المصوراتى.. علاء فريد: إحسان عبدالقدوس وراء شغفى بالتصوير
- تعلمت على يد مصور قدير فى المطرية اسمه محمد الشريف
- ندرس تخصيص جناح للتصوير خاص بالجماهير بعيدًا عن المؤلفين والكتاب
إذا دخلت معرض القاهرة الدولى للكتاب، وتحديدًا من «بلازا 1»، ستجد أمامك شبابًا يلتقطون صورًا خاصة للزائرين ببهجة كبيرة، يشكلون من خلالها حالة من الجمال الخاص، حيث تصطف طوابير الزوار انتظارًا لدورهم فى التصوير.
7 سنوات كاملة منذ انتقل معرض القاهرة الدولى للكتاب فى مكانه الحالى بالتجمع الخامس من مدينة نصر، وعلاء فريد وفريق «أيزو» مستمرون فى إشاعة جو من البهجة، حتى أصبح التصوير جزءًا من زيارة أى فرد لمعرض الكتاب، مثله مثل جناح كبير لدار نشر معروفة، ضمن مشروع أطلقوا عليه «فوتو بوك».
واليوم، أصبح علاء فريد وفريق «أيزو» من أهم العلامات فى المعرض، والصورة التى يلتقطها زائر المعرض تبدو مثل توثيق للزيارة، وبدونها وكأنه لم يعبر البوابات.
«حرف» التقت المصور علاء فريد للحديث عن المشروع، وتفاصيله كافة.

■ كيف بدأ شغفك بمجال التصوير؟
- لك أن تتخيل أن الأمر لم يبدأ بالتصوير وإنما بالرسم، قبل أن تحدث عدة تحولات بعد ذلك. كنت وأنا صغير أحب الرسم جدًا، كنت أرسم الكثير من الرسومات، وأقلّد الكثير منها أيضًا. هواية الرسم هذه ما زالت معى إلى الآن.
بعد فترة، حب التصوير لدىّ بدأ مع حب القراءة. كنا قد اشتركنا فى «مكتبة مبارك العامة» التى أسستها السيدة الفاضلة سوزان مبارك، وهى المكتبة التى أصبح اسمها الآن «مكتبة مصر»، فقرأت مجموعة قصصية اسمها «شفتاه» من تأليف الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس، وداخلها قصة قصيرة اسمها «فوتوجينيك».
كانت القصة تحكى عن مصور فوتوغرافى لا يتعامل مع الناس إلا من خلال الصورة؛ يقابل الإنسان ويصوره، وبعد أن يصوره يفرد الصور أمامه ويتطلع إليها. ومن خلال الصور يحب هذا أو يبغض ذاك. كانت الصور دليله إلى الناس، ومن خلالها يعرف من يحب أن يتعامل معهم.
■ وماذا عن الرسم.. هل تراجع لصالح التصوير؟
- نعم، فى تلك الفترة بدأ الرسم يتراجع تمامًا، إلى أن توقفت عنه نهائيًا، ومنذ سنوات لم أعد أرسم. وبدأ موضوع التصوير يكبر ويكبر. كان عندنا فى البيت ألبوم قديم، كل بيت غالبًا كان يوجد فيه ألبوم قديم، عبارة عن ذكريات كاملة لهذا البيت، فى مراحل مختلفة من العمر.
وكان لدينا فى حى المطرية أشهر مصور يصور هذه الألبومات، كان لديه ستوديو، من حسن حظى أنه يقع بجوار بيتنا بالضبط. هذا الرجل هو أول مصور فتح عينىّ على التصوير الاحترافى. اسمه الأستاذ محمد الشريف، متعه الله بالصحة والعافية، وكان مصورًا علميًا أيضًا، يصور تحت الميكروسكوب، وهذه الأشياء كانت صعبة جدًا فى ذلك الوقت.
فى الصيف بدأت أذهب إليه، وأجلس معه فى الأستوديو الخاص به، أتعلم منه دروسًا، كل يومين أخرج بمعلومة، وطبعًا كنا فى التسعينيات، وكان ما زال يوجد تحميض وأفلام «كوداك» وغيرها، ولم يكن هناك «جوجل» أو أى وسيلة لجلب المعلومات، فكانت المعرفة تُكتسب مباشرة من الناس، والثقافة مكتسبة، والتعليم مكتسب، بمعنى أن التصوير كان صنعة كبيرة، فكنت أجلس معه طوال الإجازة، أتعلم منه، وأشاهده وهو يعمل.

■ ما الذى حدث بعد ذلك؟
- مع الوقت وتدريجيًا، كثرة جلوسى مع المصور الكبير دلتنى على التصوير الاحترافى. هذا الرجل تعلمت منه كثيرًا جدًا، وله الفضل، وأتمنى أن يقرأ كلامى هذا عنه لأرد له بعضًا من دينه علىّ.
الأستاذ محمد الشريف لم يكن فقط مصورًا عظيما، لكنه كان من أفضل الأشخاص وأكثرهم احترافية فى التعامل مع الناس الذين يدخلون إلى التصوير عنده. علمنى كيف يتعامل مع نفسية الشخص قبل تصويره. وكان خفيف الظل جدًا، يهيئ الشخص نفسيًا، ويكسر حاجز الجليد بينهما، لأن الإنسان عمومًا يخاف من مواجهة الكاميرا، فالكاميرا تُظهر حقيقتك، وتُظهر جمالك، وتُظهر الأشياء التى لا تحبها فى نفسك، تُظهر السن والعمر والزمن، وتُظهر حالتك النفسية..
كان هذا الرجل، كلما دخل شخص للتصوير، يبدأ بممازحته باللهجة البلدى، والاستوديو كان اسمه «كان كان». حتى إننى سألته مرة: لماذا سميت الاستوديو «كان كان»؟ فقال لى لأن أول دولة سافر إليها كانت فرنسا، وهناك مدينة كاملة تسمى «كان»، ومهرجانها الشهير معروف بتصوير الفنانين الكبار.
كان يسافر ويصور، ولم يكن هناك «إنترنت»، فكنا نتعرف على الدول من الكروت المطبوعة وطوابع البريد. كانت لديه أشياء كثيرة مطبوعة، فحلمت أنا أيضًا أن أكون مصورًا، وأن يكون لدىّ كروت مطبوعة يشتريها الناس.
الشخصية التى ترى علاء فريد بها الآن، هى نفس شخصية هذا الرجل، يدخل على أى شخص يصوره، يمازحه ويضحكه لمدة ٥ دقائق قبل التصوير، فيرتاح الشخص جدًا، فتخرج صورته من أفضل الصور فى المطرية. والناس لم تكن تفهم السبب، لكننى أدركت لاحقًا أنه كان يكسر حاجز الجليد بينه وبين من يصوره، كما قلت، فتخرج طاقة الصورة جميلة جدًا، وأقرب ما تكون إلى الطبيعية.
■ مَن هم أهم الأشخاص الذين كانوا معك وحملوا معك هذا العبء؟
- معنا فريق العمل نفسه الذى شكّل العمود الفقرى للمشروع؛ أحمد صلاح شريكى ومؤسس المشروع معى، إلى جانب محمود مسعود، عمرو جمعة، أحمد عابر، محمد عابر، نوران هانى، زياد كمال، صلاح أحمد، وغيرهم ممن أسهموا بجهدهم وإخلاصهم فى إنجاح التجربة وتحويلها إلى عمل جماعى متكامل.

■ كيف سعيت لتحقيق حلمك إذن؟
- بعد الثانوية العامة والكلية، كان حلمى أن أدخل مجالًا له علاقة بالتصوير، ولكن كما تعرف التنسيق وغيره، فدخلت كلية علوم قسم الكيمياء. وخلال الدراسة بدأت أنا وأحمد صلاح، شريكى، نشترى كاميرا.
أتذكر جيدًا أول كاميرا رقمية جلبتها، كانت صغيرة جدًا، من أوائل الكاميرات الرقمية، ودقتها ٣ ميجابكسل، كانت طفرة فى وقتها. كانت من السعودية، أخى هو مَن أهداها لى. المهم أننا بدأنا نصور ونجرب، وبدأ الكمبيوتر يدخل فى الموضوع، وبالتالى التحول من الأحبار والطباعة إلى «الديجيتال».
■ قلت إن الموضوع بدأ من قصة قصيرة.. هل أمسكت صورة وحاولت أن ترى فيها شخصيات الناس كما فعل إحسان عبدالقدوس مع بطل قصته؟
- فى الحقيقة أنا لا أفعل غير ذلك حتى الآن. كل يوم أنظر إلى الصور وأقرأ الناس من خلالها. منذ أول يوم بدأت فيه التصوير وأنا أحاول أن أتحقق، هل ما كتبه إحسان عبدالقدوس حقيقى أم لا؟ وفعلًا هو حقيقى؛ فلا يوجد إنسان ترتاح له فى الصورة ويظهر بشكل سيئ، والعكس صحيح. الكاميرا لا تكذب إطلاقًا.
■ هل معنى ذلك أن الكاميرا قادرة على إبراز الجمال الحقيقى الداخلى للشخص؟
- الأمر أكثر تعقيدًا مما يبدو، فهناك عنصران أساسيان، الكاميرا والمصور. الصورة فى جوهرها انعكاس لطاقة الشخص نفسه وطاقة من يصوره. فإذا كنت مرتاحًا لى وأنا مرتاح لك، ستخرج الصورة جميلة. الكاميرا فى النهاية نظام لنقل الضوء، والضوء طاقة، والإنسان الذى يحمل طاقة جميلة تظهر هذه الطاقة فى صورته. كذلك، إذا كان المصور يعمل بحب وشغف، فإن هذه الطاقة تنعكس فى الصورة أيضًا.
التصوير علم وموهبة معًا؛ العلم يمكن لأى شخص أن يتعلمه، لكن الموهبة والعين وزاوية الرؤية هبة من الله. يمكن تنمية الموهبة وصقلها، لكن لا يمكن صناعتها من العدم.
■ بالتأكيد واجهتك الكثير من الصعوبات حتى أصبح عملك توثيقًا حقيقيًا لكل من يزور معرض الكتاب.. ما أبرز هذه الصعوبات؟
- حين عرضت الفكرة ذهبت أنا وأحمد صلاح إلى مقر الهيئة العامة للكتاب لمقابلة الدكتور هيثم الحاج على، رئيس الهيئة آنذاك. كنت أظن أن الأمر سيكون معقدًا، وأن شرح الفكرة سيحتاج وقتًا طويلًا، لكن المفاجأة أنه اتخذ قراره فى جزء من الثانية. بل إنه تواصل مباشرة ونحن معه مع نائبه فى ذلك الوقت الدكتور شوكت المصرى، الذى تحمس للفكرة أكثر منه، وبفضل ذلك حصلنا على الموافقة ومكان التصوير فورًا.
■ ماذا عن تمويل هذه المعدات وغيره من متطلبات المشروع؟
- أسهم معنا العديد من دور النشر كرعاة وداعمين، من بينهم دار كيان لصاحبها محمد جميل صبرى، ودار عصير الكتب، ممثلة فى محمد شوقى، والمؤسسة العربية الحديثة «روايات مصرية للجيب»، ممثلة فى مصطفى حمدى ونوال مصطفى، ودار «غايا»، ممثلة فى مراد ماهر، و«بيت الحكمة»، ممثلًا فى الدكتور أحمد سعيد، إضافة إلى منصة «ستوريتل» كل هؤلاء كانوا رعاة حقيقيين وممولين لمشروع «فوتوبوك» وفى سنوات لاحقة تكفلت الهيئة العامة للكتاب بكل هذه المتطلبات، لكن فى المرة الأولى فقط نحن مَن تحملنا الأمر كاملًا.
■ هل أثّر عملك فى الشركة القابضة للمياه على هوايتك الأثيرة فى التصوير؟
- عملى فى شركة المياه ساعدنى كثيرًا، لأن طبيعة عملى تقتضى أن أجوب مصر كلها، قرية قرية، فشاهدت جمال مصر الحقيقى الذى لم يره كثيرون. ومنذ عام ٢٠٠٦ وحتى اليوم، وعلى مدار عشرين عامًا، طفت البلاد كلها، ورأيت مختلف القرى والثقافات والبيئات، وهذا ما صقل عينى كمصور ومنحنى خبرة بصرية واسعة. وحتى الآن، لا تفارقنى حقيبة الكاميرا أبدًا، فهى رفيقتى الدائمة فى كل مكان.
■ بالتأكيد كان هناك أجانب يأتون للتصوير.. كيف كان تعاملك معهم فى معرض الكتاب؟
- بالفعل، كان هناك عدد كبير من السياح والأجانب، من العرب وغير العرب، يأتون ويندهشون من المشهد. كنا نشرح لهم أن هذه الكتابة فرعونية، وأذكر أن أحد الأجانب جلس على الأرض متخذًا وضعًا فرعونيًا كأنه إله، ووضع يديه بمحاذاة كتفيه وطلب منى أن أصوره. وآخر كان يشير إلى الحروف بدهشة، وكانوا جميعًا سعداء جدًا وهم يلتقطون الصور التى تبدو خلفيتها وكأنها ورق بردى بشكل احترافى، حتى إنهم كانوا يلمسونها ويفحصونها ويحتفظون بها.
وكان هناك أيضًا من جاء ليأخذ ورق بردى فقط دون تصوير، ثم غادر. لكن بشكل عام، الأجانب كانوا أكثر الناس سعادة، وكانوا يصرّون على الوقوف فى الطابور للحصول على صورهم، ولم يقبلوا أن يغادروا دون تسلمها.

■ كيف ترى مستقبل مشروعك للتصوير؟
- هناك فكرتان أساسيتان. الفكرة الأولى أننا نفكر فى العام المقبل أن نخصص جناحًا للتصوير خاصًا بالجماهير، بعيدًا عن المؤلفين والكتاب، لأننا فى البداية لم نكن قادرين على تلبية كل احتياجات الجمهور. ونأمل أن يكون هناك جناحان للتصوير فى معرض الكتاب: أحدهما للجمهور والآخر للكتاب والمؤلفين.
أما الفكرة الثانية، وهى الأهم، فهى كيف يمكننا أن نعزز الاستفادة من هذه الصور ونحوّلها إلى مشروع أكبر، بحيث تصبح بمثابة سيرة ذاتية وأرشيف كامل للكاتب، يوثق مسيرته ويخلّد حضوره فى المعرض.
■ بعد أن تضع الصور على «فيسبوك»، هل تتركها هناك فقط أم أن هناك مشاريع خاصة بإدارة الصورة نفسها.. وما خططك المقبلة؟
- فى الفترة الماضية كنا فى مرحلة التأسيس والانتشار، حيث كان الهدف أن تصل الصور إلى أكبر عدد ممكن من الناس. أما الآن فنحن ندخل مرحلة جديدة، هى مرحلة تعظيم الاستفادة من هذه الصور وتحويلها إلى مشروع كامل متكامل، بحيث لا تظل مجرد صور منشورة على فيسبوك، بل تصبح جزءًا من أرشيف منظم يمكن أن يُبنى عليه مستقبلًا، سواء فى صورة كتب فوتوغرافية أو منصات رقمية أو مشاريع توثيقية أكبر.







