الثلاثاء 14 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

ماذا يكتب العالم؟

لا تشيخ أبدًا.. كيف سيطرت «ناشيونال جيوجرافيك» على الثقافة الأمريكية كل هذا الوقت؟

حرف

- مجلة الجمعية الجغرافية الوطنية فى الأساس كانت منشورًا أكاديميًا

كيف انتهى الأمر بالجمعية الجغرافية الوطنية لتصبح، على حد تعبير المؤرخة سوزان شولتن، «واحدة من أكثر مصادر المعلومات والصور انتشارًا حول العالم فى الثقافة الأمريكية» خلال القرن العشرين؟

توضح «شولتن» أن الجمعية فى واشنطن العاصمة عام ١٨٨٨ على يد ثلاثة وثلاثين باحثًا وعالمًا، بقيادة المحامى الثرى جاردينر جرين هوبارد. ومن خلال المحاضرات، ومجلتها، عملت الجمعية كمركز لتبادل المعلومات حول البحوث والاستكشافات الجغرافية، خاصة تلك التى تجريها الحكومة الفيدرالية. 

وكانت مجلتها فى الأساس منشورًا أكاديميًا، ولم يكن يشجع نشر الصور. وبعد عقد من الزمن، بلغ عدد أعضاء الجمعية ما يقارب الألف عضو، بينما بلغت ديونها حوالى ألفى دولار.

وأحدثت الحرب الإسبانية الأمريكية «١٨٩٨» تحولًا جذريًا فى المجلة. ومما ساهم فى ذلك بروز جيل ثانٍ من القيادة فى الفترة نفسها. فبعد وفاة هوبارد عام ١٨٩٧، تولى صهره، المخترع الشهير ألكسندر جراهام بيل، زمام الأمور. 

وبالتعاون مع صهره، جيلبرت هـ. جروسفينور، دفع «بيل» الجمعية نحو عضوية أوسع وأكثر شمولًا، مستفيدًا من زخم التوجهات الإمبريالية. شغل «جروسفينور» مناصب رئيس التحرير، ثم الرئيس، وأخيرًا رئيس مجلس الإدارة، خلال فترة استمرت حتى عام ١٩٦٦.

فى عام ١٩٠٥، بدأت المجلة بنشر صور كثيرة. وبحلول عام ١٩١٠، عندما أصبح اسم المجلة «مجلة ناشيونال جيوجرافيك»، كانت الصور الفوتوغرافية تشكل نصف محتواها.

وتشير «شولتن» إلى أنه بينما كان الجغرافيون المحترفون «يكافحون من أجل الحصول على مكانة ولو صغيرة فى الجامعات الأمريكية الجديدة»، فقد «تمكنت الجمعية من النمو بشكل ملحوظ فى أوائل القرن العشرين». وبلغ توزيعها الشهرى ١٧٠ ألف نسخة فى عام ١٩١٣، ومليون نسخة فى عام ١٩٢٦.

كانت الجمعية فى الأصل جهة تابعة للحكومة الفيدرالية، تعمل على ربط المعرفة الجغرافية ارتباطًا مباشرًا بـ«صحة الأمة نفسها، وهو شرط أساسى للقومية القوية». 

وقد تعززت مهمة الجمعية بشكل كبير بعد الحرب الإسبانية الأمريكية. وأسفر الانتصار الأمريكى الحاسم فى تلك الحرب عن إمبراطورية مترامية الأطراف، امتدت من كوبا وبورتوريكو فى منطقة البحر الكاريبى إلى الفلبين وجوام فى المحيط الهادئ. 

تكتب «شولتن» عن الجمعية: أتاحت الحرب لمجلة «ناشيونال جيوجرافيك» فرصة مثيرة لتغطية الأحداث الدولية والدفاع عن أهداف الأمة فى الخارج، وفى الوقت نفسه نقلت إلى قرائها الجوانب الغريبة والمثيرة للاهتمام من الفضاء الأمريكى الجديد. 

ومن خلال استغلال هذه الفرصة، اتسع نطاق المجلة ليشمل، بالإضافة إلى البحوث الجغرافية، القضايا السياسية والتجارية المتعلقة بالموقف الدولى الجديد للأمة.

لم تُذكر الأراضى التى ضُمت حديثًا فى المجلة قبل الحرب، لكنها حظيت بتغطية متكررة بعدها. وقد لاقى عدد أبريل ١٩٠٥، الذى تناول «ثقافة الفلبين وسياستها وثرواتها من الموارد»، والمزود بـ٣٢ صفحة من الصور، رواجًا كبيرًا لدرجة أنه «اضطرت المجلة إلى إعادة طباعته لتلبية الطلب المتزايد». 

فى ذلك الوقت، كانت الحرب الفلبينية الأمريكية- التى استخدمت فيها الولايات المتحدة التعذيب وسياسة الأرض المحروقة ومعسكرات الاعتقال- قد أسفرت عن سحق الفلبين المستقلة، على الرغم من استمرار تمرد مورو حتى عام ١٩١٣.

فى عام ١٨٩٩، لم يكن سوى ثلاثة من أعضاء مجلس إدارة الجمعية الأربعة عشر يعملون خارج الحكومة. وبدون مراسلين فى الخارج، اعتمدت المجلة على المعلومات الواردة من الوكالات الحكومية. 

وكانت الخرائط إما تأتى مباشرة من مصادر حكومية أو تصمم على غرار تلك التى رسمتها وزارة الحرب أو فيلق المهندسين بالجيش. 

وتكتب «شولتن»: «بشكل عام، كان الرجال الذين يقفون وراء مجلة الجغرافيا حريصين على توظيف مهاراتهم فى خدمة الدولة».

وغنى عن القول، إن الرابطة الأمريكية المناهضة للإمبريالية، التى كان مارك توين أبرز أعضائها، لم تجد تعاطفًا يذكر فى صفحات الجمعية. وقبل وقت طويل من صياغة هنرى لوس، مؤسس شركة تايم، مصطلح «القرن الأمريكى»، كانت مجلة «ناشيونال جيوجرافيك» ترسله إلى ملايين صناديق البريد.

وفى ذروة شهرتها أواخر ثمانينيات القرن الماضى، كان حوالى ١٣ مليون مشترك يتلقون المجلة شهريًا. ومع تراجع الطباعة فى العصر الرقمى، لم تعد المجلة- التى تملك «ديزنى» أغلبية أسهمها الآن- منتشرة على نطاق واسع، لكن «ناشيونال جيوجرافيك» لا تزال علامة تجارية إعلامية مؤثرة. 

فعلى سبيل المثال، يعد حساب NatGeo على «إنستجرام» ثالث أكثر الحسابات شعبية بين غير المشاهير.

اقرأ أيضًا: 
الإلهام القاتل.. لماذا يُدمن الكُتاب على الكحول والمخدرات إلا قليلًا؟

اقرأ واستمتع.. انتعاش رحلات السفر الأدبى
رؤية أوسع.. العودة إلى الكتابة بعد مأساة