صفحات من مذكراته
حكايات إبراهيم عبدالعزيز.. السذاجة لازمتنى من صباى إلى هرمى!
- شىء كان يحركنى لأكتب بخط يدى خطب عبدالناصر فى الراديو
- لم أفارق الحكيم أبدًا حتى وفاته
- عبدالناصر أهدانى صورة له عليها توقيعه فأضعتها: «فقرى من يومى»
يمتلك الكاتب الصحفى والباحث إبراهيم عبدالعزيز تجربة ثرية ومسيرة طويلة فى عالم الصحافة والثقافة، ارتبط خلالها بعلاقات وثيقة مع كبار الأدباء والمفكرين والشخصيات العامة.
فكما جمعته صداقة مميزة مع أديب نوبل نجيب محفوظ، الذى وقّع بنفسه فصول كتابه الشهير «أساتذتى»، ارتبط بعلاقات إنسانية وفكرية مع يحيى حقى، والشيخ الشعراوى، وعبدالقادر حاتم، وزير الإعلام، وغيرهم من رموز الحياة الثقافية والسياسية.
وخلف هذه الصداقات كانت هناك لقاءات وحوارات وكتب شكلت جزءًا من رصيده الإبداعى، وحظى بثقة أسرة عميد الأدب العربى طه حسين، التى أهدته وثائق العميد، فكانت سببًا مباشرًا فى صدور أكثر من كتاب يضىء جوانب جديدة من حياة العميد وفكره.
فى الملف التالى، تنشر «حرف» صفحات من مذكرات إبراهيم عبدالعزيز بلسان صاحبها، لتضع القارئ أمام مشاهد حية من تاريخ الثقافة المصرية والعربية.

نصبت بوصًا فوق سطح منزلنا لتظنه الطائرات الإسرائيلية مدفعية مضادة
فى طفولتى وقعت هزيمة يونيو ١٩٦٧ وحينها سمعت تحذيرات من الكبار حولنا بعدم إدارة مؤشر الراديو على إذاعة إسرائيل، لأن من يضبط متلبسًا بهذه الجريمة مصيره الاعتقال، فقد كنا نخشى حتى سماع عدونا، لذلك كنا نجهله، فحاربنا عدوًا لا نعرفه فانهزمنا، وحينما عرفناه وقرأناه وسمعناه، فهمناه وحاربناه بنفس أسلحته فهزمناه وأسقطنا أسطورته بإسقاط ستار الجهل به.
وقيل لنا إن عبدالناصر سيمر موكبه من مركز الباجور منوفية، حيث كنا نسكن فى تلك الفترة، وخرج الناس من طلعة النهار رجالًا ونساء وأطفالًا ينتظرون مقدم الزعيم، وهم يجلسون على الأرض، ومر النهار دون أن يأتى.
وأتذكر أننى أحضرت عددًا طويلًا من البوص ونصبته فوق سطح البيت، على أساس أن طائرات العدو التى كانت تخترق العمق المصرى عندما ترى هذه العصى بفوهاتها المائلة ستفر أمامها باعتبارها مدفعية مضادة للطائرات.
ولا أدرى حتى الآن ما الذى كان يحركنى لأكتب بخط يدى خطب عبدالناصر المذاعة فى الراديو مع أنها ستنشر فى صحف اليوم التالى، وعندما رحل عبدالناصر وأذيع النبأ كنت أتوضأ للصلاة، فاختلط ماء دموعى بماء الوضوء، وصممت على أن أصحب أبى إلى بيت أحد أصدقائه لمشاهدة جنازة عبدالناصر، فلم نمتلك جهاز تليفزيون إلا بعد أن باعت أمى مصاغها وحلل النحاس لنشترى تليفزيون أبيض وأسود بمائة وخمسين جنيهًا، بينما رفض أبى شراء قطعة أرض نبنى عليها مسكنًا، وكان ثمن المتر وقتها ستة جنيهات، وكمان بالتقسيط.
فقد كانت نظرية أبى ألا يحرم أبناءه من شىء، حتى إنه حينما مرض لأول مرة فى حياته حجزت له عند الطبيب، ولما جاء موعد الذهاب إلى الطبيب وجدته يقول لى: أنا خفيت، اسحب ثمن الكشف واشترى لنا فرخة نتقوى بها.
أعود لعبدالناصر.. فقد جمعت ما كتب عنه بعد رحيله فى كتاب بخط يدى وأسميته «جمال عبدالناصر.. أسد مصر»، ووضعت صورته على غلاف الكتاب، وكانت صورة تاريخية أهدرتها بسذاجتى المعتادة، أما تاريخيتها فلأنها مهداة من الرئيس عبدالناصر نفسه بتوقيعه على ظهرها استجابة لطلب أبى الذى أرسل له خطابًا يطلب فيه صورته، وطبعًا لصقت صورة عبدالناصر بتوقيعه، وضاعت قيمة الصورة، فكم يساوى هذا التوقيع اليوم؟ فقرى أنا من يومى.
وقد أطلعت سامى شرف سكرتير عبدالناصر- عندما التقيته- فى حوار نشرت نصه على صفحات «الدستور» على كتابى الساذج فأعجب به جدًا وكان فرحًا أن طفلًا فى المرحلة الابتدائية يقوم بهذا العمل، ونصحنى بنشره، ولكنه كان كتابًا ساذجًا، ومع نضوجى وقراءاتى بدأت أعيد النظر فى إعجابى بعبدالناصر، ليس كرهًا ولكن تقييمًا ونقدًا غير متعصب.
بدليل أننى اشتريت من حر مالى كل الكتب التى أصدرتها هدى عبدالناصر وفيها خطب الزعيم وتصريحاته، لتقديم سيرته من خلال كلامه هو، ولكن بعد انتهائى من مشروعى الأدبى، وربنا يعطينا ويعطيكم بركة العمر.

نفذت أول نقد صحفى ضد المشرف الاجتماعى فى مجلة الحائط: «سرق الكانتين»
كانت شغلة والدى- رحمه الله- «توفكجى أسلحة»، وهى كلمة تركية تعنى مفتش، حيث كانت مهنة أبى التفتيش على أسلحة الخفر فى مراكز دمنهور بمحافظة البحيرة، والقيام بإجراء عمليات الصيانة لها، ولا أدرى من الذى وشى بوالدى- والوشاة آفة كل زمان ومكان- بأنه يقوم بتصنيع أسلحة غير شرعية فى بيتنا.

وفوجئ أبى- كنت أنا وقتها فى القاهرة فى بداية عملى الصحفى- بأن تفتيشًا بوليسيًا ينقض على بيتنا بعد منتصف الليل أثار الفزع دون أن يعثر على شىء، ولما أبلغنى والدى بما حدث قدمت شكوى إلى وزارة الداخلية، التى تحركت بسرعة فاجأتنى وأدهشتنى، وحددت موعدًا لوالدى مع مدير أمن محافظة البحيرة لترضيته، وجاء بالضابط المسئول عن حملة التفتيش واعتذر لوالدى.
وأعترف أن والدى كان سببًا فى تنمية حبى للصحافة، فقد كان يأتى من عمله يحمل صحيفة يومية، وما زلت أحتفظ ببعضها، وقد كتب فى هوامشها البيضاء خط سيره فى الأيام المقبلة، فكنت أنتظره لقراءتها، وقص الصور، والموضوعات المنشورة، وأرشفتها، دون أن أدرى أننى أقوم بدور قسم المعلومات فى الصحف.

وهو ما اكتشفته حين عملى بالصحافة التى مارستها مع نفسى فى الإجازة الصيفية حين كنت أصدر صحفًا لمقتضيات الحال، فهذه صحيفة «النصر» بعد نصر أكتوبر، وصحيفة «الحرية» بعد إطلاق الرئيس السادات للمنابر التى تحولت لأحزاب، وصحيفة «الوحدة» بعد مشروع الوحدة الثلاثية- الذى لم يكتمل- بين مصر وسوريا وليبيا، وهكذا.
وكنت أستمر ساهرًا حتى الفجر لكتابة أبواب هذه الصحف، فيفاجأ أبى بعد قيامه لصلاة الفجر بأننى لم أنم. وعندما كان أصدقاء أبى يزورونه، كنت أجلس معهم حتى حضوره، وأجرى معهم حوارات حول مهنتهم، ومضت معى هذه العادة فى الجامعة، فكنت أجرى حوارات مسجلة مع أساتذتى فى الجامعة، وكأننى أتمرن على الحوار بعد ذلك فى عالم الصحافة الذى لم يأت بعد.

غير أنى مارست صحافة الحائط التى عوقبت بسببها؛ لأننى هاجمت بالكلمة والكاريكاتير المشرف الاجتماعى بالمرحلة الثانوية الذى صرف لنا بعض الحلوى من كانتين المدرسة لحفل أقمناه بمناسبة مولد النبى صلى الله عليه وسلم، ولما بقيت بعض علب الحلوى أعادها إلى الكانتين، فاعتبرتها سرقة عرضت به بسببها، فغضب واشتكانى لمدير المدرسة، فرفع صحيفة الحائط ومنعنى من الخطابة فى إذاعة المدرسة.
وأذكر لأبى أيضًا أنه كان مؤدبًا، فهو مدخن وأنا أكره التدخين، فكان يخرج من البيت ليقف على رصيفه ليدخن سيجارته، حتى لا يؤذينى، ثم يعود، وكان رغم ذلك عصبيًا.
أذكر أنه أغضب أمى وراح يعنفها على شىء لم أر أنها تستحق عليه هذه الثورة، فتجرأت وقلت له: إن هذا ظلم- وتوقف أبى فجأة ومضى فى صمت- ولم يعد إلا اليوم التالى، وأرسلتنى أمى أبحث عنه عند زملائه، فلم أعثر له على أثر، ولم أجرؤ حتى رحيله على أن أسأله أين بات ليلته حتى لا أذكره بأننى ذات يوم جرؤت ورددت عليه، فأين أبناء اليوم من آبائهم؟
ورغم عصبية والدى إلا أنه كان حنونًا جدًا- أنت لا تخاف من العصبى اللى فى قلبه على لسانه- فعندما يأتى الشتاء كان بلدى دمنهور يغرق فى بركة من الطين، وكان أبى حريصًا على أن أصل إلى القاهرة- فى بداية اشتغالى بالصحافة- وملابسى نظيفة وحذائى لامع، فكان يعطينى حذاءه الميرى ذا الرقبة الطويلة، ويحمل حذائى- الذى قام بتلميعه- على عجلته التى كان يقضى بها مشاويره ويحضر لأمى عليها حاجياتها من السوق بعد أن مرضت، وما إن نصل إلى محطة القطار حتى أقلع الحذاء الميرى الذى غاص فى الوحل، ويعطينى الحذاء اللامع.
ولا أنسى أن أمى أنقذت مستقبلى الصحفى الذى كاد يضيع تحت واقعية أبى، فقد مرت أكثر من سنة فى عملى الصحفى بلا مورد، وما زلت أتقاضى مصروفى من أبى، حتى صارحنى بأنه لا يستطيع الإنفاق على بعد تخرجى- وعلى أن أشيل نفسى- حتى أخفف عنه العبء، فما زال إخوتى فى حاجة إلى رعايته، وهم ما زالوا فى مراحل الدراسة.
وقال لى أبى ونحن نجلس على طبلية الطعام، ولم أكن قد عينت بعد: يا بنى أنت بتضيع وقتك، ومتعلق فى حبال دايبة- ووقفت اللقمة فى يدى- وأحسست بأن حلمى ينهار وقد تخلى أبى عنى، فإذا بأمى تقول له: طالما ابننا بدأ طريقه ما تخليه يكمله، ونزلت كلماتها بردًا وسلامًا، وقد أعطتنى شحنة معنوية لاستكمال مشوار الصحافة، واشتغلت عامل أسانسير فى الموسكى لأصرف على نفسى، وكانت معاناة نفسية أن يفتح لى باب الأسانسير صباحًا فى دار الهلال، حيث أعمل صحفيًا تحت التمرين بمجلة «المصور»- وفى المساء أفتح أنا الأسانسير لزبائن الفندق، لأجدهم يعطوننى أو يضعون فى جيبى البقشيش الذى جمعته وأعطيته فى أول يوم لمدير الفندق الذى تعجب وقال لى: هذا حقك، وصممت على ألا أنفق منه شيئًا إلا فى شراء الكتب.
ولم أستمر إلا أسبوعًا، ثم عملت فى مصنع لألبومات الصور، زملائى فاهمون كيف يرضون صاحب المصنع ويتظاهرون بالعمل بعد أن انقضى ما كلفنا به، وأنا لا أستطيع التظاهر بغير الحقيقة، فيسألنى صاحب المصنع: لماذا أتوقف عن العمل؟ فأقول له: لا يوجد ما أعمله فقد أديت ما طلب منى- فلم يعجبه أن أرد عليه: وقال لى الآية «وكان الإنسان أكثر شىء جدلًا»، وطلب منى الحضور إليه بعد انقضاء ساعات العمل، وأعطانى مستحقاتى على ألا أعود.
أنا الصحفى الوحيد الذى سمح له توفيق الحكيم بدخول بيته

فى مقابل المعاناة المعيشية، كانت معاناتى الصحفية، فالمنوط به تدريبى كان يفضل زملائى القادمين بالواسطة، ويهملنى، فحاولت أن أفهمه أننى الأفضل بكفاءتى، فأردت أن أجرى حوارًا مع جمال حمدان، وذهبت إلى ناشره فقدم لى المفتاح بثلاث طرقات على باب صاحب «شخصية مصر» فإن فتح لى فمن حسن حظى، وإن لم يكن فلا أحاول.
ولم يكن من حسن حظى، فتركت له رسالة تحت عتبة الباب، وفوجئت بعد أيام قليلة برسالة بخط يد جمال حمدان يعتذر لى فيها بأنه لن يتحدث إلا بعد زوال النظام- كنا سنة ١٩٨٣- واحتفظت برسالة جمال حمدان ولم أجرؤ على نشرها إلا منذ سنوات على صفحات جريدة «الدستور».
وعلمت أن جمال حمدان لم يكتب إلا رسالتين فى حياته، إحداهما لى والأخرى لأنيس منصور، بينما تجاهل الرد على رسالة لهيكل يطلب مقابلته، ولم يستطع مقابلته إلا بعد أن قذف شباك بيته بالطوب هو والكاتب الصحفى مصطفى نبيل- حسب رواية الأخير.
وحاولت لقاء توفيق الحكيم فتمنع فى البداية، وأمام إصرارى وافق على مقابلتى لتهنئته فقط بالعام الجديد، ولن يدلى بحوار، وعندما تعرف على وأننى بلدياته من دمنهور اطمأن، وأدلى لى بحوار.
لم يصدق رئيس التحرير مكرم محمد أحمد، فأعطانى مجموعة من الأسئلة لاستكمال الحوار لأثبت مصداقيتى، وزادها الحكيم بأن أعطانى كتابًا له بإهدائه بخط يده معتبرنى ممثلًا للجيل الجديد، ونشر الحوار على خمس صفحات باعتباره حوار الأسبوع دون اسمى، فكانت صدمة حملتها لتوفيق الحكيم فواسانى ووقع لى بخطه على الحوار بجوار اسمى الذى كتبته بخط يدى، حتى يكون دليلى وبرهانى إذا ادعيت أننى حاورت شيخ الكتاب.
ومن يومها لم أفارق توفيق الحكيم حتى رحيله، وسمح لى بدخول بيته، وقالت لى ابنته زينب: «إنه لم يفعل ذلك مع أى صحفى طوال حياته»، وظل الحكيم حتى نهاية عمره يخوض المعارك كمن لا يزال شابًا، وكان آخرها معركته مع الشعراء.
ووجدته قد كتب مقالًا طلب منى نشره فى مجلة «الإذاعة والتليفزيون» التى كنت قد انتقلت للعمل بها، وكان يدعو الشعراء فى مقاله إلى استلهام النسق القرآنى ببلاغته وجمال موسيقاه الكامنة فى أسلوبه، ولم يتوقع أن أحمل دعوته للشعراء ليردوا عليها، وكانوا فاروق جويدة، وفاروق شوشة، وأحمد سويلم، ومحمد إبراهيم أبوسنة، فعارضوا جميعًا دعوته باعتبار القرآن الكريم كتابًا مقدسًا لا يجوز تقليده أو استلهامه، وكان أشدهم هجومًا لدعوة الحكيم الشاعر فاروق شوشة، وهو ما أغضب توفيق الحكيم، وقال لى: لقد فشلت هذه المرة، وأضاف: «مين شوشة ده!».
وكان عتاب الحكيم لى عن أبوة حانية، فلم يتوقع أن أسمح بمهاجمته، ولكنه مع ذلك أعطانى مقالًا آخر لنشره، دعا فيه الشعراء لأن يعطوه نماذج من إنتاجهم لتقييمها إن كانوا شعراء فعلًا، وقدم كل منهم قصيدة اعتبرها أفضل ما عنده، وفوجئت بالحكيم يستبعد قصيدة فاروق جويدة ويقول لى: «عنده الأهرام ينشر فيها».
وتناول بقية القصائد ونشر مقاطع منها فى تقييمه، وتجب ملاحظة أن موقفه من فاروق جويدة لم يكن تقييمًا لشعره، لكنه كان عطفًا على بقية الشعراء الذين لم تكن لهم منافذ صحفية ينشرون فيها إنتاجهم كشاعرنا الكبير فاروق جويدة.
أنيس منصور أوصى بتخصيص نصف أرباح كتبه لى.. ثم تراجع!

تمنع أنيس منصور عن الحوار رغم أنه لم يمتنع عن مقابلتى، فقررت أن أفاجئه، ونشرت كل ما دار بيننا، فأعجبه احتيالى عليه، ورحب بعمل كتاب عنه من خلال حوارات ممتدة معه فى بيته، سجلت فيها ما يزيد على الساعات الأربع والعشرين، وأعطانى رسائله وصوره الخاصة.
وهو ما أدهش كاتبنا الكبير إبراهيم سعدة، فكتب مقالًا فى «أخبار اليوم»، قال فيه إننى الصحفى الوحيد الذى استطاع أن يحصل من أنيس منصور على ما أريد منه، لأنه كان مع الآخرين يعطيهم ما يريده لا ما يريدون.
وبسبب كتاب «رسائل أنيس منصور» هاجمته صحف إحدى الدول العربية ووصفته بأنه يسير على طريق هيكل فى الكذب والادعاء، لأنه فى هذا الكتاب تناول موقف حاكم هذا البلد العربى من السادات، واتهمه أنه قبض مليون دولار مقابل مقاطعته السادات بعد كامب ديفيد، وفوجئت بأنيس منصور فى مقاله بالأهرام ينفى عن نفسه أنه قال، إننى أنا الذى قلت، وراح يكيل المديح للحاكم العربى الذى هاجمه فى الكتاب، وألقى بالمسئولية على شخصى، وتبرأ منى.
ورغم اختلاف أنيس منصور مع هيكل على موقفهما من عبدالناصر، إلا أن أنيس منصور اعترف لى بأن هيكل هو الذى توسط له عند عبدالناصر لإتمام زواجه، فقد كان أخو العروس من الضباط الأحرار ولا يوافقان على زواج أختهما من صحفى، وبعد نجاح هيكل فى مهمته، كان شاهدًا هو نفسه على عقد زواج أنيس منصور.
أما نصيحته لى عندما كنت مقبلًا على الزواج.. ألا أنجب حتى لا يشغلنى الإنجاب ومسئولياته عن مشروعى الأدبى، أراد أن أحذو حذوه، فحتى يتلافى غريزة الأمومة تزوج سيدة سبق لها الزواج والإنجاب.
وكنت قد اتفقت مع أنيس منصور على تسجيل مشواره الصحفى، فوافق، ولكنه كان قد دخل فى رحلة مرضه الأخير، فاستقبلنى لآخر مرة فى حجرة نومه وقد نام على ظهره ووضع جهاز التسجيل على بطنه، وهناك وجه واحد- نصف ساعة- سجلتها، وأبى التسجيل أن يدور على الوجه الآخر.
رغم أن أنيس طلب شرائط أخرى، لكنها لم تعمل لسوء الحظ، وكان أنيس قد أخبرنى بأنه كتب مذكراته، لكنه أحرقها، بحجة أنها تسىء لمن تناولهم، فأراد أن يريح ويستريح، وقرر أن يوصى بأرباح كتبه لى مناصفة مع زميلة بالأهرام، ولكن سلاطة لسانى جعلته يتراجع، بعد أن قلت متبرئًا من تهمة التربح منه: «سأتصدق بها على روحك بعد عمر طويل»، ألم أقل لكم إن سذاجتى قد لازمتنى من صباى إلى هرمى؟
نجيب محفوظ غضب من وصفه بـ«الحافى»

سعدت جدًا بقربى من نجيب محفوظ مع أنه كان يُشعِر الجميع بأنهم قريبون منه. لى مبررات لهذا القرب من صاحب «نوبل»، فقد أملانى تفاصيل علاقته بـ١٠ من الأدباء الذين اعتبرهم أساتذته، ووقع بخطه وإمضائه على كل ما أملانى بعد تبييضه وقراءته عليه، ليصدر فى كتاب «أساتذتى»، الذى صدرت منه طبعتان، إحداهما فى حياة «محفوظ»، والأخرى بعد رحيله.
كم كان كريمًا وهو يشجعنى على تسجيل جلساته كتابة، وجوابه عن كل سؤال مهما كان محرجًا. كانت لدية طاقة من الصبر، خاصةً تجاه من يحسن الظن بهم، ومع ذلك غضب منى مرتين، وحذر منى ثالثة.
غضبته الأولى كانت حينما نشرت مذكرات الموسيقار مدحت عاصم، وكان جارًا له من سكان العباسية، واعترف على «محفوظ» بأنه كان «لاعب كرة حريف يشوطها وهو حافى». فى ذلك اليوم وجدت الزملاء فى ندوة «محفوظ» يقولون لى منذ دخولى: «الأستاذ بيسأل عليك»، ولما اقتربت منه وجدته يقول لى بلهجة جادة جدًا: «أنا كنت بالعب الكورة، بس مش حافى!». تشجعت وقلت له: «هل أنشر هذا الرد؟»، فرحب وأدلى لى بحوار عن علاقته بالكرة.
الغضبة الثانية كانت بعد نشرى حلقتين عن علاقة زوجته به، فوجدته يقول: «كفاية كده»، فطمأنته أنها الحلقة الأخيرة.
أما التحذير فكان طريفًا، ففى الفترة الأخيرة من حياة نجيب محفوظ، كنت فى حركة لا شعورية اندفع للسلام عليه فأصطدم بـ«ترابيزة» المشروبات، تكرر ذلك مرتين، وفى الثالثة لمحنى نجيب محفوظ وأنا قادم إليه كعادتى، فقال بصوت عال محذرًا الحاضرين: «خذوا بالكم فقد أتى مكسر الأكواب!» فتنبهت وأقلعت.
فى آخر احتفال بعيد ميلاده قبل رحيله، أوصانى والمهندس محمد الكفراوى بأن نجلس عن يمينه وشماله، حتى لا نتيح فرصة لأحد للتطفل عليه بالكلام أو طلب التصوير.
رد عبقرى من أبوغزالة على «حرب أكتوبر تمثيلية»
فى إطار نشاط الثقافة الجماهيرية، كنت فى زيارة إلى الإسماعيلية، أيام أن كان عبدالمنعم عمارة محافظًا لها، وبالصدفة البحتة دخلنا ناديًا متواضعًا، وفوجئنا بالمشير محمد عبدالحليم أبوغزالة يرتدى ملابسه الرياضية، ويلعب تنس طاولة مع المحافظ.
لم تكن هناك حراسة، ولا أى دليل على وجود شخصية مهمة، فوجدتها فرصة لأطلب لقاءً صحفيًا مع المشير، وألححت فى الطلب وهو يعتذر بلطف، حتى تدخل عبدالمنعم عمارة بلطف أيضًا راجيًا أن نترك المشير، خاصة أنه فى إجازة راحة. فى نفس الوقت طلبت من زميلى المصور التقاط صور للمشير، فتركه حتى انتهى، ثم قال لنا محذرًا: «إياكم ونشر هذه الصور».
هل أخرج من هذا اللقاء بخفى حنين؟! أبدًا! أطمعنى صبر المشير وقلت لنفسى فلأحاول مرة أخيرة، وطرحت سؤالًا مستفزًا لأفرض على المشير أن يجيبنى. فعلت ذلك تلقائيًا دون أن يكون فى ذهنى هذه التحليلات التى أوصفها اليوم.
كانت هناك حملة فى ثمانينيات القرن الماضى ضد الرئيس «السادات»، قادها «هيكل» للنيل من بطولته كصانع لنصر أكتوبر ومحرر للأرض، وعزفت خلفه جوقة الناصريين واليساريين، حتى وصل الانحدار الأخلاقى إلى القول بأن حرب أكتوبر كانت «تمثيلية».
قالوا هذا رغم أن تحقيق لجنة «أجرانات» الإسرائيلية أدانت حكام إسرائيل بالتقصير، وحمدت رئيسة الوزراء، جولدا مائير، ربها على أنها فى السبعينيات من عمرها حتى لا تطول بها الحسرة والندم، وكانت تحمل تحت ساعة يدها منديلًا تمسح به دموعها كلما تذكرت خيبتهم فى حرب أكتوبر.
و«كيسنجر» فى مذكراته اعترف بأن إسرائيل كانت على وشك الانهيار لولا الجسر الجوى والبحرى من الأسلحة الذى دشنته الولايات المتحدة لإنقاذها. ومن يعود إلى جلسات مجلس الأمن بعد اندلاع الحرب يجد أن يوسف تيكواه، المندوب الإسرائيلى فى الأمم المتحدة، كان يصرخ متسائلًا: أليس من العار أن يهاجم الجيش المصرى إسرائيل فى يوم عيد من أقدس أعيادها؟!
ولا ننسى ذلك الكتاب الإسرائيلى المنشور والمترجم بعنوان «المحدال» أى «التقصير»، والذى يقول إن المخابرات الإسرائيلية وقعت فى «شبكة الحمقى»، التى نصبتها مصر بعملية خداعها الكبير التى أخفت بها نية الحرب. وغيرها الكثير والكثير مما يكشف عن عبقرية «السادات»، التى حاول خصومه إهالة الوحل والطين على إنجازه الكبير، لأنه الذى انتصر وليس «عبدالناصر»، ومن ثم عشنا فى ثمانينيات القرن الماضى حملة تضليل جعلت شابًا مثلى يسأل المشير عبدالحليم أبوغزالة بسذاجة وسخافة: «سيادة المشير، ما رأيك فيمن يقولون بأن حرب أكتوبر كانت تمثيلية؟!».
عندما أتذكر الآن جرأتى على طرح مثل هذا السؤال أتذكر سخافة من أشاعوا هذه الفكرة، وقد انسقت ككثيرين وراءهم فى ظلام من الكذب والبهتان الذى نشروه. وما يدهشنى الآن أكثر صبر المشير «أبوغزالة» وسعة صدره، وهو الرجل العسكرى أحد أبطال حرب أكتوبر، وكأننى أتهمه بأنه شارك فى «التمثيلية».
استبيح له اليوم العذر لو ضربنى أو شتمنى أو على الأقل طردنى. لكنه بأبوة حانية قال لى بهدوء غريب: «يا بنى هو فيه حد بيمثل الموت؟ ودماء الشهداء والجرحى والمفقودين يبقى ذنبهم إيه؟ هذا كلام غير معقول، لا تصدق كل ما يُقال».
ثورة عرابى كانت باتفاق مع الخديو!
المؤرخ الدكتور عبدالعظيم رمضان لا يسلم بالشائع من المعلومات التاريخية، بل يحققها بالوثائق ليصل إلى الحقيقة، التى غالبًا ما تصدم الكثيرين فيلجأون لمهاجمة صاحبها هروبًا من مناقشة الحقيقة.
مثال على ذلك الحقيقة المتعلقة باتفاق الزعيم أحمد عرابى مع الخديو توفيق على الثورة للتخلص من وزارة رياض التى لا يحبها الخديو، لكن الثورة تطورت إلى ما انتهت إليه، ولم يتمكن مدبروها من الإمساك بزمامها أو السيطرة على قادتها.
لم يجد أعداء الحقيقة فى حوارى مع د. عبدالعظيم رمضان سوى اعترافه بعصاميته، وأنه كان يعمل كمسارى لينفق على تعليمه، فأطلقوا عليه لقب «المؤرخ الكمسارى».
يحيى حقى عن الاحتفاء به: «خوتة»!

يحيى حقى، فى حديثه معى، اشتكى من أن بعض كُتبه النادرة قد أعارها للروائى محمد جبريل، لكنه لم يعدها، مُحتجًا بأنها ضاعت فى تنقلاته.
اعتبر «جبريل» أن ذلك تعريض به، فاشتكانى لرئيسة تحرير مجلة «الإذاعة والتليفزيون» آنذاك، سكينة فؤاد، التى ذهبت إليه لترضيته بعلم من يحيى حقى، الذى كان ينتظرنى لمعرفة ما تم لما عدت إليه متأخرًا استقبلنى باسمًا: «أيوه يا سى إبراهيم من لقى أحبابه نسى أصحابه»، فقلت له: «وهل هذا معقول وأنت الحبيب المؤتمن؟!».
غضب يحيى حقى حينما كتب البعض يطلب له معاشًا استثنائيًا، فأملانى أن أكتب: «ارفعوا أقلامكم عن يحيى حقى ودعوه فى حاله، فهو ليس بحاجة إليكم». وكلما احتفلوا به فى عيد ميلاده يقول: «هو أنا عملت إيه علشان الخوتة دى».
أما الشكوى الأكبر التى كان يعانيها يحيى حقى فهو شعوره بحالة الركود فى النشاط الثقافى. ورغم وجود عدد كبير من شباب الموهوبين، وظهور إبداعات كثيرة متلاحقة لهم. كان يرى ألا قيمة لهذا فى ظل غياب حركة نقدية علمية تلاحق هذا الإنتاج وتقدره، ولا تكتفى بإبداء الرأى ثم الانصراف، كأنهم ممن يُقال عنهم: «لم يكد يسلم حتى ودع»!
الشيخ الشعراوى ندم على توليه وزارة الأوقاف

من أهم الشخصيات الأخرى التى قابلتها الشيخ محمد متولى الشعراوى، ذلك النجم الذى ظهر فى سبعينيات القرن الماضى فأحدث نقلة نوعية فى مجال الدعوة، جذبت إليه الملايين فى مصر وأنحاء العالم العربى. وفى ظاهرة غير مسبوقة عُلِقت صوره فى محال العصير، وعلى «الميكروباصات»، وأغلفة نتائج السنة الميلادية.. أضافوا إليها هذا العام صورة الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر.
رأيت الشيخ الشعراوى مرتين على سجيته، إحداهما وهو يتصفح جرائد الصباح التى تصدرت صفحاتها الأولى صورته مع الرئيس «مبارك»، وهو يكرمه فى احتفالات ليلة القدر، فوجدته يقول لى مستنكرًا: «ألم يجدوا غير صورتى يضعونها فى الصفحة الأولى.. أين بقية العلماء؟!».
فى مرة أخرى وجدت صحن بيته مزدحمًا بعامة الناس واقفين، وهو واقف يجيب عن أسئلتهم، فى مشهد كان يحتاج إلى الكاميرا التى كانت غائبة للأسف. وعندما سألته عما ندم عليه فى حياته أخبرنى بأنه نادم على مشاركته فى الحكم، قاصدًا توليه منصب وزير الأوقاف
الجمسى: «أجيب من فين تمن تليفون محمول؟!»
أتيحت لى فرصة أخرى ثمينة ومواتية مع المشير الجمسى، رئيس عمليات حرب أكتوبر. رأيته فى نادى هليوبوليس بمصر الجديدة يجلس مع بعض أصدقائه، وكنت أسجل هناك للتليفزيون برنامجًا عن أحد كتبى.
فرحت بوجود هذا البطل واقتربت منه وعرفته بنفسى وسلمت عليه، فاستقبلنى ببشاشة وترحاب، ونقلت له تحيات والدى، الذى كان معجبًا به بالذات، وطلب منى أن أنقل له شكره وتحياته.
طلبت حوارًا مع «الجمسى» فرحب، فطلبت تليفونه المحمول، ففاجأنى بقوله: «يا بنى ومن أين لى بثمن المحمول؟». كان ذلك فى نهاية تسعينيات القرن الماضى. أملانى رقم تليفونه الأرضى، وللأسف انشغلت ومضى الوقت، ورحل المشير «الجمسى» قبل أن أتصل به.
«كنز» عميد الأدب العربى فى فيلا المعادى
تمنيت أن أعيش أثناء حياة طه حسين، أقابله وأحاوره، لكن فروق توقيت العمر بينى وبينه حالت دون تحقيق مطلبى. ومع ذلك لم أيأس، مثله فقد علمنا الصبر والإرادة، فتواصلت مع تلاميذه وأصدقائه، الذين أعطونى صورة إنسانية عن حياة العميد لم يكتبها فى أيامه.
كان أهم مصدر لى هما حفيدتاه منى وسوسن الزيات. «سوسن» احتفظت بصور جدها. أما «منى» المترجمة فى الجامعة الأمريكية فاحتفظت بأوراقه، وكانت لها فيلا فى المعادى، خصصت الدور الأرضى فيها لـ«العميد» عن طريق فتح دواليب داخل حوائط الفيلا الأربعة تحتوى على مجلدات للصحف والمجلات التى كتب فيها طه حسين طوال حياته.
لم تشغلنى الصور ولا الصحف والمجلات، بل شغلتنى الأوراق، فكانت هى الكنز الذى أبحث عنه، وكانت السيدة «منى»- رحمها الله- كريمة جدًا معى إلى أبعد مما أتصور فحصلت منها على مجموعة من الشنط التى تحتوى على أوراق «عميد الأدب العربى»، حتى قصاصات الصحف التى كان يحتفظ بها، وهو ما ساعدنى على فهم بعض أوراقه ورسائله.
بعد الحصول على هذا الكنز فوجئت بالسيدة منى الزيات ترسل لى سائقها الخاص بكشكول محاضرات طه حسين لطلبة «الليسانس» بقسم اللغة العربية بجامعة فؤاد الأول لسنة ١٩٣٨، وقالت إنها نسيت أن تعطينى إياه أثناء زيارتى لها.
ساعدتنى هذه الأوراق على إصدار ٨ كتب عن طه حسين، هى: «رسائل طه حسين» و«أوراق مجهولة للدكتور طه حسين» و«أيام العمر.. رسائل متبادلة بين طه حسين وتوفيق الحكيم» و«الديموقراطية.. كتاب لم ينشر لطه حسين» و«مصر فى مرآتى.. لطه حسين» و«طه حسين.. وثائق مجهولة.. ٤ أجزاء» و«طه حسين.. الأيام المنسية»، و«تراث طه حسين.. المقالات الإسلامية والأدبية»، وهو المجلد الذى أنجزته ضمن مشروع جمع تراث طه حسين الذى قامت به دار الكتب والوثائق القومية.
الملكة إليزابيث لأحد أبطال أكتوبر: «علِم جنودنا»

أُتيحت لى فرصة الحوار مع أحد أبطال حرب أكتوبر، وهو اللواء سمير بركات، وكان أهم ما قاله لى، إنه وهو ملحق عسكرى بسفارتنا فى لندن، الملكة اليزابيث استقبلت سفيرنا هناك، اللواء حسن أبوسعدة، قائد اللواء الذى دمر اللواء الإسرائيلى فى ٢٠ دقيقة، وأسر قائده الأسير الشهير عساف ياجورى، وقالت له إنها سعيدة بأن واحدًا من قادة حرب أكتوبر هو سفير لمصر فى لندن، وترجو منه ألا يبخل بخبرته على العسكريين الإنجليز.
الطريف والغريب أن اللواء سمير بركات كان صديقا لرجل أعمال يهودى يملك مصنعًا فى لندن ساعدنا فى تطوير مدافع المياه التى فتحت ثغرات فى الساتر الترابى الإسرائيلى، سمحت لقواتنا بعبور القناة إلى داخل سيناء، وكان هذا اليهودى يعلم طبيعة تطوير هذا المدفع وكتم السر، ولذلك أجلسه السادات على مائدته عندما زار لندن، وعندما انتهت مدة خدمة اللواء سمير بركات فى لندن كان رجل الأعمال اليهودى يرسل إليه فى مصر ديكًا روميًا سنويًا هدية عيد الميلاد.







