ملوك التلاوة.. هيثم أبو زيد: أين القارئات من إذاعة «القرآن الكريم»؟
- مؤلف «التلاوة المصرية»: مادته أخذت منى 35 عامًا من البحث والتأمل
- أبوالعينين شعيشع هُوجم بسبب مطالبته بعودة القارئات إلى الإذاعة
- راغب غلوش أول من فتح باب الخروج على التقاليد الموروثة فى القراءة
- شعبان الصياد أول قارئ من أصحاب الطبيعة الريفية الشعبية
حالة زخم كبيرة أحدثها كتاب «التلاوة المصرية.. قصة التوهج ومسارات الانطفاء» للباحث والناقد الموسيقى هيثم أبوزيد، الذى صدر عن دار العين خلال معرض القاهرة الدولى للكتاب، بتقديم شيخ المقارئ المصرية الدكتور أحمد نعينع.
الكتاب الذى يستعرض فيه «أبوزيد» مسيرة فن التلاوة منذ نشأة الإذاعة الحكومية عام 1934، يقدم أيضًا رؤية تحليلية، تبرز الجماليات الفنية لأهم أعلام القراء فى القرن الماضى، دون أن يستغرق فى السيرة الذاتية للشيوخ أنفسهم، فاهتمامه هنا انصب على الصوت والأداء والتجويد والقراءات، حيث يجمع المؤلف بين المعرفة الأزهرية بعلوم التجويد والقراءات، وفهم موسيقى يمكنه من الوزن العلمى لأداء الشيوخ من القراء والمنشدين.
وتطرق «أبوزيد» لكل ما يخص فن التلاوة المصرية، خاصة الشيوخ الكبار، الذين تحملوا نشر المدرسة الأدائية المصرية فى مختلف أرجاء العالم الإسلامى، مثل الشيخ عبدالباسط عبدالصمد ومحمد صديق المنشاوى وغيرهما. وأفرد فصلًا كاملًا عن الشيخ مصطفى إسماعيل بوصفه أهم أعلام فن التلاوة المصرية، وفصلًا كاملًا لتحليل المصاحف المرتلة الخمسة الشهيرة، كما توقف مطولًا مع أسباب التراجع والانحدار الذى أصاب هذا الميدان، وحاول أن يضع يده على بدايات الانحراف، وكيف تطورت واتسعت. عن كتابه الجديد ومسيرة التلاوة المصرية من التوهج إلى الانحدار- كما يرى المؤلف- أجرت «حرف» مع هيثم أبوزيد الحوار التالى:

■ من الواضح أن كتابك استغرق وقتًا وجهدًا.. فمتى بدأت العمل عليه؟
- يمكن القول إن عملية الكتابة لم تستغرق سوى شهرين أو ثلاثة، ولكن مادة الكتاب وما يقدمه من رؤية وتحليل، أخذت منى أكثر من ٣٥ عامًا، فكل هذا الوقت كنت فى حالة من التأمل والإنصات والدراسة لكل الأصوات والحقب الزمنية وشيوخ فن التلاوة وأعلام الإنشاد.
■ قلت إن من انضموا للإذاعة بعد عام ١٩٥٤ ليسوا بمستوى من التحقوا بها قبل هذا التاريخ.. لماذا؟
- هذه حقيقة ليس فيها شك.. لا طبيعة الأصوات ولا الأداء ولا الشخصية الفنية، ولا أى معيار آخر يساوى بين قراء العقدين الأولين للإذاعة وبين من جاء بعدهم.. أعلام الغناء ممن ظهروا قبل ٥٤ ليسوا كمن ظهروا فى حقبة الستينيات، الملحنون والقراء والمنشدون والمطربون كانوا دائمًا مراتب، والإذاعة لم تكن تتعامل معهم بالأقدمية، فالشيخ المنشاوى مثلًا لم ينل مكانته الكبيرة من أقدمية أو سبق، إذ هو آخر القراء الكبار التحاقًا بالإذاعة.. كان هناك قارئ من الدرجة الأولى الممتازة، وقارئ من الدرجة الأولى فقط، وهناك قارئ من الدرجة الأولى ممتازة أعلام، وهذه الدرجة لم ينلها سوى ٣ قراء، هم الشيخ محمد رفعت والشيخ عبدالفتاح الشعشاعى والشيخ مصطفى إسماعيل، وإلى الآن لا رابع لهم.. ولاحقًا منحت الدولة ممثلة فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون الذى تتبعه شركة صوت القاهرة، الشيخ مصطفى إسماعيل لقب قارئ مصر الأول.
هذا كلام رسمى من الدولة، لا كلام صحافة ومواقع تواصل، لذلك تكتب شركة صوت القاهرة عبارة «قارئ مصر الأول» على شرائط الشيخ مصطفى، ثم نقلت العبارة إلى «السى دى».. حتى كبار القراء من حقبة ما قبل ٥٤ ليسوا فى مرتبة واحدة.. فالشيخ محمود على البنا مثلًا، قارئ كبير، لكنه ليس فى مرتبة مصطفى إسماعيل، والشيخ عبدالعظيم زاهر كبير، لكنه ليس من طبقة الشعشاعى، وفكرة المستويات والتصنيف كانت حاضرة من اليوم الأول لانطلاق الإذاعة، وكذلك فى المطربين والمطربات.
مثلًا، كان أجر عبدالوهاب وأم كلثوم، أعلى من كل مطربى الإذاعة.. كانت نجاة تتحصل على ١٥ جنيهًا وأم كلثوم ٢٥.. ولسنوات طويلة، ظل أجر الشيخين مصطفى إسماعيل والشعشاعى عن كل تلاوة هو الأعلى بين كل قراء الإذاعة، رغم أن عشرات القراء سبقوا الشيخ مصطفى إلى أثير الراديو.
■ تحدثت عن محمد حسن الشجاعى.. وكيف تراجع فن التلاوة بموته؟
- لكى نكون دقيقين، منذ عام ١٩٥٤ لم تظهر مواهب عبقرية، ولا أصوات استثنائية، والشجاعى فى هذا الوقت كان مسئولًا عن الأداء الصوتى، بصفته المستشار الموسيقى للإذاعة.
كانت هناك قواعد راسخة، ولجان الاستماع كانت صارمة، لكن الشجاعى كان أكثرهم صرامة، وبعد موته استمرت القواعد وقيم الفرز بقوة الدفع الذاتى، حتى عام ١٩٧٠، وفى تلك الفترة تسلل إلى الإذاعة قراء لا بأس بهم، لكنهم ليسوا بالسمت الأول، وفى منتصف الستينيات بدأ القراء فى تلاواتهم خارج الإذاعة يحيدون عن طريقة التنغيم والقفلات المعروفة الموروثة، وكان انحرافهم محدودًا، ولكن بعد فترة أخذ الانحراف يتسع. وفى القفلات، كان الشيخ راغب غلوش أول من فتح باب الخروج على التقاليد الموروثة، وفى خامة الأصوات، كان الشيخ شعبان الصياد أول قارئ من أصحاب الأصوات ذات الطبيعة الريفية.. كان له دور ريادى فى نشر الأداء الشعبى.
■ هل فعلوا ذلك عن عمد؟
- لا أتهم أحدًا فى نيته، ولكن الانحراف المؤثر لا بد أن يكون من قارئ صوته جميل، والشيخ غلوش كان صاحب صوت جميل، أفضل من الشيخ شعبان لأن الأخير صوته ريفى بكل معنى الكلمة، وكان «غلوش» يقلد الشيخ مصطفى إسماعيل، ويحاول الهرب من قفلاته، لكنه لم يكن موفقًا فى بدائله النغمية.. وفى هذا السياق أذكر نصيحة الموسيقار محمد عبدالوهاب للدكتور أحمد نعينع، بألا يأتى بشىء جديد إلا إذا كان أجمل وأرقى.
■ قلت أيضًا إن كثيرين كانوا يقلدون الشيخ مصطفى إسماعيل حتى فى بحة صوته؟
- نعم، لذا أقدر للشيخ أحمد نعينع أنه لم يقلد صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، لكنه كان فقط يستعير مساراته النغمية، فى المقابل، كان الشيخ فتحى المليجى يقلد الحشرجة فى صوت الشيخ مصطفى.. ومهم أيضًا أن نفرق بين تقليد الشيخ مصطفى إسماعيل وباقى القراء، مصطفى قماشته واسعة جدًا، فتسمح للقارئ بمساحة من الحركة والتصرف، لكن تقليد القراء الباقين يكون عبارة عن نسخ، والإذاعة ضمت الكثيرين ممن يقلدون الشيخ مصطفى، ولم تقبل من يقلدون غيره.. لدى مصطفى ١٠٠ طريقة للانتقال من مقام إلى مقام، وعلى الجانب الآخر هناك شيوخ لديهم طريقة واحدة، ومن يقلدهم يصبح مكشوفًا جدًا.
■ ذكرت أن الشيخ أبوالعينين شعيشع نادى بعودة القارئات.. كيف ذلك؟
- هذا موقف معلن ووقائع معروفة، فقد نادى الشيخ عام ٢٠٠٩، بعودة الأصوات النسائية لتلاوة القرآن فى الإذاعة، كان الشيخ وقتها أكبر قارئ لا يزال على قيد الحياة، وهو قارئ قديم لحق بالقارئات وآخر عهدهن كان عام ١٩٤٠، عاصر كريمة العدلية ومنيرة عبده وسكينة حسن، وقت أن كانت الإذاعة تفتتح بثها بأصواتهن.. وهوجم الشيخ بسبب رأيه، ومن العجيب أن لا أحد يعترض على أن تقرأ سيدة نشرة الأخبار مثلًا، أو تقدم برنامجًا دينيًا.. فإذا قرأت القرآن انقلبت الدنيا.
■ ماذا عن غناء الشيخ طه الفشنى أغانى عاطفية؟
- حين ظهر الشيخ طه الفشنى طلبت منه بعض الشركات تسجيل أسطوانتين وفيهما كلام غزل، لكن الشيخ توقف عن تسجيل الغناء الدنيوى مبكرًا.. والشيخ عبدالفتاح الشعشاعى كانت لديه بطانة فأوقف الإنشاد واكتفى بالتلاوة.. وليس هناك أى تلازم بين إجادة التلاوة وإجادة الغناء.. وليس بالضرورة أن القارئ قادر على أن يكون مطربًا كبيرًا ينافس المغنين أو «يقعدهم فى بيوتهم» كما تروج الشائعات اللذيذة.
■ قلت إن بعض القراء الكبار تفوق فى إنشاده على تلاوته.. مثل من؟
- نعم مثل الشيخين على محمود وطه الفشنى.. فهما رقمان مهمان فى عالم التلاوة لكنهما فى الإنشاد هما صاحبا الريادة.. مكانتهما فى التلاوة كبيرة لكن مكانتهما فى الإنشاد أكبر.. ودائمًا ما كان الجمع بين التلاوة والإنشاد يؤدى إلى حالة من التفاعل، أو التأثير والتأثر، فشخصية الشيخ يتجاذبها مقرئ ومنشد.. على محمود والفشنى أثر الإنشاد فى تلاوتهما، واستطاع محمد حسن النادى أن يفصل فصلًا تامًا بين إنشاده وتلاوته، وعلى العكس، أثرت التلاوة فى إنشاد الشيخ كامل البهتيمى، ومع نصر الدين طوبار يغلب الإنشاد التلاوة وينتصر عليها.
■ قلت إن الشيخ نعينع تتلمذ على يد الشيخة أُم السعد.. فهل كانت هذه الحقبة مليئة بالشيخات؟
- لم تكن الحقبة مزدحمة بالشيخات، لكن أم السعد لم تكن قارئة من أصحاب الأصوات، ولكنها كانت من الحافظات المتقنات لعلم القراءات.. وقد تتلمذ عليها «نعينع» قرابة عشر سنوات، وأخذ عنها القراءات العشر الكبرى.
■ ماذا عن الشيخ الطبلاوى؟
- يجمع المهتمون بفن التلاوة على أن صوت الطبلاوى ديوان واحد، ومن حيث الأداء فهو يكرر عدة نغمات شعبوية، مع استعراض لطول النفس.. وصادف صعوده ظهور الكاسيت فانتشر بقوة، وكانت خطوة فى طريق التراجع فن التلاوة، ارجع للوراء وانظر للطبلاوى حين أراد دخول الإذاعة، فلم يفلح إلا بعد عشر سنوات من المحاولات.
■ كيف ترى الشيخ السيد سعيد خاصة أنك ذكرته فى كتابك؟
- لا ريب أن الشيخ السيد سعيد كان ركنًا من أركان الحالة السرادقية الشعبية، التى تبهر البسطاء والجمهور غير المدرب على الجماليات العالية، والأداء الفخم الرصين.. وقد أنتجت هذا الحالة جيلين من المستمعين المنبهرين دائمًا، والمندهشين من اللا شىء.
■ ماذا عن القراء الحاليين مثل الشحات أنور وممدوح عامر؟
- هؤلاء هم التجلى الأكبر للتراجع، حيث الأداء الشعبى الركيك، والقفلات السائلة.. والبحث عن إرضاء جماهير السرادقات، والاستعانة بسماسرة الإنترنت ومواقع التواصل.. والحقيقة أن الساحة تعج بهذا النوع من القراء، الذين يقدمون تلاوة تجارية، تصلح للترويج فى القرى والأرياف، مع تقديمات تضفى الألقاب الفخمة والصفات الكبيرة على القارئ وصوته وتلاوته.
■ ذكرت أن المصحف المرتل للشيخ مصطفى إسماعيل لم ينل الاهتمام المستحق.. لماذا؟
- اشتهر الشيخ مصطفى إسماعيل بعظمته فى التجويد والمحافل، وصوته الذى يحلق فى الجوابات لا يظهر فى ترتيله، الذى يتضمن كثيرًا من التعقيدات التى تحتاج إلى أذن مدربة، وقد كتبت كثيرًا عن ترتيل الرجل، وأرى أن الاهتمام بختمته آخذ فى الاتساع.
■ لماذا قلت إن كتاب «ألحان السماء» ملىء بالأخطاء؟
- نعم، كتاب المرحوم الأستاذ محمود السعدنى الشهير «ألحان السماء» تنتشر فيه الأخطاء بصورة تمنع من اعتباره مصدرًا موثوقًا.. هو كتاب للحكايات والتسلية.. والصحفيون نقلوا منه الكثير دون تحقق.. ومن أمثلة هذه المعلومات، الزعم بأن «عبدالوهاب» وصف صوت الطبلاوى بأنه يمتلك النغمة المستحيلة، وأيضًا كثرة أحاديثه عن قراء لم يعاصرهم أو يستمع إليهم ولو مرة واحدة فى حياته، وكذلك تضارب بعض المعلومات التى يوردها.. ولا ننسى أن الرجل كان كاتبًا صحفيًا ساخرًا لا ناقدًا فنيًا أو موسيقيًا.. فكتابه أقرب إلى خواطر الهواة.







