فوق رأسى سحابة.. دعاء إبراهيم: كتبت الرواية بعد حلم غريب
- الرواية تنطلق من سؤال: لو علمت أن شخصًا سيموت هل يمكن أن تقتله؟
- أنا مفتونة بالنفس البشرية وقدرتها على الاستمرار أمام العالم
- دائمًا ما أنسى الأسماء ومعظم رواياتى تخلو منها
- أبنى وأهدم النص مرة واثنتين وعشرًا حتى أشعر بـ«بعض الرضا»
وصلت الروائية والطبيبة دعاء إبراهيم إلى القائمة الطويلة لجائزة «البوكر» من خلال روايتها «فوق رأسى سحابة»، الصادرة عن دار «العين» للنشر والتوزيع.
الرواية تدور حول ممرضة تتعرض لجريمة اغتصاب من خالها فى صغرها، وعلى إثر ذلك تتعرض لصدمة كبيرة تجعلها تحاول قتل الآخرين بشكل رحيم دون التعرض للألم والتعب.
وإلى جانب «فوق رأسى سحابة»، أصدرت دعاء إبراهيم عددًا من الروايات، التى لفتت الأنظار بعناوينها، وتضمنت كتابة وأسلوبًا خاصين صنعا اسمها بين الروائيين المميزين خلال الفترة الأخيرة، مثل «ست أرواح تكفى للهو»، و«حبة بازلاء تنبت فى كفى»، و«لآدم سبع أرجل»، وغيرها.
فى الحوار التالى مع «حرف»، تتحدث الكاتبة دعاء إبراهيم عن كواليس كتابة رواية «فوق رأسى سحابة»، وتفاصيل ما تتضمنه من أحداث وشخصيات، ورؤيتها للجوائز بصفة عامة، إلى جانب عناصر أخرى.

■ ماذا تقولين عن وصول رواية «فوق رأسى سحابة» إلى القائمة الطويلة لجائزة «البوكر»؟
- سعدتُ كثيرًا حين وجدتُ رواية «فوق رأسى سحابة» ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر». ما أسعدنى أكثر أن روايتى جاءت رفقة روايات أخرى مميزة لمبدعين ومبدعات أثروا الحياة الفنية والثقافية.
■ كيف جاءت فكرة الرواية من الأساس؟
- بدأتُ كتابة رواية «فوق رأسى سحابة» فى يناير ٢٠٢١، ويمكن القول إن فكرة الرواية لاحت فى ذهنى قبلها بشهور، حيث كنت أسكن مع أطفالى فى شقتى بمدينة الإسكندرية. جاءتنى على هيئة حلم غريب: عبارات كثيرة، وسؤال مُلِحّ عن الموت. ماذا لو علم شخص أن شخصًا آخر سيموت اليوم؟ هل من الممكن أن تدفعه تلك المعرفة لارتكاب جريمة قتل، خاصة إذا كانت بينهما ضغينة عميقة؟!
استيقظتُ وأنا ألحظ ظلَّ طائر شديد السواد جوار سريرى، أعلى «الكومود». قلت لنفسى: «دعكِ من الموت والموتى»، وهششتُ الطائر المتخيَّل ونمتُ. بعدها تناسيتُ الرواية. لكنها فرضت نفسها ثانيةً بإلحاح حين وضعتُ أقدامى على أرض اليابان، فى مقاطعة «كوماموتو» جنوبًا.
كان البرد يلسعنى، وتشعرنى الغربة بالوحدة. أرقب الغربان الكثيرة حولى، وأتابع أخبار الذين ينتحرون فى الغابات، وأسير فيها كما ساروا فيها قبلى. أتوقف عند قفاز قديم مُلقى بين أوراق الأشجار، وأتلمس كوفية بالية بين أناملى، وأسأل نفسى: هل هى لشخص تاه هنا بإرادته الكاملة، أم سقطت سهوًا، وكل ما أفكر فيه محض خيال؟.
لكن الخيال دفعنى بكل قوة للكتابة عن «نهى»، الممرضة الآتية من الشرق الأوسط، المُحمَّلة بآلام الاغتصاب ووجع الخذلان. أتت لتفرد جناحيها ما بين المشرقين، تمزج الواقع بالخيال، وترى نفسها فى اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت. هناك فقط يمكن للحُجُب أن تنكشف، ويمكن لها وحدها أن ترى معاناة الإنسان بصفة عامة، والنساء بصفة خاصة، فى عالم لا يرحم.
■ من خلال صدمة فى الطفولة تكونت شخصية «نهى» المضطربة، وكأنها بموت من حولها ومساعدتهم على الموت تُشبع فيها رغبة دفينة.. كيف ترين هذا؟
- أنا مفتونة بالنفس البشرية، بتعقيدها، بغرائبيتها، بقسوتها وعدلها، وفى النهاية بقدرتها على الاستمرار أمام العالم. وكلما غصتُ داخل هذا الكائن المعقد أجد نفسى، دون وعى، داخل أزمات الطفولة وصدماتها. أظن أننا جميعًا نحمل هذا الطفل المهزوم داخلنا، ونمضى به فى مشوار الحياة، وكل همّنا أن ننجو وينجو معنا.

■ هناك رموز كثيرة مرادفة للموت فى روايتك: الغراب ونعيقه، وهو رمز الموت فى الثقافة الشعبية، وقابيل قاتل هابيل.. ما الذى عنيته بهذه الرموز؟
- الحقيقة أننى لا أرى أى رموز داخل الرواية، ولم أتعمد وضعها كرموز يجب حل شفراتها. وربما فى هذا المنهج أسلك مسلك الكاتب الكبير «همنجواى» حين قال عن روايته الشهيرة «العجوز والبحر»: البحر بحر، والعجوز عجوز، والفتى فتى، والسمكة سمكة، سمكة قرش مثل كل أسماك القرش، لا أفضل ولا أسوأ. فيمكننى أن أقول إن الغراب غراب، وقابيل هو قابيل، والفتاة فتاة عادية لا أقل ولا أكثر. وعلى القراء والنقاد، إن رأوا غير ذلك، أن يُكملوا النص بتفسيراتهم وتأويلاتهم.
■ رغم أن أحداث الرواية تدور فى مصر واليابان، فإنك لم تهتمى بذكر الأحياء أو الشوارع أو التفاصيل التى يعرف منها القارئ أين هو الآن، لماذا؟
- ذكرتُ أسماء بعض الشوارع والمحال التجارية، والأكلات اليابانية، ونظام السجون والاعتقال، ومراسم الجنازات. لكننى رصدتها بعين شخص موجود بالفعل داخل اليابان، لا شخص قرأ عنها على «جوجل»، وأراد أن يضع كل المعلومات التى قرأها داخل رواية.
كان لا بد لـ«نهى» أن تنقل ما عايشته. إلى جانب أننى كنت مهتمة أكثر بنقل حالة هذا المجتمع نقلًا حقيقيًا، بعيدًا عن كل الصور المعتادة عن «كوكب اليابان». هذا شعب له معاناته الخاصة، التى تلاقت مع معاناة امرأة قادمة من الشرق الأوسط محمَّلة بأعباء الماضى.
وهناك نقطة مهمة لا يمكن إغفالها، وهى أن الراوى المتكلم المضطرب وغير الموثوق فيه، العالق عند لحظة معينة، يبقى دائمًا خلف جدار سميك عازل لا يجعله يرى اللحظة الحالية فى صورتها الحقيقية، فـ«نهى» سافرت وبدأت حياة جديدة، ومع ذلك لم يتغير شىء بداخلها.
■ وماذا عن الأسماء داخل الرواية؟ هل لها دلالات بعينها؟
- طالما خشيتُ، بينى وبين نفسى، أن أعترف بأننى أنسى. كان من السهل القول إننى أنسى بصورة عامة، كالبشر جميعًا. لكن أن أنسى أسماء الأشخاص بصورة خاصة، أقف أمام شخص بينى وبينه «عيش وملح وحكايات» فى محاولة بائسة لإيجاد اسمه بين ثنايا عقلى. أُتبع اللقاءات السريعة بسلام حار بلا اسم. كيف يمكن أن أخلق سلامًا حارًا دون أن أخبر أحدهم: «كيف حالك يا فلان؟». أغيب ويغيب، وتبتلعنا الطرقات، وأنا أعلم أنه لم يكن سوى سلام عابر سيسقط هو الآخر من ثنايا ذاكرتى. وكأى عطب فى الجسد أحاول أن أخفيه عمدًا، وكأى عطب يمكن أن أسترضيه أحيانًا بمحاولات خائبة، كترديد اسم شخص عدة مرات، أو الاستعداد قبل أى مقابلة بكتابة أسماء الكُتّاب المفضلين كى لا أنساهم أثناء التسجيل، وتجنب الحديث عن السينما لأننى، بالطبع، لا أتذكر أسماء الممثلين والمخرجين، والاحتفاظ باسمى كما هو «دعاء إبراهيم» دون خيانته بإضافة اسم لا ينتمى إليه، ودون العبث بعاديته المثيرة للشفقة والغضب أيضًا.
أنا أغضب من الأسماء، ومن اسمى بصورة خاصة، تلك الأسماء المجردة من المعنى. فأسماء الأشخاص لها معنى حين تفارقهم وتعود إلى أصلها فى المعجم، لكنها ما إن ارتبطت بشخص فقدت معناها وصارت مجردة، كإطار يحفظ للشخص حقه.. فى ماذا؟ لا أدرى، ربما حقه فى اللا شىء، أو حقه فى أن يحكى حكايته، أو أن ينقل حديثًا «عن فلان ابن فلان ابن فلان»، أو ربما فى ظنه الخاطئ أن هذا الاسم اسمه وحده دون الآخرين.
فى روايتىّ «حبة بازلاء تنبت فى كفى» و«ست أرواح تكفى للهو»، خلتا من أى أسماء. وكلما صار الشخص مجردًا بلا هوية، شعرتُ بأننى أقترب من الجوهر الحقيقى للإنسان.
■ كيف ترين تأثير الجوائز فى الحياة الثقافية؟
- هذا السؤال قُتل بحثًا، ومع ذلك لا يزال محلّ تساؤل وانشغال الجميع. أعتقد أن الجوائز بصفة عامة، والجائزة العالمية للرواية العربية خاصة، قد أثرت الحياة الثقافية، وجعلت الروايات المرشحة محطَّ أنظار القراء والنقاد. كما أنها صنعت جسرًا بين مبدعى العالم العربى. اليوم، من خلال الجوائز، أتعرف على أدب قادم من كل أرجاء الوطن العربى. وهناك أسماء كبيرة لمعت فى فضاء الأدب عن استحقاق من خلال الجوائز دون غيرها. وأعتقد أن الهدف الأول لأى جائزة كبيرة ومحترمة هى اكتشاف المواهب وتكريمها ودعمها.
لقد صنعت الجوائز عبر سنوات حالة من الانفتاح، والزخم، وتبادل الآراء سلبًا وإيجابًا، وكل هذا ضرورى ولازم ولا غنى عنه.
■ وماذا عن ربط هذه الجوائز بالجودة؟
- الأسهل لى، ككاتبة حصلت على جوائز سابقة وترشحت لأخرى، أن أقول إن الجوائز دليل وشهادة على جودة العمل. لكننى فى العادة لا أرتاح للإجابات البسيطة، حتى لو تقوّلتُ بها أحيانًا. دومًا ما تكون هناك معركة داخلى وحوار لا يقل فلسفة عن حوار الفوز والخسارة. أقول لنفسى: «كُفّى عن التفلسف»، لأن الفلسفة مرعبة ومخيفة، ومشكلتها تكمن فى أنها تزلزل كل ما نعرفه بالفعل، وتجعلنا نسائل المألوف فلا يعود مألوفًا مرة أخرى.
الجوائز تُفرز كل عام روايات عدة، وفى كل عام تكون هناك لجنة تحكيم تختلف عن غيرها. لقد حلّت الجوائز محلّ الناقد فى ظل مشكلات كبيرة تواجه النقاد وتُفقدهم سلطتهم القديمة، حيث بدا الأمر طوال الوقت خارجًا عن السيطرة وفوضويًا. وعلى قدر سوء الفوضى، على قدر جمالها الكامن فى الحرية المطلقة للجميع.
الجائزة ترى الأفضل من وجهة نظرها، والقراء يرون الأفضل وفق مزاجهم القرائى، والنقاد يرون الأفضل وفق مدارسهم الحديثة والقديمة على حدّ سواء. لكن الكاتب، حجر الزاوية، يمضى فى طريقه: يكتب، ويخلص للكتابة، ويحب ما يفعله حبًا أفلاطونيًا لا يناسب مجريات العصر.
هناك روايات «كبيرة» أغفلتها الجوائز، وهناك روايات جديرة بأن تحصل على جوائز مهمة، وحالفها الحظ وحصلت عليها. لكن الجودة، أو القيمة، أو الفنية، سيبقى السؤال العصىّ الذى لا يمكن الإجابة عنه عبر «جائزة».
■ لماذا؟
- السؤال عن قيمة ما نقدمه وجودته يحتاج إلى زمن كامل ومشوار طويل، قد نصل إلى نهايته وقد لا نصل، وقد يحتاج إلى زمن آخر يُنصفه، كما حدث مع الشاعر دانتى أليجييرى، الذى التفت إليه الجميع بعد أن مات فى المنفى ليتداركوا خطأً ربما لا يمكن التكفير عنه. كيف سيتمكن فنان من الشعور بالجودة والأحقية والرضا عن فنه بعد الموت؟!
هذا السؤال يحيلنى إلى خصوصية الجودة؛ أنها، رغم كل شىء، شعور داخلى مُحرِّض على تكرار تجربة الكتابة مرة تلو الأخرى، حتى ولو أغفلت الجوائز ما هو جيد بالفعل أو أصابته. لم تعد تفرّق، لأن هناك دومًا شعورًا بالجودة عميقًا وحقيقيًا لدى الفنان نفسه. هذا الشعور هو ما يدفعه للموت مطمئنًا بأن الزمن سينصفه، حتى لو تشكك فى صحة تلك النظرية كما أفعل فى أحيان كثيرة، لكنها على الأقل نظرية عادلة وبسيطة ومريحة، ويمكن التقوّل بها دون حرج.
فى الخلاصة، كى أتجنب الإطالة، الجوائز، أكبرها وأصغرها، تحتاج بشدة إلى مبدع حقيقى، ربما أكثر مما يحتاجها هو ليثبت أمام الجميع أنه يجيد ما يفعله. الجائزة تحتاج إلى مبدع حقيقى لأن العمل الجيد هو الدليل الوحيد على قيمتها ونزاهتها، فى حين أن المبدع سيخسر جائزة ويفوز بأخرى، لكن عنصر الجودة ينبع طوال الوقت من أعمق وأعنف نقطة فى كيانه، النقطة التى تجعله لا ينهزم أبدًا، على الأقل أمام نفسه.
■ هل أعدتِ كتابة الرواية مرات بحيث جاء بناؤها بهذا الشكل القوى، أم جاءت دفقة واحدة؟
- فى العادة أنتهى من المسودة الأولى خلال شهور، ثم أتركها فترة لأعود إليها ثانية، وبعدها أتركها فترة لأعود إليها ثالثًا ورابعًا وعاشرًا. وهكذا تستمر عملية الهدم والبناء حتى أشعر ببعض الرضا.







