الإلهام القاتل.. لماذا يُدمن الكُتاب على الكحول والمخدرات إلا قليلًا؟
تاريخ الفن عمومًا، والأدب خصوصًا، حافل بالمدمنين على الكحول والأفيون والكوكايين، ومدمنى المخدرات من كل الأنواع. والعملية واحدة دائمًا: الإلهام الكيميائى يقتل العمل أولًا، ثم الفنان. كتب ف. سكوت فيتزجيرالد فى مذكراته: «ثم كنت ثملًا لسنوات عديدة، ثم مت».
المثير للاهتمام أن القهوة كانت من بين المواد التى لاقت رواجًا بين المبدعين: فقد كان فولتير يشرب خمسين فنجانًا من القهوة يوميًا، وبالزاك أربعين، أما فلوبير فكان يشرب عشرات فناجينه اليومية مع أكواب من الماء المثلج.

وكان نيتشه مدمنًا على هيدرات الكلورال، وهو مهدئ مصنوع من الكلوروفورم؛ وفرويد وروبرت لويس ستيفنسون على الكوكايين؛ ورامون ديل فالى إنكلان كان يدخن الحشيش بكثرة، تمامًا كما فعل بودلير عام ١٨٤٠، كعضو فى نادى الحشاشين، إلى جانب كتاب مثل أونوريه دى بلزاك، وثيوفيل جوتييه، وجيرار دى نيرفال، والرسام أوجين ديلاكروا.
وحظى الأفيون بشعبية واسعة. يقول جان كوكتو: «من بين جميع المخدرات، الأفيون هو المخدر الأمثل. إنه يضفى شكلًا على ما لا شكل له». أليس هذا ما يسعى إليه جميع الفنانين؟
استخدم الأفيون كلٌ من شيلى، ووردزورث، بايرون، كيتس، فلوبير، ورامبو. وقد أشاد توماس دى كوينسى بالأفيون، قائلًا إنه يكشف الحجاب «بين وعينا الحالى والنقوش السرية فى العقل».

لكن دى كوينسى، الذى أدمن الأفيون بشدة، عانى معاناة شديدة، مع الانفصال الحاد عن الواقع والكوابيس المرعبة. ناهيك عن أشهر مدمن أفيون فى تاريخ الأدب، صموئيل تايلور كولريدج، الذى استلهم قصيدته الشهيرة «كوبلا خان» من حلم تحت تأثير المخدر «استيقظ ودون الأبيات على عجل، لكنه لم يتذكر منها إلا جزءًا».
حتى أن أوكتافيو باث، الكاتب العظيم الذى كان يوحى بأنه رجل رسمى وجاد للغاية، قال ذات مرة: «المخدرات تحيى التشبيه، وتحرك الأشياء، وتجعل من العالم قصيدة عظيمة من الإيقاعات والقوافى».
أما الكوكايين، فبمجرد استخراجه لأول مرة من نبات الكوكا عام ١٨٦٠، لاقى ترحيبًا فوريًا باعتباره مادة معجزة: غمرت الأسواق حبوب الكوكا وشرابها ومشروباتها.

حتى إن جول فيرن اعتبره «منشطًا رائعًا». فكر مارك توين الشاب الطموح فى إنشاء مشروع تجارى يقوم على الذهاب إلى الأمازون لحصاد الكوكا بهدف «فتح تجارة الكوكا مع العالم أجمع».
أمضى شهورًا يفكر فى المشروع، حتى إنه انطلق إلى بيرو ومعه ٥٠ دولارًا وجدها فى الشارع، لكنه لم يصل إلا إلى نيو أورليانز. تروى سادى بلانت هذه القصة المذهلة فى كتابها الرائع «الكتابة تحت تأثير المخدرات».
كما تكشف أيضًا، وفقًا لبعض المؤلفين، أن رؤى القديسة تيريزا ليسوع وغيره من المتصوفين ربما تكون قد تحققت بفعل مواد مؤثرة على العقل، مثل الإرجوت.
الإرجوت فطر يصيب محاصيل الحبوب. قد يؤدى تناول دقيق هذه المحاصيل المصابة إلى الإصابة بمرض يعرف باسم «نار القديس أنطونى»، والذى كان شائعًا فى العصور الوسطى، ويسبب أعراضًا خطيرة: نوبات صرع، وخرف، والتهابات غرغرينية قاتلة.
مع ذلك، قد يسبب تناوله بكميات صغيرة الهلوسة. يحتوى الإرجوت على قلويد الإرجولين، الذى استُدم فى تصنيع عقار LSD عام ١٩٣٨.

قبل ذلك، كان يستخلص منه أيضًا الإرجوتامين، وهو دواء للصداع النصفى كنت أتناوله بجرعات كبيرة طوال حياتى «لا علاقة لهذا بالقصة: لقد صدمت باكتشافه فحسب».
كنت قد قرأت سابقًا عن التأثير المحتمل للإرجوت على رسامين مثل بوش «تلك الهذيان المتغير الألوان»، لكننى لم أكن على دراية بالروحانيين.
وتستمر سادى بلانت فى سرد شىء أكثر إثارة للصدمة: اكتشف العالم جون مان على ما يبدو صلة بين أحداث تاريخية معينة وفترات كان فيها المناخ مواتيًا لنمو الإرجوت، ما قد يكون أثار نوعًا من الهلوسة الجماعية.
ويشير إلى محاكمات الساحرات فى سالم بولاية ماساتشوستس فى تسعينيات القرن السابع عشر و«عهد الإرهاب» خلال الثورة الفرنسية.
هناك العديد من المخدرات التى لم نتطرق إليها بعد: باربيتورات ترومان كابوت، وأمفيتامينات فيليب ك. ديك... مع أن الأمفيتامينات كانت فى الغالب الخيار المفضل للسياسيين أكثر من الفنانين: كينيدى، وتشرشل، ورئيس الوزراء البريطانى أنتونى إيدن... وهتلر، الذى كان يحقن نفسه بالميثامفيتامين ثمانى مرات يوميًا.
جرب كتاب آخرون الميسكالين، مثل جان بول سارتر، الذى أمضى سنوات يراقب القشريات وهى تطارده؛ أو البيوت، وقبل كل شىء، عقار LSD، الذى كان يتعاطاه تيموثى ليرى وأتباعه.
كما أثار هذا العقار اهتمام ألدوس هكسلى، الذى زعم أنه بحاجة إلى تعاطى المخدرات «للوصول إلى حياته اللاواعية». هناك أمر فعله فى نهاية حياته لطالما أثار قشعريرة فى جسدى.
فبينما كان يحتضر بسبب سرطان الفم، طلب من زوجته كتابة لأنه لم يعد قادرًا على الكلام- أن تحقنه بـ LSD فى لحظاته الأخيرة. وقد فعلت. توفى هكسلى أثناء تعاطيه عقار LSD؛ فقد رفض المورفين لأنه قال إنه يريد أن يموت بأكبر قدر ممكن من صفاء الذهن. مع ذلك، وبصفتى أحد أبناء جيل LSD، لا أعرف إن كان يمكن تسمية ذلك صفاءً ذهنيًا حقًا.
لكن ملكة المخدرات بالنسبة للفنانين، خاصة الأدباء، هى الكحول. قال فيتزجيرالد لصديق له فى بداية انحداره إلى الهاوية: «الشراب يضخم المشاعر. عندما أشرب، يضخم مشاعرى فأوظفها فى قصصى.. قصصى التى أكتبها وأنا صاحٍ سخيفة.. كلها مبررة، لا محسة».
بالمناسبة، أجد التناقض فى جملة فيتزجيرالد الأخيرة جميلًا: فكلما زاد استخدام العقل فى الفن، قل معناه. وهذا ما كنا نقوله سابقًا، عن ضرورة تخدير الذات.

يعد الكحول آفة عظيمة للكتاب، خاصة خلال القرن العشرين. فمن بين تسعة فائزين بجائزة نوبل فى الأدب من مواليد الولايات المتحدة، كان خمسة منهم مدمنين على الكحول: سنكلير لويس، ويوجين أونيل، وويليام فوكنر، وإرنست همنجواى، وجون شتاينبك.
ويمكننا أن نضيف إلى ذلك عشرات المؤلفين الآخرين، مثل جاك لندن، وداشيل هاميت، ودوروثى باركر، ودجونا بارنز، وتينيسى ويليامز، وكارسون ماكولرز، وجون تشيفر، وريموند كارفر، وروبرت لويل، وإدجار آلان بو، وتشارلز بوكوفسكى، وجاك كيرواك، وباتريشيا هايسميث، وستيفن كينج، ومالكولم لورى...
لقد برع الأمريكيون بشكل لا يصدق فى إدمان الكحول حتى الموت، ولكنهم بالطبع ليسوا الوحيدين؛ وهناك أيضًا ديلان توماس، وجين ريس، ومارجريت دوراس، وأوسكار وايلد، وإيان فليمنج، وفرانسواز ساجان... ولا نتحدث هنا عن تناول كمية زائدة من الكحول من حين لآخر، بل عن كوارث شخصية حقيقية، وهذيان ارتعاشى، وتدمير كامل للحياة.
حضر النرويجى كنوت هامسون، الحائز على جائزة نوبل عام ١٩٢٠، حفل توزيع الجوائز وهو فى حالة سكر شديد لدرجة أنه طرق على مشد الكاتبة السويدية سلمى لاجرلوف «الحائزة أيضًا على جائزة نوبل»، وبعد أن تجشأ، صرخ قائلًا: «كنت أعرف ذلك، كنت أعرف أنه سيصدر صوتًا كصوت الجرس!».
أما الشاعر البريطانى الرائع ديلان توماس، الذى توفى بسبب الإفراط فى الشرب عن عمر يناهز التاسعة والثلاثين، فقد قال لحبيبته قرب نهاية حياته: «لقد شربت ثمانية عشر كأسًا من الويسكى دفعة واحدة، أعتقد أن هذا رقم قياسى».
وفى سن السابعة والثلاثين، كان فوكنر يتناول على الإفطار حبتين من الأسبرين ونصف كأس من الجن ليوقف ارتعاش يديه لفترة كافية للاستحمام والحلاقة. وكان ينغمس فى نوبات شرب تستمر لأسبوع كامل، يتجول خلالها عاريًا فى ممرات الفنادق أو يختفى تمامًا.

وفى إحدى هذه النوبات، فقد وعيه وهو يرتدى ملابسه الداخلية على المدفأة، وبقى هناك حتى قام البواب بكسر الباب. وبحلول ذلك الوقت، كان قد أصيب بحروق من الدرجة الثالثة فى ظهره.
أدى إدمان فوكنر للكحول إلى دخوله المستشفى عدة مرات وخضوعه لجلسات علاج بالصدمات الكهربائية بشكل متكرر. كما تلقى همنجواى، الذى شرب ذات مرة ستة عشر كأسًا من الدايكيرى فى جلسة واحدة، نحو اثنتى عشرة جلسة علاج بالصدمات الكهربائية خلال حياته.
يتمكن بعض الكتاب من الإقلاع عن الشرب قبل أن يقدموا على الانتحار، مثل الحائز على جائزة نوبل يوجين أونيل، الذى أقلع عن الشرب فى سن الثامنة والثلاثين، أو ستيفن كينج، بعد أن جرب كل شىء فى ثمانينيات القرن الماضى: «كنت أشرب ما بين أربعة وعشرين وخمسة وعشرين علبة بيرة يوميًا، بالإضافة إلى كل ما يمكن تخيله: الكوكايين، والفاليوم، والزاناكس، وغسول الفم ليسترين، وشراب السعال...».
ويروى بوكوفسكى برعب فى كتابه «عن الكتابة» كيف أنه بعد قضاء سبع أو ثمانى سنوات «فى الشرب فقط»، أدخل إلى جناح الفقراء فى المستشفى العام، وهو يتقيأ دمًا بسبب ثقب فى معدته.
كان على وشك الموت، لكن ما أرعبه أكثر هو وصوله إلى جناح الفقراء؛ فقد اعتبرها بوضوح اللحظة الأكثر إذلالًا فى حياته. بعد ذلك، لم يشرب سوى البيرة، وهو ملاذ نموذجى لمدمن الكحول، والذى كان يفرط فى شربه، لكن بشكل أقل حدة.

فى كتابها القصصى «دليل عاملات النظافة»، تصور الكاتبة الأمريكية لوسيا برلين ما يعنيه أن تكون مدمنًا على الكحول بطريقة مذهلة ومؤلمة، لم أر مثلها فى أى مكان آخر.
من المثير للدهشة أن مشاكل الإدمان على الكحول فى العالم الناطق بالإنجليزية لطالما حظيت باعتراف أوسع. ربما يعود ذلك إلى تضخيمها تاريخيًا، وكأن السُكر يحسن مهارات الكتابة.
كان هذا الأمر شائعًا أيضًا فى إسبانيا، لدى الجيل الذى سبقنى- أولئك الكتاب الذين كانوا فى الخامسة والأربعين أو الخمسين من عمرهم عندما كنت فى العشرينيات. لقد رأيتهم يشربون بحماس مفرط ويتباهون بعلاقة الكحول بالإبداع.
لكن فى ثقافتنا، تتجاهل هذه الأمور وكأنها لا تستحق الذكر. هناك مقال بعنوان «الكحول والأدب»، نشر عام ٢٠١٧، يتجرأ فيه الكاتب خافيير باريرو على ذكر أسماء كتاب إسبان وأمريكيين لاتينيين.
بعض هؤلاء معروفون لنا فى الأوساط الأدبية: خوان بينيت، كاباييرو بونالد، داماسو ألونسو، ألفونسو جروسو، فرناندو كينونيس، خيل دى بيدما، كارلوس بارال، وآنا ماريا ماتوتى العظيمة، التى عانت سنوات عصيبة لكنها تعافت لاحقًا.
أما من الجانب الآخر من المحيط الأطلسى، فنجد خوان كارلوس أونيتى، ألفريدو برايس إتشينيكى، خوان رولفو، خوسيه دونوسو، بابلو نيرودا، وجييرمو كابريرا إنفانتى.
أتذكر مقابلة أجريتها مع الشاعر الإسبانى ليوبولدو ماريا بانيرو أثناء وجوده فى مستشفى للأمراض النفسية، أعتقد فى بلدة سيمبوزويلوس الصغيرة قرب مدريد.
سمح له بمغادرة المستشفى لبضع ساعات، قضيناها نتجاذب أطراف الحديث فى مقهى محلى بالقرية. كان يشرب البيرة الخالية من الكحول باستمرار طوال حديثنا، وهو يحتسى ببطء شديد هذه البيرة التى تبلغ نسبة الكحول فيها ٠.٥٪ والتى كانت كل ما يمكنك الحصول عليه فى ذلك الوقت، ويتناولها بشراهة مذهلة، واحدة تلو الأخرى.
فى كتاب «الإلهام المتعطش: الكحول والكاتب الأمريكى» لتوم دارديس، يقول المؤلف: «على مر السنين، أقر العديد من أفضل فنانينا بالصلة بين الفن والكحول. بل إن بعضهم ادعى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الشرب، وبإفراط، ليبلغ ذروة إبداعه».
وهذا هو الجزء الأكثر إثارة للدهشة: حتى وإن كانوا يدركون تمامًا الدمار الذى يلحقه الكحول بحياتهم، فإن الكثير منهم لم يدركوا أنه مع تفاقم إدمانهم، تدهورت أعمالهم أكثر فأكثر، حتى إنها فى بعض الأحيان جعلتهم يصمتون تمامًا.
أتفهم ما دفعهم إلى الكحول. كما ذكرنا فى البداية: لتأجيج المشاعر، وتعزيز التحرر من القيود، وكبح جماح الذات المسيطرة. لم يستطع همنجواى ولا فيتزجيرالد الكتابة دون أن يكونا ثملين، على سبيل المثال.
لكن الكحول إلهام خبيث وخائن- قاتل، قبل أن يقتلك، يهينك ويذلك ويسلبك كلماتك. وكما قال تشارلز بوكوفسكى، من واقع تجربة مريرة: «إن تجاوز هذه اللعبة يتطلب الكثير من الشرب، على الرغم من أننى لا أنصح به الكثيرين».







