا لا أفكر كثيرًا فى الموازنة بين الأجناس الأدبية بقدر ما أحاول أن أكون صادقة مع طبيعة الفكرة نفسها، والإصغاء لها، فهى فى النهاية التى تختار القالب الذى يليق بها، ويمنحها قدرتها على الحياة.
■ لكن فى أى جنس أدبى على وجه التحديد تجدين نفسك أكثر؟
- منذ أيام، وصفنى صديق بأننى «نَهِمة للحياة»، توقفت كثيرًا أمام هذا الوصف، لأنه بدا لى حقيقيًا وصادقًا، وربما لأنه يعكس حقيقتى العميقة، شغفى بكل تفاصيل الحياة. هذا الشغف ينعكس على حبى لكل الأجناس الأدبية. أستمتع بالشعر لأنه يمنحنى القدرة على الغوص فى أعماق المشاعر، وأجد فى القصة والمسرح فضاءً لتجربة الحياة بكل شخصياتها وأحداثها المتنوعة.
بالنسبة لى، كل جنس أدبى هو نافذة جديدة أطل منها على العالم وأستكشفه بطريقة مختلفة، وكلها تغذى فضولى وحبى للحياة، وتمنحنى القدرة على فهم الإنسان وما يختزنه من آلام وأحلام، فتتحد الكلمات مع التجربة لتصبح جسورًا بين القلب والواقع.

■ كيف جاءت فكرة مسرحيتك «أبناء النور الواحد»؟ وكيف عملتِ عليها؟
- البداية جاءت حين حدثنى المخرج المسرحى القدير أسامة عبدالرءوف واقترح الفكرة، فهو أول من شجعنى على خوض تجربة الكتابة المسرحية. ولأننى موشومة بصعيديتى وأعتز بها، وكان العمر والذاكرة مشحونين بالكثير من الحكايات، ومع حظى الكبير فى طبيعة البيت الذى نشأت فيه وكبرت وأنتمى له، وهو ذخيرتى الأولى، أصبح من السهل أن أكتب عن علاقة المسلمين والمسيحيين فى قريتى.
أغلب ما تضمنته المسرحية مستوحى من مواقف حقيقية، منها أن إحدى الجارات المسلمات كانت أول من أرضعت البابا شنودة الثالث «نظير جيد» فى قريته «سلام» فى أسيوط، بعد وفاة والدته مباشرة عقب ولادته. هذه التفاصيل الصغيرة الحقيقية أعطت المسرحية روحًا إنسانية دافئة، وأكدت أن المحبة والتعاون بين الناس تتجاوز أى انتماءات دينية.

■ بما تقيمين تجربة إخراج أسامة عبدالرءوف أول أعمالك المسرحية؟
- المخرج القدير أسامة عبدالرءوف صديقى، وأنا فخورة به وبجدّه وإنجازاته الإخراجية ومشاريعه الأدبية المتعددة. كان حريصًا على أن يكون بيننا عمل مشترك، لثقته الكبيرة فى قدرتى على إنجاز المهمة بشكل لائق، وهذا تصريح على عاتقه الشخصى. بفضل هذه الثقة، جاءت المسرحية إلى النور مع إخراج متقن، والمشاركة فى المسرح التوعوى، وحصولها على الإجازة من الإدارة العامة للمسرح، ما منحها بُعدًا رسميًا ومعنويًا كبيرًا.
هذه التجربة كانت فريدة من نوعها بالنسبة لى، أحببتها منذ أولى خطواتها وحتى تقديمها على المسرح، وشعرت بسعادة غامرة وامتنان حين رأيت احتفاء الجمهور بها. لقد كانت تجربة تعليمية وإنسانية فى آن واحد، أثرت فىّ كثيرًا، وأكدت لى قوة العمل المشترك، وثقة الآخرين فى الموهبة والإصرار.
■ بعد نجاح «أبناء النور الواحد»، وحصولها على إجازة الإدارة العامة للمسرح، هل تطمحين فى رؤية مسرحيتك الأخرى «حجر أبوغريب» على خشبة المسرح؟
- بالتأكيد، أنا أطمح فى مسارح «برودواى»، لا يوجد سقف لطموحى، فكل كاتب يحلم بأن تصل رسالته إلى أوسع نطاق. «حجر أبوغريب» عمل مختلف، يحمل شحنة إنسانية وقضايا قد تمس كل وجدان. نجاح التجربة الأولى فى أسيوط منحنى الثقة بأن النص الصادق قادر على عبور الحدود المحلية، وأتمنى أن يجد هذا النص مخرجًا يؤمن برؤيته ليراه الجمهور فى كل مكان.

■ حضر محافظ أسيوط العرض الختامى لمسرحيتك «أبناء النور الواحد».. كيف ترين مردود هذا عليك مستقبلًا؟
- حضور محافظ أسيوط، اللواء محمد علوان، للعرض الختامى لمسرحية «أبناء النور الواحد» كان لحظة مميزة ومشجعة للغاية، لكن الأثر الحقيقى جاء من تجاوب المجتمع الثقافى بأسره، فقد حضر العرض، طوال ٣ ليالٍ متتالية، العديد من الصحفيين والأدباء والمثقفين، وكان لتفاعلهم وملاحظاتهم وقع كبير علىّ. كما أن مكتبة مصر العامة بأسيوط، بإدارة الدكتورة هاجر محروس، لعبت دورًا مهمًا فى نجاح التجربة، فقد اهتمت بكل تفاصيل العرض وقدمت الدعمين المعنوى والمادى، ما جعل تقديم المسرحية تجربة متكاملة وحيّة.
■ هل يمكن أن يكون ذلك سببًا فى اتجاهك أكثر للكتابة المسرحية؟
- هذه التجربة تزيد من ميولى نحو الكتابة المسرحية، لأنها أظهرت لى قدرة المسرح على تحويل الفكرة إلى حياة حقيقية، وأن النص يمكن أن يكون أداة للتأثير الاجتماعى والثقافى، لكنها لا تنسى شغفى الأصلى بالكتابة بأنواعها المختلفة، حيث تظل الفكرة هى التى تحدد القالب الأنسب دائمًا.
■ بعد ٣ دواوين وعرض مسرحى، كيف ترين التناول النقدى لأعمالك؟
- أستقبل النقد دائمًا كمساحة للتعلّم والتفكير، سواء كان من النُقاد الأكاديميين أو من القُراء العاديين. صحيح أن وجهة نظر النُقاد مهمة لأنها تعطى النص بُعدًا تحليليًا وفهمًا عميقًا للأسلوب والمضمون، لكنها لا تتحكم فى الكتابة أو توجهها.
أما عند الكتابة، فأنا لا أكتب بعين واحدة على النقاد، بل أكتب أولًا بعين القلب على القارئ، الذى يشبه أبطال قصصى وشعورى، الذى يعيش مع النص ويشعر بما تمر به الشخصيات.
الكتابة بالنسبة لى تجربة حقيقية، أريد أن تصل إلى الإنسان، أن تثير فيه الأسئلة والمشاعر، وتترك أثرًا، بعيدًا عن الحسابات الأكاديمية، مع احترام كل النقد المفيد الذى يعمّق النظر فى تجربتى الأدبية.
■ بين الكتابة والبيت وتربية الأبناء، كيف استطعتِ أن تحمى عزلتك الإبداعية وتنتجى كل هذه الأعمال؟
- لم يكن من السهل دائمًا التوفيق بين الكتابة ومسئوليات البيت وتربية الأبناء، لكننى كنت أؤمن بأن الإبداع هو الرئة التى أتنفس بها. لذلك لم أنظر يومًا إلى الأسرة بوصفها عائقًا أمام الكتابة، بل على العكس، كانت دائمًا مصدرًا للطاقة والدعم والمعنى.
زوجى النبيل له فضل كبير علىّ فى هذا الطريق، فقد قدّم لى الدعم بكل صوره، ورغم انشغالاته الكثيرة كان حريصًا على أن يشاركنى الرأى والنقاش فى كثير من الأفكار، وأن يحيط تجربتى بالثقة والتشجيع. هذا الإحساس بأن هناك من يؤمن بما تفعل، يمنح الكاتب قوة كبيرة للاستمرار.
أما التحدى الحقيقى فكان دائمًا فى «سرقة الوقت». فالكتابة كثيرًا ما كانت تأتى فى المساحات الصغيرة بين مسئوليات اليوم، فى لحظات هدوء قصيرة، أو فى وقت ينام فيه الجميع. لكن حين يحب الإنسان الحياة بهذا النهم، ويؤمن بما يكتب، فإنه يجد دائمًا متسعًا للحب وللكتابة أيضًا، وهذا من ضمن «المتع المسروقة».
كما أننى أشعر بسعادة خاصة حين أرى فى عيون أبنائى نظرة الفخر والفرح بما أنجزته. هذا الشعور يمنحنى طاقة إضافية للاستمرار، ويجعلنى أكثر إيمانًا بأن ما نزرعه من شغف وإصرار فى حياتنا يصل إليهم بطريقة أو بأخرى.
■ على أى عمل جديد تعكفين الآن؟ وإلى أى جنس أدبى ينتمى؟
- حاليًا أضع اللمسات الأخيرة على أول مجموعة قصصية لى، وفى الوقت نفسه أعمل على آخر تعديلات فى مسرحيتى الثانية، مع حرصى على التأكد من أن كل فكرة وصلت إلى شكلها النهائى الذى يعبّر عنها بصدق.







