صاحب العالم.. عصر ما بعد الإنسان فى رواية أحمد صبرى أبوالفتوح: «كارتيل تكنولوجى» يحكم العالم
- الرواية تقدم إدانة فلسفية صارخة لعصر ما بعد الحداثة
ينطوى عنوان «صاحب العالم» على إحالة مضللة ومخاتلة تُفكك نفسها بنفسها عند الغوص فى المتن.
للوهلة الأولى يستدعى العنوان مفهومًا لاهوتيًا أو سياسيًا كلاسيكيًا عن «المركز المهيمن» (الله، الحاكم المطلق، أو الدولة). لكن الرواية تُزيح هذا المركز لصالح «سلطة شبكية هلامية» لا وجه لها؛ إنها رأسمالية متوحشة عابرة للقارات، متمثلة فى «كارتيل صناعة اللذة الرقمية».
يتأرجح العنوان بين دلالتين؛ هل «صاحب العالم» هو تلك القوة الخفية التى تراقب وتتحكم فى مصائر البشر عبر الخوارزميات؟ أم أن البطل (عبدالحميد)، بانعزاله وتشييده عالمًا افتراضيًا خاصًا به، قد توهّم أنه أصبح «صاحبًا» لعالمه الخاص؟ التفكيك هنا يكشف أن «السيادة» مجرد وهم؛ فبينما يظن الفرد أنه يمتلك حريته الرقمية، فإنه يتحول إلى مجرد «مُنتَج» ومادة أولية، يجرى تحليلها وتسليعها.
يتحرك الخط السردى عبر آلية الهدم والبناء للوعى الجمعى؛ حيث تبدأ الرواية بحدث يبدو فى ظاهره «سياسيًا كلاسيكيًا» (ملفات فساد، صدام مع رجال السلطة، اختفاء قسرى). هذا المسار يمثل «الوعى القديم» الذى يفسر كل شىء من خلال ثنائية «الدولة المستبدة ضد المواطن المقهور».

لكن الرواية تفاجئ القارئ بانزياح تفكيكى صادم؛ فالاختفاء ليس سياسيًا بالمعنى الأمنى، بل هو نتاج لـ«السياسة الحيوية» (بمفهوم ميشيل فوكو.. السلطة الجديدة لا تقمع الجسد بالاعتقال السياسى، بل تخترقه عبر الرغبة والجنس والبيانات الرقمية.. يتحول الحدث من «مقاومة الفساد الإدارى» إلى «استلاب كلى» يعجز فيه البطل عن حماية أخص خصوصياته (خلفياته النفسية، تحليلاته لغرف الدردشة). الحدث هنا يُعرّى زيف الاستقامة والتحذلق القانونى، ليثبت أن الإنسانية المعاصرة باتت «مُعراة» تمامًا أمام شاشات الذكاء الاصطناعى.
وتتأسس الشخصيات فى الرواية على مبدأ «الهوية المتشظية»، حيث لا وجود لشخصية ذات بعد واحد أو نقاء أخلاقى:
يمثل عبدالحميد «الذات الممزقة» بين «الأنا الأعلى» البيروقراطى «القانون، النزاهة، الوقار، إرث الزوجة الراحلة» وبين «الهو» المكبوت الذى فجّره الفضاء الافتراضى. الهوس بالنظام لديه ليس إلا قناعًا يخفى تحته خوفًا وجوديًا مزمنًا «تجسد فى فلاش باك تقبيل قدمى رئيس الحرس». إنه يهرب من عجزه الواقعى ليمارس «أستاذية افتراضية» يفكك فيها ميكانيكية الجنس الإباحى، ليتحول فى النهاية من «مفكك للّذة» إلى «ضحية مستهلكة» لها.
«توحيدة» ليست مجرد امرأة لعوب أو جارة تبحث عن ونيس، إنها تمثل «الواقع الحسى الملحّ» الذى يرفضه عبدالحميد لأنه يخاف المواجهة الحقيقية. إنها تكشف عجز البطل عن إقامة علاقة إنسانية متكافئة فى الواقع، وتفضيله «الوهم الرقمى» الآمن والمتحكَّم به خلف الشاشة.
هى الجسر الذى عبر فوقه البطل من طهارة الواقع «ممرضة الزوجة» إلى دنس الافتراض. إنها تجسيد لـ«اللا وعى» الضاغط الذى حوّل الخادمة البسيطة إلى أيقونة شبقية فى خيال موظف متقاعد. ينهار الفضاء التقليدى «العمارة، شقة توحيدة، مبنى المحافظة، المقهى» أمام سطوة «اللا- مكان» (أى غرف الشات، السيرفرات العابرة للحدود، والفضاء السيبرانى). لم يعد للمكان الجغرافى قيمة حماية؛ فالبطل وهو فى عقر داره، خلف جدرانه الخرسانية، يكون مخترقًا ومكشوفًا ومسجونًا داخل الشبكة العنكبوتية.
الرواية تقضى على المفهوم الخطى للزمن.. هناك زمنان يتصارعان:
الزمن البيروقراطى الميت: «سنوات الخدمة، الخروج على المعاش، انتظار الموت، رتابة التحقيق الشرطى».
الزمن الرقمى الفورى «زمن المتعة اللحظية، والتدفق اللا نهائى للمعلومات، والارتداد المستمر عبر الفلاش باك للماضى النفسى للبطل. هذا التداخل الزمنى يعكس ضياع الإنسان المعاصر الذى لم يعد قادرًا على العيش فى حاضره، بل يعيش مستهلكًا بين نوستالجيا الماضى الرهيب «الخوف الاستبدادى» ووهم المستقبل الافتراضى.
فى التحليل النقدى التفكيكى تُدرس اللغة بوصفها نسقًا يحمل نقيضه. فنجد أن الخطاب الرسمى «الشرطى/البيروقراطى» فى النص لا يسعى إلى كشف الحقيقة «وهى الوظيفة المفترضة للغة التحقيق»، بل يسعى إلى «تأجيل» الحقيقة وإنتاجها كعدم.
يتجلى ذلك بوضوح فى توجيهات المأمور للرائد لإنشاء المحضر:
«حَنْكِش، تظاهر بأنك تعمل... وفى النهاية، دبج لنا محضرًا عظيمًا ينتهى إلى لا شىء».
هنا تفكيك لـ«لوغوس» (السلطة) فـ«المحضر العظيم» (بنية لغوية ضخمة ومحكمة) يُفرغ عمدًا من مدلوله لينتهى إلى «لا شىء». اللغة هنا تصبح أداة «حواية» وبهرجة بصرية وحركية لإخفاء العجز الوجودى والسياسى أمام جهات سيادية أخرى.
حتى حركة الموظفين السابقين فى المقهى وتوقيعاتهم تُفكك بوصفها آثارًا لسلطة زائلة: «كل منهم وضع توقيعه الذى كان ذات يوم يقيم الدنيا ويقعدها». التوقيع كلغة هيبة تحول إلى مجرد حبر بارد على فنجان قهوة.


يتحرك النص بين مستويين من الرقابة؛ الرقابة التقليدية الحِسيّة «توحيدة وعساكر»، والرقابة الميتا-رقمية الكلية «الصوت ذو اللكنة/صاحب العالم».
نجد أن لغة الجسد والممر الفاصل تُختزل إلى خرفشات وتنصت. توحيدة تراقب من «العين السحرية» ومن شاشة الكاميرا، وتحسب حركاته الوجودية بدقة: «وتتنقل بين العين السحرية والشاشة التى تعرض تسجيلات كاميرا المدخل، لعله يعود».
ويتم تقويض وهدم «خصوصية» عبدالحميد من خلال مكالمة هاتفية تفكك كل تاريخه السرى. يأتيه صوت غامض يقول له:
«نحن يا سيد عبدالحميد مجلس إدارة العالم كبيرنا صاحب العالم، مالك كل الأرض وكل البشر وكل الوقت... كل فضاء الإنترنت فضاؤنا» ص٣٠.
فى فلسفة ميشيل فوكو، الرقابة تُدجن الجسد. لكن النص يذهب أبعد؛ فالمنظومة الرقمية الشمولية «واتس آب، فيسبوك، تيك توك» لا تراقب المواقف السياسية، بل تراقب الرغبة اللبيدوية وتفككها إلى أرقام وإحصاءات ومعدلات مشاهدة «صعود نجمة أفلام من (رانك ٣٢٥ إلى رانك ٦٠) بناءً على ملاحظاته السلوكية!». لقد تحول الإنسان من «ذات حرة» إلى «بيانات ممسوحة» مخترَقة فى أدق لحظات حميميتها الوجودية.
يقدم النص كذلك تشريحًا فلسفيًا لآلية تشكّل «الإنسان الخانع» فى ظل الأنظمة البيروقراطية والتوتاليتارية عبر تفكيك ذاكرة البطل. عبدالحميد دهمش لخّص فلسفته الوجودية فى الحياة التى لقنه إياها مديره القديم كقاعدة ذهبية للنجاة: «إذا كنت فى بلد يعبد الجحش يا عبدالحميد حش وارميله».
هذا النص الشعبى المقتبس يمثل ذروة التفكيك الساخر لمنظومة القيم؛ فاللغة هنا تسقط تهمة «الوعى» أو «المواطنة» وتحول العلاقة بين السلطة والمواطن إلى علاقة غريزية وعلفية «حش وارميله».
يتكامل هذا مع لغة الخوف الممتدة منذ أيام الجامعة: «الرجل نظر إليه فى قرف، وشفقة، ثم صرفه، ربما كتب فى تقريره أنه لا يصلح لأن يكون مخبرًا». النص يوضح أن «الاستقامة» التى عُرف بها عبدالحميد لم تكن نابعة من فضيلة أخلاقية محضة، بل كانت «قناعًا مسرحيًا» ناتجًا عن خوف مرضى وجودى: «ابتعد عنها ابتعاد المرء عن الطاعون».
فى الفلسفة التفكيكية «خاصة عند دريدا»، الاسم ليس دليلًا ثابتًا على المسمى، بل هو علامة سيالة. الصوت ذو اللكنة يمارس عملية تفكيك مرعبة لهوية عبدالحميد الصلبة «السكرتير العام المساعد، المستشار، حارس المال العام» من خلال إرجاعه إلى أسمائه السرية التى تمنحه إياها النساء فى مخادعهن:
«شتان ما بين عبد حميد كما تدللك سيدة آهاتها السبع، وعبدل كما تُدللك دلورتك، وعبودة كما كانت تناديك تلك المرأة من طنطا... والباشا كما كانت تناديك تلك المرأة من الزقازيق».
بتعدد الأسماء، تتفتت الهوية الواحدة الصلبة للبطل البيروقراطى. عبدالحميد ليس شخصًا واحدًا، إنه شظايا هويات وزّعها بين العشيّات والأوهام الرقمية. وبذلك، تنهار «المركزية الذاتية» للبطل، ويتحول إلى كائن هش «رعديد» عند مواجهة الحقيقة العارية خلف شاشات المراقبة الكونية. وبناء على ذلك، الرواية لغويًا وفلسفيًا تستخدم ثنائية «الظاهر البيروقراطى الصارم/ الباطن الإنسانى المهترئ والمراقب» لتقول إن «صاحب العالم» الجديد ليس نظامًا سياسيًا محليًا يمكن الهرب منه أو خداعه بمحضر «ينتهى إلى لا شىء». إن «صاحب العالم» هو الخوارزمية الشاملة التى تحتكر الوقت، والرغبة، واللغة، وتجعل من أسرارنا الشخصية العميقة مجرد «أبلكيشن» نوقّع عليه صاغرين لكى نتحول إلى «رجال العام» فى جزر الكاريبى الافتراضية.
وبذلك تنجح الرواية من خلال هذه العناصر فى تقديم إدانة فلسفية صارخة لعصر ما بعد الحداثة؛ فالإنسان الذى ظن أنه تحرر من سلطة الدولة الأبوية البيروقراطية بذهابه إلى العالم الافتراضى، يكتشف أنه سقط فى فخ «صاحب العالم» الجديد؛ كارتيل تكنولوجى لا يكتفى باحتلال الأرض أو نهب الثروات، بل يحتل «الوعى، والرغبة، والخصوصية»، ويحول الأسرار الشخصية إلى سلعة تُباع وتُشترى فى سوق المتعة المعولمة.


