الثلاثاء 26 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

أصل لا يُقهر.. قصة هوس البشرية بالذهب

حرف

- كتاب يكشف عن التاريخ الشامل لأقدم عُملة فى العالم وأكثرها قيمة: الذهب

- كيف أدت حمى الذهب الأمريكية إلى ظهور صناعات بأكملها وتطوير البنية التحتية؟

- طالما بقى الذهب بقيت قوته الشرائية.. والمعروض منه يزداد 2٪ سنويًا

- الذهب فى جوهره غير قابل للتدمير مما يمنحه علاقة فريدة مع البشرية ومع الزمن

من أصوله فى تكوين النظام الشمسى إلى دوره المحورى فى الأساطير القديمة، والغزوات، والتمويل الحديث، شكّل الذهب الحضارات، وبنى الاقتصادات العالمية، وحدد أنظمة القوة على مر آلاف السنين.

فى كتابه «التاريخ السرى للذهب: الأسطورة، المال، السياسة، والسلطة»، يكشف دومينيك فريسبى كيف أشعل الذهب الحروب، وبنى الإمبراطوريات، ومكّن القادة من الإسكندر الأكبر إلى أدولف هتلر. 

وبينما تقوم دول مثل الصين وروسيا بتعدين الذهب وتخزينه بمعدلات قياسية، يتناول الكتاب أهميته الدائمة فى العصر الرقمى، وإمكاناته فى التأثير على مستقبل السلام والقوة العالميين.

الكتاب، الذى يقع فى 288 صفحة، صدر فى 5 مايو الحالى فى الولايات المتحدة الأمريكية، عن دار نشر «بيجاسوس بوكس» الإنجليزية المستقلة، ولا تقتصر أهميته على كونه أول تاريخ شامل للذهب، بل إنه فى جوهره يجادل بأن الذهب يحافظ على نزاهة المجتمع من خلال كبح الإنفاق الحكومى المفرط وكذلك التضخم الاقتصادى، لأنه لا يمكننا خلق المزيد منه.

 

يأخذنا الكتاب فى رحلة عبر تاريخ الذهب المبكّر وتطوره من زينة إلى عُملة، ويزخر بالأدلة الأثرية والأساطير، لكن الرسالة الأساسية له هى أن الذهب برز كوسيلة تبادل طبيعية متفوقة على جميع العملات الأخرى «باستثناء الفضة التى اتخذت دورًا ثانويًا». 

ويعود ذلك إلى خصائصه الجوهرية، ولا يزال يعتبر أرقى أشكال العملة حتى يومنا هذا.

يشير المؤلف إلى أن معظم الحضارات القديمة التى نعرفها ربطت الذهب بالخلود، فقد اعتقد المصريون القدماء أن لحم الآلهة مصنوع من الذهب، وأنه يضمن الوصول الآمن إلى الحياة الآخرة. 

وفى الأساطير اليونانية كانت تفاحات الهسبريدس الذهبية، التى أرسل هرقل لاستعادتها، تمنح الخلود لمن يأكلها. ورأى سكان أمريكا الجنوبية فى الذهب صلة بين البشرية والكون، حيث كان الذهب موجودًا فى الغبار الذى شكّل النظام الشمسى، وهو لا يتحلل بمرور الزمن، ويمكن شده ليصبح سلكًا رفيعًا للغاية، أو طحنه ليصبح صفائح بسماكة ذرة واحدة. 

كما يمكن إخفاؤه فى كهوف رطبة، أو غمره فى قاع البحر، ثم استخراجه سالمًا بعد قرون، لكنه لا يفنى أبدًا. الذهب الذى ترتديه فى إصبعك أو حول عنقك أقدم من الأرض نفسها، وسيبقى موجودًا بعد فناء البشرية.

يوضح الكاتب تأثير المعدن النفيس على المجتمع والاقتصاد، من المصريين القدماء والإنكا «إمبراطورية وحضارة عظيمة نشأت فى جبال الأنديز بأمريكا الجنوبية، وامتدت فى بيرو والإكوادور وبوليفيا وتشيلى» إلى المنقبين فى يوكون «أقصى شمالى غربى كندا»، وذلك وصولًا إلى فئة المستثمرين المتخصصين فى الذهب اليوم، كلنا مفتونون ببريق الذهب الذى كان أيضًا سببًا للكثير من الحماقات والصراعات والجرائم عبر العصور.

يؤمن الكاتب إيمانًا راسخًا بأن للذهب دورًا مهمًا، فهو من أشد المتحمسين له، إذ يقول فى مقدمة كتابه: «لا شك أننى أحث الجميع على اقتناء بعض الذهب ضمن محافظهم الاستثمارية».

يرى أن الذهب قابل للاستبدال. أونصة من الذهب تساوى فى قيمتها أى أونصة أخرى. حتى بعد صهرها وإعادة تشكيلها تبقى أونصة من الذهب. هذا ما يجعل الذهب وسيلة تبادل نزيهة قدر الإمكان فى العالم المادى. 

وهى نقطة أثرت بشدة على الغزاة الإسبان، الذين حولوا كميات هائلة من الأعمال الفنية فى أمريكا الجنوبية إلى سبائك ذهبية كافية لتدمير ميزان مدفوعات إمبراطوريتهم، ولم تغب هذه الفكرة عن أذهان سوى قلة من السياسيين الجادين منذ ذلك الحين. 

يتنقل «فريسبى» فى كتابه بين محطات تاريخية وقصص ليسرد هوس البشرية بالمعدن الأصفر، فنتعلم أن «لمسة» الملك ميداس «فى الأساطير الإغريقية هو ملك كان له قدرة على تحويل أى شىء يلمسه إلى ذهب» كانت مجرد خرافة مختلقة لتفسير الكميات الهائلة من الذهب التى اكتشفت فى قاع نهر باكتولوس «نهر تاريخى فى غرب تركيا». 

كما ابتكر الإسكندر الأكبر أول عملة موحدة فى العالم، من خلال اعتماد أوزان ثابتة للعملات الذهبية والفضية فى جميع أنحاء أراضيه. 

يتناول المؤلف دور إسحاق نيوتن كرئيس لدار سك العملة الملكية من عام ١٦٩٦ إلى ١٧٢٧، فيلفت إلى أنه لم يكن مهندس إعادة سك العملة البريطانية العظيمة فحسب- بربط المال بأصل مادى نادر ودعم النهضة الاقتصادية لإنجلترا- بل كان أيضًا منفذًا لا يلين، يطارد المزوّرين بحماس، حتى إنه أرسل بعضهم إلى حبل المشنقة. 

يجادل الكاتب بأن سياسات نيوتن رسخت الذهب كـ«عملة نزيهة»، وهو إرث أثر على التمويل العالمى حتى مطلع القرن العشرين.

ويتعمق أيضًا فى حياة نيوتن الخفية كخيميائى. حيث كتب نيوتن أكثر من مليون كلمة عن الخيمياء- أكثر بكثير مما كتبه عن الفيزياء أو الرياضيات- ساعيًا سرًا وراء حجر الفلاسفة، ومجربًا مواد سامة كالزئبق. 

كشف تحليل شعره بعد وفاته عام ١٧٢٧ عن تسمم بالمعادن الثقيلة، يرجح أنه ناجم عن هذه الأنشطة السرية. بالنسبة للكاتب، يجسد نيوتن ازدواجية الذهب: فهو فى آنٍ واحد ركيزة علمية للتمويل الحديث وموضوع هوس شبه صوفى.

يخصص «فريسبى» فصلًا ثريًا لحمى الذهب الأمريكية بين عامى ١٨٤٨ و١٨٥٥، خاصة الهوس الذى أعقب اكتشاف الذهب فى مطحنة سوتر فى كاليفورنيا. 

فقد تدفق مئات الآلاف من المنقبين عن الذهب، المعروفين باسم «منقبى عام ١٨٤٩»، على الحدود، محولين مستوطنة يربا بوينا الهادئة إلى سان فرانسيسكو بين عشية وضحاها. 

وبحلول عام ١٨٥٠ ارتفع عدد سكانها من ١٠٠٠ إلى ٢٥٠٠٠ نسمة، ما أرسى دعائم القوة المالية الدائمة للمدينة.

لم تكن حمى الذهب مجرد اكتشافات محظوظة. يبين المؤلف كيف أدى الطلب على الأدوات والملابس والخدمات إلى ظهور صناعات بأكملها. فقد بنى ليفى شتراوس ثروة طائلة من صناعة الدنيم «نسيج قطنى متين مائل» المستدام لعمال المناجم. 

وتطورت البنية التحتية- من خطوط العربات إلى السكك الحديدية- تبعًا لتدفق الذهب، معيدًا تشكيل الجغرافيا ومسرعًا من وتيرة التوسع الأمريكى.

يعترف الكاتب أيضًا بالتكاليف الباهظة، ومنها تهجير السكان الأصليين، وتدمير البيئة، وفقاعات المضاربة التى أثرت البعض، بينما تركت الكثيرين فى حالة فقر مدقع. 

ومع ذلك، كما يجادل، فإن قدرة الذهب على تحفيز الطموح والابتكار والمجازفة لم تغير مسار الغرب فقط، بل مسار الولايات المتحدة بأكملها.

يذهب «فريسبى» إلى استخدام الذهب كعملة رسمية لآلاف السنين والتحول الجذرى فى مطلع القرن العشرين، فلم تكن لدى الحكومات البريطانية والألمانية والفرنسية ما يكفى من الذهب لتمويل الحرب العالمية الأولى، فتخلت عن دعم الذهب ولجأت إلى طباعة النقود التى تحتاجها. 

وفى فترة ما بين الحربين حاولت دول لفترة وجيزة العودة إلى معيار الذهب، لكنها باءت بالفشل. واصطدمت النظريتان النقديتان السائدتان: العملة المدعومة بالذهب مقابل العملة الصادرة عن الدولة. 

اعتبر أنصار معيار الذهب، مثل مونتاجو نورمان، محافظ بنك إنجلترا، الذهب إحدى الركائز الأساسية للمجتمع الحر إلى جانب حقوق الملكية وحق المثول أمام القضاء. قال الرئيس هربرت هوفر عام ١٩٣٣: «لدينا الذهب لأننا لا نثق بالحكومات».

وقد ردد هذا الرأى أحد مؤسسى كلية لندن للاقتصاد، جورج برنارد شو، الذى يدين المؤلف له بالفضل فى إثبات إمكانية الجمع بين مهنة الكوميديا والكتابة المالية. قال: «عليكم أن تختاروا (كتصويت) بين الثقة فى الاستقرار الطبيعى للذهب والاستقرار الطبيعى لنزاهة وذكاء أعضاء الحكومة... أنصحكم، طالما استمر النظام الرأسمالى، بالتصويت للذهب».

من «المذهل»، على حد تعبيره، أن يقال إن «دراسة أجرتها وزارة المالية الألمانية عام ٢٠١٠ وجدت أن ثروات يهودية مسروقة من الذهب وغيره من الكنوز، موّلت ما يقارب ثلث مجهود ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية».

يذهب فى قصصه عن البحث عن الذهب لدى الألمان واليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية. ففى منجم ميركرز للملح بوسط ألمانيا، اكتشفت القوات الأمريكية مخبأ نازيًا يضم أكثر من ١٠٠ طن من سبائك الذهب.

تسهم كل قصة فى هذا النسيج فى إثراء حجة الكاتب وهوسه بأن العالم قد يعود إلى معيار الذهب، ويتمثل هذا فى ربط عملة الدولة بكمية ثابتة من الذهب، بحيث يمكن نظريًا استبدال عملتها الورقية بالمعدن.

يقول: «الذهب نزيه بطبيعته، إنه يضفى نظامًا طبيعيًا على الأشياء... لا يمكن تشويه قيمته بأهواء السياسيين أو المصرفيين. سيكون العالم مكانً أفضل بنظام نقدى قائم على الذهب».

يرى «فريسبى» أن معيار الذهب يمنع الحكومات من طباعة النقود بتهور وتضخيم الاقتصاد، مشيرًا إلى أن عام ١٩٧١ كان بداية التدهور الحقيقى. 

فمع ارتفاع التضخم، وتزايد العجز التجارى، وتكاليف حرب فيتنام، تخلت أمريكا بقيادة ريتشارد نيكسون عن المعيار، وجرّت معها بقية العالم إلى طريق الهلاك؛ ومنذ ذلك الحين دأبت الحكومات المتعاقبة على تخفيض قيمة عملاتها فى الأسواق العالمية. 

يروى المؤلف أيضًا قصة عملية الزنبق الذهبى، وهى عملية نهب يابانية ممنهجة للذهب من الدول المحتلة، والتى أطلقها الإمبراطور هيروهيتو بنفسه عام ١٩٣٦، بقيادة شقيقه وابن عمه، مروعة بنفس القدر. 

لم تكن الكنوز المسروقة التى جمعت فى جنوب شرق آسيا وشحنت إلى الفلبين على يد الجنرال تومويوكى ياماشيتا سوى جزء من غنيمة هائلة، لم يعثر على معظمها- كما هو الحال مع المكاسب النازية غير المشروعة- ولم يسترد.

لكن إمكانية العثور على ذهب ياماشيتا أسرت خيال الكثير من السُّذَّج منذ ذلك الحين، بمن فيهم، وبشكل غريب، طبيب أسنان من شمال إنجلترا يدعى كولين هاول، الذى قتل زوجته عام ١٩٩١ وحصل على تعويض تأمينى قدره ٤٠٠ ألف جنيه إسترلينى بتلفيق تهمة الانتحار. ثم خسر كل شىء فى عملية احتيال باسم ياماشيتا.

وقد أدى ذلك أيضًا إلى اتخاذ بعض القرارات الكارثية. ففى عام ١٨٨٦ قام رجل يدعى جورج هاريسون «منقب فى جنوب إفريقيا» بالاكتشاف الرئيسى لحقل ويتواترسراند، الذى أنتج ما يقرب من ٣٠٪ من إجمالى الذهب الذى تم استخراجه على الإطلاق، لكنه باع امتيازه مقابل ١٠ جنيهات إسترلينية واختفى.

كانت وسائل الإعلام البريطانية أقل تسامحًا بكثير مع جوردون براون، الذى أمر، بصفته وزيرًا للخزانة عام ١٩٩٩، ببيع ٤١٥ طنًا من احتياطى الذهب البريطانى البالغ ٧١٥ طنًا، بسعر تبين لاحقًا أنه الأدنى فى تلك الحقبة، حوالى ١٥٠ جنيهًا إسترلينيًا للأونصة، مقارنة بـ٢٢٠٠ جنيه إسترلينى وقت هذا الكتاب. 

يحكى الكاتب أنه فى أبريل ١٩٤٠ نقلت الحكومة النرويجية الذهب إلى مدينة ليلهامر قبل ساعات من وصول النازيين إلى العاصمة. فى ليلهامر، طلب من النرويجيين العاديين إحضار معاولهم وأدواتهم للعمل فى الطرق، لكنهم بدلًا من ذلك قاموا بتعبئة صناديق الذهب فى القطارات لنقلها شمالًا. 

تعرضت القرية الساحلية النرويجية التى وصلوا إليها بعد ذلك لقصف شديد، وتم تحميل بعض الذهب على سفن بريطانية، لكن معظمه وصل إلى الشاحنات، التى تعرضت بدورها للقصف من قبل سلاح الجو الألمانى «لوفتفافه»: «بشكل عجيب، لم تصب أى منها بأذى»، كما يخبرنا «فريسبى». 

عبر المضائق البحرية والطرق الخلفية غير المعبدة، واصل السائقون والصيادون الذين لم يناموا نقل الذهب بعيدًا عن الألمان. عبر الطراد البريطانى «إتش إم إس جلاسكو»، وأسطول من سفن الصيد العادية، وصل الذهب إلى ترومسو، ومنها نقل إلى المملكة المتحدة.

تكمن مأساة هذه الرحلة البطولية الذهبية، حيث لم يفقد سوى كيس واحد من الذهب، بفضل بحار جشع على متن سفينة «إتش إم إس جلاسكو» قبل أن يقيم على الأرجح حفلًا باذخًا فى مينائه- فى أن شيئًا منه لم يمنح أبدًا لأولئك النرويجيين الرائعين الذين أنقذوا ذهب البلاد. فقد بيع معظمه فى نهاية المطاف لتمويل الحكومة النرويجية المنفية.

يؤكد المؤلف أن الوظيفة الأساسية للذهب لم تتغير منذ عصور ما قبل التاريخ. فهو لا يزال وسيلة موثوقة لحفظ القيمة وعرضها. ورغم أنه قد لا يهيمن على المعاملات اليومية، إلا أنه لا يزال يمثل ركيزة أساسية فى النظام المالى العالمى.

ففى عام ١٩٧٠ كان حوالى ٢٧٪ من إجمالى الذهب فى العالم على شكل عملات ذهبية واحتياطيات لدى البنوك المركزية أو الحكومات. واليوم، حتى مع زوال معيار الذهب منذ زمن طويل، لا تزال النسبة قريبة من النسبة السابقة.

فى الواقع، ازدادت القوة الشرائية للذهب على مر الألفية، مع ازدياد إنتاجية البشر. فالأونصة نفسها من الذهب، التى يقال إنها كانت تكفى لشراء ٣٥٠ رغيف خبز للملك نبوخذ نصر ملك بابل، يمكن أن تشترى لك اليوم أكثر من ١٠٠٠ رغيف.

والدينار الذهبى نفسه «حوالى ١/٧ أونصة» الذى كان يكفى لشراء خروف فى زمن القرآن فى القرن السابع الميلادى، يكفى لشراء ثلاثة خراف اليوم. أما تلك الأربع أو الخمس أوريات «أونصة واحدة» التى كانت تكفى لشراء رداء من الكتان الفاخر فى روما القديمة، فتمكنك اليوم من شراء ملابس أكثر بكثير.

أونصة الذهب تشترى لك نفس الكمية، بل وأحيانًا أكثر، من الطعام والملابس والطاقة والمأوى كما كانت تشتريها قبل عشر سنوات، أو مئة عام، أو حتى آلاف السنين. فطالما بقى الذهب، بقيت قوته الشرائية. لا يمكن قول الشىء نفسه عن العملات الوطنية الحديثة.

يرجع الكاتب ذلك إلى ندرة الذهب وارتفاع تكلفة استخراجه، فالمعروض منه محدود، وهذا يتناقض تمامًا مع النقود الحديثة- النقود الإلكترونية القائمة على الديون، كما يطلق عليها رسميًا- والتى يتضاعف معروضها سنويًا مع تزايد الإنفاق الحكومى والاقتراض.

وكأنها قوانين الطبيعة، ازداد المعروض من الذهب بنفس معدل نمو سكان العالم، أى ما يقارب ٢٪ سنويًا. وتضاعف عدد سكان العالم أكثر من مرتين منذ عام ١٨٥٠، وكذلك ازداد المعروض من الذهب. 

وقد استمرت هذه العلاقة لقرون، باستثناء فترة خمسين عامًا خلال حمى الذهب فى أواخر القرن التاسع عشر، حين ازداد نصيب الفرد من الذهب.

يضيف «فريسبى» جانبًا آخر من دور الذهب فى حفظ القيمة، فهو يتمتع بجاذبية إضافية تتمثل فى جماله. فهو يلمع ويتألق ويشع بريقًا، ويأسر القلوب ويجذب الأنظار. 

كلمة «ذهب» مشتقة من الكلمة السنسكريتية «جڤال» التى تعنى «التألق»، ولذلك نستخدمه كحلى، لنظهر ثروتنا ونجاحنا، ولنحفظها أيضًا. فى الواقع، فى عصور ما قبل التاريخ البدوية، ولا يزال الأمر كذلك فى بعض أنحاء العالم اليوم، كان حمل الثروة على الجسد كحلى هو أسلم طريقة لحفظها.

لقد وهبنا الكون هذه المادة الآسرة الجمال، الكثيفة، الخاملة، القابلة للتشكيل، النادرة، عديمة الفائدة، والدائمة، والتى لا فائدة منها سوى كونها نقودًا. وكما قال المؤرخ بيتر بيرنشتاين: «لا شىء عديم الفائدة ومفيد فى آنٍ واحد مثلها».

يرى المؤلف أن تراجع الاعتماد على الدولار عملية مستمرة ومنطقية، حيث تعمل البنوك المركزية تدريجيًا على تقليل اعتمادها على الدولار الأمريكى وزيادة احتياطياتها من الذهب. وقد ساهمت أحداث مثل تجميد الأصول الروسية بعد غزو أوكرانيا فى تسريع هذا التوجه.

يشكّل الذهب حاليًا حوالى ٣٠٪ من احتياطيات البنوك المركزية، بينما يشكل الدولار الأمريكى ما يقارب ٥٠٪. ويعتقد الكاتب أن الذهب قد يتجاوز الدولار خلال العقد المقبل، خاصة إذا استمرت الأسعار فى الارتفاع.

وعلى الرغم من الادعاءات بأن الذهب أصبح متقادمًا، إلا أن أهميته المستمرة واضحة. فالمستثمرون ما زالوا يحتفظون به، وقد ارتفع سعره بنحو ٦٠٪ إلى ٧٠٪ فى العام الماضى.

يقول «فريسبى»: يخبرنا التاريخ بأن العملات الورقية، التى تستمد وجودها من احتكار الدولة وسيطرتها، تفشل فى نهاية المطاف. ولذلك، أصبح الذهب قضية جيوسياسية تستغلها الصين، الخصم الآسيوى اللدود للولايات المتحدة.

يشكك المؤلف بشدة فى احتياطيات الصين المعلنة من الذهب البالغة ٢٢٠٠ طن، ويرى أن الرقم الحقيقى قد يتراوح بين ٣٠٠٠٠ و٤٠٠٠٠ طن جمعت سرًا على مدى عقود، أى ما يعادل خمس إجمالى الذهب المستخرج على مر التاريخ.

إذا صح ذلك، ستكون الصين بالفعل أكبر حائز للذهب فى العالم، واضعة إياه بهدوء فى صميم استراتيجيتها الجيوسياسية.

يوضح: دأبت الصين على حث مواطنيها على شراء الذهب منذ عام ٢٠٠٧، من خلال حملات إعلانية، ولم ينخفض سعر الذهب قط عن السعر الذى كان عليه عندما دعت الصين مواطنيها لأول مرة إلى شرائه. 

وقد دفع هذا الكثيرين إلى الاعتقاد بأن الصين دافعت عن السعر عند ذلك المستوى لحماية سمعة حكومتها. وفى هذا العام، تفوقت الصين على جنوب إفريقيا لتصبح أكبر منتج للذهب فى العالم، وظلت كذلك ١٩ عامًا تحديدًا. وهى لا تصدر أيًا من الذهب الذى تنتجه، وهى أيضًا أكبر مستورد للذهب فى العالم. 

ويرى أن من المستحيل الآن الحصول على رقم دقيق، نظرًا لحجم الذهب الذى يمر عبرها، أو بالأحرى، معظم الذهب الذى يمر عبر دبى وسويسرا ولندن يشترى بشكل خاص. 

فى الواقع، لا يمر جزء كبير منه عبر بورصة شنغهاى للذهب. على سبيل المثال، يشترى بنك الشعب الصينى سبائك زنة ٤٠٠ أونصة، بينما لا يتداول فى بورصة شنغهاى للذهب إلا سبائك الكيلوجرام. 

مع ذلك، يمر جزء كبير من الذهب عبر بورصة شنغهاى للذهب، ونعلم أن ما يقارب ٣٠ ألف طن قد مرت عبرها. أما قطاع التعدين الصينى فيمر جزء منه عبر بورصة الذهب، وجزء آخر لا يمر. ونعلم أن حوالى ٥٥٪ من قطاع التعدين الصينى مملوك للدولة.

وبالطبع، نعود إلى المقولة الشهيرة: من يملك الذهب يضع القواعد. وفى هذه المقولة حقيقة كبيرة، فالذهب ثروة، ومن يملك الثروة، من يملك المال، يملك السلطة. والصين تراكم الثروة، فهى تحقق فوائض تجارية هائلة. تنتج كل هذه المنتجات، وتبيعها للعالم، وتزداد ثراء باستمرار. 

بينما الغرب، من ناحية أخرى، يزيد من مستويات ديونه. وهكذا، تراكم الصين الثروة، وجزء كبير من هذه الثروة هو الذهب. وهى تزيد من حيازاتها من الذهب. وبالتزامن مع ذلك، تتزايد قوتها.

هنا يستنتج الكاتب: إن التخلص من الدولار يتسارع، وهيمنة العملات الورقية تتآكل، والذهب هو مرة أخرى التحوط النهائى فى عالم متعدد الأقطاب. ويجادل بأن الذهب لا يرتفع فى الواقع، بل إن كل شىء آخر ينخفض مقابله.

يستكشف الكتاب أيضًا الاستخدامات المعاصرة للذهب خارج نطاق تخزين الثروات. فعلى الرغم من أن النحاس والفضة موصلان أفضل، إلا أن مقاومة الذهب للتآكل تجعله عنصرًا أساسيًا فى الإلكترونيات والموصلات ولوحات الدوائر. 

يستهلك القطاع الصناعى عمومًا ١٠٪ من إجمالى إنتاج الذهب، لكن الإلكترونيات الفضائية تستخدمه أكثر من أى شىء آخر. وقد جعلته متانته عنصرًا لا غنى عنه فى الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية، وحتى فى بدلات الفضاء، حيث يوفر الحماية من الأشعة تحت الحمراء ودرجات الحرارة القصوى.

يؤكد «فريسبى» أن تاريخ الذهب هو تاريخ المال فى جوهره، ولكنه أيضًا تاريخ الجشع والهوس والطموح. الذهب جميل، وآسر، إنه الثروة فى أنقى صورها وأكثرها تركيزًا. 

تقول القصيدة اليونانية القديمة: «الذهب ابن زيوس، لا يأكله العث ولا الصدأ، ولكن عقل الإنسان يلتهمه هذا الامتلاك العظيم». ولعل هذا ما دفع توماس إديسون إلى القول بأن الذهب «من اختراع الشيطان». فالثروة، وكل المشاعر المصاحبة لها، قادرة على فعل أشياء غريبة بالناس. لقد دفع الذهب الناس إلى فعل أروع الأشياء، وأشجعها، وأكثرها ابتكارًا، وأكثرها إبداعًا، وأفظعها. «لقد أفقد الذهب من الناس توازنهم أكثر مما أفقده الحب»، هذا ما يقوله المثل المنسوب عادة إلى بنيامين دزرائيلى.

ولذا فيما يتعلق بالذهب، تسود العاطفة لا المنطق. حتى فى أسواق اليوم يعتبر الذهب أصلًا مضاربًا، يتحدد سعره بالجشع والخوف، لا بأرقام الإنتاج الأساسية.

لقد اجتذب بريق الذهب الإنسان عبر المحيطات والقارات وإلى المجهول. أغرى جيسون والأرجونوت، والإسكندر الأكبر، والعديد من الأباطرة، ودى جاما، وكورتيس، وبيزارو، ورالى. نشأت حضارات جديدة رائعة نتيجة للبحث عن الذهب، ولكن فى المقابل ظهرت العبودية والحرب والخداع والموت والدمار. 

روى الناقد الإنجليزى جون راسكن قصة رجل صعد على متن سفينة ومعه كل ما يملك من مال: كيس من العملات الذهبية.. وبعد أيام من الرحلة، هبت عاصفة هوجاء، «اتركوا السفينة!» هكذا صرخوا. ربط الرجل حقيبته حول خصره وقفز فى الماء، ليغرق فى قاع البحر. سأل راسكن: «والآن، بينما كان يغرق، هل كان هو من أخذ الذهب؟ أم أن الذهب أخذه؟».

كما يقول المثل الصينى: «البخيل لا يملك الذهب، بل الذهب يملك البخيل».

قد يكون الذهب معدنًا جامدًا، خاملًا، لا يتغير، بلا روح. لكن سيطرته على البشرية لا تخفى شيئًا. لقد زيننا منذ فجر الحضارة، وشكّل، كعملة، ركيزة الاقتصادات منذ ذلك الحين. لطالما كان التوق إليه دافعًا للبشرية، ومحركًا أساسيًا للسعى والغزو، للاستكشاف والاكتشاف.

اقرأ أيضًا:

دومينيك فريسبى: الذهب أعظم دافع للفعل البشرى