السبت 18 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

محمد عصمت: أكتب الرعب لأننى شخص خوَّاف!

حرف

- خوفى من الخرس والنسيان وراء كتابتى «تماثيل الملح» 

- ذكرت أسماءً حقيقية فى الرواية مثل عبدالرحمن جاويش ويحيى عزام لأنى أحبهما

- انتهيت من كتابة مسلسل صوتى بعنوان «وجبات مجانيَّة للموتى» قُرَّاء الرُعب من أذكى قُرَّاء الأدب

لأنه يخاف الفقد والنسيان، ويكتب عما يخافه، أصدر الكاتب محمد عصمت روايته الجديدة «تماثيل الملح»، عن دار «كيان» للنشر والتوزيع، والتى تدور حول كاتِب رُعب يفقِد شُهرته وموهبته رغم محاولاته المُستمِرَّة الدءوبة للاحتفاظ بها، وهو الخوف الذى يسكُن قلوب الكثير من الكُتَّاب.

ومحمد عصمت ليس مؤلفًا فقط، فإلى جانب شهرته الكبيرة فى أعمال الرعب، هو أيضًا يترجم ما يراه مناسبًا لعالمه، وترجم بالفعل الكثير من الأعمال لكتاب عالميين كبار مثل براندون ساندرسن، وجيف ليندسى، وبيتر فرونسكى وغيرهم.

حول مؤلفاته وترجماته، وآخرها رواية «تماثيل الملح»، إلى جانب أعماله المقبلة، وإذا ما كان سيترك أعمال الرعب ويكتب فى غيرها أم لا، يدور حوار «حرف» التالى مع الكاتب محمد عصمت.

■ كيف جاءت فكرة روايتك «تماثيل الملح»؟

- بالنسبة للكِتابة والتأليف، فأنا دائمًا ما أكتب عن مخاوفى، لأننى مُقتنع تمام الاقتناع أن أولى خطوات علاج أى مرض، هى الاعتراف بوجوده. لذلِك أعترِف بمخاوفى، وأعتبر ذلِك الاعتراف هو الخطوة الأولى فى مواجهتها وعلاجها. 

كتبت عن مخاوفى فى عدَّة أعمال من قبل، مثل الأمراض التى لا علاج لها، أو فقد الأحبَّاء من حولنا، أو الكوابيس بشكلٍ عام، وهذه المرَّة أشعُر بأن هُناك خوف جديد يُثير رهبتى، وهو الخوف من الخرس والنسيان.

لذلِك كتبت فى «تماثيل الملح» عن كاتِب رُعب يفقِد شُهرته وموهبته رغم محاولاته المُستمِرَّة الدءوبة للاحتفاظ بها، وهو خوف يسكُن قلوب الكثير من الكُتَّاب، لأنه سيأتى يوم ونموت، ولن نبقى، لكِن كتاباتنا وأفكارنا ستبقى وتظل متداولة بين الناس، ومن هنا بدأت فكرة الرواية، وبطلها كاتِب رُعب يقطن مدينة ساحلية، مثلى تمامًا.

■ هل ترى أن الكتابة عن المخاوف علاج ناجع للتخلص منها؟

- كما قُلت، الكِتابة عن المخاوِف هى أول وأهم خطوة فى علاجها ومواجهتها. أعتبِر الكِتابة، سواء المنشورة الورقيَّة أو المدوَّنة على مواقِع التواصُل الاجتماعى، هى طريقتى الخاصَّة لمواجهة تلك المخاوف عن طريق صبها على الورق، والتخلُّص منها تحت نطاق «هذا يحدُث للآخرين».

الآن، أبطال روايتى هُم الذين يواجِهون تلك المخاوِف، لا أنا، وبالتالى هُم من سيتحمَّلون العواقِب والصِعاب. أمَّا أنا فأتخلَّص من ذلِك الخوف، وأكتبه، ليُصبِح مُشكِلة الأبطال أولًا، ومن بعدهم القُرَّاء.

من تجرُبتى الشخصيَّة، يُمكِننى أن أؤكِّد لك أنه علاج ناجح وفعَّال لأننى لم أعُد أخاف. لحظة، هل سَمِعت هذا الصوت؟ هل رأيت ذلِك الظل الذى تحرَّك فى الرُكن؟ حسنًا.. أعتقِد أننى لم أعُد أخاف كما كُنت أقول!

■ هل تخاف فعلًا من فقدان شهرتك كما عبرت فى الرواية؟

- أعتقِد أن نسبة لا بأس بها من الكُتَّاب يخشون فقدان شهرتهم، لكِن ليس بدافِع حُب الشهرة، ولكِن كما قُلت سيأتى يوم ونموت جميعًا، ونختفى من على الأرض، لكِننا سنبقى فى ذاكرة الناس ووعيهم عن طريق كتاباتنا وأفكارنا وفلسفاتنا فى الكِتابة. بالتالى، هو كابوس لأى كاتِب، لأننى أعتقِد أن المرء يموت مرَّتين، مرَّة عندما يتوفى، ومرَّة أخرى عندما ينساه الناس تمامًا.

■ تدرج بعض الأسماء الحقيقية فى رواية «تماثيل الملح» مثل عبدالرحمن جاويش ويحيى عزام.. لماذا؟

- لعدَّة أسباب، أهمها أننى أُحبَّهم على المستوى الشخصى، وثانيهم هو أنهم يستحِقون هذه الإشارة لأنهم يجتهِدون فى مجالات عملهم بشكلٍ عام. لكِن السبب الأساسى هو أن القارئ عندما يقرأ أسماء أشخاص يعرِفهم جيِّدًا ويعرِف أنهم شخصيَّات حقيقيَّة، يتعلَّق بالعمل ويُصدِّق أحداثه ويتفاعل معها قليلًا، لأنه بالفعل يُدرِك وجودهم، ورآهم أو تعامل معهم من قبل، وبالتالى أصبح من السهل للغاية أن يتخيَّلهم ويتخيَّل الأحداث تدور من حولهم.

■ لماذا اخترت الملح تحديدًا للتعبير عن فكرتك؟

- الرواية بشكل عام تدور حول الملح، لأننى أعتبِره من الأشياء التى يراها الناس بطريقةٍ خاطئة تمامًا، إذ يرى الناس أنه قد يُفسِد الطعام إن زاد أو قل، لكِن لا يراه أحد أنه الميزان، الذى إن كان عادلًا ضُبِط كُل شئء! بالتالى بدأت أُفكِّر كيف سأُغلِّف هذه الفكرة الفلسفيَّة بأحداث مُرعِبة تجذِب قُرَّاء الرُعب، الذين أعتبرهم شخصيًا من أذكى القُرَّاء.

من هنا جاءت فكرة أسطورة «جن الملح»، خاصة أن تلك الأسطورة ستتحوَّل إلى لعنة قديمة سنلجأ لها بعد ذلِك أثناء الأحداث. أمَّا «تماثيل الملح» فهى بشكلٍ أساسى تتحدَّث عن الجمود، سواء الفكرى أو النفسى، وهى فكرة أخرى شعرت بضرورة مُناقشتها بشكلٍ فلسفى داخِل أحداث العمل. أحداث العمل خرجت بشكلٍ ينتمى للرعب النفسى، وهو نوع مُهِم من أنواع الرُعب، يهتم بشكلٍ أساسى بالمشاكل النفسيَّة أو التوتُّر العام، لا الدماء أو الأشلاء أو الكيانات المُخيفة.

■ لم تكتب رواية أو تترجم خارج الرعب النفسى أو «الفانتازيا».. ما السر؟

- بشكل عام، لكل كاتِب قُرَّاء، والكاتِب الذكى هو القريب من قُرائه، ويعرِف ذائقتهم فى القراءة، وما الذى يبحثون عنه ويتوقون إليه. وقُرَّاء أدب الرُعب مُخلِصون تمامًا لهذا النوع من الأدب، وبالتالى يبحثون عن كُل شىء له علاقة بالرُعب، سواء على مستوى التأليف أو الترجمة.

وفاءً للقُرَّاء الذين ساندونى منذ يومى الأول فى الوسط الأدبى، أبحث دائمًا عن الأفكار والروايات التى تُناسِب ذائقتهم الأدبيَّة. وطبعًا من المعروف أن «الفانتازيا» والجريمة هُم أولاد عم الرُعب، وبالتالى سيستمتِع القُرَّاء بقراءتهم، لكِن إن شاء الله قد يكون هُناك بعض المشاريع المُختلِفة فى المُستقبل.

■ ألم تفكر مرة فى كتابة رواية خارج إطار أعمال الرعب؟

- لهذا السؤال إجابتان، إحداهما حقيقيَّة والأخرى كاذِبة عادةً ما أردِّدها فى الندوات واللقاءات الصحفيَّة والتليفزيونيَّة، وسأُصدِقك القول الآن، لكِن دعنى أكذِب عليك، وأخبرك بالإجابة غير الحقيقيَّة أولًا!

الإجابة الكاذِبة هى لأن أدب الرُعب أحد أهم أنواع الأدب سواء على المستوى العربى أو العالمى، وعدد الكُتَّاب الذين يكتبون فيه قليل للغاية مُقارنةً بعدد القُرَّاء الذين ينتظِرون الأعمال الجديدة، ولهذا السبب تحديدًا أكتب فى أدب الرُعب، لأن القارئ العربى يستحِق أن يجِد من يُلبِّى رغباته فى قراءة أعمال تنتمى له.

أما الإجابة الحقيقيَّة فهى ببساطة لأننى «خوَّاف»! نعم، أنا شخص يخاف من كثير من الأشياء، فعلى سبيل المثال أنا أخاف الظلام، وأخاف من المُهرِّجين، وأخاف من الفقد، وأخاف من المُرتفعات، وأخاف حتى من الأطفال الرُضَّع! ناهيك عن الخوف من الجن والأرواح والأشباح وما إلى ذلِك من الماورائيات! أنا ببساطة شخص «خوَّاف» يكتب لمواجهة مخاوفه والتغلُّب عليها!

■ لماذا لم تفكر فى الخروج من ثوب الرواية، تكتب قصصًا قصيرة مثلًا؟

- كتبت فى بداياتى العديد من القصص القصيرة حتى شعرتُ بأننى جاهز للانتقال إلى كتابة الرواية، لكِن كُل هذه القصص لم تُنشَر، وبعد ذلِك كتبت مئات القصص على «فيسبوك» لجمهور أدب الرُعب المُتعطِّش لقراءته. وأنا أُحِب كتابة الروايات الطويلة، أُحِب كتابة أحداث طويلة ومُعقدة، ومصائِر تتعقَّد، وسُبل تتقطَّع، أحب المؤامرات والخطط، والأحداث المُرعِبة والموتِّرة.

لذلِك أجد متعة ولذَّة خاصَّة فى كِتابة الروايات الطويلة التى تسمح لى بالتلاعُب بشخصيَّاتى على الورق من أجل خلق مُتعة للقارئ، وهو ما لا أستطيع القيام به فى القصص القصيرة، لأننى شخص «رغَّاى»، كما هو واضح طبعًا، وأميل لتجاوُز الحدود والكِتابة بحُرية دون الالتزام بعدد مُعيَّن من الكلِمات. لكِننى أُحب كذلِك كتابة «النوفيلات» أو الروايات القصيرة، وأعتقِد أننى سأكتب مشروعًا ينتمى لهذه الفئة قريبًا للغاية.

■ الكثير من الكُتَّاب يعيشون أجواء ما يكتبون.. هل أنت منهم؟

- القارئ العربى ذكى للغاية، وأنا دائمًا ما أقول إنه أذكى حلقة فى عملية النشر بالكامِل، لذلِك يجِب أن نحترمه تمامًا أثناء تقديم الأعمال إليه، وبما أننى شخص «خوَّاف»، أجد نفسى قادِرًا على نقل خوفى بالكامِل إلى القارئ، الذى يتوتَّر بدوره عند القراءة، لكِن إن لم أخف أثناء الكِتابة فسأجد نفسى غير قادِر على نقل تلك المشاعِر للقارئ، الذى سيشعر أننى أزيِّف تلك المشاعِر.

باختصار.. لا يُمكِنك وصف مشاعِر الجوع إلا إذا شعرتُ بالجوع! وكذلِك الخوف. إن لم أخف، فلن أفهم كيف يشعُر الخائِف، وبالتالى لن أتمكَّن من نقله إلى القارئ، وسيشعر بأننى أسخر منه ولا أحترمه بالشكل الكافى، وسأخسر ذلِك القارئ للأبد، لذلك.. نعم، أعتقِد أن خوفى هو السبب الأهم لنجاحى!

■ تترجم أحيانًا ٣ أعمال لكاتب واحد.. هل لديك «مشروع» خاص فى الترجمة؟

- الترجمة بالنسبة لى ليسَت مُجرَّد نقل للأحداث من لُغةٍ إلى أخرى، الترجمة هى نقل أمين تمامًا لكُل شىء داخِل النص، وكُل شىء هنا أقصد بها كُل شىء بالمعنى الحرفى، بدايةً من أسلوب الكاتِب فى السرد والكِتابة، وطريقة سرده ووصفه سواء للمعلومات أو الأحداث، وما إلى ذلِك من أشياء.

أحاول دائمًا اختيار مشروعات ترجمة طويلة تليق بالقارئ العربى، تلك المشاريع عادةً ما تكون عدَّة أعمال من سلسلةٍ واحدة مثل سلسلة «ديكستر» للكاتب جيف ليندسى، وهى الأعمال التى تحوَّلت إلى مُسلسل تليفزيونى شهير للغاية، وترجمت منها حتى الآن ٣ أجزاء هى بالترتيب: «الحالم الغامِض ديكستر»، و«ديكستر المُتفانى بإخلاص»، و«ديكستر فى الظلام». وكذلِك سلسلة «قشعريرة» للكاتِب مـ. د. سبنسر، والتى ترجمت منها حتى الآن أيضًا ٣ أجزاء هى: «التعويذة الغامِضة» و«بستان التُفَّاح المُخيف» و«ثورة الحيوانات». وكما ذكرت أحرص على ذلِك فى مُحاولةٍ جادةٍ لتقديم تجربة قراءة مُمتعة للقارئ العربى.

■ «الترجمة نقل أمين لكل شىء داخل النص».. البعض يعترض على هذا النهج فى الترجمة.. ما ردك؟

- دعنى أجيب على سؤالك بشىءٍ من التفصيل. فى البداية أى مُترجِم فى العالم هو ناقِل أمين، يجِب أن ينقل العمل للُغته دون أى تغيير، لا بالزيادة ولا بالنقصان، لكِن، الشىء الأهم أن يكون أمينًا فى نقل طريقة الكاتِب فى الكِتابة، طريقة سرده ووصفه للمعلومات والأحداث، حسَّه الفكاهى أو طريقة مزاحه، طريقة حديث الشخصيَّات المُختلِفة، وصف البيئة بصدق تام، ومُراعاة الفروق الثقافيَّة العامَّة بين اللُغة الأم التى كُتِب بها العمل واللُغة الجديدة التى سيُنقل لها العمل، ولكِن دون أن يُخرِس الكاتِب الأصلى أو يتعدَّى حدوده معه.

بالتالى، يجِب أن يحرص المُترجِم على ألا يعلو صوته عن صوت الكاتِب الأصلى، وألا يزداد حسَّه الفكاهى فيفوق طريقة الكاتِب الأصلى، وألا تطغى مُعطيات البيئة الثقافية للمُترجِم على البيئة الأصليَّة للكاتِب الأصلى، وهو ما يُشبِه المُعادلة، حيث وضع الكاتِب الأصلى بعض المكوِّنات، ومزجها معًا، ليصل لتلك النتيجة النهائية، والآن دورك كمُترجم أن تضع مكوِّنات أخرى بلُغتك الأصليَّة، وأن تمزجها معًا، لتصل أيضًا لنفس النتيجة النهائية دون تعديلات، وهذا التحدِّى الحقيقى.

■ وماذا عن اللغة التى تستخدمها فى رواياتك وترجماتك؟

- لكُل مقام مقال، وقارئ أدب الرُعب يبحث عن الأحداث التى تُثير الرُعب فى قلبه، عن الأجواء المُقبِضة، عن التوتُّر العام، والخوف الذى يسكُن القلوب. بالتالى، يجب أن يُكتَب العمل بلُغة جماليَّة بديعة، لكِن دون أن تقتل جماليتها الهدف من ذلِك النوع من الأدب. هناك أنواع أخرى من الأدب تعتمِد بشكلٍ أساسىٍّ على عذوبة اللُغة والتشبيهات والجماليَّة الحسيَّة دون أن تهتم بـ«تكنيكات» أخرى مثل كيف ستثير رُعب القارئ؟ أو كيف ستخدعه؟ أو كيف ستُخفى عنه بعض الأسرار؟ يجِب أن يكون الكاتِب مُدرِكًا تمامًا لعدَّة أشياء مثل الشريحة التى يستهدِفها بكتابته، ومدى تقبلهم لجماليَّة اللُغة، وكيف سيقدِّم لهم رواية أو عمل يُعجبهم ويسلب ألبابهم ويعيش فى ذاكراتهم.

■ ما المشروع الذى تعمل عليه الآن؟

- فى الوقت الحالى انتهيت لتوى من كِتابة مُسلسل صوتى يُدعى «وجبات مجانيَّة للموتى»، يُعرَض حصريًا على تطبيق «أوديوهات»، وأُنقِّح روايتين قديمتين من رواياتى لأعيد تقديمهما للقُرَّاء بشكلٍ أفضل ويليق بى وبهم أكثر مع دار نشر شهيرة، وأسأل الله التوفيق فى قادِم الأعمال. كما أعمل فى الوقت الحالى على كِتابة رواية رُعب جديدة، تدور أحداثها فى صعيد مصر، فى مُحاولةٍ لسبر أغوار أماكِن وأحداث جديدة لم يتطرَّق لها أحد فى أدب الرُعب من قبل.