ماذا يكتب العالم؟
رؤية أوسع.. العودة إلى الكتابة بعد مأساة
فى عام 2022، وهو العام الذى توفى فيه طفلى بسبب مضاعفات الولادة، ظننت أننى لن أضحك مجددًا. لم يكن ذلك يزعجنى. لم أكن أرغب فى العيش فى عالم يمكن فيه الضحك بعد فقدان طفل.
ضحكت مجددًا، بالطبع. بعد يوم واحد من وفاتها.
كنت فى المنزل، متكئة على الأريكة تحت وطأة الحزن. كانت أختى ترينى فيديو لعرض تقديمى أعدته للعمل، لكنها لم تكن تتحدث فيه كعادتها. كان صوتها مختلفًا. صوت رسمى وجاف لم أسمعه منها من قبل. كان الأمر غريبًا ومضحكًا فى آنٍ واحد. لم أستطع التوقف عن الضحك.

كان الضحك مريحًا بقدر ما كان خيانة.
رغم ما سببته لى من إزعاج، لم أتفاجأ. فأنا بطبيعتى أميل إلى الراحة والبهجة. أرتدى الكثير من اللون الوردى. أرقص وحدى فى مطبخى على أنغام أغانى البوب المرحة. أنا ذلك الشخص المزعج الذى يخبرك دائمًا بالجانب المشرق. لفترة طويلة، ظننت أن الحزن خيار.
لكننى تعلمت، بعد تجربة قاسية، أنه ليس كذلك. الحزن مكان نزوره جميعًا لا محالة، كما كتب جونى صن فى كتابه «وداعًا، مجددًا»، وهو أحد الكتب الكثيرة التى التهمتها أثناء فترة الحداد: «لا يمكنك الهروب من الحزن لأنه موجود فى كل مكان. الحزن ليس الزائر، بل أنت الزائر».
كان بإمكانى الضحك، ولكن ما الفائدة؟ ما زال الحزن ينهشنى، كما يفعل الحزن وحده. أصبحت الحياة صعبة. تباطأ الزمن. أصبح المنزل عدوى- سرير الطفل، وكرسيه الهزاز، وكتب الأطفال- كلها تذكرنى بما فقدته.
كان من المفترض أن تكون أيامى صاخبة مليئة بالرضاعة والتجشؤ وتغيير الحفاضات. لكنها كانت هادئة للغاية.
خلال كل هذا، كنت أراجع روايتى الأولى، «أظافر مشمسة»، وهى قصة متعددة الروايات عن عائلة فيتنامية مفككة تحاول إنقاذ صالون تجميل الأظافر الخاص بها من الإغلاق. إنها رواية سعيدة فى معظمها، ذات طابع كوميدى. لقد استمتعت بكتابتها، وأردت أن تكون روايتى التالية ممتعة أيضًا.
ثم انقسم الزمن إلى قسمين، قبل وفاة طفلتى وبعدها، وغمرنى حزن شديد حال دون قدرتى على كتابة أى شىء يسعدنى ولو قليلًا. فتوقفت عن الكتابة.
وكأى كاتب يمر بتجربة مؤلمة، فإن غريزته الطبيعية هى التعبير عنها بالكتابة. أن يفرغ ما فى جعبته على الورق. أن يخرجه من داخله كى لا يتفاقم ويستنزفه.

لذا، وبعد ستة أشهر من وفاتها، بدأت الكتابة.
ابتكرت شخصية خيالية تدعى كليو دانج. منحتها كل آلامى وأحزانى. تركتها تتعفن فى فراشها وتبكى فى حوض الاستحمام وتفرط فى شرب دواء السعال. جعلتها تعمل فى دار جنازات، نفس دار الجنازات التى دفنت فيها طفلتها، وجعلتها تعيش جحيمًا لا يطاق.
ثم منحتها فرصة للتنفس. منحتها شريكًا يطعمها، وأصدقاء يواسونها فى بكائها، وغرباء يقولون لها الكلام المناسب. منحتها حس الفكاهة، فسمحت لها بإطلاق نكات سوداوية حول رغبتها فى ارتكاب مجزرة على طريقة جون ويك. حتى إننى أطلقت عليها لقبًا سخيفًا: «كوت ثوى»، وهو مصطلح فيتنامى يعنى «الرائحة الكريهة».
لقد فاجأنى الجانب الفكاهى مجددًا. ثمة شىء ما فى تحويل الحزن إلى قصة خيالية يفسح المجال للفرح. يمنحك ذلك مسافة ورؤية أوسع. والأهم من ذلك، يمنحك المرونة التى غالبًا ما يفتقدها الحزن.
كان إضافة نكتة ساخرة هنا وأخرى مبتذلة هناك هو السبيل الوحيد الذى مكننى من كتابة هذا الكتاب دون أن أرغب فى الموت. السبيل الوحيد الذى مكننى، إن جاز التعبير، من الاستمتاع.
كنت قلقة من أن يكون هذا غير لائق. وأن يكون الاستمتاع خطأ. ففى النهاية، لا شىء مضحك فى موت طفل رضيع. ووفقًا لمقياس إعادة التكيف الاجتماعى، الذى يقيس حجم بعض ضغوطات الحياة، يعد فقدان طفل من أشد الخسائر التى قد يمر بها الإنسان.
ومع ذلك، ما زلت أستطيع الضحك. كثير من الآباء الذين فقدوا طفلًا يفعلون ذلك. ربما ليس بنفس الوتيرة التى كانوا عليها سابقًا، لكنهم يصبحون قادرين على ذلك تدريجيًا. قد يبدو الحزن والضحك متناقضين، لكن الحزن والحياة كذلك، ومع ذلك فنحن جميعًا نفعل ذلك.
فى مقالها المنشور فى مجلة n+١، كتبت رايفن ليلانى: «الفكاهة، كالحزن والشعر، هى أحيانًا لغة التنافر: أشياء متباينة جنبًا إلى جنب تعكس على بعضها البعض مفاجأة أو معنى مشتركًا».

الحزن عبثى بنفس الطريقة التى تكون بها الفكاهة عبثية. أعتقد أن هذا هو سر انسجامهما. ككتاب، علينا أن نثق بجمهورنا، وأن نثق بهم ليروا فى الفكاهة رفيقًا للألم، لا إنكارًا له.
لا يزال كتابى كتابًا حزينًا للغاية. لكن الكتب الحزينة لا يجب أن تكون كتبًا مؤلمة. فرغم أنه قد لا تكون هناك نهاية سعيدة، لأن الحزن لا ينتهى أبدًا، إلا أنه يمكن أن يكون هناك جانب من المرح.
كتاب آخر قرأته بعد وفاة طفلى هو مذكرات إليزابيث ماكراكين عن طفلها الذى ولد ميتًا، بعنوان «نسخة طبق الأصل من خيالى».
وجدت عزاءً فى معرفة أن هناك أمًا أخرى ثكلى وجدت السلوى فى الفكاهة: «أما أنا، فأعتقد أنه إذا كان هناك إله، وأنا محايدة قدر الإمكان فى هذا الموضوع- فإن أبسط دليل على وجوده هو الفكاهة السوداء.
ما الذى يفسر ذلك، ذلك العزاء الغريب والموثوق الذى يظهر فى أسوأ اللحظات، مثل غروب شمس جميل منسوج من الدخان فوق مدينة مدمرة؟».
عندما انتهيت من كتابة كتابى «كليو دانج تفضل الموت»، شعرت بأمل عميق. اعتنيت بحزن كليو كما أعتنى بحديقة جامحة، رعيته حتى استطعت أن أحوله إلى جمال بطريقة ما.
نعم، جعلتها تمر بجحيم حقيقى، لكننى انتشلتها منه أيضًا. منحتها الدعم والقوة والأمل. ومن خلال كتابة كل ذلك، منحت نفسى الأمل أيضًا.







