الجمعة 05 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

التمكين الســرى.. تفتيش مشروع فى خطة تنظيم خالد فهمى

حرف

- كان «فهمى» مسئولًا عن النشاط الطلابى للإخوان فى كلية الآداب ثم عن أعضاء هيئة التدريس الإخوان فى الكلية

- كان حصان طروادة لاستعادة تنشيط وطرح عناصر الإخوان مرة أخرى فى الجامعة

أصبحت الإجابة عن هذا السؤال بمثابة جهد ضائع بعد نعى الجماعة، لكننا سنحاول أن نرتب بعض الوقائع الواضحة لعلها تقدم إجابة شافية بعيدًا عن محاولات البعض تجاهلها.

إذ إن المتابع لكيفية عمل جماعة الإخوان وطريقتها فى الانتشار والوجود التنظيمى، يمكنه التمييز بين الكوادر والعناصر المعروفة منها أو الخلايا النائمة، ونحن هنا أمام نموذج «قيادة إخوانية» من أول شبابه، معروف لكل من تعامل معه، ولكل من دخل كلية الآداب بالمنوفية، ولمن درس فى قسم اللغة العربية والأقسام الأخرى.. وذلك حتى ٢٠١١.

حيث كان «فهمى» مسئولًا عن النشاط الطلابى للإخوان فى كلية الآداب، ثم عن أعضاء هيئة التدريس الإخوان فى الكلية وفى مجمع الكليات مع عدد آخر من الكوادر، تلك معلومات أعرفها نظرًا لوجود طلابنا فى الجامعة لسنوات، ونتيجة الاحتكاك مع طلاب الإخوان وقتها.

وفيما بعد ٢٥ يناير ظهر دور «خالد فهمى» جليًا، وأصبح من المرشحين لتولى مناصب قيادية. وعندما وصلت جماعة الإخوان للحكم فى ٢٠١٢ تم ترشيحه لرئاسة دار الكتب والوثائق القومية ومعه «محمد عزت آمنة» فى أثناء تولى علاء عبدالعزيز منصب وزير ثقافة الإخوان.

ونظرًا لخطورة المنصب والمكان الذى يحتوى على تاريخ وعقل مصر لما فيه من مخطوطات ووثائق وأوراق وحجج وكتب تاريخية، ومنها ما يخص كل فترات تاريخ مصر، اختاروا له فى ٥ يونيو ٢٠١٣ قيادة تحظى بالثقة والتماس مع هذا الملف، حيث كان ذلك فى إطار تنفيذ سياسة «أخونة الدولة».

حيث كانت من مقومات ترشيحه أنه وجد فى دار الكتب كباحث يتردد على مبانيها وملحقاتها، ثم كعضو الهيئة الاستشارية لمجلة «أصول» التابعة لدار المخطوطات فى إسطنبول- تركيا قبل ثورة يناير ٢٠١١.

وفى لحظة فارقة حدث اعتصام المثقفين فى وزارة الثقافة ورفضوا الوزير الإخوانى وكل العناصر الإخوانية، ورأينا رفض موظفى دار الكتب للمسئول الإخوانى خالد فهمى ومساعده عزت آمنة. وعندما تم الاعتداء على اعتصام المثقفين من عناصر الإخوان، فى محاولة لفض الاعتصام، ودخول علاء عبدالعزيز لمبنى الوزارة، خرج خالد فهمى فى كل القنوات يهاجم المثقفين واعتصامهم.

وفى الوقت الذى كان يخطط فيه لإزاحة عدد من موظفى دار الكتب الذين أعلنوا عن شكوكهم ومخاوفهم مما يفعله هو و«آمنة» فى مخازن دار الكتب والوثائق، بسبب تزامن هذا الاختيار مع تصريحات جماعة الإخوان على لسان عصام العريان بضرورة تسليم وثائق ومخطوطات «الجنيزا» لليهود، أو بمعنى أدق لإسرائيل.. حتى حدثت ٣٠ يونيو ٢٠١٣ لتزيح وتكنس كل العفن الإخوانى وكل عناصر الإخوان وأنصار مرسى والمرشد.

رجع فهمى لجامعة المنوفية ينشط من خلالها، واستمرت مرحلة الكمون حتى ٢٠١٨/ ٢٠١٩. كانت العودة بهدوء، بالمشاركة فى مؤتمرات وفعاليات ثقافية تخص وزارة الثقافة، حيث شارك فى فعاليات تخص لجنة التاريخ فى المجلس الأعلى للثقافة، وفى مؤتمر إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافى «الهوية والإبداع» الذى أقيم فى المنوفية ٢٠٢٠، بصفته مشاركًا رئيسيًا وله بحث مقدم فى الجلسة الأولى للمؤتمر ويجلس على منصة تابعة لوزارة الثقافة وعلى حساب الدولة.. منصة وزارة الثقافة التى هاجمها فهمى وهاجم المثقفين أيام الاعتصام!

تلك الفعاليات كانت بمثابة حصان طروادة لاستعادة تنشيط وطرح عناصر الإخوان مرة أخرى فى الجامعة والثقافة.. ولكن هل ما سبق يكفى لأن نقول إنه إخوان؟

أدعوك صديقى القارئ أن تلقى نظرة على السيرة الذاتية للأخ «خالد فهمى» وترى أسماء دور النشر التى تعامل معها وتقارنها بقائمة دور النشر الإخوانية التى صدرت قرارات بالتحفظ عليها ومصادرتها باعتبارها من مصادر تمويل النشاط الاقتصادى لجماعة الإخوان، وكذلك أن تقف أمام عنوان أحد كتبه «هكذا يتنزل القرآن مجددًا» وهو ترجمة وإعادة شرح لكتاب سيد قطب «فى ظلال القرآن».

ثم تأتى هدية الإخوان التى كشفت عن «أمان» الرجل بعد موته، حيث أصدرت بيانًا تنعى فيه «فهمى» بصفته أحد أبنائها.. مستغلة حالة انتشار التعازى له، وتاجرت بموته لتعلن أنها موجودة، ولكن تلك المتاجرة لها أسباب أخرى نوردها فى المقال المقبل.

«ومصر ف الشمس بتغربل كلام منعاد

عن ابن بنت ابن حنت وطارق ابن زياد»..

عمنا صلاح جاهين لخص الحكاية فى بيت شعر يصف فيه «مصر الحواشى»، أو بتوصيف آخر «عن الخواجة لما يفلس».

والبلاء كل البلاء فى إفلاس العلم، حيث يتراجع الإبداع ويتصدر نوابغ وحفيظة المتون الذين تتبدى براعتهم فى شرح متن قديم، ثم شرح الشرح، ثم شرح الشروح، حتى يصير المشهد كله غربلة لكلام مُعاد.

ويأتى الشطر الثانى عن «طارق بن زياد» الذى يمثل سردية الأندلس المفقود.

هذان هما العكازان اللذان تعتمدهما جماعة الإخوان فى فترة الكمون والضربات الأمنية والهزائم، حسب ما هو مدون فى كتبهم التنظيمية «على سبيل المثال: «المسار» لمحمد أحمد الراشد»، ويلقنونه «الأشبال والزهرات فى الشعبة»، حيث يُخلق جيل بلا إبداع أو تفكير أو نقد، يُلهب عواطفه ويجيشها صوب استعادة هدف استراتيجى بعيد «الأندلس»، وبالتالى كل ما يُطلب من العضو من مهام يكون خطوة فى سبيل الوصول للهدف.

سنجد ترجمة ذلك فى انتشار الكتابات الأدبية التى اتخذت موضوعًا لها عنوان «الأندلس» بكل ملحقاته، وهنا يمكن القياس على أسماء كثيرة معروفة بانتمائها الإخوانى. 

حيث يتم تكليف أعضاء هيئة التدريس المنتمين لهم والمتعاطفين معهم بتمرير الروايات والقصائد «الأعمال الأدبية» التى تتحدث عن الأندلس لتدريسها للطلبة فى الكليات والجامعات، وكذلك ما يمكن أن نرصد انتشاره على وسائل التواصل الاجتماعى طيلة السنوات الماضية من منشورات تتحدث عن الأندلس رغم كل ما يحيق بالمنطقة العربية والإسلامية من هزائم، مما يجعلنا نستدعى بيت الشعر الذى قاله محمود درويش: «فى كل مئذنة حاو ومغتصب يدعو لأندلس إن حوصرت حلب».

وهنا يكون المستهدف التنظيمى خلق تمثيل مواز لهزيمتهم فى ٣٠ يونيو، ومن ثم يصبح استعادتهم لحكم مصر خطوة على طريق استعادة الأندلس المفقود.

وبناءً عليه يتم المداومة على استثمار وتوظيف وقت أعضاء الجماعة وشبابها فى مراجعة شروح الشروح وحفظ الحواشى التى تزين للعضو فكرة الاختباء والصبر على التغيير والاستعداد والجاهزية، والتزود بهذه الذخيرة حتى لا ينكشف ستار تحركاته.

هذا المنهج ينطبق على جماعة الإخوان فى الفترة ما بعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ التى انهزم فيها المشروع العلنى للتمكين، حيث أعلنوا خلال الفترة من يناير ٢٠١١ حتى يونيو ٢٠١٣ أنهم قد دانت لهم الأرض حين تخيلوا أنهم استحوذوا على عرش مصر.

وبعد هزيمة الشعب المصرى لهم، وما تبعها من مواجهة أمنية شديدة للجماعة وكوادرها، كان التكليف الذى صدر وقتها بأن تتحول كل شعبة ومكتب إدارى إلى وحدات للرصد الصامت، والابتعاد عن الصدام والمناقشات والاحتكاك بالمصريين فى أماكن العمل أو المواصلات أو غيرهما، وإفساح المجال لما أطلق عليه عمليات «الذئاب المنفردة» التى تقوم بعمليات التفجير واستهداف مرافق الدولة الحيوية ومواقع الجيش والشرطة.

استمر هذا التكليف عامين حتى أوائل ٢٠١٦، والذى وصل ذروته بظهور مجموعات الكماليين، وحسم، وكتائب حلوان، وأنصار بيت المقدس وغيرهم. لكن بمجرد بداية نجاح حملة الجيش المصرى والشرطة ضد الجماعة الإرهابية وميليشياتها، قام التنظيم بتوجيه تكليفات جديدة لكوادره فى داخل مصر بالرجوع للنشاط الهادئ غير المتسرع، كل فى موقعه.

ومن هذه المواقع كانت الجامعات والمؤسسات الثقافية،ولكن يبرز السؤال: كيف يمكن أن ينشط هؤلاء فى ظل حالة الرفض الشعبى لهم؟

أولًا: اعتمدوا على عدد من الشخصيات غير الإعلامية، كمثال «خالد فهمى» النموذج التنظيمى الذى يتحرك بلا صخب، رافعًا دهاء حركية «حسن البنا» ووجه خفى يتمثل فى تشدد «سيد قطب». حيث نشط هو وإخوانه فى نشر شبكته فى التجنيد والاستقطاب، مستغلًا علاقاته الإنسانية والاجتماعية التى حافظ عليها ووطد الصلات بها، متمثلًا ما قاله محمد أحمد الراشد فى كتاب «المسار» فى باب «فنون التجميع - فقه العمل المرحلى» صـ ١١٣ طبعة دار البشير، موجهًا حديثه للعضو عن أهمية التأثير المتواصل فى شبكة العلاقات الاجتماعية المحيطة وتصنيفها إلى مستويات، كل حسب الخدمات التى يمكن أن يؤديها للجماعة.

ثانيًا: الاعتماد على مجموعات أعلنت ولاءها للإخوان فى فترة التمكين العلنى وانضمت لما يسمى حزب «الحرية والعدالة» الذراع السياسية لجماعة الإخوان، والأحزاب الأخرى مثل «مصر القوية» و«الوسط» والتى كانت على هامش الجماعة، ممن يطلق عليهم الخلايا النائمة.

ثالثًا: الاعتماد على بؤر الفساد فى تلك المواقع، وتوظيف واستغلال الموظفين الفاسدين وابتزازهم، وذلك للحصول على تسهيلات للتواجد والتسلل إلى هيئات ومجالس ومؤتمرات وزارة الثقافة، وإلى الهيئات الاستشارية والتعليمية بالجامعات.

رابعًا: الاعتماد على شخصيات وعناصر ذات خلفيات ناصرية وليبرالية ويسارية، لكنها وقعت إما فى أسر التعاطف الإنسانى مع الإخوان، أو طمعًا فى مصالح شخصية. وهؤلاء يستفيد منهم الإخوان فى تلك المرحلة استفادة عظيمة، ورغم أن الجماعة تمارس الابتزاز العاطفى، فإنها تتفاخر بأن المختلفين معها أيديولوجيًا يحترمونها، وهؤلاء من يمكن أن نسميهم جماعة «أنا مش إخوان بس بحترمهم».

ولكن كيف ستنتقل تلك الوجوه الخفية من التأسيس الصامت إلى التمكين العلنى؟ هذا ما سنعرفه فى المقال المقبل.

هل يمكن أن نعود بالزمن إلى الوراء حتى العام ٢٠٠٣؟ حيث نشأة حركة استقلال الجامعات، والتى بدأت بداية أكاديمية محترمة؛ لتصديها لعدد من القضايا الأكاديمية والمهنية، فيما يخص أعضاء هيئة التدريس، لكن سرعان ما دارت عجلة الأحداث، وجاء احتلال العراق، ثم ظهور الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية».

حيث أعلنت مادلين أولبرايت عن مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذى كان إشارة الانطلاق لإحدى الأذرع المهمة لهذا المشروع وهى جماعة الإخوان، التى كلفت أعضاء هيئة التدريس المنتمين لها بالانخراط والمشاركة الفعالة فى حركة ٩ مارس، حيث رفعت الحركة ٣ شعارات كان المستفيد الأكبر منها هم الإخوان، وهى:

١. حماية الحريات الأكاديمية.

٢. منع تدخل السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية فى الجامعات.

٣. إلغاء الرقابة على تعيينات القيادات الجامعية.

بناءً عليه، أصبحت أغلب أنشطة أعضاء هيئة التدريس الإخوان تحت لافتة حركة ٩ مارس، وعلى الصعيد السياسى كان نفس الأمر يتم فى حركة كفاية باعتبارها تحالفًا جبهويًا، يحظى فيه الإخوان بنصيب الأسد تصويتًا على المائدة، وحشدًا فى الفعاليات.

ولكن الأهم بالنسبة لنا أن ذلك كان أول شراع يتم نشره حتى تسير مركب تجنيد واستقطاب وتحييد أعضاء هيئة التدريس من الليبراليين واليساريين والناصريين أو حتى ممن ليس لهم أيديولوجيا، رافعًا فزاعة أن الأستاذ غير المنتمى للحركة فهو إما تابع للأمن أو تابع للحزب الحاكم! وتم تمرير هذا الخداع، تحت لافتة تثير شهية المعارضة الحنجورية، التى ابتلعت شعار: «طالما كلنا ضد مبارك فنحن واحد».

تزامن مع ذلك قضية شهيرة «القبض على بعض قيادات أعضاء هيئة التدريس الإخوان» ٢٠٠٦ والتى على إثرها دشنت جماعة الإخوان حملة إطلاق الحريات السياسية، وكان هذا هو الشراع الثانى.

وفى سياق تلك الحملة، كانت أول مشاركة رسمية فى فعاليات الثقافة للأخ خالد فهمى، الذى تم اختياره عضوًا بنادى الأدب المركزى فى فرع ثقافة القاهرة فى الفترة من ٢٠٠٨ حتى ٢٠١٠.

هذه الخلفية استمرت الجماعة فى استثمارها وصولًا إلى يناير ٢٠١١، حيث ازدادت مساحات العشوائية والفوضى فى كل القطاعات؛ فاعتمدت الجماعة آلية تمرير العضويات فى نوادى الأدب بقصور الثقافة والمحافظات، وعضوية اتحاد الكتاب فى المركز والفروع، وتم حصاد هذا المجهود فى مؤتمر رابطة أدباء الحرية -المنبثقة عن الجماعة- الذى كان الراعى الرسمى له مرشد الإخوان محمد بديع.

وهنا نستشهد بما ورد بموقع «صدى البلد» بتاريخ ٥ سبتمبر ٢٠١٢ ومواقع إخبارية أخرى تحدثت عن تفاصيل انعقاد المؤتمر فى نقابة العلميين، والذى كان بعنوان: «الأدب- الدين- الثورة.. آفاق جديدة»، والذى كان من ضمن محاوره دراسة «أدب الحركة الإسلامية بين التجاهل والتحامل» للمحاضر د. خالد فهمى، كما أن الشخصيات العامة التى تم تكريمها من المرشد العام خلال المؤتمر هى: د. خالد فهمى، والشاعر وحيد الدهشان، والشاعر محمد يونس، ود. صلاح سلطان. وكان هذا المؤتمر هو الشراع الثالث.

ثم تأتى الواقعة التى كانت ضمن سياق ردود جماعة الإخوان وهى فى الحكم على انتقادات المعارضة لها، وكذلك ردًا على حملة توقيعات «تمرد» التى انتشرت كالنار فى الهشيم فى أوساط الشعب المصري؛ فكان أول إجراء هو صدور تعيينات فى بعض الهيئات والمؤسسات، ويخصنا فيها دار الكتب والوثائق القومية التى تم تكليف د. خالد فهمى برئاستها، ويعاونه «محمد عزت آمنة»، القيادى الإخوانى الهارب خارج مصر الآن.

استطاع فهمى التمكن من رئاسة الدار فى ٤ يونيو ٢٠١٣ بعد حصارها واستنجاد قيادات الدار بالإعلام، فى الوقت الذى فشل فيه وزير الثقافة الإخوانى علاء عبدالعزيز فى دخول مبنى الوزارة، وبدأ ضده اعتصام المثقفين، وفشل بعض المحافظين فى دخول مبانى دواوين المحافظات بسبب رفض المواطنين لهم، مثل: المنوفية، وبورسعيد، وغيرهما.

وللأسف انشغل المثقفون بالدفاع عن مبنى الوزارة -وهو هدف نبيل وعظيم- لكنهم لم يلتفتوا إلى مواقع ثقافية أخرى مثل دار الكتب وغيرها من نوادى الأدب وفروع اتحاد الكتاب كما أسلفنا. وهكذا يمكننا اعتبار أن المكان الوحيد الذى نجح الإخوان فى التواجد فيه وتسييره طيلة شهر كامل، هو دار الكتب والوثائق القومية.

وينتهى النجاح اليتيم فى ٣ يوليو ٢٠١٣ ليعود «فهمى» للجامعة مستعيدًا خريطة نشاطه بهدوئه المعهود بلا صدامات، وبالرجوع إلى منهج التربية للجماعة، الذى يعتمد سردية يوسف عليه السلام بما فيها من ثنائية (مظلومية السجن/ التمكين والملك).

أما فى مرحلة التأسيس الصامت فإنهم يعتمدون سردية سورة الكهف التى تتحدث عن الفتية المؤمنين الذين اعتزلوا مجتمعهم الجاهل/ الكافر، ثم أخرجهم الله وسادت وانتشرت سيرتهم، وكذلك سورة الفتح والحديث عن المغانم الكثيرة فى حالة «البيعة»- والبيعة هنا تفسيرها ما ورد فى رسائل حسن البنا.

هذا ما اعتمده «فهمى» بعد ٣٠ يونيو فى الجامعة، وأضاف إليه إعادة شرح كتاب سيد قطب «فى ظلال القرآن» الذى يعد من روافد المنهج التربوى للجماعة.

وهنا سوف نستلهم ما ورد فى كتاب «المسار» لمحمد أحمد الراشد صـ ٢٣١: «إن اكتشاف هذه الميزات الفريدة للعمل الإسلامى فى الجامعات يوجب على القيادة مضاعفة العناية به، ورصد الكفايات المناسبة له، لتمكينه من أداء دوره كعامل ثالث فى توحيد المستويات»..

«ومن أهم أركان هذه العناية القيادية المطلوبة: تخصيص جهاز دائم للقطاع الجامعى من المسئولين والإداريين والمربين المؤهلين للاستمرار فى الإشراف عليه، ذلك أن الاعتماد فى إدارته على الطلاب أنفسهم يولد عدم استقراره.. ومن هذه الرعاية المطلوبة أيضًا: إيجاد حلول مناسبة لسلبيات لاصقة بطبيعة حياة الطالب الجامعى وطبيعة محيط الجامعة».

وبنظرة سريعة على السيرة الذاتية المنشورة لـ«فهمى» نجد مرتكزات عديدة لنشاطه ومنها: جامعة حلوان، جامعة المنوفية «الآداب- التربية» رئيس تحرير ومستشار مجلة البحوث، جامعة بنى سويف، جامعة أسيوط، جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، مجمع اللغة العربية، لجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية، مستشار مجلة الجامعة الإسلامية العالمية إسلام آباد باكستان، معهد المخطوطات- الإشراف على الدبلومة وبرنامج الماجستير، عضو لجنة تحكيم الجوائز جامعة القاهرة، عضو الهيئة الاستشارية التابعة لدار المخطوطات القومية إسطنبول تركيا، وكان هذا هو الشراع الرابع.

تلك المرحلة التى ما زال العمل مستمرًا بها حتى كتابة هذه السطور بدأب ومثابرة وصبر وكتمان، بعيدًا عن الصدام مع الدولة والأجهزة الأمنية، تحاول فيها الجماعة أن تستعيض عن خساراتها فى الأذرع العسكرية والميليشيات التى استطاعت الدولة المصرية أن تتخلص من أغلبها، وتجفف منابع التمويل الخارجى والدعم الدولى للأنشطة المسلحة والعمليات الإرهابية؛ فكان توجه الجماعة لهذا المجال الهادئ بلا مظاهرات أو احتجاجات أو وقفات، ولكنه تسكين لعناصرها فى الجامعات والمؤسسات الثقافية.

وأيضًا توظف الجماعة كل الإمكانيات لصناعة نجم بعيدًا عن الصراعات والخلافات العلنية، تجهيزًا لكى يتولى منصب المرشد القادم، متسلحًا بما اكتسبه من أرضية وتغلغل وتجنيد وانتشار فى تلك المساحة.

ولكن كما يقولون تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، فما بالك بسفينة طابت لها الريح ونشرت أشرعتها مبحرة صوب التمكين فيختطف الموت ربانها، فماذا ستفعل الجماعة لتعويض خسارتها؟!