الجمعة 02 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

عزلة الكنجرو.. عبدالسلام إبراهيم: لا أكتب من أجل جائزة

حرف

- أركز على مشروعى الروائى بغض النظر على الجوائز

- بعض القراء لا يقرأون إلا من وصلت أعمالهم إلى قوائم «البوكر»

- الكتابة هى الهدف الأهم لأى كاتب سواء حصل على جائزة أم لا

- لو الجائزة هى الهدف ولم يحصل عليها الكاتب.. هل ستقف حياته؟

وصلت رواية «عزلة الكنجرو» للروائى الأقصرى عبدالسلام إبراهيم، والصادرة عن دار تنمية للنشر والتوزيع، إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، لتضع اسم كاتبها فى دائرة الضوء الأدبى العربى. 

الرواية، التى تنسج خيوطها من تفاصيل العادات والتقاليد والموروث الاجتماعى، تكشف عن قدرة عبدالسلام إبراهيم على تحويل اليومى والمعيش إلى نص أدبى نابض بالحياة، يعكس صراع الإنسان مع واقعه وأسئلته الوجودية، وهو تناول يعد ثمرة مسيرة إبداعية تتكئ على خبرة ومعايشة عميقة للبيئة المصرية، خصوصًا فى الصعيد. فى حواره مع «حرف»، يحدثنا عبدالسلام إبراهيم، عن تجربته مع «عزلة الكنجرو»، وعن رؤيته للأدب ودوره فى إعادة صياغة العلاقة بين الكاتب والمجتمع.

■ بداية.. ما هو رأيك فى الجوائز؟ وما الذى تضيفه للمبدع؟

- تعتبر الجوائز عاملًا مهمًا فى إقبال القراء، لأنها فى ظنى المعيار الأهم بالنسبة للقراء العرب، وأرى أن القراء يلجأون إلى هذا التصرف بسبب غياب النقد الذى يجب أن تكون مهمته الأولى هى إلقاء الضوء على الجديد من الإصدارات حتى لا يلجأ القارئ إلى سبل أخرى، رغم وجود صفحات وجروبات توجد فيها ترشيحات للقراءة، وهذا يعوض غياب النقد إلى حد ما. 

■ الجوائز تجعل الأعمال الأدبية أكثر مقروئية.. اتفق على هذا الكثيرون.. هل معنى ذلك أنه على الروائى أن يبحث عن جائزة حتى يقرأ بشكل قوى؟

- تعتبر جائزة البوكر الأهم نظرًا لشهرتها على مستوى العالم العربى، وتعتبر المحرك لبقية الجوائز، إذ ظهرت بعدها جوائز تحاول السير على هديها أو تقليدها أو جذب الاهتمام لها وحشد الدعاية حتى تصل للأهمية التى يرجونها، واستطاعت البوكر أن تكون هدفًا لكثيرين من الكتاب، كما أن بعض القراء لا يقرأون إلا من وصلت أعمالهم إلى قوائمها.

لكن هناك كتابًا لا يحصلون على جوائز أو حتى يتقدمون للحصول عليها ومع ذلك لديهم قراء، وبالرغم أنه عامل مهم إلا أن هناك ظروفًا أخرى تجعل القراء يقرأون لكاتب ما بسبب جرأة موضوعاته أو لظروف صعوده فى المجال الأدبى لسبب ما. لكن على أى حال منذ أن بدأت الكتابة وأنا أركز على مشروعى الروائى سواء حصلت على جائزة أم لا، وفى نفس الوقت أركز على مشروع الترجمة جنبًا إلى جنب مع مشروعى السردى سواء كان رواية أم قصة قصيرة. الكتابة هى الهدف الأهم لأى كاتب سواء حصل على جائزة أم لا، ولو كانت الجائزة هى الهدف ولم يحصل عليها هل سيتوقف عن الكتابة؟ أم أنه يستمر حتى يحصل عليها؟ أظن أن المسألة مسألة وقت فربما يسعى الكاتب فى فترة زمنية محددة وراء جائزة ما ولو لم يحصل عليها فسوف ينصرف عنها ويكمل حياته.

■ كيف جاءت فكرة رواية «عزلة الكنجرو»؟ وهل هناك مشهد أو صورة أو أى باعث لكتابتها؟

- فكرة رواية «عزلة الكنجرو» جاءت لتجيب عن سؤال كان يدور فى ذهنى قبلها بسنوات وهو هل يستطيع المواطن أن يحقق أحلامه فى أوطان أخرى؟ وظل هذا السؤال يومض كثيرًا حتى مررت فى المكان الذى تدور فيه أحداث الرواية، وهو مكان بين مدينتى البياضية والأقصر، وهنا تكونت الفكرة وظلت تلح علىّ طوال عشرة أيام حتى بدأت فى الكتابة. 

جاءت الفرصة لتكوين مجتمع جديد ليس فيه أى باعث على الخلاف العرقى أو الدينى أو الأيديولوجى، وجئت ببطل غريب ليحاول الإجابة عن سؤالى. وشخصيات أخرى تمثل نماذج مختلفة من المصريين يتفاعلون مع المكان وفلسفته الجديدة، فى محاول جادة منهم لنسيان الماضر والانعتاق من ظلاله. إن «الحدودية» مكان يمثل منطقة حدودية على أطراف بعض الدول، ذلك المكان يستوعب المهاجرين والنازحين والفارين من كل مكان، ليجيب عن سؤال آخر؛ هل يستطيع هذا المكان أن يستوعب كل تلك الشخصيات بقضاياهم التى من المفترض أنهم تخلوا عنها؟ أم أن هناك صراعًا ما سوف ينشأ بسبب ترسيبات كل شخصية؟.

تمثل الحدودية أيضًا الوعاء الذى يناقش مسألة النزوح أو التهجير على عدة مستويات وهل يمثل هذا المكان الوطن البديل للنازح أو المُهجَّر؟، وإذا قبل هذا المواطن أن يكون وطنه البديل فهل يصدقه الآخرون أم يعتبرونه مواطنًا من الدرجة الثانية؟ كل تلك التساؤلات تطرحها الرواية وتترك الأحداث تجيب عنها تباعًا. إن المجتمع الجديد فى الحدودية يقبل كل الناس بشرط أن يتخلى كل منهم عن نزعاته العرقية أو الدينية أو الأيديولوجية. 

المجتمع الجديد فى الحدودية هو الوطن الجديد الذى يسعى للإقامة فيه كل من ترك وطنه سواء كان مكانًا ما؛ محافظة أو منطقة، داخل مصر أو دولة أخرى، يستوعب هذا المكان كل أصناف البشر ويضع فلسفته حكماؤه الذين يمثلون كل الأصناف للحفاظ عليه من الفتن والقلاقل والنزاعات المحتملة، ومن أجل ذلك كانوا يختارون كل من يحاول الإقامة فيه بعناية، لكن سنكتشف فى النهاية أن هناك تحركات غير مرئية أو أيديولوجية أخرى كانت تتم منذ سنوات لم تستوعبها بعض الشخصيات وظلت حتى النهاية غائبة حتى كشفها البطل فى النهاية وتصرف على إثرها.

■ فى رواياتك من «الطواب الأكبر» لـ«عرش الدينارى» لـ«عزلة الكنجرو» لكل منها صوته الخاص ولكل منها تقنية الحكى.. هل تتعمد أن تكون هناك تقنية جديدة لكل رواية؟

- إن تقنية السرد تأتى فى الأغلب مع فكرة الرواية أو مع اختيار البطل، وحينما شرعت فى كتابة «عزلة الكنجرو» كان السرد يتطلب أن يروى الأحداث البطل الغريب، الفتى الطونجى الذى كان يبحث عن مكان ما يعتبر وطنًا بديلًا له، نزح البطل أو أُبعد أو هاجر، كل تلك المعانى كنت أحتاجها لبناء الرواية على فلسفتها، ورغم أن ربيع برسى هو الراوى العليم إلا أن هناك أصواتًا ورواة آخرين. كنت أحتاج فى عزلة الكنجرو إلى راوٍ غريب يرى الأحداث بعينيه هو وليس بعينى شخصية مصرية. ربما كانت الأحداث تدور فى منطقة حدودية فى دولة أجنبية لكننى اخترت المكان، فى مصر وخصوصًا فى الأقصر، الذى يلعب دورًا حيويًا فى الأحداث، ولأننى منذ كتابة رواية «الطواب الأكبر» وأنا مهتم بالمكان وفلسفته، الأقصر تحديدًا. 

إن مكونات العمل الروائى؛ سواء كان تقنية السرد أو الراوى أو الشخصية الرئيسية وبقية الشخصيات والمكان والزمان لا تحتاج إلى صناعة بل هى تتكون تلقائيًا بعد وجود أحد العناصر، فمثلًا عند اختيار الشخصيات ربما تجد أن تقنية السرد تحتاج إلى تعدد أصوات، ومن ثم لا يوجد بطل رئيسى أو راو عليم ويتحدد المكان أو عدة أمكنة حسب تواجد تلك الشخصيات وهذا ينطبق أيضًا على عنصر الزمن. 

فى بعض الأحيان تأتى الفكرة وكل مشتملاتها؛ تقنية السرد والشخصيات والحدث الرئيسى والأحداث الفرعية، وربما تأتى الفكرة ولا يأتى عنوان الرواية أو الشخصية الرئيسية. يتكون العمل الروائى على حسب كل كاتب أو حسب كل رواية وليس هناك مقياس يتكرر مع كل كاتب.

فى رواية «عزلة الكنجرو» كانت تقنية السرد تندرج تحت فيما يسمى ما بعد الحداثة وربما بدأت هذا التكنيك منذ رواية «ميراث الشمس» وفى ظنى أنه مناسب تمامًا للأحداث أو ما يستجد من كتابة سردية أخرى. ويعتبر هذا التكنيك هو الأنسب فى الوقت الحاضر أو لأن التكنيكات الأخرى قد استنفدت أغراضها أو لم تعد مناسبة للعصر الذى بات كل شىء فيها يتغير سريعًا، أو أن إيقاع العصر صار سريعًا فلم يجد معه تكنيك قديم لا يتناسب معه.

■ فى «عزلة الكنجرو» لا يبدو أن هناك أبطالًا وإنما البطل الأكبر هو المكان.. ما رأيك؟

- فى رواية «عزلة الكنجرو» يوجد البطل وهو ربيع برسى الطونجى النازح، وهو الراوى العليم يحرك الأحداث بصورة لا تبدو مرئية بقدر ما هى قائمة على رد الفعل من شخصيات أخرى التى تمثل بالنسبة لى من أركان المجتمع الجديد الذى تقوم عليه الرواية، ولكن لو اعتبرنا أن المكان بطل فلا أختلف فى تلك الرؤية لأنه بالفعل بطل نظرًا للفكرة التى تعتمد فى الأساس على منطقة حدودية بين مدينتين؛ البياضية والأقصر، لا تتبع أيًا منها إداريًا. إن عدم التبعية هى ما طور الأحداث وجعلها تتشابك. 

تمثل الحدودية، ذلك المكان أو المجتمع الجديد، سفينة نوح بعد أن استقرت على الجودى، فشخصياته هم الناجون من المجتمعات الأخرى وعليهم أن ينشئوا مجتمعًا جديدًا لا يعتمد على فلسفات المجتمعات الأخرى سواء كانت عرقية أو دينية أو أيديولوجية.

■ بدأت الرواية بمقتل «ماهينور» وعنونت الفصل بـ«قبلة يهوذا» فى تناص مع فعل الخيانة ليهوذا الإسخريوطى؟

- جاء الفصل الأول بعنوان «قبلة يهوذا» للتأكيد أن معظم فصول التاريخ تحتشد بقصص الخيانة بعدة أشكال وربما كانت بعض الأحداث المفصلية فيه تعتمد على الخيانة التى تتسبب فى انتهاء عصر قديم وبداية عصر جديد، فضلًا عن أن الخيانة فعل ممقوت لدى كل الناس، لكن يبدو أنه موجود بشكل ما فى كل المجتمعات، وفى «عزلة الكنجرو» بدأت به الأحداث لأنها سوف تترتب عليه أحداث أخرى بشكل غير مباشر، ويمثل يهوذا النموذج الصارخ للخيانة بسبب ما ترتب على فعلته من أحداث أو توجهات.

■ برغم مناقشتك قضايا متجذرة فى عمق البيئات الجنوبية لكنك عرجت على استخدام التكنولوجيا الحديثة لتبرهن على أن العادات والتقاليد أقوى من أى شىء ولا تزال؟

- إن استخدامى التكنولوجيا الحديثة كالماسينجر أو فيسبوك أو تويتر أو الإيميل جاء بسبب تطور الأحداث، أو أن الشخصيات واكبت ذلك التطور التقنى ومن ثم استخدمته، فضلًا عن أن تلك التقنيات صارت مهمة جدًا للتواصل بين الناس أو أنها صارت ضرورة لا يستغنى عنها أحد فى ظل وجود تقاليد وعادات وربما كانت عاملاً فى تخفيف حدتها. إن وسائل التواصل الاجتماعى اقتحمت كل المجتمعات وأعادت تشكيل العادات والتقاليد على هديها أو على ضوء تفاعل الشخصيات معها.

أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعى فرضت نفسها على كل المجتمعات ولا يخلو أى بيت من مستخدم لتلك الوسائل وربما كان التواصل بين أفراد البيت الواحد لا يتم سوى من خلالها، ومن ثم لا بد أن ينعكس ذلك على الرواية بوصفها تستقرئ الواقع أو تنقده، وبالتالى سنجد أن تلك الوسائل التى فرضت نفسها على الواقع سوف تفرض نفسها على السرد، ولو تتبعنا آثارها لوجدناها فى كل عمل روائى أو سردى بشكل عام.

■ لم تلق ظلالًا على القضايا الجنوبية لكنك أيضًا مررت على علاقة الشرق بالغرب ممثلًا فى الدكتورة ريبيكا براون.. وهذه العلاقات موجودة بقوة خاصة وأن الأقصر مدينة سياحية عامرة بالأجانب.

- تمثل شخصية الدكتورة ريبيكا براون «الآخر» بالنسبة للشخصيات التى تمثل هى بدورها «الآخر» لبقية الشخصيات، كما تمثل الضمير الإنسانى الذى يطرح تساؤلات يحاول أن يجيب عنها مثل صراع الحضارات.

وتمثل «ريبيكا» الميزان المادى الذى تتزن به بعض الشخصيات مثل رفاعى الذى يعانى نقصًا ما فى موارده المادية، وميزانًا نفسيًا لربيع برسى التى يراها تقوم بتنفيذ فكرته العامة عن الصراع الإنسانى وهو صراع الحضارات التى تحدثت عنه وحاولت تطبيق نظريته فى المكتبة التى تديرها، إذن «ريبيكا» تعتبر ضميره الثقافى الذى يمثل جانبًا آخر فى شخصيته التى تعيش فى عزلة.

■ لك العديد من الأعمال الأدبية.. فما الذى تمثله «عزلة الكنجرو» لك؟

- تمثل ركنًا مهمًا فى مشروعى السردى والذى يعتمد فى الأساس على المكان وتجلياته؛ الأقصر كما لا يعرفها أحد، ليست الأقصر المعروفة بكونها تحتوى على ثلث آثار العالم، بل الأقصر ذلك المكان الذى يعيش فيه بشر بأحلامهم وأحزانهم وانتصاراتهم وانكساراتهم، الشباب وطموحاتهم وتفاعلهم مع الآخر الذى يأتى من القاهرة أو أى مكان آخر، الكبار وتقاليدهم وعاداتهم وانفتاحهم على الآخر ومدى تأثرهم به، الدين وخطابه، الأحداث الكبرى وتأثيرها على المواطن فى الأقصر، كل تلك الهموم وتداعياتها كانت حاضرة فى رواياتى.

■ أصدرت قبل «عزلة الكنجرو» رواية «ميراث الشمس» النى تدور فى أجواء مختلفة.. ماذا تقول عنها؟

- جاءت رواية «عزلة الكنجرو» بعد رواية «ميراث الشمس» التى تمثل ركنًا مهمًا أيضًا فى مشروعى الروائى، إذ استخدمت فيها تقنية سردية ما بعد حداثية مختلفة من خلال راو عليم آخر، وتنبع أهميتها من موضوعها القائم فى الأساس على التطبيع وخطورته وانعكاسه على البطل وبقية الشخصيات.

وهى تمثل زاوية مهمة فى مشروعى السردى، لأنها جاءت بعد رواية «جماعة الرب» التى نشرت خارج مصر وربما لم تجد لها صدى يذكر، بسبب عدم توزيعها إلا فى الخارج فقط، لكنها أظن متوافرة إلى حد ما فى بعض المكتبات.