وكالة النجوم البيضاء.. وما الدنيا إلا سجن كبير يا عزيزى!
- الوكالة سجن لا محدود من العجز والتدنى الأخلاقى
- البطل يتحرك حركة مكبلة بصدى سجن داخلى تتردد دلالاته عبر مشاهدات بصرية زمنية
يلعب البطل فى رواية «وكالة النجوم البيضاء» للكاتب عمرو العادلى على استنطاق الأنا المنثورة فى أحداث القص، فيخلق عوالم للوعى بين مشاهد ضوء السينما وقصدية الإنسان المهمش.
يبدأ السرد بإرتداد زمنى وفلاش باك فى حجرة صغيرة فى مصحة ينفلت منها عقال العالم الواقعى إلى أفق نصى يطرح سؤالًا مهمًا ما سلطة النجوم البيضاء بين هروب الذات من عوالمها الخارجية إلى عوالمها الداخلية فى صياغة من صياغات الطلب، التمرد، التجاوز؟.

حركة الراوى الفعلية، فى زمن النص الحاضر حركة ثابتة، لكنها تتحرك مع الشخصيات الأخرى من خلال زمن الوقائع المفتوح على الزمن الماضى.
وينطلق الراوى من التجريد المكانى إلى محنة الأنا وهو يلوح لنا على المدينة القابعة فى الهوة العميقة المنعكسة على وكالة النجوم البيضاء، فكل الحوارات الإنسانية للشخصيات هى أفق مفتوح على هوية تلك الوكالة، كما أن البطل يتحرك حركة مكبلة بصدى سجن داخلى تتردد دلالاته عبر مشاهدات بصرية زمنية.
يخلخل الراوى الأحداث طبقًا للبيئة الزمنية السينمائية التى تعتمد على مركزية عين حية تتابع البطل فى كل تحركاته داخل النص، إلى درجة القهر الكونى الذى لا راد له ولا مهرب.
قدم سعيد وطه إرهاصًا مبكرًا لزمنية النص الذى يتوقف عند الحدث الرئيسى بين تجرد سعيد من ملابسه ومرض طه، وبين مشهد الرئيس الأمريكى وضحكته التى أصبحت عمدة الحدث.
الراوى يصنع سردابًا سرديًا مظلمًا ينتقل فيه بحرية زمنية، فإذا كان السجن يضغط على العقول والقلوب، فسميائية الوكالة كذلك سجن لا محدود من العجز والتدنى الأخلاقى.

«تحولت غرفة الحجز إلى مربع من مربعات السلوليد نورًا صغيرًا يتحرك وسط ظلام كبير ،استسلمت للغفو...كنت مهدودًا مثل أنقاض، تسلقت إلى كهفى الداخلى، رأيت حلمًا يتكرر،جمهورًا يجلس أمام شاشة مستطيلة تشبه السينما، فتظهر على الشاشة لقطات من تاريخ بعيد،الأحداث التى لم يرها، والمشاعر التى تأخذ حظها فى الحياة ،لا أحد يعجبه زره ، فيسطو على زر الآخر»
فالوعى هنا يقتنص بالصور كيفيات حسية يرتبط بها ويتجاوزها، وليست الرموز كلها من واد واحد، فلدينا، على حد تعبير كارل ياسبرز، نوعان من الرموز يئولان إلى ما يمكن تفسيره وما لا يمكن أن يعرف إلا بالحدس.
سعيد قد حمل السجن بداخله واعتاد عتمة الوكالة، إلا أن الضوء الباهر الذى يأتى من عتبات عرض الأفلام تجعله يضغط بسردية تحمل إسقاطًا ثقافيًا وفكريًا وسياسيًا على أعصاب المدينة، وتزهق نفوس المعنى الذى يدفعنا إلى رؤية مشهد «الماستر سين» الذى قرر فيه الذهاب إلى العمل بالبيجامة، ثم تجرد من ملابسه أمام مدير الوكالة، ونزل إلى المجتمع، فهو بمثابة تجريد من الأنا الغاضبة بهدف التغيير والتحقق فى أنٍ واحد.
وبالعودة إلى مرض طه أخيه هو امتداد بصرى للتذكرة الذهبية التى حصل عليها لمشاهدة الأفلام فى السينما على مدار العام بالرغم من عمله البسيط، يحمل سيزيف صخرته وقدره، وكما ظل يدفعها فتدفعه لينال المرض من جسده وضع الموت حدًا لهذا المرض طوال مشاهد السرد، فكلما دخل سعيد فى سياق متأزم، تطل علينا صورة طه وشبح المرض يرسم لوحته عليه التى ترمز لمأساة العصر الجميل المرتبط بعالم المدينة المعاصرة داخل مشهد سينمائى سردى يرتفع بدلالات القهر والقبح إلى مستوى قدرى.
كانت ملامح الطبيب تقول شيئًا آخر «لا تحسن، بل تدهور، وطه يحتضر ، لكننى لن أخبركم بالحقيقة وقفنا أمامه كأننا نقوم بتمثيل فيلم لا أحد يعرف كيف ستكتب نهايته».
ومن طه وسعيد إلى الزمن الشخصى القريب وهو «الأب»، والتاريخ العام الممتد وهى «الأم» نجح الراوى فى استدعاء تساؤلات عدة تستدعى إجابات متنوعة عن وجوه الالتقاء والانفصال بين هذه الشخصيات.
الأب صانع أفيش الأفلام الماهر والفقير الذى لم يكتب اسمه على أى فيلم يصنع باحترافية وجوه الممثلين والممثلات، رمزية مهمة تعرى الواقع وتكشف عواره وتصدعاته.
فصوت السارد والتخوم التى تحرك داخل الشخصية تمنح السرد تداخلات أزمنة هذا العالم مع تاريخ الأشياء والأماكن التى تلوح فى حالة من حالات التغير والتحول، بين تمركز الإمبريالية الفكرية، وضيق حدود دائرة الذات لحراك رصد نموذج التشيئو الذى كان جزءًا من ملامح الاغتراب. الأب ذو سلطة ضعيفة أمام الأم القاسية التى تراه زوجًا يحمل فشله معه إلى صومعته وتلقى عليه باللوم من الزواج بامرأة من تحت الأرض، حتى رسم موته بالألوان لتختزل لنا ضحية واقعة على حافة العالم المأهول حتى أصبحت جزءًا من جحيمه وغباره.
أما عن الأم التى أظهرت ضعفًا من بعد قوة وأحضرت محاميًا بعدما تم القبض عليه بتهمة التجرد من ملابسه، والذى أراد أن يلصق له تهمة الجنون.
الجنون مفتاح السر فى الرواية قال له «هذا هو المستند الذى سيثبت أن كل ما فعلته أمام مديرك كان تحت تأثير المرض العقلى.. من حسن حظك أن الست الوالدة اختارتنى للدفاع عنك» .
الجدل بين المركز والأطراف تيمة السيطرة، بعدًا من أبعاد القانون الذى تقوم عليه المغامرة السردية من المنظور الذاتى المرتبط بالعالم الداخلى للشخصية والذى يظهر فى النص عبر التداعى الداخلى، والمنولوجات الصامتة، إلى المنظور المركزى فى حركاتها اللاهثة من مشهد صعود الطائرة المزيفة لمقابلة الرئيس الأمريكى، والتمثيل المصغر من المشاهد الإسقاطية فى وكالة النجوم البيضاء إلى المكوث فى مشهد واحد داخل المصحة العقلية عبر سنوات طويلة.
وكما قلنا التغير والتنقل يمثلان المدخل لاستكشاف عوالم السرد يجعل الراوى من خلالهما السجن مسرحًا من الأحداث ويعتلى خشبة هذا المسرح بعض الشخصيات مثل «العراقى» صديقه، «وتورا بورا».
هذه الصداقات تشير إلى المفاصل الزمنية بوصفها شرفات النص التى تطل من خلاله، فالعراقى صديقه فى السجن هو من حمل له رسالته إلى الرئيس الأمريكى أوباما، وأرسلها للسفارة بعد خروجه. و«تورا بورا» رمزية تخضع لقانون العرض والطلب داخل السجون يصطد به سعيد داخل محبسه.
ويظهر لنا فى التقاطعات الزمنية محفز السرد الدلالى شخصية «زينب» القوة الناعمة التى منحت للسطوة مشهدًا أخر أكثر رقة ونعومة لتطل من حياة الماضى إلى حياة الحاضر إلى أن قررت أن تخرج من عباءة غرفة المصحة الجنون الحقيقى إلى غرفة العالم العاقل المزيف.
ومن بداية السرد إلى نفس الخاتمة التى بدأ بها شخصية مفردة فى أزمنة متعددة، ممثل واحد يقوم بكل أدوار البطولة الجماعية والفردية، ليرصد تعاقب ذاكرة المهمشين على جوانب الحياة، حين تدار أقراص الأفلام وتبدأ العتمة فى الانحسار وتعود الطائرة بخبر موت سعيد بما يشبه «وكالة الأرشيف الخفى لتشارك الأنا رحلتها إلى النجوم البيضاء».
