الإثنين 30 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

صفحات من مذكراتهم

أيامى الحلوة.. الشاعرالكبير أحمد طه يختص «حرف» بمذكراته: «اصطف العراقيون لتحيتى»

حرف

أصدر مجلتىّ «الجراد» و«الكتابة السوداء»، ونشر فيهما لجيل التسعينيات من الشعراء، مثل عبدالوهاب داود وجرجس شكرى وهدى حسين، وغيرهم الكثير، وأسهم فى خلق رواج ثقافى وشعرى كبير من خلال تأسيسه لـ«جماعة أصوات» الأدبية، التى خرج منها عدد كبير من أبرز الشعراء المصريين.
ومن خلال ما عُرف بـ«الندوة الخميسية»، التى أقامها لمدة 15 عامًا، قدم إلى القاهرة كبار الشعراء العرب، من بينهم السورى أدونيس، والبحرينى قاسم حداد، والمغربى الذى تولى وزارة الثقافة فيما بعد محمد الأشعرى.
إنه الشاعر الكبير أحمد طه، الذى توطدت علاقته بزوجته عندما كان فى السجن، ثم خرج ليتزوجها ويسافران معًا إلى الولايات المتحدة للتدريس فى جامعة شيكاغو، وتحديدًا قسم «دراسات الشرق الأوسط»، وهناك واصل استقبال الشعراء المصريين والعرب القادمين إلى بلاد «العم سام».
فى السطور التالية، وعن مذكراته الشخصية تحديدًا، وبصحبة الناقد الدكتور عبدالكريم الحجراوى، تحاور «حرف» الشاعر الذى قدم للمكتبة العربية 4 دواوين حظيت بإشادات نقدية كبيرة هى: «لا تفارق اسمى» 1980، و«الطاولة 48» 1991، و«إمبراطورية الحوائط» 1993، و«ممر البستان» 2008، الشاعر الذى اصطف العراقيون على الجانبين لتحيته، عندما حضر مهرجان «المربد» فى العراق.



تعلمت كل شىء فى «مدرسة القسيس عبدالله» و«كُتاب الشيخ محمود»

وُلدت فى شبرا، تحديدًا فى شبرا مصر، لأن شبرا تُقسم لعدة أجزاء: شبرا مصر، شبرا البلد، شبرا الخيمة. وتلك المنطقة التى تأتى بعد السكة الحديد مباشرة إلى شارع «خلوصى»، تُسمّى شبرا مصر.
أول علاقتى بالتعليم ذهبت إلى مدرسة فى شبرا مصر، كان نصفها مسيحيين والآخر مسلمين، والمستوى التعليمى لدى المسيحيين فيها أرقى نسبيًا. كانت تُسمّى مدرسة «القسيس عبدالله»، وهى عبارة عن مدرسة مسيحية فى بيت صغير داخل حارة لا أتذكرها. كنت حينها فى الرابعة من عمرى. كنا فى البداية نؤدى صلاة مسيحية معًا صباحًا، نردد الكلمات دون أن نفهم معناها، رغم أن معظمنا كانوا مسلمين، ولا يوجد بيننا سوى ٣ مسيحيين فقط.


بعد ذلك انتقلنا إلى بيت فى شبرا عشت فيه حتى بلغت الـ٣٠، ومنه انتقلت إلى الزاوية الحمراء. فى بيت شبرا دخلت كُتَّاب الشيخ محمود، وكان هذا الرجل صاحب عمارات، وقبل أن يتوفى بنى جامعًا كبيرًا فى شارع «شوكولانى»، وهو مشهور جدًا فى شبرا. هذا الكُتَّاب هو الذى جعلنى أدخل المدرسة الابتدائية وأنا أقرأ العربية بطلاقة، بل أفضل من كثير من زملائى.
فى ذلك الزمن كان مدرسو الابتدائى من خريجى معهد المعلمين، ولم تكن كليات التربية موجودة كما الآن. وقتها أذكر أننى كنت أشترى جريدة «الأهرام» بقرش واحد، بدافع حب القراءة، وكنت أقرأ كل ما يقع فى يدى، حتى ورق الجرائد الذى كانت والدتى تلف به الخضراوات. لم تكن هناك أكياس بلاستيك، فكنت ألتقط الورق المُبتَل وأقرأه قبل أى شىء. بعد ذلك دخلت مدرسة قبطية تابعة لـ«جمعية عبدالسلام القبطية».
أول كتاب قرأته هو «حديث عيسى بن هشام» لـ«المويلحى»، واعتقدت أن هذا هو الشعر، فبدأت أكتب شعرًا على غرار الشعر المبثوث بين ثنايا الكتاب، ظنًا أن الشعر هو القافية فقط. كنت أجمع القوافى فى كراسة، فإذا احتجت قافية بحرف معين عدت إليها. فى المرحلة الإعدادية جاء مدرس من دارالعلوم وعرّفنى على علم العروض، فعرفت أن الشعر وزن وقافية، فبدأت أكتب شعرًا موزونًا، ونشرت فى مجلة المدرسة السنوية، وكانت أول مرة أنشر فيها.
كان لدينا أيضًا كتاب «ثمرة القراءة»، نلخص فيه الكتب ونكتب جملًا أعجبتنا. كنت أضيف إليه أوراقًا لأكتب بحرية، وقد فزت بجائزة جنيه من الوزارة عن عرض لكتاب «من الإمبراطورية إلى الكومنولث» لـ«اللورد أتلى». وكان الجنيه وقتها مبلغًا كبيرًا..
فى الثانوية انضممت إلى «منظمة الشباب» التى أنشأها عبدالناصر، وكانت وقتها تنظيمًا سياسيًا يخرج منه التنظيم الطليعى. حضرت مرحلتين تدريبيتين، الأولى فى حلوان، ومكثنا فيها ١٠ أيام، والثانية فى أبى قير بالإسكندرية. كنا نتلقى محاضرات، ونناقش قضايا سياسية. شارك «عبدالناصر» نفسه فى حفل تخرج إحدى الدورات. لاحقًا طُلب منا كتابة تقارير عن الرأى العام، فرفضت الانخراط فى هذا الدور، وتوقفت عن الحضور.

قضيت فى الجيش 6 سنوات.. وعثرت على «جيب» روسية مليئة بالكتب

بعد نكسة ١٩٦٧ لم أنتظر إنهاء دراستى الجامعية، ودخلت الجيش المصرى لتحرير الأرص، وقضيت ما يقارب ٦ سنوات، وخرجت عام ١٩٧٥. فى الجيش تعرّفت على تيارات فكرية متعددة، والتقيت الفنان محمود الهندى، ومن خلاله عرفت الوسط الثقافى.
خلال الإجازات كنت أحضر الندوات، وأتعرف إلى الشعراء والمثقفين، مثل محمد عفيفى مطر وأحمد عبدالمعطى حجازى وأمل دنقل، وبدأت أقرأ لهم وأتفاعل مع الحركة الأدبية. 
فى هذا الوقت كنت أستعير الدواوين وأنسخها بيدى فى كشكول، بنفس ترتيب الصفحات والمقدمات. نسخت دواوين لـ«الفيتورى» وغيره. ومن خلال هذه التجربة بدأت أكتب الشعر الحديث، وانفتح أمامى أفق جديد فى الكتابة والمعرفة، وكانت تلك هى بدايتى الحقيقية مع الوسط الثقافى.
كانت تجربة الجيش مختلفة تمامًا، فى البداية كنت ضمن «سلاح المدرعات»، ومنه انتقلت إلى «المركبات». كنت أركب العربات المدرعة وأعمل فيها لفترة، ثم انضممت للعمل مع الجنود الروس لمدة سنتين، وتعلمت منهم عاداتهم.
الجنود الروس كانوا غير مطلعين على الأدب الروسى ولا يعرفون عنه شيئًا. قادمون من مناطق نائية فى روسيا، «إنجليزيتهم» ضعيفة، وكنا أحيانًا نشاركهم فى أعمالهم، أحيانًا نسرقهم وأحيانًا يسرقوننا، وكان ذلك جزءًا من الحياة اليومية.
واجهت مواقف خطرة عدة قبل الحرب نفسها. أثناء القيام بمناورات ومهام تدريبية، حدثت لى حوادث مع ذخيرة تالفة، إذ انفجرت فى أحد زملائى وأدت إلى إصابة قدمه، ما أدى إلى حالة من الفوضى والركض بين الجميع لتجنب انفجارات أخرى.
تعرضت للموت أكثر من مرة فى الجيش قبل الدخول فى الحرب. وخلال الحرب، كنت ضمن القوات الخاصة المكلفة بمهام الاستطلاع والمراقبة، ولم أواجه مواقف مباشرة تهدد حياتى. معظم المواجهات كانت من بعيد، باستثناء القوات الخاصة التى تتعامل على مقربة.
هذه التجارب علمتنى الانضباط وحس المسئولية. وبعد الحرب، واصلت تطوير شخصيتى الأدبية والثقافية. الحرب تركت أثرًا فكريًا فى نفسى، وجعلتنى أكثر وعيًا بالسياسة، وأبعدتنى عن النزعة الناصرية. ودفعنى اهتمامى بـ«الماركسية» إلى دراسة الفكر «التروتسكى»، الذى يجمع بين الماركسية والديمقراطية والفن.


شهدت كيف أن الجيش، خاصة الاحتياط، كان يفتقر للمعرفة والخبرة، بينما بعض الأفراد السوريين الذين شاركوا فى اليمن على وعى بالأمور العسكرية، فى حين غابت المعرفة عن الآخرين.
خلال تلك الفترة بدأت أطور اهتماماتى الثقافية، فقد قرأت كثيرًا من الكتب، سواء كانت كتبًا عسكرية أو أدبية، وكنت دائمًا أهتم بالحصول على كتب جديدة أثناء الإجازات، حتى وجدت كنزًا كبيرًا ذات مرة..
حدث أننى اكتشفت سيارة «جيب» كاملة مليئة بالكتب العسكرية والأدبية، تركها الجنود الروس بعد تلفها، كنت أقرأها وأستفيد منها ثقافيًا وحياتيًا. 
كما تعرفت على ثقافات مختلفة فى الجيش لأناس من النوبة والدلتا والصيادين، وأمضيت وقتًا مع أناس من دول مختلفة، ما أتاح لى تجربة جديدة فى الحياة، بين أصدقاء وأعداء، نتعلم ونتعاون معًا أو نتصادم.
خلال فترة التدريب والمناورات، تعلمت مهارات عملية جديدة مثل التنقل والمشى بحرية، وتجاوزت مخاوفى السابقة، خاصة عند التعامل مع الآخر، فقد كان هناك أسلوب مختلف فى ممارسة الألعاب والأنشطة.
تلك التجارب علمتنى كيفية مواجهة التوتر والمخاطر، حتى إننى فى بعض الأوقات شعرت أننى كنت على وشك الانحراف عن الطريق، ولكن تمكنت من السيطرة على نفسى.

أسست «جماعة أصوات» و«الندوة الخميسية».. وعرفنا القاهرة على أدونيس

انخرطت فى الوسط الأدبى كما ذكرت، وتعرفت على شعراء ومترجمين بارزين، مثل عبدالمقصود عبدالكريم وعبدالرحمن بدوى وحسن الجوخ، وغيرهم من المثقفين الذين أثروا فى تجربتى الأدبية.
أنشأت «جماعة أصوات» التى جمعت بين شعراء وفنانين تشكيليين، وبدأنا نناقش الأدب والفكر والثقافة بشكل حر ومستقل، بعيدًا عن أى قيود سياسية. تجربتى مع «جماعة أصوات» علمتنى كيف يكون العمل الجماعى، وكيف يمكن للأفكار المختلفة أن تتلاقى أو تتصادم، وكيفية الحفاظ على حرية الرأى فى ظل اختلاف الخلفيات. 

أحمد طه وابنته الأمريكية


كنت أكتب للآخرين، وأشارك فى أعمالهم، مع الحفاظ على سرية المضمون. استفدت كثيرًا من العمل المشترك، وتعرفت على كُتَّاب ومترجمين كبار، وشاركت فى ترجمة ودراسة الأعمال الأدبية والفكرية من مختلف أنحاء العالم، بما فى ذلك أمريكا اللاتينية.
كنا نصدر «أصوات» يدويًا، نكتب المواد ونصوّرها، ثم نجمع الصفحات فى البيت. واحد يطبع، وآخر يرتب الصفحات، وثالث يصمم الغلاف، ثم نلصق وندبّس بدباسة كبيرة لتخرج فى هيئة كتيّب. كنا نبيع النسخة بـ٢٠ قرشًا، ثم رفعنا السعر إلى ٢٥ قرشًا. نطبع نحو ٥٠٠ نسخة، ونوزعها على مكتبات مثل «مدبولى» و«الصحافة الجديدة». كانت التكلفة نحو ٦ جنيهات، نتقاسمها.

أدونيس والسيد ياسين وأحمد طه


فى أواخر الثمانينيات جاء الشاعر أدونيس بدعوة من أحمد إسماعيل، وتعرّفنا إليه فى بيتى. فى هذا الوقت كان الشاعر عبدالمنعم رمضان مولعًا بـ«أدونيس» ويعتبره شيخه، وهو الذى عرّفه بالمهرجانات الشعرية فى أوروبا والمغرب.
الشاعر عبدالمنعم رمضان ادعى بعد ذلك أنه هو من عرف أدونيس على عالم القاهرة ومثقفيها، وهو أمر غير صحيح بالمرة. أدونيس جاء -كما قلت- عن طريق أحمد إسماعيل، وأحمد إسماعيل هو من أخبرنى أنه هنا، وأنه سياتى لزيارتى، وأنا الذى عرفت أدونيس على الشاعر عبدالمنعم رمضان.
كان أدونيس يأتى إلى الصالون الذى أقيمه، وذات مرة، وفى وجود الكاتب والمفكر الكبير السيد يس، دار حديث صريح حول موضوعات حساسة فى الشعر العربى، وكانوا يريدون تسجيل الأحاديث لكننى رفضت، لأنه لو كانت الجلسة مسجَّلة لما قيل كثير مما قيل، لذلك تعمّدت رفض التسجيلات، حفاظًا على طبيعة الحوار الحر.
كانت الندوة التى نقيمها تُعرف بـ«الندوة الخميسية»، فى حىّ الزاوية، وهى ندوة مفتوحة تستضيف أدباء ومثقفين من بلدان مختلفة. حضرها مثلًا الشاعر المغربى محمد الأشعرى، قبل أن يتولى منصب وزير الثقافة فى المغرب، كما حضرها الأديب محمد مستجاب، وغيرهما من الكُتّاب. كما شارك فى بعض الأمسيات الروائى صنع الله إبراهيم، والكاتبة ظبية خميس فى بداياتها، وغيرهما من المثقفين. تلك الفترة، فى الثمانينيات، كانت حافلة بالحراك الثقافى.

.. ويرقص مع أحمد فؤاد نجم


كانت الندوة تُعقد فى شقة كبيرة، ويتوافد إليها الحضور من أماكن بعيدة، حتى من الصعيد، وبعضهم كان يأتى من محافظات مختلفة ويعود فى اليوم نفسه بالقطار. وكانت الأمسيات تمتد لنقاشات أدبية وفكرية جريئة.
أما عن النشر فى حياتى فقد نشرت فى مجلة «المساء»، التى كان يشرف عليها فتحى الجمل، وكتبت عن النفّرى الصوفى، وكنت مِن أوائل مَن تناولوه نقديًا فى الصحافة الثقافية.
كانت علاقتى جيدة بـ«عبدالقادر القط»، الذى نشر لى فى «إبداع» وأشاد بقصيدة لى عن صلاح جاهين، لكنه نصحنى قائلًا: «كلام جميل، بس ده مش شعر». كان صاحب رؤية واسعة، وكتب عن الرومانسية العربية وسمّاها «الوجدانية».
فى الوقت نفسه، كنت أعمل فى مجلة «عالم الكتاب»، وكنت أكتب عن الندوات والأنشطة الثقافية. وذات يوم، بينما كنت أكتب مقالًا عن إحدى الندوات، فوجئت بطرقٍ عنيف على الباب. فتحتُ لأجد عددًا من رجال الشرطة، بعضهم بملابس مدنية. دخلوا الشقة واصطحبونى معهم، وصادروا نحو ٦٠٠ كتاب من مكتبتى، بينها كتب فى التصوف والفكر..
اقتادونى إلى التحقيق، وواجهونى باتهامات تتعلق بالتنظيم والعمل السياسى. حاولت أن أوضح لهم أننى بعيد عن هذه الاتهامات، وقلت إن المعرفة بالأفكار السياسية لا تعنى الانخراط فى عمل انقلابى أو تنظيمى. دار نقاش طويل، وتدخل المحامى أكثر من مرة.
قضيت ٣ أشهر فى سجن القناطر. وهناك تعرّفت إلى شخصيات مختلفة، بعضهم كان موقوفًا لأسباب سياسية، وآخرون لأسباب لا علاقة لها بالسياسة، من بينهم الباحث الاقتصادى عبدالخالق فاروق، الذى كان معروفًا بكتاباته. فى السجن تعلّمت معنى الحياة الجماعية، وتقاسم الزيارات، والتضامن بين المسجونين.
كانت تجربة قاسية، لكنها كشفت لى وجوهًا متعددة من المجتمع، وأكدت لى أن النشاط الثقافى الحر قد يكون له ثمن، وأن الكتابة والندوات ليست دائمًا شأنًا معزولًا عن السياسة. ومع ذلك، بقيت تلك المرحلة جزءًا مهمًا من تكوينى، بما فيها من ألم ومعرفة وصحبة.

«لا تفارق اسمى» أول دواوينى.. والعراقيون احتفوا بى بـ«موكب»

أول ديوان صدر لى كان بعنوان «لا تفارق اسمى»، وجاء بعد أن صدر عدد من الدواوين عن «جماعة أصوات»، عام ١٩٨٠، مثل «أزدحم بالممالك» لعبدالمقصود عبدالكريم، و«أعلن الفرح مولده» لمحمد سليمان، و«الحلم ظل الوقت.. الحلم ظل المسافة» لعبدالمنعم رمضان، و«طيور الوحشة» لمحمد عيد إبراهيم، وكان من المقرر أن تصدر بعده المجموعة القصصية «هذا يوم طيب للحياة» للقاص الكبير جار النبى الحلو.
بعد صدور الديوان بفترة دُعينا إلى مهرجان «المربد» فى العراق، ولأن الديوان كان يحتوى على قصائد تحت عنوان «ليس الرحيل إلى كربلاء» وغيرها، فوجئت باستقبال العراقيين لى هناك، حيث مشيت فى موكب، وأناس ينتظروننى على الجانبين، ويشيرون إلىّ، فى استقبال لم أره فى حياتى فيما بعد.
فى العراق كان الاحتفاء بالشعر لافتًا، واستُقبلنا بحفاوة كبيرة، وأقمنا فى فنادق فخمة. شعرت أن القصيدة يمكن أن تصنع لصاحبها مكانة رمزية واسعة، حتى لو لم يسعَ هو إليها.
بعدها صدر ديوانى الثانى «طاولة ٤٨»، وضم قصائد حب كُتبت فى زمن علاقة عاطفية مشتعلة. كانت تلك المرحلة مليئة بالحلم والتجربة، ومحاولات إثبات الصوت الخاص فى الشعر والحياة. توالت بعد ذلك دواوينى الشعرية التى بلغت ٤ دواوين وهى «لا تفارق اسمى» ١٩٨٠، و«طاولة ٤٨» ١٩٩١، و«إمبراطورية الحوائط» ١٩٩٣، و«ممر البستان» ٢٠٠٨. 
كنا فى تلك السنوات نطبع دواويننا بأنفسنا. نكتب النصوص، ثم نذهب بها إلى المطبعة لقصّها، ونعود لنجلس حول الطاولة نلوّن الأغلفة يدويًا. كلٌّ يمسك لونًا: هذا يملأ الأصفر، وذاك الأحمر، وثالث يراجع الحواف بالمسطرة حتى لا يظهر خلل فى القصّ. فى يوم نطبع المتن، وفى اليوم التالى نقصّه ونلصق الغلاف. كانت عملية كاملة من الألف إلى الياء.
خلال «أحداث الزاوية»، ومع حظر التجوال، نقلنا العمل فى «جماعة أصوات» إلى بيت محمد سليمان فى حدائق القبة. كان بيته واسعًا ونظيفًا، وفيه «بانيو» لم نكن معتادين عليه من قبل. استضاف بعض الأصدقاء شهورًا طويلة، وكان كريمًا إلى حدٍّ لافت. هناك أعددنا النسخ، لكننا فوجئنا فى اليوم التالى بأن بعضها اختفى.
أما الديوان الذى كتبته آنذاك، فقد كان متأثرًا بالتصوف الإسلامى، وبقراءاتى فى «المواقف والمخاطبات». جمعت مخطوطات من تركيا ولندن والقاهرة، مستعينًا بما أورده المستشرق آرثر جون أربرى، فى مقدمته المرجعية عن أماكن وجود النسخ. دفعت مبالغ للحصول على «ميكروفيلم» للمخطوطات، لكن أحد الأصدقاء استولى على المواد ونشرها باسمه مع آخرين. لم أكن أكتب عنه بشكل أكاديمى باحث عن التوثيق بقدر ما كنت أكتب بدافع المزاج والرغبة الداخلية.

تزوجت الأمريكية كلاريسا بيرت بعدما زارتنى فى السجن

قبل أن أذهب للسجن كنت قد تعرفت على المستشرقة الأمريكية كلاريسا بيرت التى جاءت فى بعثة دراسية إلى مصر حينها، وكان هناك أستاذ جامعى لها نصحها بالذهاب إلى مؤتمر فى المنيا للتدرب على اللغة والتعرف على المجتمع، وسافرت معها إلى المنيا، بعدها وأثناء سجنى كانت تزورنى فى السجن، ويكون معها زيارة طعام وشراب، وتظل تبكى للمأمور فيسمح لها بالدخول. 
كان الضباط يرون فى الأمر طرافة: فتاة أجنبية تزور شابًا ليس زوجها ولا خطيبها. 
وقبل خروجى عرضت على أن تقيم فى شقتى التى كنت أسكنها قبل اعتقالى، ولم يكن يوجد فيها أحد، فوافقت لأنها فى ذلك الوقت كانت تسكن مع مجموعة أخرى فى باب اللوق، لكننى حين خرجت من السجن وجدت البيت مرتبًا تمامًا بعد أن كان مليئا بالفوضى. 
عشنا عامًا فى الزاوية، واندمجت فى الحياة الشعبية، حتى إن الجيران كانوا ينادونها بأسماء محرّفة على طريقتهم..
الحقيقة أننا تحدثنا فى أمر الزواج لكننى أرجأت الأمر قليلًا، كنت متوجسًا من الأمريكيين وأراهم الشيطان الأكبر، قلت لها إن الإجراءات تحتاج إلى بطاقة وهوية، وإن الأمر معقد، فلتسافر إلى أمريكا ونفكر، سافرت قرابة عام، وتراسلنا، وكانت تزورنى أسبوعًا كل شهرين أو ثلاثة، ثم عادت عام ستة وثمانين ومعها فاروق عبدالوهاب، الذى كان يترجم لجمال الغيطانى، وجاءت بنية الزواج. تزوجنا فى الشهر العقارى بحضور أحمد حسن شاهدًا..

وصفت أمل دنقل بـ«شاعر الرفض سابقًا» فخاصمنى

أمل دنقل

كانت لى صداقات عديدة؛ أمل دنقل كان صديقًا لدودًا بيننا تنافس شعرى. كان يسخر منا لأننا من جماعة «أصوات». 
حدث خلاف بينى وبين محمد سليمان عندما كتب قصيدة يهاجم فيها الفلسطينيين، فكتبت بيانًا ضده ونشرته، فأغضب ذلك بعض الأصدقاء وغضب منى أمل دنقل.
لم يغضب منى فقط لكنه غضب من جماعة «أصوات» كلها، ذلك لأننى نشرت المقال فى أول ديوان للدكتور الصيدلى محمد سليمان، والذى نشرناه فى «أصوات» تحت عنوان «أعلن الفرح موعده» وقلت فى المقال:
«نورد كمثال -أمل دنقل- الذى اشترك بنونية عصماء فى مهرجان ذكرى يوسف السباعی متجاهلًا مغزاه
أسماء من قتلوك قد نُسيت
ويظل يذكرك الملايين
ما لبث أن انصرف بعض تابعيه إلى معارضته بعصماوات مماثلة، والمذكور هو نفسه الذى كتب من قبل قصيدة «لا تصالح» موقفًا أصوليًا، لكن أيًا من الموقفين مصدق، خاصة مع ما يتردد عن أن هذا الشاعر يمر بأطوار تقليدية للنمو تبدأ بكونه رافضًا ثم يبرد دمه وتنخفض حرارته فيصير أليفًا مسالمًا، لينقلب فى النهاية متصوفًا حزينًا ينتظر -بالتوبة لمن عاداهم- لقاء ربه.
هذه الأطوار لها شواهدها التى تنبئ عنها، ففى الوقت الذى نمر فيه بظروف لا نحسد عليها، وبوعى حاد يدفعنا بعيدًا عن مهرجانات تقام لتدشين فلسفة لا نتقاطع معها إلا لأننا نعايشها، يتألب علينا شعراء الرفض -سابقًا- مسلمین راياتهم ومضحين بوعيهم فى مقابل الوقوف أمام جمهور تكلست مخيلته بفعل الفن السائد والأدب السائد والقيم الفكرية القبلية.
وكتعويض عن منافذ نشر عربية استندوا إليها فى دعم بطولاتهم فلما أغلقت أخذوا يبحثون عن البديل وراء لافتات نيون وصيغ تأبين وحفلات تكريم مترادفة، حتى ولو اقتضى ذلك نسيان الشاعر لوجهه الثورى السابق الذى تعامل به طويلًا مع الجماهير، مستبدلًا به الوجه الجديد الذى يلائم طور نموه كشاعر يريد الموت على دين آبائه.. 
وفى رأينا أن هذا التساقط السريع لفرسان المرحلة التلفيقية الماضية- والذى فاجأ البعض من حسنى النية- لم يكن سوى النهاية الطبيعية لفكر مرحلة من عمر هذه الطبقة.
وقرأ أمل دنقل المقال كاملًا وغضب كثيرًا ولم يكلمنى بعدها بسبب ما كتب..

سر شهرة المنسى قنديل عن المخزنجى

المنسى قنديل

عرفت محمد المنسى قنديل أيضًا ولكن بعد تخرجه، لكن «المنسى» غامر ونشر، وكتب قبل «المخزنجى» بكثير، منذ أن كان فى كلية الطب، أذكر أنه نشر قصة فى مجلة الطليعة وكانت قصة قوية جدًا، كانت مجلة للكبار وليست للموهوبين، ومع ذلك نشرت للمنسى قنديل. 
المنسى كان شديد الموهبة لكن بطريقة مختلفة عن المخزنجى، الاثنان دخلا الكلية مع بعضها وتخرجا، لكن الأول اشتهر قبل الثانى لأنه اجتماعى ويتكلم كثيرًا ودمه خفيف.
أما أنور كامل فقد ظهر فى الساحة الأدبية بعد اختفاء كبير فى العهدين الناصرى والساداتى، لأنه لم يكن ليحتمل أن يدخل فى معارك مع نظام عبدالناصر. كانت تربيته فى النظام الليبرالى قبل ١٩٥٢. ظهر تقريبًا سنة ١٩٨٦. فجأة وجدناه على زهرة البستان وسأل أين الشباب؟ وعرفت أنه كان يبحث عن الوجوه الجديدة من الشعراء والأدباء..
أذكر أننا كنا حينها نجلس على المقهى، وكانت هناك سيدة أجنبية تطل شرفة بيتها على الممر وكانت تزعجها الأصوات فتظل تصرخ فى الجميع، كان هذا نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، وعرفت أنور كامل والحقيقة أنه هو من جاء يتعرف على، لأننى عادة لم أكن أتعرف على أحد بسهولة، وكنت أعرف أنور كامل قبل أن أقابله، المهم أننا تصادقنا وأصبحنا نتردد على بعضنا، واقتربنا كثيرًا حتى إننى كتبت له قصيدتين قبل أن أسافر إلى أمريكا..
كان أنور كامل مهتمًا جدًا بالشأن الثقافى، وكان يكتب مقالات أو شعرا أو قصة فى ورقتين، ويطبع منه أكثر من مائة نسخة مثلًا وأحيانًا أكثر بكثير، ويظل يوزعها بيده مجانًا على المثقفين، كان يسميها «فسائل»، وحدث أن سافرت لأمريكا وجاءنى خبر موته هناك، وكان يومًا حزينًا جدًا على، حتى إننى تأثرت جدًا برحيله وحين نشرت ديوان «إمبراطورية الحوائط» جعلت نصفه فى محبة أنور كامل..

يحيى الطاهر عبدالله قال لعريس شقيقتى: «معندناش بنات للجواز»

يحيى الطاهر عبدالله

يحيى الطاهر عبدالله كان شخصية فريدة؛ يدخل أى بيت كأنه من أهله، يصادق الجميع، ولا يجلس إلى المائدة بل يظل واقفًا يتحرك حولها، ولى معه الكثير من المواقف.
أذكر منها مثلًا أن هناك عريسًا جاء يتقدم لشقيقتى، وكان يحيى موجودًا فى بيتنا، وكنت أعرف هذا العريس لأنه كان معى فى التجنيد، المهم أن يحيى قال للعريس «لا توجد لدينا بنات للزواج»، وبالفعل لم تتزوج شقيقتى من الشاب، كله بسبب يحيى، وهناك العشرات من المواقف مثل هذه، لكنه كان موهوبًا بحق، والعديد من الشباب حاولوا تقليد يحيى الطاهر عبدالله وكلهم فشلوا وبقى هو وحيدًا بقصصه الرائعة التى كان يحفظها عن ظهر قلب مثل القصائد تمامًا..
أما الشيخ إمام فكان بيته مفتوحًا للجميع، ذا ذاكرة قوية يعرف الناس من أصواتهم ويحفظ المواعيد بدقة. 
اتفقت معه مرة على لقاء مع شخص قادم من الخارج، وقلت له سنأتيك فى الخامس من الشهر المقبل، سافر الرجل، فلم أبلغ الشيخ إمام بالتطورات، وحدث أننى زرته بعدها بمدة وما إن سمع صوتى عرفنى وقال «أحمد طه المفترض كان لدينا موعد فى الخامس من الشهر الماضى»، فقلت له إن الرجل سافر فجأة، فقال لى كان يجب أن تخبرنى لأننى حددت لك موعدًا.. وعاتبنى على هذا الأمر ولم يبد قبول أسفى..
وأذكر أنه كانت هناك مناوشات بين الشيخ إمام وسيد مكاوى، ولك أن تعرف أن سيد مكاوى كان موهوبًا بشكل لا يصدق، كان عبقريًا، وحدث أن دعونا الشيخ إمام وسيد مكاوى لحفل ضمن أسبوع اللغة العربية الذى قمت بتنظيمه، وكان من المفترض أن يحضر فنانون وملحنون وكبار المبدعين، لكن سيد مكاوى تخلف عن الحضور..
كنت أجمع القوافى فى كراسة فإذا احتجت قافية بحرف معين عدت إليها

سمير سرحان طها «رأس سمكة» كبيرة بطريقة لا تصدق

حين سافرت لأمريكا لم يكن لدينا أى أثاث لكننا بدأنا فى ترتيب البيت شيئًا فشيئًا، وبحكم معيشتى القاهرية ونشأتى فى بلد مثلها، فقد اعتدت الحركة فى شوارع أمريكا، وكنت أرتاد محلات «ثريفت ستور»، وهى محال أشبه بالمحال التى كانت توجد قبل عهد جمال عبدالناصر فى بيع الأشياء المستعملة، حين كانت متعلقات البيوت تباع بعد وفاة أصحابها.
المهم أننى بعد ذلك اعتدت أن أقيم حفلة فى نهاية كل أسبوع فى بيتى، وغالبًا ما تكون يوم الجمعة، وكنا أدعو إليها أصدقاءنا، وكنت أطبخ لهم طعامًا مصريًا شهيًا، نجتمع للأكل والشرب والاستماع إلى الشعر والأدب، وندير نقاشات سياسية وثقافية. 
كان بعض الحضور يشرب الخمر، وبعضهم يدخن، كلٌّ حسب مزاجه، لكن الجميع كانوا من المثقفين، طلاب دراسات عليا، أو أساتذة، أو أطباء، وبرغم إجادتى للمطبخ المصرى لكن الوحيد الذى شعرت بالإعجاب من طريقة طهيه هو الدكتور سمير سرحان الرئيس الأسبق لهيئة الكتاب، حين زارنى فى أمريكا واشترى «رأس سمكة» كبيرة ثم قام بطهيها بطريقة لا تصدق، وكان الكثير من الأدباء يزوروننى فى رحلاتهم إلى أمريكا مثل الشاعر أحمد الشهاوى وعبدالعظيم رمضان وسمير سرحان وغيرهم كثيرون، وكانوا يسعدون بهذه الجلسات. 
استمرت هذه العادة طوال إقامتى فى أمريكا، سواء حين كنت فى أوهايو أو فى شيكاغو. وفى شيكاغو تحديدًا، كنا نجتمع فى بيت أحد الأصدقاء، ونقيم أمسيات كبيرة نلقى فيها الشعر..
وقتها كنت أعمل فى شركة تطبع كتبًا لجامعة شيكاغو، وكانت المطبعة حديثة جدًا؛ تطبع نحو ستين كتابًا فى الساعة مع تجليدها. تعلمت هناك تقنيات النشر والطباعة، وطبعت بعض الدواوين التى أسعدت أصحابها كثيرًا...
المجتمع الأمريكى مجتمع مفتوح، وهو فى الحقيقة ملتقى للعالم كله؛ فأنت لا تقابل الأمريكيين وحدهم، بل تقابل جنسيات وثقافات متعددة. لو وقفت فى وسط مدينة كبيرة وأحصيت اللغات التى تمر عليك لوجدتها بالعشرات. هذا الانفتاح يوسّع الأفق ويغيّر كثيرًا من الصفات
وأول مجلة أنشأتها كانت مجلة الكتابة السوداء، والتى صدرت عن جماعة «أصوات» أيضًا، وكانت عام ١٩٨٨، أى قبل أن تصدر مجلتى الأخرى الجراد بنحو ست سنوات، وفى «الكتابة السوداء»، كتب عبدالمنعم رمضان، ونشرنا فصلًا من كتاب «فى الشعر الجاهلى» لطه حسين، وبشير السباعى ومحمد عيد إبراهيم، ورمسيس يونان وعبدالمقصود عبدالكريم، ومحمد بدوى وأمجد ريان ومحمود الهندى..
بعدها أصدرت مجلة «الجراد» عام ١٩٩٤، ونشرت فيها العديد من القصائد لجيل التسعينيات، ومنهم الشعراء، أحمد يمانى، ومحمد متولى، وشحاتة العريان، ومجدى الجابرى، وإبراهيم داود، وأمل جمال، وكريم دروزه، وأيمن حمدى، وهدى حسين، وصفاء فتحى، وياسر عبداللطيف، وعلية عبدالسلام، وعبدالوهاب داود وجرجس شكرى.
وصممت الغلاف زوجتى وقتها المستشرقة الكبيرة كلارسا بيرت، وأنا من كنت أقوم بتحرير المجلة بالكامل.

رفضت نشر رواية مستجاب

مستجاب

عرفت الروائى والقاص الكبير محمد مستجاب من ندوتنا، كان كاتبًا كبيرًا، وكان قد انتهى من روايته الشهيرة «من التاريخ السرى لنعمان عبدالحافظ».
والحقيقة أننى كنت معجبًا بشكل لا يصدق بهذه الرواية، حتى إننى أخذت نسخة منها وكنت أعيرها لمن يقرأون الأدب العربى من الأمريكان، وكان هناك إعجاب كبير بها، ولهذه الرواية قصة، فقد طلب منى محمد مستجاب نشرها فى الكتيبات التى تصدرها جماعة أصوات.
وبرغم اعجابى الكبير بالرواية حين قرأتها رفضت نشرها، حتى إن الشاعر محمد سلمان تضايق منى لرفضى نشر الرواية.
والحقيقى أن علاقتى بـ«مستجاب» كبيرة فكنت أذهب لبيته وأراه بجلبابه الأثير وهو يحمل السلة الخوصية ويشترى مستلزمات بيته، كان يسكن فى الهرم حينها، وكنا دائمى الزيارة لبعضنا..
أما سبب إعجاب الأمريكان بقصص وأعمال محمد مستجاب فهذا لأن «مستجاب» كان يكتب عن الجنوب بأسطوريته المعروفة، كانت كتاباته لها شكل خاص، وتعجب أى قارئ للأدب العربى، على خلاف إبراهيم أصلان مثلًا والذى كان يكتب بشكل خاص وموهوب لكنه يشبه الجميع فى تناوله لقصصه، بخلاف موهبته التى أظهرته كواحد من الكبار، لهذا لم تعجب أعمال أصلان الأمريكان، لكنهم أعجبوا جدًا بقصص «مستجاب والمخزنجى».
أما عن «المخزنجى» فله قصة كبيرة، فقد عرفته شابًا يماثلنى فى العمر، كان فى الصف الأول الثانوى تقريبًا وقت أن رأيته فى إحدى الندوات، وكان يأتى من المنصورة صحبة قريب له يعمل فى شركة «إسكو» مع شقيقى، لم أتواصل كثيرًا مع «المخزنجى» لأنه كان كتومًا والحقيقة أنه لم يكن يعتبر نفسه كاتبًا فى تلك الفترة. 
لكننى عرفت «المخزنجى» جيدًا حين تخرج فى كلية الطب وخرجت أنا من التجنيد، رأيته حينها ككاتب، حتى إننى جمعت له مجموعته القصصية الأولى، والتى صدرت منها قصص كثيرة فى مجموعته «الآتى» التى صدرت بعدها بفترة عن دار الفتى العربى.
بالفعل قمت بجمع المجموعة وأرسلتها للدكتور عبدالمنعم تليمة لكى تخرج للنور لكنها لم تطبع، ليس بسبب ضعف المجموعة مثلًا لأنها كانت مجموعة قوية جدًا والمخزنجى موهوب موهبة غير عادية، وينتقى اللغة كأنه يزنها بميزان ذهب حساس، وكل مفردة لديه لا بد أن تكون فى مكانها ولا مفردة زائدة أو ناقصة.
المخزنجى أصدر بعد ذلك مجموعاته التى قالت إن هناك كاتبًا كبيرًا، وكتب عنه معظم الكبار، وكان حالة جميلة من حالات القصة القصيرة فى مصر، وظل يأتى ونتقابل حتى سفره لروسيا. 
من أول لحظة عرفت «المخزنجى»، أدركت أنه موهوب موهبة غير عادية. وكان دائمًا يحضر كتبًا فى الفيزياء واللغة والصوت. وكنت أقول ما علاقة هذه الكتب بالقصة، كان مهتمًا بدقائق غريبة جدًا، حتى بصناعة الصوت فى اللغة، كيف تنطق الكلمة وكيف توضع فى سياق الجملة، لهذا كان يعتمد بقوة على دقة اللغة فى كتابته، فتجد لغته فى القصة القصيرة مناسبة، ليست هناك مفردة أعلى ومفردة أسفل.
كان المخزنجى يعشق يوسف إدريس، يحبه محبة كبيرة لا توصف، كان يعتبره الأب الروحى له، رغم إن طريقته فى القصة مختلفة. لكنه كان يرى فيه أعظم كاتب فى الدنيا. وكان يذهب إلى بيته، ويوسف إدريس كان يعرف أنه يحبه جدًا..