إلى أين يا سيدنا؟.. رؤية جديدة لـ«كنيسة مستنيرة»
- كمال زاخر يقدم قراءة متبصرة لواقع الكنيسة تسعى للاقتراب به من الحلم والرسالة
- الكتاب يسعى إلى فهم جذور ومداخل حالة الكنيسة الراهنة
الكنيسة المصرية ليست مجرد مكان لإقامة الشعائر الدينية، لكنها تاريخ حافل، وتعاليم قوية، وتقاليد راسخة لا تزحزحها خلافات أبنائها على قضايا المجتمع واللاهوت.
تمر الكنيسة بمنعطفات، وتعبر قممًا وقيعانًا، تزدهر وتنزوى، لكنها أبدًا لا تموت، لأنها نور العالم وملجأ الباحثين عن الأمل.
فى كتابه «كنيستنا القبطية إلى أين: المسارات- الطموحات- المخاطر»، يقترب كمال زاخر بخبراته الرفيعة فى الملف القبطى من كواليس الإدارة الكنسية، فى عهود سياسية متعاقبة، وعبر عواصف وأنواء تاريخية لا تنسى، يطلعنا على جذورها وكواليسها، ودور رجال الإكليروس فى العبور بها من بحار الشك إلى أراضى اليقين.
كما يتناول الكتاب العلاقة المعقدة التى جمعت بين الرئيس السادات والبابا شنودة الثالث، وكيف تسلم البابا كيرلس ميراثه وبنى عليه.
الكتاب، الذى يقع فى 191 صفحة، صدر هذا العام عن دار ديوان للنشر، ويتكون من 16 فصلًا، وتأتى أهميته فى أنه يعتبر قراءة متبصرة لواقع الكنيسة المصرية تسعى إلى أن تقترب به من الحلم والرسالة، خاصة وهى مكون رئيس فى المعادلة الوطنية.


يقول «زاخر» فى المقدمة: إن فكرة الكتاب تولدت عندى شهادة على أحداث عاصرتها، وأستمع لشهادات شخوصها، وأقترب بقدر وافر من مطبخها، وكان حرصى أن أجرّد قلمى من الانحيازات، إلا لما أحسبه حقًا، وحرصت على عدم توظيف كلماتى لتصفية حسابات معلقة، أو انتصار لتيار أو جانب من أطراف الأحداث التى أطرقها، وحاولت قدر الطاقة الالتزام بالموضوعية، وأزعم أننى نجحت فى ذلك.
يضيف: سطورى ليست تأريخًا بالمعنى العلمى للتاريخ، وإن اشتبكت مع التاريخ بطبيعة الحال، ويمكن أن نحسبها قراءة فى دفتر أحوال الكنيسة والوطن أيضًا، فى حقبة زمنية محتشدة بالأحداث المفصلية والعاصفة فى كليهما.


يوضح المؤلف فى الفصل الأول من الكتاب، بعنوان «اقتراب من كنيسة اليوم»: إن الصراعات انحصرت عندما خرج المسيح من المعادلة ومن حياتنا، أو كاد، وإن بقى فى عباداتنا النمطية التى نحرص عليها.
الذى أثار بداخلى كل هذا هو أننى اشتبكت عبر ثلاثة عقود ونصف ويزيد مع الإشكاليات الكنسية، طارحًا ومحللًا ومقدمًا لمخارج أزعم أننى امتلكتها عبر خدمة ممتدة بين مدارس الأحد واجتماعات الشباب، والحياة العملية المشتبكة مع الناس والهم العام. وقد تتلمذتُ بانتباه لخدام أتقياء كنسيين واعين، مدنيين وكهنة، اللافت أن هؤلاء كانوا متعددى الثقافات والمشارب والرؤى، الأمر الذى جعل تلمذتى لهم إضافة ثرية ليس فقط لفكرى بل أيضًا لقلبى ووجدانى.
يستكمل الكاتب: قد تركت قلمى يستدعى كل هذه الخبرات لنقول إننا كنا جيلًا محظوظًا استطاع أن ينجو، بفعل مصادر التكوين، من مصيدة الانحياز لشخص أو تيار أو مدرسة بعينها، واحتفظنا بتقديرنا لكل من تعلمنا وتتلمذنا لهم، حتى فى أدق لحظات المواجهة مع الإشكاليات الكنسية.


يرجع الباحث تخوفات الأقباط من الذوبان وفقد الهوية القبطية، والقائمة إلى الآن، فى الفصل الثانى، بعنوان «هواجس الذوبان»، إلى خبرات تاريخية مؤلمة، بدأت عقب مجمع خلقيدونية المسكونى ٤٥١ م، الذى كان بداية الانشقاق فى الكنيسة الجامعة.
وكان القرار حينها عدم الاعتراف بهذا المجمع ومقاطعة اليونانية لسانًا وفكرًا، لنبدأ مرحلة بناء لاهوت بلسان قبطى، وتتغير لافتتنا من كنيسة الإسكندرية إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
يعقب ذلك تحولنا بعد القرن العاشر إلى كنيسة أقلية، بعد الحكم الإسلامى الذى تقلبت فيه الأنظمة والحكام، وكانت أسوأ مرحلة تحت الحكم العثمانى. يشير المؤرخ إلى أن دفاع الأقباط عن هويتهم وإيمانهم هو التحصن بالاكتفاء على الذات ومحاولة إعادة بناء لاهوت سكندرى.
ويلفت إلى أن الكنيسة كانت تنتفض مع كل اقتراب من العائلة الخلقيدونية، خوفًا من هاجس الذوبان، ربما لتفوقهم فى الإمكانات، وربما لدعم الدول الكبرى لهم بخلفيات سياسية، وربما لما لديهم من أدوات حديثة، الكتب والصور وغيرهما.


يرى «زاخر» فى الفصل الثالث، بعنوان «للنهضة جذور وللسياسة رأى»، أن المحدثين بنوا رؤيتهم للسعى إلى إقالة الكنيسة من عثرتها، وإيقاظها من سبات طال لقرون بفعل تحولات عاتية أحاطت بها، لكن السبل التطبيقية تفرقت بهم وفرّقت بينهم، ولم ينجحوا فى بلورة رؤية توافقية تجمعهم، الأمر الذى عمّق الفجوة بينهم.
ويرصد ثلاثة تيارات كبرى: الأول ذهب إلى العمل الاجتماعى عبر تأسيس الجمعيات الأهلية فى دوائر الصحة والتعليم وإيواء الأطفال والمسنين ومساعدة المحتاجين. والتيار الثانى انخرط فى العمل السياسى عبر الانضمام للأحزاب، والتيار الثالث سعى إلى تعليم النشء والشباب المبادئ والقيم المسيحية، وقد تبلور فى حركة مدارس الأحد التى استطاعت أن تجمع بين حراك الشباب القبطى ومباركة البابا البطريرك وقتها البابا كيرلس الخامس.


يقترب الكاتب من فترة يصفها بأنها غاية فى الأهمية فى مسار الكنيسة، فى الفصل الرابع، بعنوان «البابا كيرلس نقطة انطلاق»، وهى الممتدة من ستينيات القرن الماضى إلى هذه اللحظة، وهى مرحلة طويلة زمنيًا- ستة عقود ونصف العقد- شهدت أحداثا جسامًا، على المستويين الوطنى والكنسى، خمسة رؤساء جمهورية، وثلاثة بابوات بطاركة، وثلاث حروب، وتقلبات سياسية واقتصادية ومجتمعية مثيرة.
يوزع المؤلف هذه المرحلة- كنسيًا- على ثلاث مراحل رئيسة، بتتابع الثلاثة بابوات: البابا القديس الأنبا كيرلس السادس «١٩٥٩- ١٩٧١»، والبابا الأنبا شنودة الثالث «١٩٧١- ٢٠١٢»، والبابا تواضروس الثانى.
يعتقد المؤرخ أن لحظة اختيار القمص مينا المتوحد ليصير البابا كيرلس السادس «١٠ مايو ١٩٥٩» كانت نقطة بداية لعصر جديد للكنيسة القبطية، ويمكن أن نحسبه البابا التوافقى، بين القوى المتخالفة داخل الكنيسة وبعضها، وبينها وبين القوى المتوجسة والمترقبة خارجها. وذلك بعد ماراثون امتد ثلاث سنوات، شهدت جولات وخلافات بين أجنحة متباينة دعت إلى تدارس إعداد لائحة جديدة تنظم عملية انتخاب البطريرك، لتصدر هذه اللائحة فى ٣ نوفمبر ١٩٥٧.


يوثّق الباحث ثلاثة أحداث مهمة فى حبرية البابا كيرلس: الأول وضع حجر أساس الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وهى المقر الرسمى للبطريرك، فى ٢٤ يوليو ١٩٦٥، مواكبًا للاحتفال بذكرى ثورة يوليو ١٩٥٢.
والثانى عودة رفات القديس مرقس الرسول، مؤسس الكنيسة المصرية وأحد كتّاب الإنجيل الأربعة، وتم استقبال الرفات من البابا بولس السادس فى روما، فى احتفال مهيب فى ٢٤ يونيو ١٩٦٨، من مطار القاهرة حتى الكاتدرائية المرقسية، فى ثانى يوم لافتتاحها رسميًا.
والثالث يقع تاريخه بين الحدثين: وهو ظهور طيف العذراء مريم وبعض الظواهر الروحية على قباب كنيستها بالزيتون فى ٢ أبريل ١٩٦٨.
يوضح «زاخر» أن أهم ما ميز هذه الفترة هو اتجاه الكنيسة- انبهارًا- إلى رهبنة الفضاء العام بها بما فيه الفضاء الاجتماعى. وهو ما تفاقم بفعل تصاعد الترويج لسِير الآباء الرهبان والمتوحدين، والنساك، بكل ما تحمل من قدرات روحية ومعجزية، فى مقابل ضغط المعيشة وخفوت التعليم الآبائى.
ويرى أن كثيرًا من متاعب كنيسة اليوم تمتد خيوطها إلى إشكاليات رهبنة المجال الكنسى خارج الأديرة، وترهل الحياة الديرية، وانفتاحها للزائرين بلا ضوابط.


يشير الكاتب إلى أنه برحيل البابا كيرلس فى ٩ مارس ١٩٧١، بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر ١٩٧٠، ترحل حقبة تميزت بالسلام الاجتماعى، وبعدها يباغت التطرف مصر والكنيسة، وتبدأ مرحلة مرتبكة، تشهد فيها الكنيسة تقلبات عاتية.
بدأت هذه المرحلة، التى امتدت لنحو نصف قرن، من خلال عشر سنوات للأنبا شنودة أسقفًا للتعليم وأربعين سنة بطريركًا، واحتشدت بتحولات متباينة على مستويات عدة، فى العالم والمنطقة والدولة والكنيسة: سقوط وقيام دول، وتفكك قوة عظمى.
يتعرض المؤلف فى الفصل الخامس، بعنوان «البابا شنودة والرئيس»، إلى ثلاثة توقيتات فى بطريركية البابا شنودة، الأول مع السنة الأولى لحبريته، فى مواجهة صعود التيارات المتطرفة. والثانى مع تصاعد وتيرة أسلمة الفضاء العام خاصة فى حلحلة القوانين المدنية وصبغها بصبغة دينية. والثالث حين تصاعدت المواجهة مع رئيس الدولة، التى انتهت بصدور قرار رئاسى بإلغاء القرار الجمهورى باعتماده بطريركًا وتحديد إقامته بديره، وهو التوصيف المخفف لقرار عزله واعتقاله.


فى الفصل السادس، بعنوان «البابا شنودة والكنيسة»، يعتقد المؤرخ أن أقباط المهجر إحدى أهم دوائر دعم الكنيسة المصرية، وأن الإصلاح الحقيقى للكنيسة قد يأتى من أقباط المهجر، لأنهم يضمون رموزًا لها ثقلها من خُدام الكنيسة من الرعيل الأول الذين قاموا بتأسيس كيانات ثقافية واجتماعية تضع فى أولوياتها دعم الكنيسة.
يعتبر الباحث أن عبقرية البابا شنودة الكنسية والسياسية ظهرت فى قراره التاريخى بزيارة الفاتيكان ولقاء بابا روما- البابا بولس السادس- التى تمت فى ١٠ مايو ١٩٧٣ بعد نحو عام من توليه موقعه، لينهى قطيعة ممتدة لنحو خمسة عشر قرنًا بين الكنيستين.
والاتفاق على إعلان أو بيان يعلنان فيه القضايا اللاهوتية المشتركة، والتأكيد على مواصلة الحوار حول القضايا الخلافية، لكنه قوبل بمعارضة شيوخ المجمع حال عودته، فتم تجميد تفعيل الإعلان.


يذكر «زاخر» فى الفصل السابع، بعنوان «زمن التغيرات المتسارعة»، أن إحدى الملاحظات على عصر البابا شنودة أنه عصر التطورات بل القفزات العلمية والتقنية المتسارعة، خاصة فى العقدين الأخيرين. وقد انعكست على تشكيل ذهنية الأجيال المعاصرة، وعلى طريقة التعاطى مع المعلومة والفكرة، ومفهوم الدين فى مجمله، حتى إلى ظهور موجات الإلحاد، وكانت تستوجب أن يواكبها تطور فى التعامل مع هذه الأجيال، وقد تغير عندها مفهوم الأبوة.
وهنا تكمن إحدى معضلات الكنيسة، وهى بحكم تكوينها كنيسة تقليدية محافظة شأن كل الكنائس الرسولية، لكنها لم تلتفت إلى هذه الفجوة، كما فعلت كنيسة أنطاكية، فى سوريا والشام.
يشير الكاتب إلى أن من يتابع تلك الحقبة يلمس تقليص الدور العلمانى- المدنى- فى خريطة التدبير الكنسى، فاختفاء المجلس الملى وتدجينه أديا إلى انفراد قيادات الإكليروس بهذا الدور.
وما صدام السادات والبابا، فى جانب كبير منه، إلا واحد من تداعيات هذا الانفراد، بعد اختفاء حائط الصد الطبيعى بإقصاء الأراخنة «العلمانيين»، واختلاط ما لله بما لقيصر، وامتداد محاصرة الدور العلمانى ليقبع فى دائرة العمل التنفيذى الذى يخضع لرؤية الأسقف منفردًا، بغير التفات لخبرات المدنيين من شعب الكنيسة، وتتراجع الخبرة وتتقدم الثقة كمعيار للاختيار، وتتسلل الأزمات للكنيسة.


يشدد المؤلف فى الفصل العاشر، بعنوان «أنسنة الإكليروس»، على أن كنيسة اليوم بحاجة جادة لمراجعة التراث فى ضوء حياة الكنيسة الأولى لتتخلص من الأثقال التى تعوق تواصلها مع الناس، وهى تملك أن تتخفف من مظاهر السلطة التى تسللت إليها، واستراحت لها، كما حاول فى ذلك القديس البابا كيرلس، وكما يحاول البابا تواضروس بخطوات متوجسة.


يقول المؤرخ فى الفصل الحادى عشر، بعنوان «التعليم- التوثيق والصراع»، إن الكنيسة اليوم مطالبة بوضع استراتيجية تعكف على دراسة وتوثيق القوانين الكنسية التى تتعلق بمحاور الإيمان، عقيدة وطقسًا وترتيبًا، بحيث يصبح لديها نصوص مكتوبة يمكن العودة إليها عندما يحدث خلاف بين من يتناولونها. وهو عمل شاق ومجهد ويحتاج لسنوات، والظرف اليوم أكثر ملاءمة للبدء فى هذا العمل فى ضوء توافر المراجع وتطور وتقدم علوم اللغات والترجمة وتقنيات النسخ الإلكترونية.
يشيد الباحث فى هذا السياق بمبادرة البابا تواضروس الثانى فى تدشين مسار التوثيق الممنهج، بغير أن يلتفت للأصوات المعوقة والمتربصة، باهتمامه بإعادة هيكلة منظومة المعاهد اللاهوتية، والاستعانة بباحثين من المؤسسات العلمية الأرثوذكسية.
وهو ما سوف يضعه التاريخ بهذا فى مصاف البطاركة الذين خاضوا معارك التنوير بثقة وإيمان وعزيمة لا تلين، فى ظروف معاكسة.


يختتم «زاخر» فصله الأخير بمجموعة توصيات تخص منظومة التعليم الكنسى، ومنظومة الرهبنة، والأسقف العام، وعلاقة الرهبنة والكهنوت، ومنظومة الإعلام الكنسى وغيرها.
يقول إنه يثق فى أن الكنيسة قادرة على استعادة قوتها ودورها التنويرى والبنائى، وهى ثقة لم تأتِ من فراغ، إنما هى مؤسسة على تبنى البابا تواضروس رؤية التجديد والمراجعة، وقد ترجم هذا بحكمة ومثابرة وهدوء فى خطوات متتابعة بدأت بمأسسة الكنيسة من خلال العديد من اللوائح التنظيمية لآليات الكنيسة.
اقرأ أيضًا:
كمال زاخر: الكنيسة تحتاج إلى عودة «الدور العلمانى».. ومراجعة التراث «ضرورة»







