الأربعاء 04 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

سلطان الرعب والمجون.. أسرار جديدة عن سليمان القانونى

حرف

- حياته مليئة بالقتل والجنس والمكر والخيانة

- عصره امتلأ بمسيحيين مستعبَدين وقراصنة ماكرين وجوار داهيات ووزراء حمر الوجوه

فى قلب التاريخ العثمانى يكمن عالم ملىء بالفتوحات الكبرى، والصراعات الدامية على السلطة، والمؤامرات التى تتقاطع مع الحب والوفاء والخيانة. 

عصر تتشابك فيه حياة السلاطين مع مصائر ملوك أوروبا، حيث يكون كل قرار سياسى محفوفًا بالمخاطر، وكل علاقة إنسانية داخل القصور قد تحمل فى طياتها بقاء الإمبراطورية أو سقوطها. 

هذا العالم لم يكن مجرد ميدان للحروب والفتوحات، بل كان مسرحًا للدراما الإنسانية بكل أبعادها الطموح والغيرة والحب والخيانة، فتحوّلت الحياة اليومية فى القصور العثمانية إلى رواية بحد ذاتها، مليئة بالتفاصيل التى تبدو فى بعض الأحيان أقرب إلى الملاحم. 

وعن عوالم القصور العثمانية صدر قبل عدة أسابيع كتاب «العرش الذهبى: لعنة ملك The Golden Throne: The Curse of a King» للكاتب البريطانى كريستوفر دى بيلاج Christopher de Bellaigue، وهو الجزء الثانى فى ثلاثيته التاريخية التى تروى حياة السلطان العثمانى سليمان القانونى. 

ويجمع الكتاب بين الرواية التاريخية والتحليل الأكاديمى، مستعرضًا صراعات العرش والمؤامرات داخل القصر ودور النساء فى البلاط العثمانى، إلى جانب الحروب والفتوحات التى ميّزت عصره. 

وعن هذا الكتاب، نشر موقع The London Review of Books مراجعة ثرية من زاوية نقدية، تنشر «حرف» ترجمتها فى السطور التالية:

حريم السلطان

تحمل حياةُ السلطان العثمانى العاشر سليمان المعروف فى أوروبا بـ«سليمان العظيم» وفى تركيا بـ«سليمان القانونى» سمات المأساة الإغريقية أو المسلسل الميلودرامى. فهى مليئة بالقتل والجنس والمكر والخيانة، وكلّها تجرى فى بلاط إحدى أغنى وأقوى إمبراطوريات القرن السادس عشر، واستمر ذلك حتى قبل وفاته عام ١٥٦٦، حيث بدأت تُكتب المسرحيات عنه. 

وخلال السنوات القليلة الماضية، أنتج فى تركيا المسلسل المعروف بـ«حريم السلطان»، أو «القرن الرائع» الذى حاز على نحو ٥٠٠ مليون مشاهد حول العالم، والآن صدر كتاب «العرش الذهبى» وهو المجلد الثانى فى ثلاثية كريستوفر دى بيلاج التاريخية ذات الأسلوب الروائى عن حياة سليمان القانونى. 

الكتاب عباره عن عالم من الانحلال فى خمسة فصول، نلتقى فيه مسيحيين مستعبَدين وقراصنة ماكرين وجوارى داهيات ووزراء حمر الوجوه، وتتوالى المعارك الضارية وعمليات الإعدام العشوائية. 

وليس غريبًا أن تقول إحدى المراجعات: «أحب التاريخ، لكن صبرى على كتب التاريخ قد نفد مؤخرًا. المشكلة الكبرى فى كتب التاريخ هى كثرة التواريخ وتراكم الأسماء والإفراط فى التفاصيل البحثية. لكن قراءة (العرش الذهبى) كانت ممتعة حقًا».

قدّم كتاب «دى بيلاج» صورة مُلهمة للماضى، من النوع الذى نادرًا ما توفره الدراسات الأكاديمية. فالكتاب نتاج قراءاته بالفرنسية والإيطالية والتركية والفارسية، بالإضافة إلى الإنجليزية، ومع ما يتمتع به من براعة، يظلّ ملتزمًا بمصادره، غير أنّك إذا جرّدت النص من استعاراته، وبعضها جميل حقًا، ستجد سردٍ تقليدى إلى حد ما لسياسات البيت العثمانى.

تولّى سليمان القانونى العرش عام ١٥٢٠ وكان عمره ٢٦ عامًا فقط. قد يبدو شابًا صغيرًا، لكن لم يكن الإمبراطور الوحيد الذى تولى العرش فى بدايات شبابه. مثلًا كان فرنسيس الأول ملك فرنسا منذ ١٥١٥ ووُلد فى نفس العام. وهنرى الثامن توج عام ١٥٠٩ وهو أكبر منه بثلاث سنوات فقط. بينما أصبح شارل الخامس إمبراطورًا رومانيًا عام ١٥١٩ وهو فى التاسعة عشرة من عمره. ومع ذلك، كان على «سليمان» أن يتحمل مسئوليات ضخمة منذ البداية، فقد ضاعف والده سليم مساحة الإمبراطورية خلال ثمانى سنوات من الحكم، ورأى معاصروه فى أوروبا الغربية فى بداية حكمه أنه الحمل مقابل الأسد الذى يُدعى «سليم»، لكنّه سرعان ما أثبت خطأ هذا التصوّر.

ففى ١٥٢١ استولى جيشه على بلجراد، بوابة الدانوب إلى أوروبا الوسطى. وفى ١٥٢٢ فتح رودس، ذلك الوكر من القراصنة المسيحيين، وفى ١٥٢٦ استولى على معظم المجر، واستمرّت الفتوحات فى السنوات اللاحقة، لكن بحلول أربعينيات القرن السادس عشر بدأت صحة سليمان تتدهور، وكان يعانى من النقرس وتورّم شديد جعله فى بعض الأحيان بالكاد قادرًا على المشى، ومع انتشار أخبار وضعه الصحى، بدأت مسألة الخلافة تبرز فى الأفق.

كانت قواعد الخلافة فى الدولة العثمانية تعتبر كل الذكور من أبناء السلالة أصحاب حق فى العرش. وعند وفاة السلطان، كان أبناؤه يهرعون من الولايات التى يحكمونها نحو إسطنبول. ومن يصل أولًا، وهو غالبًا الأذكى سياسيًا والأفضل اختيارًا لمستشاريه والأكثر تأييدًا بين الناس، وبالتالى الأوفر حظًا بالعون الإلهى، يصبح السلطان الجديد.

لكن تفاديًا لحالة عدم الاستقرار التى قد يسببها الإخوة المُبعدون عن الحكم. ترسّخ تقليد يقضى بأن يعمد المنتصر إلى تعقّب إخوته الأحياء وقتلهم، وغالبًا أبناءهم أيضًا. 

ويُعتقد أن «سليم» جنّب «سليمان» هذا المصير حين تخلّص بنفسه من بقية المطالبين بالعرش. وقد أقلق هذا العنف بعض المعاصرين، لكنهم رأوا فيه خدمةً للصالح العام. فقد شرح أحد المسئولين، الذى كُلِّف بالقضاء على أحد الأمراء فى القرن الخامس عشر الأمر، قائلًا «حتى لو بدا فعلى خيانة من الناحية الرسمية، فأنا فى جوهرى أظل وفيًا. فلو تركتُ الأمر دون تدخل، لدمّر هذان الأخوان البلاد بأكملها بصراعهما. فالإضرار بالأسرة الحاكمة أهون من الإضرار بالمصلحة العامة».

هيلين بفايفر

قطة تقتل أبناءها

نجح ذلك النظام وأفرز سلسلة من السلاطين على قدر كبير من الكفاءة وحظوا بتأييد شعبى واسع. لكنه فى المقابل خلّف علاقات متوترة بين الإخوة، على أقل تقدير. ولتقليل هذا التوتر ابتكر العثمانيون سياسة عُرفت بـ«أمّ واحدة، ابن واحد». 

فمنذ أواخر القرن الرابع عشر، صار السلاطين يواصلون نسلهم من خلال الجوارى فقط. يدخلن القصر فى سن صغيرة ويقطعن صلاتهن بأى روابط عائلية سابقة. ومع مرور الوقت، أصبح من المعتاد أن تتوقف المحظية عن علاقتها الجنسية بالسلطان بعد إنجاب ابن واحد. أو تلجأ إلى وسائل منع الحمل، التى كانت مقبولة فى المجتمعات الإسلامية آنذاك. 

كريستوفر دى بيلاج

ومنذ تلك اللحظة، تصبح الأم الحليف الأقرب لابنها فى سعيه إلى العرش. هكذا كان حال ماهيدفران، التى أنجبت لسليمان ابنه البكر مصطفى عام ١٥١٥، وإذا كان هذا الترتيب قد جنّب الأمهات الاضطرار إلى المفاضلة بين أبنائهن، فإنه فى الوقت نفسه خلق حاجزًا بين الإخوة غير الأشقاء.

إلى أن جاءت هُرّم. المعروفة فى أوروبا بروكسلانا. وكانت قد أُسرت فى روثينيا غرب أوكرانيا اليوم. وألحقت بالقصر العثمانى كجارية، ويبدو أنها وقعت فى حب سليمان بجنون، وكان حبًا متبادلًا. وفى ١٥٢١ أنجبت طفلهما الأول محمد. وفى ١٥٢٢ وُلدت مهرماه ابنتهما الوحيدة، وفى تحدٍ للتقاليد العثمانية، شهدت السنوات التالية مزيدًا من الأبناء: سليم وعبدالله وبايزيد، وجهانجير.

كان مصطفى يتمتع بأفضلية واضحة. فلم يكن الأكبر سنًا فحسب، بل كان حكيمًا كريمًا عادلًا ومحبوبًا لدى الجنود الانكشارية، نخبة المشاة المعروفة بصناعة الملوك. وفى ١٥٥٢، حين قرر سليمان ألا يقود الحملة الجديدة ضد الصفويين فى فارس. وكان مصطفى حينها يقترب من الأربعين، وهو سن مثالى لملك يقود جنوده إلى المعركة، فقادها هو.

لكن هُرّم كانت حريصة على إيصال أحد أبنائها إلى العرش. واتهمها معاصروها بالتآمر مع رستم باشا الصدر الأعظم لسليمان. وفى ذلك الشتاء، تلقّى سليمان رسالة عاجلة من رستم، الذى كان يتجه شرقًا مع الجيش. توسّل إليه أن يأتى فورًا: فالانكشارية يطالبون مصطفى بالعرش، وبينما كان مصطفى مترددًا استمع إليهم وأكرمهم بالذهب.

وكان رد سليمان، كما دوّنه مؤرخون معاصرون، أن أصرّ على براءة ابنه، لكن تهديد استقرار الإمبراطورية كان واضحًا. فسارع سليمان للحاق بالقوات واستدعى مصطفى إلى خيمته. وعندما اقترب الأمير، أُطلق عليه سهمًا يحمل رسالة تحذّره من الاستمرار وتدفعه للعودة. لكنه تجاهلها ودخل الخيمة، حيث قُتل على الفور.

فى مقابلة مع، بى بى سى، بعد نشر دار «The Lion House» الجزء الأول من الثلاثية. شرح دى بيلاج. أن صورته لسليمان تقوم على «التمعّن الشديد فى المصادر، وعدم الانبهار بالأدبيات الثانوية أو بالتعديلات التاريخية اللاحقة أو مراجعات المراجعات. ما نحتاجه حقًا هو أن نكون مخلصين للمصادر، ونعود إليها لنرى ما الذى كان يقوله أولئك الأقرب إلى السلطان فى ذلك الوقت».

العودة الخالصة إلى المصادر بالتأكيد هدف نبيل سعى إليه اللوثريون والسلفيون والأكاديميون على حد سواء. لكن أيضًا، حتى أقرب الناس إلى سليمان كانوا يحملون أجندات خاصة، استغرق المؤرخون عقودًا لتفكيكها وفهمها. والخطر فى تجاوز هذا العمل هو أن يصاب المرء بالتضليل بسبب المصادر نفسها.

والاستبداد الشرقىّ هو أحد هذه الصور النمطية المُضللة. انطلقت الفكرة من أعمال أرسطو وأُعيد إحياؤها فى أوروبا بالقرن السادس عشر لتفسير ما اعتبره بعض المعاصرين سلطةً غير محدودة للسلطان العثمانى. وفق هذه النظرية، بينما كان الغربيون المسيحيون يتمتعون بالحرية! كان رعايا الدولة العثمانية يعيشون فى ظروف أشبه بالعبودية، فى دولة تُحكم بالقوة لا بالقانون. 

وكما لاحظت لوسيت فالنسى قبل حوالى أربعين عامًا. فإن الصيغ الحديثة من هذه النظرية تعود فى جزءٍ منها إلى تقارير السفراء البنادقة التى يعتمد عليها دى بيلاج، ويبدو ذلك واضحًا. 

فعندما لا يكون سليمان، فى كتاب «العرش الذهبى»، مشغولًا «بسحق الكفار» نراه يعزل الناس بسبب تصرف متهور أو يشاهد السجناء وهم يُدهَسون بالأفيال.

وحين علم أن صاحب منزلٍ كان سليمان نفسه قد استولى عليه مؤقتًا، وبعد مغادرته عقّم صاحب البيت المكان كله بالدخان، خوفًا من أن يلتقط مرضًا منه، أمر سليمان بهدم المنزل وإعدام صاحبه. 

من الحب ما قتل

إذا كانت نسخة دى بيلاج عن سليمان تظهر أحيانًا لمحة من العدل، فإن الرجال الذين يخدمونه جميعًا أشخاصٌ همجيون. ينهبون ويقطعون الرءوس ولا يعاقبون. أما العدالة فكانت سلعة تُباع لمن يدفع أكثر أو لأكبر رجال الدين.

الصورة النمطية الثانية التى يعيد دى بيلاج إحياءها هى الأقدم: المرأة الشريرة التى تفسد الرجل العظيم. إلقاء اللوم على امرأة لم يكن مجرد ممارسة شائعة لكراهية النساء فى الديانات الإبراهيمية. بل كان أيضًا الطريقة الأكثر أمانًا لانتقاد السلطان. وقد بدأ بعض العثمانيين يلقبون هُرّم بـ«الساحرة» منذ منتصف ثلاثينيات القرن السادس عشر. لكن تورطها فى مقتل مصطفى سوّد سمعتها إلى الأبد. فقد كتبت الشاعرة نيسائى، صديقة ماهيدفران «سمحت لكلمات ساحرة روسية أن تدخل أذنك/ خدعت بالحيل والمكر، ونفذت أوامر تلك العجوز الحقودة».

هناك جزء من الحقيقة فى هذه الروايات. ففى القرن السادس عشر، كان معظم موظفى القصر العثمانى رسميًا عبيدًا. ورغم أن العلاقة بين السيد والعبد كانت محكومة بقوانين كثيرة، إلا أن السلطان كان قادرًا على إصدار العقوبات بسرعة عند الحاجة. وهُرّم بلا شك كانت سياسية ذكية، لها نفوذ كبير فى الشؤون الداخلية والخارجية.

لكن تصوير النظام السياسى والقانونى العثمانى على أنه دائمًا فاسد ومتقلب يتجاهل أهمية العدالة فى الفكر العثمانى، والإسلامى بشكل أوسع، إذ كانت حماية الناس من إساءة السلطة حجر الأساس لاستقرار الدولة، وإلقاء كل اللوم على هُرّم تجاه قرارات سليمان يعنى تجاهل الاعتبارات السياسية الأكبر التى شكلتها.

بحلول خمسينيات القرن السادس عشر، أصبح نموذج «السلطان المحارب» الذى مثّله مصطفى قديمًا، وكانت شرعية الأسرة العثمانية قوية لدرجة أن المنافسين على العرش لم يعودوا بحاجة لإثبات أنفسهم فى المعارك. وعندما أمر سليمان بإعدام مصطفى، لم يحم فقط سلطة السلطان، بل وضع أيضًا الأساس لممارسات خلافة أكثر تنظيمًا فى القرون التالية.

انتقد الرئيس التركى أردوغان مسلسل «حريم السلطان» عند عرضه لأول مرة عام ٢٠١١. لأنه صوّر التاريخ التركى على أنه عنيف وفاسد وغارق فى الدسائس السياسية. وفى السنوات التالية، أطلقت الهيئة الرسمية للإذاعة التركية عدة مسلسلات تاريخية أكثر توافقًا مع التوجه الرسمى، عُرض فيها سلاطين أتقياء يقاتلون من أجل العدالة ويحافظون على شرف النساء.

لا أظن أن يكون دى بيلاج قد قدم هذه النسخة المبسطة من حياة سليمان عن قصد. لكن ألا يوجد سبيل ثالث بين الإثارة المبالغ فيها والتمجيد؟.

المؤرخة ليزلى بيرس تصف علاقة هُرّم بسليمان بأنها «أعظم قصة حب فى الإمبراطورية العثمانية» رغم أن سردها أقل عاطفية مما يوحى الوصف. وكتابها «إمبراطورة الشرق ٢٠١٧» وهو سيرة لهُرّم، يتميز بالرصانة والدقة، لكنه يمنح القارئ نظرة أكثر حميمية للبلاط العثمانى مقارنةً بـ«العرش الذهبى». والسبب فى ذلك أن «بيرس» تتعامل مع شخصياتها بفضول واحترام وتعاطف، وليس بحثًا عن نكتةٍ مثيرة أو دراما رخيصة.

ينتهى العرش الذهبى بالموت الرهيب لمصطفى وابنه، ممهّدًا للكتاب الأخير فى الثلاثية كى يروى وفاة سليمان واعتلاء ابنه سليم العرش، وانحدار إمبراطوريةٍ كانت عظيمة يومًا ما.

1