أدبـاء فى الثوب الأبيض.. هل أصبح الطب والأدب توأمًا ملتصقًا يأبى الانفصال؟ (ملف)
- الطب تدريب يومى للكاتب.. والكتابة جزء أساسى من تدريب الطبيب
- هل يرجو الأديب غير ميلاد وبعث كل يوم ليحقق أحلامه ويبلغ ذروة آماله؟!
- البحث عن التشخيص يتطابق مع لحظة التنوير أو الانفراجة فى النص
- الطب يشجعك على كتابة النهاية الأكثر منطقية حتى لو على غير هواك
- الحاجز بينهما حطمه العظيم يوسف إدريس حين فتح بابًا بينهما لم يُغلق حتى الآن
- الطب يوفر مادة روائية خامًا ومواقف إنسانية خصبة ومعرفة بالروح والجسد
فى تداخل فريد بين العلم والإبداع، يطل الأديب الطبيب كحالة استثنائية تجمع بين دقة التشخيص وعمق التعبير. فالطب والأدب رغم اختلاف أدواتهما يشتركان فى الغوص داخل النفس البشرية، واستكشاف الألم والمعاناة، ومحاولة فهم الإنسان فى لحظات ضعفه وقوته.
الطبيب بحكم مهنته، يصغى يوميًا لحكايات المرضى التى قد تتحول إلى بذور تنمو فى نصوص أدبية نابضة بالحياة وتعكس الواقع. ومن جهة أخرى يمنح الأدب للطبيب حسًا إنسانيًا مضاعفًا، يجعله أكثر قربًا من مرضاه وأكثر فهما لتعقيداتهم النفسية.
تجلى هذا التداخل فى أعمال أدباء أطباء مثل يوسف إدريس ومحمد المخزنجى والمنسى قنديل وعمرو عبدالحميد وأحمد خالد توفيق ونبيل فاروق، وغيرهم كثيرون ممن استخدموا خلفيتهم الطبية لإثراء كتاباتهم، واستخدموا الأدب لتوسيع رؤيتهم الطبية.
فى هذا الملف، ترصد «حرف» كيف استفاد هؤلاء من الطب فى الأدب، ومن الأدب فى الطب، لنكشف عن علاقة تتجاوز المهنة والهواية إلى عمق التجربة الإنسانية.
محمد المخزنجى: طبيب نفسى.. متزوج من اثنتين لو ذهبت للأولى تغضب الثانية!

«الأدباء ومهنة الطب» ثنائية دائمًا ما كانت ولا تزال موضع دهشة وتساؤل، ولعل هذا ناتج عن طبيعة المهنة نفسها والتى يقول فيها المثل المتردد بكثير من لغات العالم، «إنها المهنة التى لا تسمح بأن ينازعها عند صاحبها اهتمام آخر»، وهذا صحيح إلى حد بعيد بحكم واجبات هذه المهنة، فى ليل أو نهار، فى عطلة أو عمل.
وهنا عندى حكاية، فقد حدث بعد أن صدر كتابى الأول «الآتى» أن أثنى عليه كاتبنا الأكبر نجيب محفوظ بسطور فى تصريح نادر بمجلة عالم الكتاب، دون أن أكون من حوارييه ولا حتى أهديته الكتاب، كان هذا حدثًا نادرًا من نجيب محفوظ الحذر والمتحفظ، يجعل مئات الوجوه، تتلفت باحثة عن هذا الكتاب الصغير بقصصه بالغة الإيجاز وعمن يكون كاتبه الذى لم يكن متاحًا فى الوسط الأدبى بالقاهرة، إذ هو طبيب شاب يعيش ويعمل فى المنصورة.
عندها سافرت لأذهب إلى الأهرام وأشكره على هذه الهدية النفيسة، كنت أتصور أننى سألقاه فى مكتبه فى الجريدة أشكره وأمكث بضع دقائق وأمضى، لكن الدقائق امتدت أكثر من ساعة ونصف الساعة، رحب بى بمودة غامرة وظل يسألنى أسئلة عديدة، ومنها ماذا أفعل فى «معضلة الجمع بين الطب والأدب؟».
أجبته بالعامية الشعبية بأننى كالمتزوج من اثنتين، إذا ذهبت إلى الأولى تغضب الثانية، وإذا ذهبت إلى الثانية تغضب الأولى! وهنا انطلقت ضحكته المجلجلة، وبعدها قال لى: لم يستطع أن يجمع بين الاثنتين غير الدكتور محمد كامل حسين، والدكتور أحمد زكى أبوشادى.
وهذا يجعلنى الآن تواقًا لرد غيبة الغائبين، فهم أولى بالتذكر والتفكر، بالطبع يبرز هنا اسم العظيم يوسف إدريس كطبيب أديب، لكن يكفينى ويكفيه ويرد غيبته ذلك المقال العميق الشجاع الجميل فى العدد المائة من «حرف» للكاتبة النادرة والحقيقية والكبيرة فى العمق، الأستاذة صافيناز كاظم فى مقالها عن يوسف إدريس ورؤيتها الثاقبة والمنيرة لروايته سابقة عصرها «البيضاء»، ولعلى أضم إليهاـ بتواضعٍ واجب مقدمتى المتواضعة «البحث عن عرق الذهب» فى طبعة مؤسسة هنداوى لثلاث من قصصه المنسية تحت عنوان «المارد».
أما ما يلح علىَّ الآن بشأن ثنائية الطب والأدب، ويتصل برأى نجيب محفوظ الذى أبداه لى منذ أكثر من أربعين سنة، فهو عن ثلاثة أطباء نجحوا فى الجمع بين ثنائية الطب والأدب، وباقتدار نادر.
أولهما: الدكتور أحمد زكى أبوشادى مؤسس مجلة «أبولو» لا بوصفها تيارًا شعريًا تجديديًا فتح لكل من بعده وحتى الآن أفقًا أرحب، ليس فى لغة الشعر فقط، بل فى لغة الأدب بعامة.
فقد كانت رؤاه ليست فقط مشروع تحرر جمالى روحى من البلاغة المتحجرة. بل تحرر من جمود أفق التعبير الأدبى. أما الطريف والمذهل الذى عثرت عليه وأنا أتتبع أثره، فهو ريادته الطبية فى علم «الميكروبيولوجى» أو «الجراثيم»، ليس كأستاذ طب مصرى فقط، بل كأستاذ طب عالمى، إذ عمل بتخصصه الذى كان نادرًا وأساسيًا فى البحث عن الميكروبات التى تنازع الإنسان حياته، فشغل منصب أستاذ فى جامعة أمريكية بعدما هاجر من مصر، وإن لم ينقطع عنها. ولعل أدهش المدهشات فى هذا العملاق المصرى ولعه وخبراته الهائلة بتربية نحل العسل، ما بوأه لرئاسة مجمع النحالين فى العالم!
أما الثانى، فهو الدكتور محمد كامل حسين، أستاذ جراحة العظام، وصاحب الرواية الحدث والتى يمكن قراءتها الآن كعمل عملاق فى بنائه ومراميه الإنسانية والكونية «قرية ظالمة» التى لم تكن مجرد وقفة أمام التباسات لحظة دينية، بل أخذًا للبشرية ووضعها على طاولة الفحص الأخلاقية والروحية لتحديد موضع الألم الذى يشير إلى منطلق العطب فى السلوك الجمعى البشرى. باختصار: كانت هذه رواية عملاقة لكاتب عملاق أدب وعملاق طب فى تخصصه، فلا تزال له فى تخصصه مبادرات عالمية تذكرها المراجع وتاريخ التخصص.
وأخيرًا، ثالث هذين العملاقين، وأندفع باطمئنان تام إلى وصفه بأنه «أديب عملاق» ابن أيامنا، نجح فى الجمع بين الأدب الراقى والطب رفيع المقام. إنه الدكتور أسامه عبدالرءوف الشاذلى، أستاذ جراحة العظام بطب عين شمس، وخبير دولى فى جراحات القدم والكاحل، ومرجع دولى أيضًا فى تاريخ الطب.
إنه مبدع «أوراق شمعون المصرى» روايته الأشهر وواحدة من أطول الروايات العربية الحديثة، وأرقاها بناء ولغة ومشهدية وتنقيبًا عميقًا فى منعطف دينى تاريخى جغرافى وأخلاقى لا تزال متاهاته المستحدثة تضرب فى جنوبنا وجنوب الحقيقة، عن «شمعون بن زكريا»، شاب من بنى إسرائيل من أب يهودى وأم مصرية، يروى فيها أحداث الخروج من مصر بقراءة تعيد ترميم التشوهات العمدية للذاكرة، وبمنظور إنسانى عميق يتجاوز السرد المكرر لتاريخ الشعوب.
عمل هائل. أتبعه بعمل روائى هائل آخر وإن كان فى مساحة أقل وهو «عهد دميانة»، حيث يدور السرد التاريخى فى بلاط الدولة الفاطمية، فيستحضر تاريخ صراعات السلطة، ومشاهد التعددية الثقافية والدينية فى مصر حينها، فكأنه يستنطق لواعج الحاضر بصوت الماضى.
كما أنه مثقف متين البنيان الثقافى أشهد له بالعمق عبر مواضيع قرأتها له، ولقاءات تحدث فيها. وأعتقد أن نجيب محفوظ لو كان بيننا لجعله ثالث ثلاثة نجحوا فى الجمع بين زوجتين خطيرتى الغيرة: الطب، والأدب.
عمرو عبدالحميد:طبيب أنف وأذن وحنجرة.. الأدب ساعدنى على شرح أمور معينة للمرضى

بدأت الكتابة قبل التخرج، تحديدًا فى الفرقة السادسة بكلية الطب. وأعتقد أن دراسة الطب نفسها أثّرت على كونى كاتبًا. الكتابة تأخذ منى فترات طويلة حتى إننى أكتب فى رواية واحدة لمدة ٨ أشهر، وتدريبى طوال حياتى فى دراسة الطب، ومذاكرتى لفترة طويلة، و«لم المنهج» فى آخر العام، ساعدنى فى أن أكون مُلمًا بالأحداث فى مدة زمنية طويلة. أعتقد أن دراسة الطب ساعدتنى فى أن ألم بالشخصيات وبالتفاصيل على مسافات بعيدة، وأجمع القصة كلها بدون أن تفلت العناصر من يدى.
كما أننى أعتقد أن الطب والأدب مرتبطان ببعضهما، ويمكن أن يكون هذا هو السبب فى أن الكثير من الأطباء يكتبون الأدب، أو أن كتابات الأطباء تكون متميزة فى منطقة المشاعر. فى الطب تقابل شخصيات متنوعة، ومواقف مختلفة، ومشاعر متعددة من ارتباك وتوتر وحزن وأمل وفرحة، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وكل هذا يصب فى خيالك، ويخرج بعد ذلك فى كتاباتك. وأنا سنة بعد سنة، بفضل الله، مع الخبرات الحياتية ومع التقدم فى عملى، ظهر هذا فى كتابتى وحدث نوع من النضج والتطور كل مرة.
هل أثر الطب على الأدب، دعنى أقول إن التعامل مع المرضى يحتاج أحيانًا نوعًا من اللباقة وحسن التقدير والتحدث. وأعتقد أن الأدب ساعدنى فى هذا، سواء فى شرح أمور معينة للمرضى، أو التصرف فى مواقف معينة. لا أريد أن أقول إن الكتابة وحدها، لكن الأدب بشكل عام، سواء القراءة أو الكتابة، منحنى حسن التصرف فى هذه المواقف.
أسامة عبدالرءوف الشاذلى: أستاذ جراحة العظام.. أجريت جراحة لمريضة فاستشارتنى فى زواج ابنها!

الطب والأدب يمتلكان أساسًا معرفيًا مشتركًا، فالطب ليس مجرد ممارسة تقنية، بل هو علم يعتمد على القراءة التحليلية المتعمقة والفهم والاستيعاب للمعلومات المعقدة وكذلك الاستنتاج وبناء الفرضيات. هذه المهارات نفسها هى جوهر الكتابة الأدبية الناجحة؛ فالكاتب الجيد يحتاج إلى فهم الإنسان والمجتمع وتحليل دوافع الشخصيات، وليس فقط سرد الأحداث. وكما أن القراءة المستمرة هى رأس مال الطبيب يطور بها معرفته الطبية ويواكب الجديد كذلك القراءة بالنسبة للكاتب الذى يقرأ ليغذى مخزونه المعرفى ويُثرى أفكاره الأدبية.
تمنح الممارسة الطبية الطبيب تجارب إنسانية واقترابًا من الناس فى أوقات الألم والمعاناة وقدرة على رؤية التفاصيل الدقيقة فى حياة الناس تنعكس مباشرة على كتاباته الأدبية وهذا يجعل كتابات الأطباء تحمل عادة أبعادًا إنسانية أعمق وأصدق فى التحليل النفسى، ونرى ذلك بوضوح فى أعمال أنطوان تشيكوف ويوسف إدريس ومحمد المنسى قنديل ومحمد المخزنجى ومحمد كامل حسين وغيرهم. أنا أهتم بالكتابة التاريخية التى تحتاج إلى جهد بحثى وتخطيط جيد قبل الكتابة وكذلك منطقة الأحداث وتبريرها بعقلانية بعيدًا عن المبالغات غير المنطقية.
أما الكتابة أو قل سمات الكاتب فقد ساعدتنى كثيرًا فى مهنتى كطبيب. أستطيع أن أزعم أننى من أكثر الأطباء استماعًا للمرضى، وأحب أن يكون التواصل بينى وبين المرضى به قدر كبير من الإنسانية والتفاهم. أتذكر أن إحدى السيدات اللائى أجريت لهن جراحة جاءتنى بعد سنوات طويلة فى العيادة لاستشارتى فى مشكلة تتعلق بزواج ابنها، لا لشىء إلا لثقتها فى رأيى الإنسانى بعيدًا عن التخصص.
طلال فيصل: طبيب نفسى.. الطب ساعدنى فى الخروج من ذاتى الضيقة

كنتُ محظوظًا فى مسألة علاقتى بالطب، وأنا رجلٌ أعرف منذ سن مبكرة أن هدفى الأساسى هو الأدب، كنت محظوظًا باختيار تخصص الطب النفسى، أولًا لأنه وثيق الصلة بالأدب الذى أريده، وثانيًا- وهو الأهم- أنه جاء فى اللحظة التاريخية التى تصالح فيها الإنسان مع مسألة الطب النفسى، بل وصار يقبل عليها بفضول وحماس! لم يعد الطب النفسى ذلك التخصص الذى نتحرّج منه، أو نتعامل معه بتشكك وحياء، فات ذلك الزمن، وصار الطب النفسى حاضرًا بمفرداته وتحليلاته وأطبائه فى كل لحظة فى حياتنا.
الطب منحنى الحرية، والوضوح، والخروج من ذاتى الضيقة، الحرية لأنه جعل لى موردًا ومصدر دخل ثابتًا، وبدرجة كبيرة من الاستقرار لأنه مرتبط بمهارة مطلوبة أستطيع ممارستها فى أى وقت وأى مكان.
لا أعنى هنا بالحرية تلك الفكرة المستقرة الشائعة، أن الأدب لا يصحّ مصدرًا للدخل وأن الأدب لن يطعمك الخبز الحاف! هذا- فى رأيى البسيط- كلام فارغ، النجاح وإتقان الصنعة والمهارة فيها هو ما يطعم خبزًا ويفتح باب الرزق، الأديب الناجح طبعًا يكسب أكثر من الطبيب الفاشل، فضلًا عن أنه أكثر إحساسًا بنفسه وبتحققه، أضف إلى ذلك أن هناك أنشطة مجاورة أو موازية للأدب، مثل الترجمة والكتابة للدراما أو الميديا، والصحافة، وغيرها من أنشطة كثيرة تستطيع توفير حياة كريمة جدًا.
منحنى الطب الوضوح؛ فى أولى سنواتى فى الممارسة الطبية كنت مطالبًا بعرض حالة المريض على الأساتذة الذين يقومون بتعليمى؛ كنتُ ميالًا للاستطراد والثرثرة والحكى بطريقة متشعبة، حتى قال لى أحدهم ساخرًا، وهو لا يعلمُ شيئًا عن ميولى الأدبية: «أنت تصلح لتكون شاعرًا أو قاصّا» وطالبنى بعدها بالوضوح والاقتصاد فى عرض الحالة؛ لم جاء هذا المريض؟ مم يشكو؟ ماذا يريد؟ وماذا نستطيع أن نقدم له؟ باختصار ودون ثرثرة يتوه معها الهدف فى زحام التفاصيل.
شيئًا فشيئًا، تجد هذا الوضوح، أو على الأقل محاولة الوضوح، يتسرب لسلوكك وتفكيرك اليومى، ماذا أفعل بالضبط؟ ماذا أريد هنا؟ ماذا أريد الآن؟ ولماذا أخطو هذه الخطوة فى حياتى؟ يساعدك هذا على تكوين رؤية كلما اتضحت كلما كان عملك الفنى أكثر تماسكًا يعرف ما يريد من نفسه ومن القارئ.
وأخيرًا، منحنى الطب مهارة الخروج من ذاتى الضيقة؛ كل فنان هو نرجسى بالأساس، يبدأ من نقطة مفادها، كم أنا جميل، انظروا لوجهى، وكم هو رائعٌ صوتى، استمعوا لى، كم هى مهمة حكايتى، اجلسوا هنا واسمعوها! من هنا يبدأ كل كاتب وفنان، من افتتانه بذاته ثم يصطدم هذا الافتتان بالواقع فيزدهر أو ينكسر؛ حسب حظ الفنان وموهبته!
لهذا، ليس مصادفة أن أعمال الفنانين الأولى تكون عادة عن سيرهم الذاتية أو مستوحاة منها بشكل مباشر.
أهم ما فى الطب أنه يقتلعك من هذا الانشغال بصوتك وصورتك ويرغمك على أن تطالع وجوه الآخرين، آلامهم وأنينهم وحكاياتهم، فتتسع الرؤية وتزداد عمقًا وبالتالى إمتاعًا.
محمد إبراهيم طه: طبيب نساء وتوليد.. الإثنان «زى الفريك.. ميحبش شريك»!

كلاهما مثل «الفريك» لا يحب الشريك، الطب والأدب. يبدو الأمر كذلك من أول وهلة، فكلاهما يستقطبك ويستهلك أوقاتك، وكلاهما يغار من الآخر رغم أنهما معنيان بالإنسان، أحدهما جسديًا والآخر روحيًا. لكن المواءمة بينهما مع ذلك ليست مستحيلة، فالحاجز بينهما سبق أن حطمه العظيم يوسف إدريس حين فتح بابًا بينهما لم يُغلق حتى الآن، عَبر من خلاله مصطفى محمود ومحمد المخزنجى ومحمد المنسى قنديل ورضا البهات ومحمد داود وآخرون.
ليس من قبيل التباهى أننى لا أعرف حتى الآن أيهما الذى دفعنى للكتابة؟ وهل كانت البداية شغفًا بأطباء دخلوا عالم الأدب، مثل إبراهيم ناجى ويوسف إدريس ومصطفى محمود، أم أنه سؤال التعبير فى الثانوية العامة، الذى سرحت فيه طويلًا كأننى فى حلم يقظة، وأنا أسرد قصة قصيرة بدلًا من موضوع التعبير؟ لا أذكر إن كان ما كتبته فى ورقة الامتحان قصة مكتملة الأركان أم لا، لكننى حصلت على درجات عالية فى اللغة العربية، ومجموع أهلنى حينئذ للالتحاق بكلية الطب.
كان الطب وما زال يمثل أحد الروافد الأساسية لتجربتى السردية. فى مجموعتى القصصية الأولى «توتة مائلة على نهر»، وروايتى الأولى «سقوط النوار»، كنت مهتمًا بإدارة الصراع بين العلم من جهة، والأسطورة والخرافة والموروث الشعبى من جهة ثانية، فاكتشفت تلك الخاصية الفريدة للقرية المصرية، التى لا يتعايش فيها العلمى بجوار الأسطورى والخرافى فقط، بل يتداخلان ويتضافران بشكل لا ينبئ فى القريب عن إزاحة أحدهما الآخر. ثم جاءت روايتى الثانية «العابرون» مزجًا بين واقع طبى مستفيد من تخصص النساء والتوليد، وعوالم روحية وأسطورية وصوفية وسحرية وحلمية غير محدودة.
منحتنى ممارسة الطب مادة روائية خام، وزودتنى بمواقف إنسانية خصبة ومتفردة، وأكسبتنى المعرفة بالروح والجسم فى الصحة والمرض، أكثر لحظتين فارقتين فى الوجود: الميلاد والموت. فقسم الحوادث فى أى مستشفى من الأقسام المقبضة دائمًا، صراخ وعويل وذهول وإصابات وخناقات، عدا حوادث الولادة، تلك التى تكون مصحوبة بصراخ، تعقبه فجأة الزغاريد والأفراح.
لعل مميزات تخصص النساء والتوليد أنك تحصل على نتيجة عملك فورًا فى نفس الوقت، ليس مثل تخصصات الباطنة- مثلًا- تلك التى يستغرق المريض وقتًا حتى يخف أو يموت، وحيث يكون التحسن بطيئًا أو غير ملحوظ. بينما فى حالات الولادة، بتدخلك يُتخذ قرار فورى، وكل قرار له معطياته، وهو ما يجعلك تشعر بأهمية التدخل فى هذا التوقيت. وبقدر سرعة ودقة قرارك تأتى النتيجة فورًا، لتحصل على تقدير وامتنان أسرتين أو أكثر فى حالة واحدة.
كما أنه تخصص محدود يعتمد على المهارة. والعمليات التى تجرى فيه معدودة على أصابع اليدين، وهو ما يجعلها حرفة، وغير قابلة للنسيان تمامًا كما أنك لا يمكنك أن تنسى العوم أو ركوب الدراجات. هذا يتيح الوقت أمام الكتابة الأدبية، ويمنح الفرصة لقراءة حالات إنسانية. فالولادة القيصرية هى العملية الوحيدة التى تعقبها الزغاريد دونًا عن كل العمليات الجراحية. وقسم النساء مُبهِج، غالبًا ما يأتى له حصاد وفرحة، للجميع: الأسرتان والطبيب والممرضة والقابلة، وهو ما يسمى بـ«حادث سعيد».
أحمد عاطف: طبيب عظام.. «فترة التكليف» علمتنى التعامل مع الناس

الطب أضاف لى الكثير ككاتب، فبرغم أننى بدأت الكتابة قبل دخولى كلية الطب بكثير، إلا أنه أسهم فى تعزيز خبراتى الحياتية ونظرتى للعالم المحيط كمجتمع بوجه عام وكأفراد بشكل شخصى.
دراسة الطب ذاتها تسهم بشكل كبير فى جعل الإنسان مهتمًا بأدق التفاصيل مهما كانت بسيطة كما أنها تطور مهارات البحث والفضول لدى الدارس.
لذا فكل ذلك قد أفادنى ككاتب فأصبحت أهتم بالكثير من التفاصيل فى كتاباتى كما أبحث كثيرًا فى موضوعات قد لا تهم الكثيرين، وذلك أيضًا يعزز من رؤيتى للأشياء بصورة مختلفة.
وبعيدًا عن الدراسة وبالانتقال إلى الصعيد العملى والممارسة، فالعمل كطبيب وممارسة مهنة الطب فى المستشفيات الحكومية والتعامل اليومى المباشر مع عدد كبير من المرضى المتباينين فى شخصياتهم ووظائفهم وحياتهم وشكواهم وثقافتهم وطبقاتهم الاجتماعية، كل هذا ساعدنى بشدة فى تكوين مخزون كبير من الشخصيات والتفاصيل فى عقلى الباطن.
كما أن التعامل أيضًا مع المرضى وأقارب المرضى يجعلك ترى جانبًا إنسانيًا من البشر لا يمكن أن يراه سوى الطبيب، وذلك الجانب الإنسانى أيضًا يساعد أى كاتب أن تصل كتابته للناس.
أيضًا فترة التكليف بعد التخرج فى كلية الطب من أهم الفترات فى حياتى التى اكتسبت بها خبرات، فأغلب الأطباء بعد تسلمهم التكليف يتفاجأون بأنهم أصبحوا مديرين لوحدات صحية ومسئولين عن كل شىء، إداريًا وقانونيًا وإنسانيًا، فبالرغم من صعوبة هذه المسئولية على شاب فى بداية حياته ولكن هذه الفترة تسهم بشكل كبير فى إكساب الطبيب الشاب خبرات حياتية كبيرة بعيدًا عن الدراسة كما تسهم فى تدريبه على تحمل المسئولية.
سمر عبدالعظيم:طبيبة شرعية.. أُعيد إلى الطب الشرعى صوته الإنسانى

بصفتى أعمل أساسًا فى تدريس علوم الطب الشرعى، كان للأدب دور معاكس لا يقل أهمية. فالكتابة أعادت صياغة طريقة تدريسى. جعلتنى أكثر وعيًا بأن الطالب، مثل القارئ، لا يتفاعل مع المعلومات المجردة فقط، بل مع السياق، والسؤال، والبعد الإنسانى الكامن خلف كل قضية.
الأدب درّبنى على تحويل الحالة الجنائية من ملف جامد إلى قصة معرفية: ما الذى حدث؟ ما الذى نعرفه يقينًا؟ ما الذى نفترضه؟ وما الذى لا نملك حق الجزم به؟ هذه الأسئلة، التى تشكّل جوهر العمل الأدبى، هى نفسها جوهر التفكير الجنائى السليم.
تجربتى فى كتابة «ميّت مطلوب للشهادة» و«عابرون» تؤكد أن العلاقة بين الطب الشرعى والأدب ليست علاقة تزيين أو استعارة، بل علاقة بنيوية، الطب الشرعى يعلّمنا الانضباط، والشك المنهجى، واحترام الدليل، والأدب يعلّمنا تواضع المعرفة، وحدود اليقين، ومسئولية الشهادة، وحين يجتمعان، لا يصبح النص أكثر تشويقًا فقط، بل أكثر صدقًا. صدقًا مع العلم، ومع الإنسان، ومع فكرة العدالة نفسها.
فى النهاية، لم أكتب هذه الأعمال لأحوّل الطب الشرعى إلى رواية، بل لأعيد إليه صوته الإنسانى دون أن أفقده صرامته العلمية. فالحقيقة، سواء كُتبت فى تقرير تشريح أو فى نص أدبى، تظل مسئولية أخلاقية قبل أن تكون نتيجة علمية.
محمد داود: طبيب شرعى.. كل رواية هى جراحة فى القلب!

تجربة المرض أساسية فى حياة كل إنسان. غالبًا لا أحد يعيش دون أن يمرض، أو يرى المرض فى بعض المحيطين به. كثير من الأمراض قد يهدد الحياة، بما يعنى الدخول فى تجربة الاقتراب من الموت.
أن تكون طبيبًا فأنت على إطلاع مباشر ومستمر بتفاصيل كثيرة شديدة الثراء بالمشاعر الإنسانية. ربما كان ذلك من أسباب التوقف كثيرًا أمام ظاهرة الكُتَّاب الأطباء. فكثيرون من كبار الكُتَّاب كانوا أطباء، واستفادوا من تجربتهم المهنية فى كتاباتهم، لعل أشهرهم الكاتب الروسى تشيخوف. وفى مصر أسماء كثيرة لأطباء برعوا فى فن الكتابة الإبداعية، لعل أشهرهم يوسف إدريس.
يبدو أن من حسن حظى الجمع بين الكتابة والطب، ربما للكتابة أصالة فى النفس أكثر من الطب، لأنها طبع تثقله التجربة والقراءة، أما الطب فيستوجب سنوات طويلة من التعلم المنهجى، والخبرة مع المرض والمرضى، ومطالعة آخر المستجدات. القصد، وراء الطب دراسة وممارسة ظروف موضوعية أكثر من الكتابة، التى تظل ممكنة بالتعلم الذاتى، لاستثمار الاستعداد الفطرى، فى إنتاج إبداعى أفضل.
مؤكد أننى دون وعى غالبًا استفدت بكل من الطب والكتابة فى صالح الآخر، ولنفسى، ومؤكد أيضًا أنى ربما كان من الممكن أن أستفيد أكثر من تجربتى المهنية كطبيب فى الكتابة. والفرق بين الطب والكتابة عندى هو الفرق بين الحب والزواج. مؤخرًا توقفت عن ترديد هذا القول. أكتفى بذكره الآن، رغم أنه مشحون بمعانٍ مغرية بالشرح والتفصيل.
الطب ورطة جميلة لكنها موجعة. أقيم مع جسدى وأجساد الآخرين طول الوقت. كطبيب أجدنى طرفًا أو على الأقل مشاهدًا متورطًا فى حرب طاحنة مع قوى المرض والاضمحلال الطبيعى بالهرم والشيخوخة بعد اكتمال مؤقت بالشباب.
فى المقابل، كل رواية هى جراحة فى القلب حقًا. أشعر بكثافة تجربتى مع الناس كطبيب. هنا منطقة الوجع والضعف الإنسانى البليغ والمقيت. هنا تتجلى ليس فقط أمراض الجسد، لكن أيضًا أسقام المجتمع كجزء أساسى مما يسمى بالواقع، الذى هو، على الضفة الأخرى من نهر حياتى، مداد قلمى ومادة كتابتى.
محمد نجيب عبدالله: أستاذ أمراض الباطنة.. حبل سرى خفى يربط بين الاثنين

لست الأول ولن أكون الأخير، إذ يبدو أن ثمة «حبل سُرىّ خفى» يربط بين الاثنين. بالنسبة لى يبدو الأمر ملتبسًا قليلًا فقد أدركت كينونتى ككاتب، أرى ما لا يراه الآخرون وأشعر بالأشياء بشكل مختلف منذ كنت ابن الرابعة، حيث لم يتقن الطفل بعد أدوات اللغة والتعبير.
رويدًا رويدًا تشكل بداخلى الطبيب الذى أمسيته وبرعت فى أداء دوره حتى أكثر مستوياته تقدمًا. أدرك الآن أن الأمر كله معنىّ بفكرة التصدى لهموم الإنسان، معاناته وآلامه، جسديًا كانت أم نفسيًا، أو حتى مجتمعيًا واقتصاديًا وسياسيًا وأخلاقيًا وفلسفيًا على المجاز الأشمل والأعم.
لا بد للطبيب أن يكون أديبًا، لا أرى مناصًا أو مهربًا من هذا المصير، فمن غيره يمضى فى رحلة وقودها تركيزه على الإنسان، وشعوره بالآخرين، وقدرته على الملاحظة والتشخيص ومن ثمّ وصف العلاج وممارسة فعل الشفاء؟! كطبيب لم أتعب يومًا فى إيجاد قصص أرويها فتنوع التجارب والشخوص هى بمثابة عمل يومى، يثرى محتوى كتاباتى، ويمدّها بطاقة لا تنضب.
مزيج من ثراء لغوى وصور جديدة مع كل حالة. كما أن الواقع بكل لا معقوليته، ينجح دومًا فى أن يصرع الخيال بالضربة القاضية، وفى كل جولة، دون جهد أو ذرة اندهاش. ميلاد وبعث كل يوم، وهل يرجو الأديب غير ذلك ليحقق أحلامه ويبلغ ذروة آماله؟
عبر رحلتى الشخصية، التى بدأت بمجموعة قصصية عنوانها «ما قبل وفاة ملك»، مرورًا بمجموعاتى القصصية الأخرى «العزف على أوتار بشرية» و«عندما تموت القطط» و«كريستال» و«العابر»، و٤ روايات هى: «أسفكسيا أن تذوب عشقًا» و«المبتعدون لكى يقتربوا» و«شيروفوبيا» و«بوابة سليمان»، أرى أنى مهما حاولت إخفاء الطبيب داخلى، يجد لنفسه الطريق ليصبح هو الراوى والبطل والمحلل للشخوص والأحداث والحركة والدراما، بل وحتى الفكرة والفلسفة والرؤية.
أسامة علام:أستاذ علم المناعة.. المشرط يُشرِح الجسد والقلم يُشرح المجتمع

ماذا نتعلم من مهنة الطب؟ يبدو السؤال بسيط الإجابة فى ظاهره. هناك مريض يشتكى من عرض ما، ويطالب شخصًا يمتهن مهنة مرموقة اجتماعيًا فى مساعدته للتخلص من معضلة المرض. هنا على الطبيب أن يستكشف أن العرض، أيًا كان هذا العرض، ليس سوى عطب فى عضو ما، عضو يشتكى من تغيرات فسيولوجية تعطل حياة المريض عن ممارسته حياته اليومية بشكل طبيعى..
أليس هذا ببساطة ما نتعلمه خلال سنوات طويلة فى كليات الطب؟
المدهش حقًا هو هذا التماثل الغريب مع عالم الأدب. عليك أن تفهم شخصياتك الروائية بدقة، محاولًا تفهم دوافعهم فى حياتهم التى تكتب عنها. تتعلم تشريح الجسد البشرى عندما تدرس الطب، كما تتعلم تشريح مفاهيم مجتمع ستبدع عنه عمل روائى.
عليك أن تصل إلى السبب فى ألم مفصل الركبة مثلًا «بسبب تآكل الغضاريف، أو تمزق الرباط الصليبى، أو عطب العضلات مثلًا» كى تصل للعلاج الناجع. كما هو عليك أن تفهم لماذا الأب فى رواية «الخبز الحافى» كان بهذه القسوة؟ أو تفهم ظروف حياة «جريجور سامسا» كى يتحول إلى صرصار فى رواية «المسخ». فى الطب والأدب كلاهما، نتعلم كيف نطرح الأسئلة كى نصل إلى النتائج المنطقية.
يتناول الأدب بشكل عام حياة البشر. لكن وبالتأكيد، مهما طالت حياة الكاتب فلن يختبر تفاصيل حيوات أبطال رواياته كلها. حتى فى أكثر الروايات الواقعية يجب على الكاتب أن يركن ولو قليلًا للخيال. فما بالك بالروايات العظيمة التى تدور كلها عن أفكار خيالية؟ روايات مثل «انقطاعات الموت» و«العمى» لـ«ساراماجو» أو «مائة عام من العزلة» لـ«ماركيز» أو «العطر» لـ«باترك ذوسكند»، أو «ألف ليلة وليلة» العمل الأروع خيالًا فى حياة البشر.
كطبيب تتقاطع حياتك اليومية مع مشاهد هى الأكثر فورانًا لنوبات الخيال والهلوسة بشكل مستمر. أقصد هنا ٣ مواقف لن ينساها أى ممن مارس مهنة الطب لسنوات: الحمى، والاستفاقة من التخدير بعد العمليات الجراحية، وأخيرًا لحظات الاحتضار الأقسى والأكثر شفافية للمتوفى.
هنا فى هذه المواقف الثلاثة ينكشف للأديب بداخل الطبيب كم أن الفاصل بين الواقعى والخيالى شديد الهشاشة. وأن ما نعيشه عمرًا كاملًا باعتباره حقيقة مؤكدة، من الممكن جدًا انهياره فى لحظات فارقة من مرض الجسد. ثم ماذا عن مرض العقل؟ أليس العالم الأكثر رحابة وتشويقًا وإيلامًا للروح البشرية، التى نكتب عنها ما نكتب من قصص وروايات؟!
حسن كمال: دكتوراه أمراض الروماتيزم .. علاقة تاريخية تمتد إلى إمحوتب وابن سينا

العلاقة بين الطب والأدب تمتد إلى التاريخ بأكمله، بداية من إمحوتب المصرى، الذى جمع بين الطب والكتابة والحكمة والشعر، مرورًا بـ«ابن سينا»، الذى كان طبيبًا نابغًا، إلى جانب تشيخوف، وصولًا إلى إبراهيم ناجى والمخزنجى والمنسى قنديل من المعاصرين.
الواقع أن متلازمة الطب والأدب ليست نادرة على مر العصور، فالعنصر الذى يجمع عليه جميع الكُتَّاب والأدباء بمختلف المجالات الأدبية، من أجل تكوين وتنمية مهارة الكاتب، هو كثرة القراءة، والطبيب الجيد قارئ جيد بشكل إجبارى، لديه يوميًا احتياج كبير لقراءة القديم والجديد فى الطب والدواء.
يفرض هذا عليك تدريبًا وتنمية لعادة القراءة يوميًا منذ بدايات الشباب، فتتحول القراءة إلى جزء رئيسى من حياتك، وتمتد العادة من كتب الطب إلى كتب وقراءات متنوعة عند من يملكون الشغف، وهو ما ينتهى بمن يملكون الموهبة إلى قدرة على صياغة وإنتاج نصوص متنوعة.
الطبيب يتعرض يوميًا لأنماط وأشكال متنوعة من البشر، وبلحظات إنسانية شديدة التعقيد ومثيرة للمشاعر والملكات. لحظة ميلاد طفل لسيدة لم تنجب منذ سنوات، وانفعالات الأب والأم، لحظة وفاة شخص غالٍ، لحظة إخبار شخص أن حياته بالكامل ستنقلب رأسًا على عقب، أو أن جزءًا غاليًا من جسده تعطل ولا بد من استئصاله.
يمكنك أن ترى بوضوح لحظات الخوف والصدمة والانهيار والغضب والتقبل أو حتى اليأس. فإذا كان الطبيب يمتلك من المشاعر والرؤية ما يجعله يتأثر بما يرى، ومن الثقافة والموهبة والأدوات ما يحفزه على الكتابة، سيكون الناتج نصوصًا أدبية رائعة الجمال ومليئة بالتفاصيل.
سأتحدث تحديدًا عن مجالى فى الكتابة: القصة والرواية جزء أساسى من تدريب الأطباء، ليس بمفهوهما الأدبى لكن بالمفهوم الطبى، أين ولد المريض؟، الأمراض التى عانى منها الآباء وحتى الأجداد، رسم شخصية المريض والضغوط التى يتعرض لها وتأثيرها عليه، صلابته وهشاشته النفسية. الكثير من الأطباء يعرفون جيدًا أن التفصيل فى التاريخ المرضى يمكن أن يقود إلى التشخيص حتى قبل الكشف الإكلينيكى.
أما الطب فهو تدريب يومى للكاتب، وتقديم مواد خام للأفكار. يدخل عليك المريض فيقدم لك حكايته بصوت الراوى. والمريض هنا هو الراوى. يمكن أن تلاحظ بوضوح الفارق بين رجل وامرأة يتعاملان مع نفس المرض، التركيبة النفسية للبطل، وما يدور فى ذهنه واهتماماته ومخاوفه، وعشرات القصص عن اليوم الأول فى اكتشاف المرض، والتغير الدرامى فى حياة البشر عندما يتعرضون لـ«twist plot»، أو «تحول درامى مفاجئ» فى أحداث حياتهم.
والبحث عن التشخيص يتطابق مع لحظة التنوير فى النص أو الانفراجة الآتية، والطب يعلمك أن النهايات ليست دائمًا سعيدة، وألا تتردد فى كتابة النهاية الأكثر منطقية أو الأكثر درامية، حتى إذا كنت- ككاتب- لا تريد أن تنهى الحكاية بهذا الشكل.
الراحلون الأربعة.. جعلوا الأطباء يكتبون!
إلى جانب هؤلاء الأطباء، هناك من فتح لهم الطريق قبل رحيلهم إلى الحياة، وعلى رأسهم يوسف إدريس، الذى قضى ٧ سنوات فى ممارسة الطب، منها عامان فى الجراحة العامة قبل أن يتخصص فى الطب النفسى. وظف «إدريس» خلفيته الطبية فى الكتابة الأدبية، ليس فقط عبر إدراج شخصيات تعمل فى المجال الطبى، كما فى روايته «العسكرى الأسود» التى كتبها أثناء دراسته، بل من خلال تبنى منظور تشريحى فى تحليل النفس البشرية، والغوص فى دواخل الشخصيات وتشخيص دوافعها وردود أفعالها بدقة بالغة، علاوة على مناقشة مفاهيم طبية ونفسية فى أعماله مثل «السادية» و«الحرب النفسية».
هناك أيضًا الدكتورة نوال السعداوى، الطبيبة والكاتبة والناشطة النسوية، التى أصدرت كتاب «مذكّرات طبيبة» عام ١٩٥٨، والذى استعرضت فيه تجاربها كطبيبة شابة تعمل فى الأرياف والمستشفيات، كاشفةً عن الصراعات التى واجهتها كامرأة فى مجتمع ذكورى، والازدواجية بين العلم والمجتمع، والجسد والسلطة، وبين ما درسته نظريًا وما اصطدمت به عمليًا. كما وظفت معرفتها فى الكشف عن قضايا حساسة، فى رواية «ابنة إيزيس»، التى سلطت الضوء على موضوع الختان، وفى كتابها «المرأة والجنس» تناولت هذا «التابو» من منظور طبى مؤهل.
لا ننسى الدكتور نبيل فاروق، الذى امتلأت سلاسله بجوانب علمية، بداية من «ملف المستقبل»، السلسلة القائمة على الألغاز العلمية المستقبلية، وامتلأت بمصطلحات شرحها فى الهوامش، مثل الأوكسجين والصوديوم والليزر والاستنساخ، مع وجود شخصية «الدكتور محمد حجازى»، الطبيب الشرعى الذى تولى الجانب الطبى فى حل الألغاز، وفق ما ذكره الكاتب أحمد عبدالمجيد، مؤلف كتاب «بوب فيكشن». وفى سلسلة «رجل المستحيل»، قاوم «أدهم صبرى» عقار «مصل الحقيقة» أو «بنتوثال الصوديوم»، الذى كان يُستخدم فى الاستجواب، ويضع صاحبه فى حالة ذهنية لا يستطيع معها الكذب، أو يستغل بعض المواد البسيطة حوله، كمساحيق الغسيل وبعض المواد الموجودة فى المطبخ، ليصنع سلاحًا أو قنبلة تسعفه أمام أعدائه. أما فى سلسلة «ع×٢» فنجد أنفسنا أمام تحقيقات بوليسية فى جرائم ارتُكبت بدقة يصعب أن يكتب عنها شخص لا يمتلك معرفة طبية كالتى لدى نبيل فاروق، الذى ترك الطب فى سن ٢٨ ليتفرغ للكتابة. واستمر ذلك معه أيضًا فى روايات الخيال العلمى التى قدّمها، سواء فى سلسلة «ملف المستقبل» أو «كوكتيل ٢٠٠٠» أو «سيف العدالة».
وفى «بوب فيكشن» أيضًا، تحدث الكاتب أحمد عبدالمجيد عن الكاتب أحمد خالد توفيق، الذى استمر فى ممارسة الطب بعد الكتابة، ولم يتوقف عنه كما فعل نبيل فاروق، وكان معظم أبطاله أطباء، بداية من سلسلته الأولى «ما وراء الطبيعة»، حيث يُطل علينا بطله الأشهر «رفعت إسماعيل»، ويُقدّم نفسه باعتباره طبيب أمراض دم يخوض مغامرات خارقة للطبيعة. ورغم الجانب الطبى الواضح فى «ما وراء الطبيعة»، يأخذنا خالد توفيق خطوة أوسع فى سلسلته «سفارى»، القائمة بالكامل على المغامرات الطبية، من خلال طبيب آخر هو «علاء عبدالعظيم»، الذى يهاجر إلى الكونغو ليعمل فى وحدة «سفارى» الطبية العالمية، وهناك يلتقى أطباء من شتى بقاع الأرض، ويواجه مشاكل طبية عليه حلها، إلى جانب مواجهة فساد شركات الأدوية العالمية. وتمتلئ السلسلة بمعلومات طبية مفصلة عن أمراض معروفة مثل «الكالا أزار» و«الإيدز» و«إنفلونزا الطيور» وغيرها، وهو ما استفاد فيه من دراسته لطب المناطق الحارة، الذى كان موضوع رسالته لنيل درجة الدكتوراه.
حاتم رضوان:استشارى جراحة العظام والكسور.. الاثنان «فن استخدام الحواس الخمس»

جدلية العلاقة بين الطب والأدب قديمة ولها جذورها الممتدة فى التاريخ. وكثيرون ممن مارسوا أو درسوا الطب، نبغوا فى الأدب أو العلوم الإنسانية، بدءًا من أبى بكر الرازى وابن سينا وابن رشد وابن النفيس، ممن لهم إسهامات قيمة فى الطب والأدب والفلسفة.
هناك أيضًا يوسف إدريس وإبراهيم ناجى وأحمد زكى أبوشادى ومصطفى محمود بالطبع، فضلًا عن أنطون تشيخوف، والسير الإسكتلندى آرثر كونان دويل، والكاتب مايكل كرايتون، ووليام سومرست موم، على المستوى العالمى. ولا تزال هناك كتيبة كبيرة من الأطباء تبدع إلى يومنا هذا، وتمثل أجيالًا مختلفة فى مصر والعالم العربى.
على المستوى الإنسانى أضاف الطب لى الكثير. كل من الطب والأدب يتشاركان فى الاقتراب من الإنسان. ومؤكد أن دراستى للطب أثرت فى شخصيتى الأدبية ولو بشكل غير مباشر. أدركت مع تقدمى فى دراسة الطب، من تشريح وعلم وظائف الأعضاء والأمراض النفسية والباطنية، وغيرها من العلوم الطبية، كيف يتقاطع الطب والأدب، وكم يتقابلان ويلتقيان.
كلاهما معنى بدراسة الإنسان من الخارج والداخل. وكلاهما يدعو إلى التفكير والتأمل فى جوهر هذا المخلوق وعلاقته بغيره من مخلوقات أخرى، وبالعالم من حوله، ومدى تأثيره فيه وتأثره به، فى علاقة أزلية جدلية.
بعد تخرجى فى كلية الطب، والانخراط فى الحياة العملية، والتعامل المباشر مع المرضى، طبقت ما تعلمته، كيفية أخذ ما نسميه التاريخ المرضى للمرضى، نشأتهم، أعمارهم، وظائفهم، عاداتهم، هيئتهم، لون بشرتهم، ميولهم، وحالاتهم الاجتماعية والنفسية، وكيفية ترتيب كل هذه المعلومات، وتحليلها داخل العقل فى نفس اللحظة. إنها نفس الأدوات وسرعة البديهة التى يحتاجها أى روائى لكتابة عمله. إضافة إلى معايشة المرضى وقصصهم، والاقتراب من أزماتهم النفسية والحياتية، ونقاط ضعفهم ومعاناتهم.
اللغة المشتركة بين الطبيب والمريض أحد أهم المفاتيح من أجل فهم قصة المريض وتشخيص مرضه. الطبيب يتقمص دور وكيل النيابة، يطرح سؤالًا تلو سؤال ليستدرج المريض إلى التحدث، وإخراج كل ما يمكن أن يرشد الطبيب إلى هدفه. المريض مركز الحدث، والطبيب يسمع ويسأل ويلاحظ، ثم يفحص بأصابعه موضع الألم أو الشكوى، ما أسماه «أبوالطب» أبقراط: «فن استخدام الحواس الخمس».
يتعامل الطب مع المرض والجنون والشفاء والجسد، وهى من المواضيع المطروقة والمطروحة دائمًا على مائدة الأدب، بدءًا من الملاحم القديمة وصولًا إلى الروايات الحديثة. أيضًا كثيرًا ما نواجه فى المستشفيات تجربة الموت بعمقها وثرائها، وتأثيرها المباشر على الكثير من الأعمال الأدبية، ما يضيف لخبرات الأديب الإبداعية أبعادًا جديدة. هنا استعيد كلام الطبيب الأديب أنطون تشيخوف عن دراساته الطبية: «وسعت على نحو كبير حقل ملاحظاتى، وأغنتنى بالمعارف التى لها قيمة بالنسبة إلىّ ككاتب. ولا يتيسر إدراك هذه القيمة إلا لكاتب، وهو نفسه طبيب».
المتتبع لأعمالى لن يجد فى معظمها علاقة مباشرة، فالطب يتوارى فى الخلفية بعيدًا. مثلًا بطل رواية «طرح النهر» طالب طب. وفى رواية «بقع زرقاء» يدخل البطل فى غيبوبة، ويشرف على الموت، مع شرح لأعراض بعض الأمراض التى تصيب بعض الأبطال، لكن بصورة مضفرة فى السرد.. أستثنى من ذلك بعض القصص القصيرة.
أحمد سلامة:طبيب أمراض الباطنة.. من الصعب ألا يصبح الطبيب كاتبًا!

فى مرحلة مبكرة جدًا من عمر الكاتب، الذى يعمل فى الأصل طبيبًا، يختبر نوعًا خاصًا جدًا من الروتين اليومى المختلف عن معظم الوظائف التى يشغلها كتاب آخرون. فالاحتكاك بالنفس البشرية فريد من نوعه.. وهذا الكاتب يدرس فى مرحلة عمرية مبكرة للغاية كل ما يخص جسم الإنسان، وما يؤثر عليه داخليًا وخارجيًا لسنوات عديدة. ثم يرى الهم الإنسانى متجسدًا فى أصعب صوره بين أروقة المستشفيات والعيادات.
لطالما رأيت أنه من الصعب ألا يصبح الطبيب كاتبًا. لا أعنى هنا أن يكون بالضرورة مؤلفًا مبدعًا أو كاتبًا روائيًا. وإنما أعنى شخصًا يمارس فعل الكتابة، ولو لنفسه. من الصعب ألا يكون الطبيب شخصًا يشعر برغبة مُلِحة فى الكتابة والتدوين والتعبير عما يدور بداخله نتاج طبيعة الحياة التى يحياها.. وأفضل طرق التعبير فى رأيى هى إما الفضفضة الذاتية فى شكل كتابة. أو التحدث مع الغرباء.
تبدأ القصة فى سنوات الدراسة الأولى. حيث الأكوام المكدسة من الكتب والمعلومات التى يحتاج دارس الطب إلى استيعابها. وهذا ما يؤثر بشكل قاطع على الفترات التى يقضيها مع الآخرين. نحن هنا أمام طالب يقضى معظم أوقاته مع نفسه وبين أحضان الكتب. لذا، من المتوقع، إن كان يملك شغفًا ما ولو بسيطًا بالقراءة، أن يشعر بحاجة مُلِحة للتعبير عن مشاعره ورؤاه ووجهات نظره فى الحياة وفى الآخرين عن طريق الكتابة.
حال توافر موهبة لدى هذا الدارس، طبيعة الحياة التى يعيشها توفر له مخزونًا من الدراما والمفارقات والتقلبات الحياتية، التى تصبح بشكل مباشر أو غير مباشر مادة خصبة للكتابة الروائية أو الفلسفية. لا أعنى نقل الأحداث التى تدور حوله فى يومه العادى لمادة مكتوبة. فهذا يعتبر نوعًا من كتابة المذكرات. وإنما أعنى الروتين المختلف الملىء بالدراما والطبيعة الصاخبة للعمل فى أروقة المستشفيات.
كما أن الظروف الخاصة التى تحيط بحياة المرضى تدفع الطبيب إلى إعادة تدوير الأحداث والشخوص من حوله لينتج مادته الدرامية الخيالية، سواء فى محتوى روائى أو قصصى أو فلسفى. وفى وقت مبكر من عمره، يكوِّن الطبيب فلسفة خاصة عن الإنسان وضعفه الحقيقى، الذى قد يغيب عن كثيرين ممن لم يتعرضوا أو يختبروا مواقف قاسية كالتى يحياها فى روتين يومه العادى، أو على الأقل لا يحياها الآخرون يوميًا.
فى روايتى الأولى «محطة الرمل» لم يكن يسيرًا علىّ التنصل من أن يكون أحد أبطال الرواية طبيبًا، إذ انعكست ممارستى لتخصص أمراض الباطنة على أحد أبطال روايتى الثانية «الزعفرانة».
والأثر الذى تركته ممارسة مهنة الطب، وكواليس حياة الأطباء، على الكتابة كبيرًا. فالطب مهنة تعتمد على دقة الملاحظة، والتروى فى اتخاذ القرارات، خاصة المصيرية منها.. وما أكثر تلك القرارات فى حياة الطبيب!
لمست انعكاس ذلك الأثر بشكل كبير على أسلوب الكتابة. فغالبًا ما تتناول الأعمال التى أكتبها دواخل النفس البشرية فى لحظات الوهن والضعف. كما يأتى الصراع الدرامى فى صورة بعيدة عن الشكل النمطى للبطل الطيب فى مواجهة الطرف الشرير فى الحكاية. فقد كان صراع الأبطال فى العمل الأول مع ذواتهم. مع لحظات ضعفهم وانكساراتهم. وأرى أن ذلك كان انعكاسًا غير مباشر لممارسات حياة الطبيب، خاصة فى تخصص الباطنة.







