المحرر العام
محمد الباز

نحو ثقافة آمنة للطفل.. أحمد عبدالعليم: مواجهة المحتوى العنيف لا تتحقق بالمنع بل بتقديم البدائل

أحمد عبدالعليم
أحمد عبدالعليم

- المحتوى الجيد هو الذى يحول المعرفة إلى مغامرة لا إلى واجب مدرسى

- كثير من النظم التعليمية لا تزال تعمل وفق نماذج تقليدية فى التدريس والتقييم

- الدور الحقيقى للأب والأم لا يتمثل فى الحراسة أو الضبط بل بالمشاركة الثقافية

أصدر أحمد عبدالعليم، رئيس المركز القومى لثقافة الطفل، كتابه الجديد «تأملات فى ثقافة الطفل» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ليضيف إلى المكتبة العربية عملًا فكريًا يتناول قضايا الطفولة من مختلف جوانبها. 

فى هذا الكتاب يفتح المؤلف مساحة واسعة للحديث عن التنشئة والتربية والمعرفة، ويستعرض الأدب الموجّه للأطفال، متوقفًا عند تجربة الرائد كامل كيلانى، الذى يُعد حجر الأساس فى هذا المجال، فضلًا عن تناول تفاصيل أخرى تتعلق بوعى الطفل وثقافته ودور المؤسسات فى تشكيلها. 

عن قضايا الطفل وما يطرحه الكتاب من رؤى وأفكار فى هذا المجال، أجرت «حرف» مع أحمد عبدالعليم الحوار التالى.

■ كيف جاءتك فكرة العمل على كتابك «تأملات فى ثقافة الطفل»؟

- جاءت فكرة الكتاب من شعور متزايد بأن الحديث عن الطفل فى المجال العام غالبًا ما يظل حديثًا جزئيًا، فنحن نتحدث عنه أحيانًا بوصفه موضوعًا للتعليم، وأحيانًا أخرى بوصفه موضوعًا للرعاية، لكننا نادرًا ما نتأمل الطفل بوصفه كائنًا ثقافيًا يعيش داخل شبكة من المعانى والقيم والرموز التى ينتجها المجتمع.

لقد حاولت فى هذا الكتاب أن أنظر إلى ثقافة الطفل لا باعتبارها مجرد نشاط موجّه للأطفال، بل عاملًا يكشف طبيعة المجتمع نفسه، طموحاته، قدرته على التعامل مع أسئلة المستقبل وتحديات الحاضر، فالمجتمع الذى يهتم بثقافة أطفاله هو فى الحقيقة مجتمع يفكر فى مستقبله، لأن ما يتلقاه الطفل من قصص وصور وأفكار لا يبقى مجرد لحظات عابرة فى طفولته، بل يتحول مع الزمن إلى جزء من بنيته الذهنية والوجدانية.

من هنا جاء الكتاب أقرب إلى محاولة للتأمل فى العلاقة بين الطفل والثقافة، بين الخيال والمعرفة، وبين التنشئة الاجتماعية وصناعة المعنى، فالمؤسسات الاجتماعية المنوط بها تنشئة الأطفال ينبغى لها أن تكون ذات صلة عضوية بحيث تتكامل لتحقيق هدفها الأسمى وفق رؤية اجتماعية قادرة على الإحاطة بتوازنات الماضى والحاضر والمستقبل فى آنٍ واحد.

وكما ذكرت فى متن الكتاب، فإن الوعى العميق المعافى هو ذلك الوعى القادر على أن يسبك معطيات الماضى فى فعله الحاضر دون أن يغفل عن أسئلة المستقبل التى تبدو لنا الآن تحديات تواجه المجتمع.

■ تحدثت عن الخطاب الإعلامى الموجّه للطفل وتأثير المحتوى العنيف.. ما الروشتة التى تراها مناسبة للحد من هذا الأمر؟

- فى تقديرى أن المشكلة لا تكمن فى وجود الإعلام ذاته، أو فى طبيعة ما يقدمه، بل فى طبيعة العلاقة التى يقيمها الطفل معه، فالطفل اليوم يعيش فى عالم تتدفق فيه الصور والرسائل بلا توقف، ومن الصعب، بل من غير الممكن، عزله عن هذا العالم، لكن التحدى الحقيقى يكمن فى أن يتحول الطفل من مجرد متلقٍ سلبى إلى متلقٍ واعٍ، فالثقافة لا تحمى الطفل عبر العزل، بل عبر بناء القدرة على التحليل والفهم والنقد.

إن السؤال لا ينبغى أن يطرح على هذا النحو: كيف نمنع الطفل من رؤية العالم؟، بل: كيف نساعده على فهمه دون أن يفقد حساسيته الإنسانية أو خياله، أن يصبح قادرًا على الاختيار، فى ظل هذه العلاقة الديناميكية بين الهوية الشخصية والهوية الثقافية التى تؤكد كونه إنسانًا يعيش فى مجتمع؟.

لهذا فإن مواجهة المحتوى العنيف لا تتحقق فقط عبر المنع أو الرقابة، بل عبر تقديم بدائل ثقافية وجمالية قادرة على توسيع أفق الطفل وإثراء تجربته مع العالم.

■ قلت إن للأب والأم دورًا مهمًا فى توجيه الطفل.. كيف ترى هذا الدور؟

- الأسرة هى المؤسسة الثقافية/الاجتماعية الأولى فى حياة الطفل، حتى قبل المدرسة ووسائل الإعلام. ففى البيت يتعلم الطفل اللغة، ويكتشف معنى الحوار، ويكوّن تصوراته الأولى عن العالم، ويتعرف على منظومة القيم الاجتماعية ويمارسها، فالدور الحقيقى للأب والأم لا يتمثل فى الحراسة أو الضبط فقط، بل فى المشاركة الثقافية، فعندما يقرأ الأب لابنته قصة، أو تتحاور الأم مع طفلها حول فكرة ما، فإنهما لا ينقلان معرفة فحسب، بل يشاركان فى تشكيل طريقة الطفل فى التفكير والنظر إلى العالم، يشكلان وعيه، منظومة القيم، طبيعة العلاقات الاجتماعية، القدرة على مواجهة التحديات التى يفرضها الواقع.. إلخ.

كما أن الطفل لا يتعلم فقط مما يقال له، بل مما يراه أيضًا، ولهذا فإن وجود بيئة أسرية تحتفى بالكتاب والحوار والخيال، وتحترم القيم الإنسانية، يترك أثرًا عميقًا فى تكوينه العقلى والوجدانى.

■ فى مصر مجتمعات ثقافية مختلفة.. هل عقلية الطفل واحدة فى كل هذه الأماكن؟

- لا يمكن الحديث عن طفل واحد بملامح متطابقة فى كل البيئات الاجتماعية، فالطفل ابن بيئته، يتأثر بلغتها وثقافتها ونمط الحياة فيها، لكن فى الوقت نفسه هناك عناصر إنسانية مشتركة بين الأطفال فى كل مكان: الميل إلى الحكاية، والفضول تجاه العالم، والرغبة فى اللعب والاكتشاف، ومن هنا فإن الخطاب الثقافى الموجه للطفل ينبغى أن يوازن بين الخصوصية والإنسانية، أن ينطلق من البيئة الاجتماعية للطفل، لكنه فى الوقت نفسه يفتح له نافذة على العالم الأوسع.

■ ذكرت أنه ليس هناك تعريف جامع لأدب الطفل.. لماذا؟

- أدب الطفل ليس مجرد نوع أدبى محدد، بل هو مجال تلتقى فيه أسئلة الأدب والتربية والمعرفة وعلم النفس والثقافة، كما أن طبيعة النظر إلى الطفولة نفسها تغيرت عبر التاريخ، وبالتالى تغيرت معها طبيعة الخطاب الموجه إليها، ولهذا فإن أى تعريف نهائى قد يبدو قاصرًا، لأن أدب الطفل يتجدد مع تغير المجتمع ومع تطور فهمنا للطفولة، ومن هنا يمكن القول إن أدب الطفل هو خطاب إبداعى يسعى إلى مخاطبة خيال الطفل ووعيه فى آنٍ واحد، بحيث يمنحه فرصة لاكتشاف العالم دون أن يفقد حس الدهشة.

■ إحدى المعضلات فى أدب الطفل هى اللغة.. الطفل يتحدث العامية ويقرأ بالفصحى.. كيف ترى هذا؟

- هذه المسألة تعكس تعقيد الوضع اللغوى فى الثقافة العربية، فالطفل يعيش حياته اليومية باللغة العامية، بينما يلتقى بالفصحى فى المدرسة والكتاب، غير أن هذه المسافة بين اللغتين ليست بالضرورة أزمة، بل يمكن أن تكون مساحة للتعلم والاكتشاف، فالطفل قادر بطبيعته على اكتساب أكثر من مستوى لغوى إذا قُدمت اللغة بطريقة حية وقريبة من عالمه، فالمشكلة ليست فى الفصحى، بل فى الطريقة التى تقدم بها، فحين تأتى اللغة محمّلة بالحياة والخيال، تصبح الفصحى نفسها جزءًا من تجربة الطفل الجمالية.

■ الخطاب الأدبى الموجّه للطفل ليس مجرد ترفيه بل عامل للتنشئة.. كيف ترى هذا الخطاب اليوم؟

- الأدب الموجّه للطفل ليس مجرد وسيلة لتمضية وقت الفراغ، بل هو إحدى الوسائط التى يكتسب الطفل عبرها الفهم حول الذات والعالم من حوله، فالقصة الجيدة لا تقدم للطفل درسًا مباشرًا، لكنها تمنحه فرصة لتجربة القيم الإنسانية عبر الخيال، وحين يتابع الطفل حكاية ما، يعيش داخلها صراعات الخير والشر، والعدل والظلم، والخوف والشجاعة، ومن خلال هذه التجربة الجمالية يتشكل وعيه الأخلاقى والإنسانى بصورة أكثر عمقًا مما يمكن أن تقدمه النصائح المباشرة.

■ هل نؤدى للطفل المصرى ما يستحقه من أدب ورؤية ثقافية؟

- هناك جهود مهمة لا يمكن إنكارها، لكن نتطلع لإنتاج الأدب القادر على جذب الأطفال، وعلى استعادة قدرة الأدب على تشكيل الوعى، وتقديم تجارب إنسانية تثرى عالم الأطفال وتمنحهم المساحة التى يمكنهم من خلالها تفعيل قدرتهم على التحليل والنقد والتخيل، إلى جانب التجربة الجمالية، وهو الأمر الذى يجب أن تتضافر من خلاله عناصر إبداعية متعددة، فثقافة الطفل تحتاج إلى مشروع ثقافى متكامل، لا يقتصر على الكتاب وحده، بل يشمل المسرح والفنون والسينما والوسائط الرقمية وغيرها، فالطفل لا يعيش فى عالم الكتاب فحسب، بل فى عالم الصور والأصوات والتجارب المتعددة، ولهذا فإن الاهتمام بثقافة الطفل ليس رفاهية ثقافية، بل هو استثمار طويل المدى فى وعى المجتمع نفسه.

■ هذا يحيلنا إلى سؤال آخر.. هل نقدم للطفل المصرى محتوى معرفيًا جيدًا يعينه على اكتشاف العالم؟

- المعرفة التى تقدم للطفل ينبغى ألا تختزل فى المعلومات، فالطفل بطبيعته كائن فضولى يسأل ويجرب ويتخيل، فالمحتوى الجيد هو الذى يحافظ على هذا الفضول، ويحول المعرفة إلى مغامرة فكرية، لا إلى واجب مدرسى، فالطفل الذى يتعلم أن يسأل، ويستكشف، ويتخيل، هو الطفل الذى يمتلك القدرة على التفكير المستقل فى المستقبل، وهنا يأتى دور المدرسة بوصفها المؤسسة التعليمية المنوط بها بناء الطفل.

لا يواجه التعليم اليوم تحديات تقليدية يمكن معالجتها عبر تطوير المناهج أو تحسين البنية المدرسية فحسب، بل أصبح يقف أمام تحولات عميقة تمس طبيعة المعرفة ذاتها، وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم، فالعالم الذى نشأت فيه النظم التعليمية الحديثة لم يعد هو العالم الذى يعيش فيه الطفل اليوم، إذ تغيرت مصادر المعرفة، وتبدلت أنماط التواصل، واتسعت آفاق التكنولوجيا إلى حد جعلها تعيد تعريف معنى التعلم ذاته.

قامت المدرسة الحديثة على تصور واضح للمعرفة يتمثل فى معارف منظمة تنقل من المعلم إلى التلميذ عبر مناهج محددة، داخل فضاء مؤسسى منضبط، غير أن هذا النمط بدأ يتعرض لاختبارات صعبة فى عصر أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، وأصبح الطفل قادرًا على الوصول إلى كم هائل من المعلومات خارج جدران المدرسة، وهنا يظهر تحدٍ كبير للتعليم المعاصر؛ كيف يمكن للمدرسة أن تحافظ على دورها فى عالم لم تعد فيه المعرفة حكرًا عليها؟!

ولا ترتبط التحديات فقط بوفرة المعلومات، بل أيضًا بتغير طبيعة المعرفة ذاتها، ففى الماضى كانت المعرفة تتسم بدرجة من الثبات النسبى، أما اليوم فهى معرفة سريعة التحول، تتجدد باستمرار بفعل التقدم العلمى والتكنولوجى، وهذا يعنى أن مهمة التعليم لم تعد تقتصر على نقل المعرفة، بل أصبحت مرتبطة بتمكين المتعلم من القدرة على التعلم المستمر، وعلى التفكير النقدى الذى يسمح له بالتعامل مع عالم دائم التغير.

وإلى جانب هذا، يواجه التعليم معضلة ذات دلالة تتعلق بالفجوة المتزايدة بين عالم المدرسة وعالم الحياة، فكثير من النظم التعليمية لا تزال تعمل وفق نماذج تقليدية فى التعليم والتقييم، بينما يعيش الأطفال فى عالم مفتوح تحكمه الوسائط الرقمية وثقافة الصورة والتجارب التفاعلية، وهذا التباعد بين العالمين قد يؤدى إلى شعور الطفل بأن المدرسة فضاء منفصل عن واقعه، الأمر الذى يضعف علاقته بالتعلم ذاته.

كما أن التحولات الاجتماعية والثقافية تلقى بظلالها على العملية التعليمية، فالمجتمعات المعاصرة تشهد تغيرات متسارعة فى أنماط الحياة والعمل، الأمر الذى يفرض على التعليم أن يعيد التفكير فى طبيعة المهارات التى ينبغى أن يمتلكها المتعلم. لم يعد الهدف هو إعداد الطالب لوظيفة بقدر ما أصبح الهدف هو إعداده لأن يصبح إنسانًا، إنسانًا قادرًا على التكيف مع عالم غير يقينى، عالم تتغير فيه المهن والمهارات بوتيرة متسارعة، وفى سياق المجتمعات التى تمر بتحولات تنموية وثقافية متسارعة تتعقد هذه المعضلات أكثر، إذ تتداخل تحديات التحول التكنولوجى مع تحديات البنية التعليمية ذاتها، مثل الكثافة، ضعف الموارد، وتفاوت الفرص التعليمية، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن بناء نظام تعليمى قادر على مواكبة التحولات، وفى الوقت نفسه الاستجابة للخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمجتمع؟

■ ماذا عن مستقبل التعليم؟

- إن التفكير فى مستقبل التعليم لا يمكن أن يقتصر على إصلاحات جزئية، بل يتطلب إعادة النظر فى فلسفة التعليم ذاتها، فالتعليم ينبغى أن ينتقل من نموذج يقوم على تلقين المعرفة إلى نموذج يركز على بناء الإنسان القادر على التفكير والابتكار والتفاعل مع العالم، كما ينبغى أن يعيد الاعتبار للخيال بوصفه أحد مصادر المعرفة، لا مجرد نشاط هامشى فى العملية التعليمية.

وأحد الأسئلة التى لا تزال بحاجة إلى إعادة تفكير عميق هو موقع الطفل ذاته داخل العملية التعليمية التى تنظر إلى الطفل بوصفه متلقيًا للمعرفة، بينما تشير الدراسات التربوية والثقافية إلى أن الطفل فى جوهره كائن فضولى، يبنى فهمه للواقع عبر التجربة واللعب والخيال، بوصف الخيال ليس مجرد مساحة للترفيه فى حياة الطفل، بل هو إحدى الأدوات الأساسية التى يكوّن من خلالها رؤيته للعالم، ومن خلاله يتعلم الربط بين الأشياء، ويجرب احتمالات متعددة للمعنى، ويكتشف إمكانات جديدة للتفكير، ولهذا فإن إقصاء الخيال من العملية التعليمية يعنى فى الحقيقة إقصاء أحد أهم مصادر الإبداع والمعرفة.

وفى نهاية الأمر، فإن السؤال الحقيقى للتعليم فى عالم متغير ليس فقط: ماذا ينبغى أن يتعلم الطفل؟ بل سؤال أعمق: كيف يمكن أن نحافظ على إنسانية الطفل وفضوله وخياله فى عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة؟ وربما يكون هذا هو التحدى الأكبر الذى يواجه التعليم فى عصرنا.

■ تؤثر التكنولوجيا والألعاب الإلكترونية فى الطفل.. هل ترى خطأ فى تعرض الأطفال لها؟

- التكنولوجيا ليست خطرًا فى ذاتها، فهى إحدى صور التحول الحضارى الذى يعيشه العالم، لكن الإشكالية تظهر حين تتحول الوسائط الرقمية إلى العالم الوحيد الذى يختبر الطفل من خلاله الحياة، فالطفل يحتاج إلى توازن بين عوالم متعددة: عالم الشاشة، وعالم اللعب الحر، وعالم الحكاية، وعالم التجربة المباشرة.

والألعاب الإلكترونية قد تمنح الطفل قدرًا من التفاعل والمهارة، لكنها لا يمكن أن تحل محل التجربة الإنسانية الواسعة التى يعيشها الطفل عبر اللعب مع الآخرين، أو عبر قراءة قصة، أو عبر اكتشاف الطبيعة، لذا، فإن القضية ليست فى رفض التكنولوجيا، بل فى إعادة إدماجها داخل تجربة ثقافية أوسع وأكثر توازنًا.