الثلاثاء 17 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

سقوط القلعة الأخيرة.. «واشنطن بوست» تحت مقصلة جيف بيزوس

حرف

- المستقبل الذى يرتسم أمامنا هو مستقبل «مظلم» بالمعنى الحرفى لشعار الصحيفة

فى صبيحة الرابع من فبراير عام 2026، استيقظت الأوساط الإعلامية العالمية على أحد أكثر الأخبار قتامة فى تاريخ الصحافة الحديث، حيث أعلنت «واشنطن بوست»، المؤسسة التى تُعد أحد أعمدة الديمقراطية الأمريكية، عن تسريح ثلث قوتها العاملة فى إجراء وصفته الإدارة بأنه «إعادة هيكلة» ضرورية للبقاء. لم يكن هذا القرار وليد الصدفة، بل كان تتويجًا لمسارٍ مالى متعثر بدأ يلقى بظلاله منذ سنوات.

بالعودة إلى السياق التاريخى، اشترى جيف بيزوس، مؤسس شركة أمازون، الصحيفة فى عام ٢٠١٣ مقابل ٢٥٠ مليون دولار. فى ذلك الوقت، نُظر إلى الصفقة كطوق نجاة. إذ تحولت الصحيفة تحت قيادته من مؤسسة ورقية تكافح إلى قوة رقمية ضاربة. نمت غرفة الأخبار لتتجاوز ١٠٠٠ موظف، وشهدت فترة رئاسة دونالد ترامب طفرة غير مسبوقة فى الاشتراكات الرقمية، حيث كانت الأخبار السياسية المتسارعة وقودًا لنمو الإيرادات. إلا أن هذا الصعود لم يستمر؛ فمع هدوء وتيرة الأخبار السياسية وتغير عادات الاستهلاك، بدأت الخسائر تتراكم. سجلت الصحيفة خسارة قدرها ٧٧ مليون دولار عام ٢٠٢٣، ليرتفع العجز إلى ١٠٠ مليون دولار عام ٢٠٢٤، بعد فوز ترامب ومع تراجع ملحوظ فى الاشتراكات والإيرادات الإعلانية.

فى ذاك الاجتماع الافتراضى الكئيب، أعلن رئيس التحرير مات موراى عن أن المقصلة ستطال أكثر من ٣٠٠ صحفى من أصل ٨٠٠ فى غرفة الأخبار، ليصل إجمالى المتأثرين من كل الأقسام إلى أكثر من ١٠٠٠ موظف، أى ما يعادل ٣٠٪ من الكادر البشرى. ولم تكن التخفيضات كمية فحسب، بل كانت نوعية أيضًا؛ حيث أُغلق قسم الرياضة بالكامل، وتبعه قسم الكتب العريق الذى كان مزارًا للمثقفين والنقاد لعقود. كما توقف إنتاج البودكاست اليومى «Post Reports»، وتقلصت التغطية المحلية لمدينة واشنطن «ميترو» بنسبة ٧٠٪. أما التغطية الدولية، فقد شهدت تراجعًا دراماتيكيًا بإغلاق مكاتب حيوية فى الشرق الأوسط وكييف، وتقليص المكاتب الخارجية من ٢٠ مكتبًا إلى ١٢ فقط.

وسط هذه الأرقام الجافة، برزت تفاصيل إنسانية كشفت عن «قسوة» التغيير. الناقد الأدبى رون تشارلز، الذى أمضى عقدين فى خدمة الصحيفة، تلقى نبأ إنهاء خدمته بينما كان يتناول حبة كمثرى أرسلتها له الصحيفة كهدية رمزية للاحتفاء بمسيرته! 

أما المراسلة ليزى جونسون، فقد علمت بفصلها عبر بريد إلكترونى وهى تؤدى واجبها فى ساحات الحرب فى أوكرانيا. هذه المشاهد دفعت الموظفين لوصف اليوم بـ«المجزرة»، خاصة مع طلب الإدارة من الجميع البقاء فى منازلهم لتجنب الاحتقان العاطفى داخل المبنى. ولم تلبث التداعيات أن طالت رأس الهرم الإدارى، حيث استقال الرئيس التنفيذى ويل لويس بعد أيام قليلة، ليخلفه جيف دونوفريو فى بيئة تفتقر للاستقرار القيادى.

أزمة الصحافة التي نعرفها في عصر الإقطاع الرقمي

بينما تُبرر الإدارة هذه الخطوات كونها ضرورة اقتصادية، يذهب التحليل الأعمق إلى أن ما حدث فى «واشنطن بوست» هو تعبير عن أزمة وجودية فى «نموذج الأعمال» الإعلامى. فالمشكلة ليست فى نقص المال لدى المالك الذى تبلغ ثروته مليارات الدولارات، بل فى «عقلية السيليكون فالى» التى باتت تدير الخبر كـ«وحدة بيانات» قابلة للاستغناء إذا لم تحقق العائد الفورى.

لقد فشلت الصحيفة فى الابتكار الحقيقى الذى يحمى جوهر الصناعة. فبينما استثمرت مؤسسات مثل «نيويورك تايمز» فى تنويع المحتوى (الألعاب، الطبخ، نماذج الاشتراك المجتمعى)، ظلت «واشنطن بوست» أسيرة لطفرة الأخبار السياسية العابرة. واليوم، نجد مفارقة صارخة وصادمة: فى الوقت الذى تضحى فيه أمازون «بيزوس» بحراس الكلمة، تنفق ٤٠ مليون دولار لشراء حقوق فيلم وثائقى عن «ميلانيا ترامب» و٣٥ مليونًا لتسويقه! هذا التناقض يطرح سؤالًا أخلاقيًا حول توجهات المال: هل أصبح تلميع صور النخبة السياسية وضمان الولاءات أهم من حماية حق المجتمع فى المعرفة؟

إن تحويل الصحافة من «خدمة عامة» إلى «سلعة خاضعة لمنطق اللوبى» هو إعلان غير مكتوب عن الانتقال إلى عصر «الإقطاع الرقمى». فى هذا العصر، يمتلك بضعة مليارديرات مفاتيح الحقيقة، يقررون أى نور يبقى وأى ظلام يتمدد. إن تقليص التغطية الدولية والمحلية يعنى «تعمية» المجتمع! فعندما يغيب المراسل عن كييف أو القاهرة، يُترك القارئ فريسة للإشاعات أو لروايات السلطة الرسمية. السوشيال ميديا، التى يُروج لها كبديل، ليست إلا «ناقلًا» يفتقر للحس الأخلاقى والتحقق المهنى، والذكاء الاصطناعى يظل «ببغاءً إلكترونيًا» يفتقر لشجاعة الصحفى الذى يواجه الرصاص أو يقف فى وجه الفساد.

مرثية «الديمقراطية التي تموت في الظلام» انكسار حراس الكلمة

هنا، وفى هذه اللحظة الفارقة، لا نجد أمامنا إلا صياغة مرثية أخيرة لهذه القلعة التى هوت بعد صمود عقود. إن «مقصلة بيزوس» لم تكتفِ بقطع أرزاق مئات العائلات وتشريد كفاءاتٍ صحفية، بل قطعت ذلك الخيط الرفيع والشفاف الذى كان يربط المواطن البسيط بالحقيقة المجردة بعيدًا عن تزييف السلطة. إنها «مرثية الحقيقة» فى عصرٍ صار فيه الصمت سلعة تُباع، والولاء السياسى يُشترى بصكوك المليارات العابرة للحدود.

لقد رفعت الصحيفة لسنوات شعارًا شهيرًا يقول: «الديمقراطية تموت فى الظلام»، محذرةً من أن غياب الرقابة الصحفية يعنى ضياع الشعوب؛ لكن يا لسخرية القدر، كيف لنا أن نصدق هذا الشعار والمالك نفسه- جيف بيزوس- هو مَن يمسك المصباح اليوم ليطفئه بيديه؟ إن التضحية بقسم «عالم الكتب» وبالنقد الأدبى وبالتغطيات الإنسانية التى تنقل أنين المهمشين، ليست مجرد توفير للمال، بل هى عملية «تجريف للوعى»؛ إنها محاولة لتحويل الإنسان من «كائن مثقف» يقرأ ويفكر، إلى مجرد «مستهلك بيانات» يسهل توجيهه عبر الشاشات.

يا حراس الكلمة الذين غادروا مكاتبهم اليوم محملين بالخيبة والذهول، إن انكسار أقلامكم ليس شأنًا داخليًا للصحيفة، بل هو انكسارٌ لكل صوتٍ حر فى العالم. لقد أثبت بيزوس أن امتلاك الثروة الأسطورية لا يعنى بالضرورة امتلاك الحكمة أو الرؤية، وأن اليد التى تبنى الصواريخ لغزو الفضاء، هى نفسها اليد التى تهدم جسور الثقافة على الأرض. إن الصحافة التى تتخلى عن الإنسان، وتفاصيل حياته، وأدبه، وفنونه، هى صحافة «ميتة إكلينيكيًا»؛ حتى وإن استعانت بأحدث خوارزميات الذكاء الاصطناعى، فهى تظل جسدًا بلا روح، وآلة بلا ضمير.

إن المستقبل الذى ننشده يتطلب تمردًا حقيقيًا على عقلية «الملياردير» الذى يرى كل شىء من منظور الربح. يتطلب نموذجًا يعيد الاعتبار للكلمة المكتوبة بحبر المعاناة لا بحبر الأرباح الرقمية. وإلى أن يحدث ذلك، سيكتب التاريخ بمرارة أن «واشنطن بوست»- تلك الصحيفة التى هزت عروش أقوى الرؤساء فى السبعينيات وكشفت فضائحهم- قد سقطت فى عام ٢٠٢٦. لم تسقط برصاص عدو، ولا بقمع رقيب حكومى، بل سقطت بقرارٍ بارد وموقّع من «حليفٍ» غنى، لم يدرك يومًا أن قيمة «الحقيقة» هى جوهرٌ لا يقبل القسمة، ولا يمكن إدراجه فى ميزانيات الربح والخسارة.

«إرث وترجيت» الآن تحت أقباض أمازون.. مفارقة التاريخ

لا يمكن للقارئ أن يستوعب حجم المأساة فى «واشنطن بوست» عام ٢٠٢٦ دون العودة إلى عام ١٩٧٢، وتحديدًا إلى مبنى «ووترجيت» فى واشنطن. هناك، بدأت القصة التى جعلت من هذه الصحيفة «أيقونة» عالمية. بدأت القضية بمجرد «اقتحام فاشل» لمقر الحزب الديمقراطى، لكن صحفيَّين شابين، هما بوب وودوارد وكارل بيرنشتاين، رفضا تصديق الرواية الرسمية بأنها مجرد حادثة سرقة عادية.

بتوجيهات من رئيسة التحرير الأسطورية «كاثرين جراهام»، وبمساعدة مُخبر غامض لُقب بـ«الحلق العميق» (Deep Throat)، خاضت الصحيفة معركة وجودية ضد أقوى رجل فى العالم آنذاك: الرئيس ريتشارد نيكسون. لقد واجهت الصحيفة تهديدات بالإغلاق، وضغوطًا مالية وسياسية هائلة، لكنها صمدت حتى كشفت عن شبكة من التجسس السياسى والفساد الذى يدار من قلب البيت الأبيض. ولأول مرة فى التاريخ، أُجبر رئيس أمريكى على الاستقالة فى عام ١٩٧٤ بسبب «قوة الكلمة» وشجاعة الورق.

هنا تكمن المفارقة الموجعة: فى السبعينيات، انتصرت «واشنطن بوست» للحق والحقيقة رغم أنها كانت مؤسسة تكافح ماليًا، ووضعت كرامة الخبر فوق أمن الرئيس. أما اليوم، فى «مذبحة فبراير ٢٠٢٦»، نجد الصحيفة تنحنى أمام سلطة «المال» التى يمثلها جيف بيزوس. إن «ووترجيت» كانت معركةً ضد «ديكتاتور سياسى» كسبتها الصحافة بجدارة، بينما أزمة اليوم هى استسلام أمام «ديكتاتور مالى» لا يملك وجهًا لتقابله، ولا أخلاقًا مهنية لردعه.

بين جلال الكلمة وجمود «الخوارزمية» حين صار الصحف رقمًا

لقد تحولت المؤسسة التى لطالما كانت منارةً تهتدى بها الشعوب فى كشف تزوير السلطة، إلى كيانٍ «يُطفئ الأنوار» بيد صاحبه. إن الأشباح التى تجوب أروقة الصحيفة اليوم ليست أرواح الفاسدين الذين طاردتهم الأقلام يومًا ما، بل أرواح الصحفيين الذين أسقطوا رؤساء وزلزلوا عروشًا، ليجدوا أنفسهم فى نهاية المطاف عاجزين أمام «خوارزمية» صماء لا تملك قلبًا، أو إقناع رجل أعمال بأن «الكلمة» التى تصون وعى المجتمع لا تُقاس بوزن «السهم» فى شاشات البورصة.

حين دخل المال غرف الأخبار من بوابة «التكنولوجيا»، لم يأتِ ليدعم الرسالة، بل جاء ليغير «جيناتها الوراثية». الصحفى الذى كان يُقاس وزنه بمدى قدرته على زعزعة الباطل، بات اليوم يُحاكم بمقاييس «المتجر الإلكترونى». لقد اختزلوا قيمة المحرر فى أرقامٍ باردة تلاحق القارئ كظله، وتراقب ما يُعرف بـ«معدل الارتداد»؛ وهو ميزانٌ جائر يحكم بالفشل على كل نصٍ رصين يغادر القارئ صفحته سريعًا لأنه يتطلب جهدًا فى التفكير، ليذهب باحثًا عن تفاهةٍ عابرة تلائم عصر السرعة.

لقد صار النجاح يقاس بـ«زمن البقاء» على الصفحة؛ لا بوصفه وقتًا للتأمل وفهم تعقيدات العالم، بل بوصفه «مساحة إعلانية» تباع لمن يدفع أكثر. وحين وجد «حراس البيانات» أن القصص الإنسانية العميقة، ومراجعات الكتب التى تغذى الروح وتنمى الفكر، لا تحقق «النمو الرقمى» السريع، ولا تجذب القارئ المنهمك فى مطاردة «التريندات»، قرروا بترها بدمٍ بارد.

هذا التغيير ليس «تطورًا» كما يدّعون، بل «تصحّرٌ فكرى» منظم. إن المؤسسة التى تضيق ذرعًا بمبلغٍ تافهٍ مقارنةً بميزانيات غزو الفضاء، وتعجز عن حماية «عين الحقيقة» من أجل حفنة دولارات، هى مؤسسة انتحرت أخلاقيًا قبل أن تتعثر ماليًا. لقد استبدلوا «هيبة الخبر» بـ«شهوة النقر»، وباعوا «إرث الحقيقة» فى مزاد «التفاعل اللحظى» الزائف، تاركين القارئ فى عتمةٍ اختيارية، بعد أن صادروا منه حق المعرفة مقابل متعة الاستهلاك.

صناعة «التعمية».. كيف يفقد المجتمع بصره ؟

إن تقليص عدد مكاتب التغطية الدولية من ٢٠ إلى ١٢، وإغلاق مكتب القاهرة وكييف، ليس مجرد توفير نفقات؛ إنه قرار بـ«تجهيل» القارئ الأمريكى والعالمى. عندما نغلق مكتبًا فى منطقة ملتهبة كالشرق الأوسط، نحن لا نوفر رواتب فحسب، بل نحن نهدم جسرًا من الفهم كان يمنع وقوع الكوارث. البديل الذى يطرحه بيزوس وفريقه هو «الصحافة المختبرية»؛ تلك التى تُكتب من وراء الشاشات فى واشنطن، وتعتمد على «إعادة تدوير» ما تنشره وكالات الأنباء أو ما تفرزه محركات الذكاء الاصطناعى.

هذه «التعمية» المتعمدة تخدم القوى السياسية التى يتقرب إليها بيزوس بصفقاته المليونية. فالمجتمع الذى لا يملك مراسلين يفتشون فى القضايا المحلية، ولا نقادًا يقرؤون ما بين سطور الكتب، هو مجتمع يسهل قياده. إن إغلاق قسم «ميترو» (التغطية المحلية) فى واشنطن يعنى أن الفساد الصغير فى مجالس البلديات والمدارس سيتحول إلى سرطان لا يراه أحد. الصحافة المحلية هى «خط الدفاع الأول»، وحين ينسحب «البوست» من هذا الخط، فإنه يترك المواطن وحيدًا فى مواجهة تغول السلطة المحلية.

وهم البدائل.. السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي كمقابر جماعية

يتحجج المدافعون عن قرارات «بيزوس» بأن العالم تغير، وأن «تيك توك» و«إكس» والذكاء الاصطناعى هى البدائل العصرية. لكن الحقيقة المرة هى أن هذه الوسائط هى «مقابر جماعية» للحقيقة. السوشيال ميديا لا تنتج خبرًا، بل تقتات على جثث الأخبار التى ينتجها الصحفيون المحترفون. ودون «واشنطن بوست» قوية، ستصبح السوشيال ميديا مجرد صدى لإشاعات لا ضابط لها.

أما الذكاء الاصطناعى، فهو «القاتل المأجور» الذى تستخدمه الإدارات لتبرير تسريح البشر. الروبوت يمكنه كتابة تقرير عن نتائج البورصة، لكنه لا يملك «الحس النقدى» ليفهم لماذا انتحر صحفى بعد فصله، ولا يملك «الشجاعة» ليطرح سؤالًا يحرج ملياردرًا. 

إن استبدال «الوعى البشرى» بـ«الذكاء الاصطناعى» فى غرف الأخبار هو عملية «إخصاء فكرى» للمجتمع. نحن نستبدل «الصحفى المقاتل» بـ «خوارزمية مطيعة» لا تعرف معنى الانحياز للضعفاء.

الفساد في «قبعة السياسة».. ميلانيا ترامب كرمز للسقوط

لا يمكننا تجاوز قصة الـ٧٥ مليون دولار التى أُنفقت على وثائقى «ميلانيا ترامب» بينما يُطرد صحفى لأنه يراجع كتابًا. هذه هى «الفلسفة الفاسدة» التى نخرت عظام المؤسسة. إن توجيه المال لتلميع صور السلطة هو «رشوة مقنعة» للنظام السياسى لضمان استمرار نفوذ «أمازون». إنها الرسالة الأكثر وضوحًا من بيزوس: «أنا مستعد لدفع الملايين للسياسيين، لكننى لست مستعدًا لدفع دولار واحد لصحفى قد يكتب حقيقة تزعجهم».

هذا التوجه يحول «واشنطن بوست» من مؤسسة تراقب السلطة إلى مؤسسة «تجمّل» وجه السلطة. إنها «خصخصة الحقيقة»؛ حيث تصبح المعلومة تابعة لمزاج المالك وصفقاته. هنا يبرز الفساد الحقيقى، ليس فى سرقة المال، بل فى سرقة «المصداقية» وتحويلها إلى أداة لخدمة الإمبراطورية المالية.

النداء الأخير.. من ينقذ حراس الكلمة ؟

فى نهاية هذه المرثية الطويلة، نعود إلى أولئك الذين فقدوا مكاتبهم. إنهم ليسوا مجرد أرقام فى جدول بيانات «مات موراى». إنهم عقولٌ، وتجارب، وضمائر. عندما يُطرد صحفى قضى ٣٠ عامًا فى المهنة بـ«بريد إلكترونى»، فهم لا يفقدون موظفًا، بل يقتلعون احد أساسات كيان كان بالأمس يحيا !

المستقبل الذى يرتسم أمامنا هو مستقبل «مظلم» بالمعنى الحرفى لشعار الصحيفة. الديمقراطية تموت فى الظلام، والظلام اليوم ليس غياب الضوء، بل هو «كثرة الأضواء الزائفة» التى يصنعها المليارديرات لإبهارنا بينما يسرقون حقيقتنا. إن الحل الوحيد يكمن فى «ثورة القارئ» فى دعم المنصات المستقلة، فى العودة إلى تقدير «الكلمة الرصينة» بعيدًا عن صخب الترند.