التاريخ السرى لأبرهة الحبشى.. وليد فكرى: لم يَغزُ مكة لتحويل الناس إلى المسيحية
- القول بأن غزو أبرهة مكة كان بدافع الغيرة الدينية مجرد تفسيرات سطحية
- القرآن ذكر أصحاب الفيل لكن لم يشرح مَن هم
- قد يبدو غريبًا أن تسير الأفيال فى صحراء الجزيرة العربية لكنه ليس مستحيلًا
- التاريخ الإسلامى ملىء بالجماعات المتطرفة التى استغلت الدين لأغراضها
- العرب لم يرتكبوا مذابح عندما دخلوا مصر
- الإخوانى على الصلابى ادّعى أن محمد على باشا ماسونى وأن حكمه مصر مؤامرة
- العديد من الأحداث التاريخية أعيد تفسيرها لخدمة توجهات معينة
فى كتابه الجديد «أبرهة الحبشى.. الحقيقة وراء القصة الشائعة لأصحاب الفيل»، الصادر عن دار الرواق للنشر والتوزيع، يواصل الباحث والمؤرخ وليد فكرى رحلته فى تفكيك السرديات التاريخية وإعادة قراءة الوقائع التى شكّلت الوعى الجمعى عبر القرون.
لا يكتفى وليد فكرى بسرد قصة أبرهة الحبشى، بل يعود إلى جذور الحكاية منذ بلقيس ملكة سبأ وعلاقتها بالنبى سليمان، ثم يتنقل عبر العصور ليصل إلى قصة أصحاب الفيل، متجاوزًا إياها إلى ظاهرة مدّعى النبوة وما ارتبط بها من أساطير وروايات.
الكتاب يقدّم مادة ثرية تجمع بين السرد التاريخى الشيّق، والتحليل النقدى، وإبراز مختلف آراء المؤرخين، ما يجعله مرجعًا ممتعًا للقارئ الباحث عن الحقيقة خلف الأسطورة.
والتقت «حرف» الباحث وليد فكرى، ودار معه هذا الحوار حول دوافعه، ومنهجه، ورؤيته لإعادة قراءة التاريخ العربى والإسلامى.

■ كيف جاءت فكرة كتابك «أبرهة الحبشى.. الحقيقة وراء القصة الشائعة لأصحاب الفيل»؟
- الفكرة لدىّ منذ زمن، حتى إننى ناقشتها فى حلقة من حلقات برنامج «قعدة تاريخ» لكنها لم تكن بالاستفاضة كما ظهرت فى الكتاب. فى الحقيقة دائمًا ما أشعر بأن هناك سطحية فى قراءة القصة؛ إن القصة التى كنا ندرسها، حتى فى كتب القصص الدينى الذى كان يقدم للأطفال والناشئين، أن أبرهة كان غيورًا من الكعبة فذهب ليهدمها.
فشعرت هنا بأن الموضوع غريب قليلًا، نحن هنا نتحدث عن شخص عندما تعمّقت أكثر فى شخصيته شعرت بأن هذه القصة مختصرة جدًا، وغير مناسبة لشخصية أبرهة أو لطبيعة شخص مثله، على العكس تمامًا، هو شخص معروف بالدهاء الشديد، وبالذكاء السياسى، وبأنه كان معروفًا أيضًا بقدرته على التحكم فى انفعالاته، ففكرة أن يخرج أبرهة بحملة كاملة ويثير غضب القوى العظمى فى هذا الوقت، مثل دولة الروم والدولة الفارسية ودولة الحبشة، بسبب تهديده طرق التجارة العالمية، فلن يقوم بحملة دون أن يكون هذا جزءًا من خطة أكبر، أو لمجرد أنه يغار من أن الناس تذهب إلى الكعبة أو لا تذهب إلى الكنيسة التى بناها، فهو أمر فى الحقيقية بدا لى غريبًا جدًا.
ومن هنا جاءت الفكرة، وهى أنه دائمًا وراء الأحداث التاريخية، ووراء القسوة التاريخية، توجد تفاصيل أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، توجد الكثير من البراهين والدلائل التى تجعلنا نفكر قليلًا فى الأمر ونستبعد الكثير من الآراء وفقًا لهذه الدلائل.

■ أوردت ٦٣ مرجعًا لكتابك.. كيف كانت رحلة التأليف؟
- أريد أن أقول لك شيئًا غريبًا قليلًا، هذا الكتاب أخذ وقتًا كبيرًا منذ أن بدأت فيه حتى سلّمته، وهو أكثر كتاب استغرق وقتًا من بين جميع كتبى، ليس فقط لأن موضوعه احتاج إلى بحث كثير، بل لسبب آخر أيضًا.
كنت قد بدأت كتابته أصلًا قبل نشره بسنتين. ولو لاحظت، فإن آخر عمل نشرته كان فى عام ٢٠٢١، وهو كتاب «الجريمة العثمانية»، المهم أننى مررت بفترة كنت أعانى فيها مما يُسمى بحالة العجز عن الكتابة، كأنك نسيت كيف تكتب، وهى مشكلة كبيرة ولها بُعد نفسى.
كنت أمرّ ببعض الظروف النفسية غير الطيبة؛ فالناس تستغرب حين تقول لى: كيف ذلك، وبرنامجك كان ناجحًا، وكنت تظهر أمام الناس بشكل طبيعى ومبتسم؟ لكن الفكرة أن الصورة النمطية عن الشخص المصاب بالاكتئاب ليست صحيحة؛ فقد كنت بالفعل مشخصًا باضطراب القلق، وكان هناك أيضًا اكتئاب، وكنت أتلقى العلاج. فالشخص المصاب بالاكتئاب ليس بالضرورة مهملًا أو منعزلًا، بل قد يكون مقبلًا على الحياة ومبتسمًا.
فى تلك الفترة لم أكن قادرًا على الكتابة إطلاقًا، فظل الكتاب يتأجل مرارًا، إلى أن جاء الوقت، ستجد فى أول الكتاب إهداءً لوالدتى وإخوتى وأقرب أصدقائى، وهؤلاء يمكن أن تقول إنهم ألحّوا علىّ، وقالوا لى: عليك أن تنهض مما أنت فيه وتعود للكتابة. وبالفعل، عدت وأكملت العمل؛ فقد كنت قد أنهيت أول أربعة فصول، ثم مرّت سنتان، وبعدها أكملت بقية الكتاب.
أما الفترة التى بينهما فقد استثمرتها فى البحث؛ فبدلًا من الكتابة تعمّقت أكثر فى جمع المعلومات والإعداد للكتاب، فلم أُضِع الوقت.. وهذه هى قصة الكتاب.

■ توسعت فى البحث ولم تكتفِ بسيرة أبرهة.. لماذا؟
- أولًا، هدفى ليس السرد بل البحث، ولكى تبحث لا بد أن تنظر إلى ما قبل الحدث وما بعده. عليك أن تسأل: ما الذى مهّد لما حدث؟ أبرهة هو جزء من كلٍّ أكبر، كقطعة فى لعبة كبيرة، قد تكون مهمة جدًا، لكنها ضمن منظومة أوسع.
هذا يتكرر كثيرًا فى التاريخ؛ إذ يُسلَّط الضوء على حدث معيّن، رغم أنه جزء من سلسلة أحداث. على سبيل المثال، فى تاريخ العصور الوسطى تُعد شخصية صلاح الدين الأيوبى المشهد الرئيسى فى فترة الحروب الصليبية، أو ما يُعرف بحروب الفرنجة فى الشرق. وكذلك واقعة «عين جالوت» تُعد المشهد الأبرز فى الصراع بين المغول والمسلمين، خاصة دولة المماليك.
المقصود أن الحدث الذى نركز عليه قد يكون مجرد حلقة فى سلسلة أكبر بكثير مما نتصور. لذلك اهتممت بتقديم السياق؛ فحديثى عن أبرهة هو المشهد الجذاب فى الكتاب، لكنه ليس القصة الوحيدة، بل هو ذروة الأحداث التى بدأت قبله واستمرت آثارها بعده.
■ لماذا لم تتبع المنهج العلمى فى البحث بأن تكتب هوامش تعين القارئ على تصفح الكتب التى نقلت عنها؟
- أنت تقصد المنهج الأكاديمى، أى التوثيق الأكاديمى. لأن المنهج العلمى مفهوم واسع جدًا، يشمل أعمالًا أكاديمية وأعمالًا غير أكاديمية، أما عن التوثيق الأكاديمى الذى تتحدث عنه فيلجأ إليه البعض فعلًا، وأنا نفسى- بالمناسبة- عندما أكتب شيئًا لغرض أكاديمى ألتزم به. وقد سبق أن كانت لى تجربة فى المشاركة فى كتاب صادر عن مكتبة الإسكندرية، هو كتاب Alexandria a city and a legend، وهذا الكتاب شارك فيه عدد من الأسماء الكبيرة من مصر ومن خارجها، وهناك كنت أكتب بالتوثيق الأكاديمى كما هو متعارف عليه.
أما فى هذا الكتاب فقد تعمدت أن أضع المراجع كلها فى النهاية. ببساطة شديدة، لأننى لا أريد أن أُسهّل المهمة على القارئ، بل أريد أن أستفزه. فنجاح كتابى- أى كتاب لى- ليس أن تقرأه وتعتبره المصدر النهائى للمعلومة، بل أن تعود إلى المراجع وتقرأ فيها من أولها إلى آخرها. ليس بالضرورة أن تقرأها كلها، ولكن عندما تمسك أحدها، لا تكتفِ بالجزء الذى نقلتُ عنه، بل اقرأه كاملًا. وذلك حتى يكون لك تفكيرك الخاص، حتى لو وصلت إلى نتيجة مختلفة عن التى وصلتُ إليها. فهذا هو هدفى من الكتابة، وكذلك من الحلقات والبرامج، أن أستفز المتابع- خاصة الشباب- ليقرأ ويبحث، لا أن ينتظر المعلومة جاهزة.. هذا ما أريد الوصول إليه.
■ بالرغم من أنك تكتب فى التاريخ والتوثيق فإنك تكتب بلغة أدبية مشوّقة.. ألم تفكر يومًا فى كتابة رواية تاريخية؟
- بالنسبة للرواية التاريخية فأنا لم أفكر فقط بل أعمل بالفعل عليها. نعم، أنا منخرط فى هذا المجال حاليًا، إذ أعمل على أكثر من مشروع فى الوقت نفسه، وأُفضّل عدم الحديث عنها فى الوقت الراهن، سوف أجعلها مفاجأة للقارئ.

■ فى كتابك عرّجت على سيرة سيف بن ذى يزن.. لكنك ذكرت أن حكمه دام أربع سنوات.. فى رأيك هل تكفى ٤ سنوات ليملك هذا الرجل كل هذه السيرة؟
- سأقول لك شيئًا: سيف بن ذى يزن، حسبما ورد فى كتب التاريخ، حكم فترة قصيرة، لكن السيرة الشعبية تختلف تمامًا؛ فهى مليئة بالمبالغة، وبالأحداث الكثيرة، والتفاصيل التى تفوق ما يرد فى المصادر التاريخية، كما أن السيرة الشعبية لا تقتصر على فترة حكم الشخصية، بل تتناول حياته منذ مولده حتى وفاته. خذ مثلًا السيرة الشعبية للظاهر بيبرس، فهى عمل ضخم يمتد إلى عدة مجلدات، وكذلك سيرة الأميرة ذات الهمة، فهى أيضًا ضخمة للغاية.
الفكرة هنا أن هذه السِير تتشكل وفق خصوبة الخيال الشعبى، وليست من تأليف شخص واحد، بل هى تراكم لحكايات وقصص شعبية تتداخل وتتضافر. ومن ثم، قد تنتج عددًا كبيرًا من المجلدات حسب هذا التراكم الخيالى.

■ لا يوجد عصر يخلو من أناس استخدموا الدين لخدمة أغراضهم.. لماذا فى رأيك؟
- بالنسبة لاستغلال الأديان فالأمر فى جوهره صفة بشرية. الإنسان بطبيعته يستخدم كل ما لديه بطرق متعددة. خذ مثالًا بسيطًا: الاختراعات والاكتشافات، هناك كتاب، أظن لمؤلف يُدعى ريتشارد كارير اسمه «بلا قيود»، يتحدث عن التقدم الذى حققه الإنسان، وكيف حرّره من قيود، لكنه فى الوقت نفسه أوجد قيودًا جديدة.
لنأخذ مثالًا، النار: هل استخدمها الإنسان فقط للتدفئة والإضاءة أم استخدمها أيضًا فى الحروب والقنابل وصناعة الأسلحة؟ بالطبع استخدمها فى الأمرين. وهكذا الحال فى كل شىء، بما فى ذلك الدين.
ستجد أننا نحارب التنظيمات والتطرف والتكفيريين ولكن سيظل الكثيرون يحاولون استغلال الدين بشكل سيئ، وتوظيفه لمنفعة خاصة وأغراض شريرة. سنجد دائمًا من يحارب التطرف والتنظيمات المتشددة، لكن فى المقابل سيظل هناك من يحاول استغلال الدين لأغراض خاصة. وهذا لا يقتصر على دين بعينه، بل ينطبق على جميع الأديان، بل وعلى كل شىء: العلم، والأفكار، والفلسفات، كلها قد تُستخدم استخدامًا إيجابيًا أو سلبيًا.
وفى التاريخ الإسلامى، مثلًا، ظهرت جماعات مختلفة عبر العصور، من الخوارج إلى القرامطة والحشاشين إلى غيرهم. الفكرة أن هذه ظاهرة إنسانية مستمرة، وستظل كذلك، العلم والأفكار والمبادئ أيضًا تستخدم بشكل شرير، هى طبيعة بشرية والحرب ضدها لا بد أن تكون دائمة.
■ قلت إن بناء أبرهة كنيسة القليس ليس مجرد عاطفة دينية حارة وإنما لتأكيد مركزه كملك لدولة كبيرة.. وهو أيضًا ما حدث فى ترميمه سد مأرب.. فكيف لملك ليس لديه عاطفة تجاه كنيسته أن يقال عليه فيما بعد أن غزوه مكة ومحاولته هدم الكعبة كان لتحويل الناس للمسيحية وارتياد كنيسته كما زعم كثير من المؤرخين؟
- بالنسبة لأبرهة وكنيسته فمن المعروف أن كثيرًا من الملوك فى ذلك الزمن كانوا يسعون إلى تشييد مبانٍ عظيمة، خاصة فى المجتمعات التى يحتل فيها الدين مكانة كبيرة، إذ كانوا يحرصون على أن يرتبط اسمهم بعمل دينى كبير.
لكن هل يعنى ذلك أنه لا يمتلك عاطفة دينية؟ ليس بالضرورة. فهذه مسألة نفسية داخلية. قد تكون لديه عاطفة دينية، لكننا حين نحلل الأحداث ننظر إلى مدى تأثير هذه العاطفة فى سلوكه.
الإنسان تحكمه مجموعة من العواطف المتداخلة، وليست عاطفة واحدة. هذه العواطف تتفاعل فيما بينها، كالتفاعلات الكيميائية، لتنتج فى النهاية السلوك. لذلك لا يمكن إرجاع تصرف واحد إلى دافع واحد فقط.
أما القول بأن غزوه مكة كان بدافع الغيرة الدينية، فهذه تفسيرات مبسطة. الناس تميل إلى التفسيرات السهلة، لا المعقدة. لكن التحليل العلمى يستدعى النظر فى أبعاد نفسية واجتماعية وتاريخية أعمق، وقد أوردت فى الكتاب بعض الروايات الشعبية، ليس لإثبات صحتها، بل لعرض تنوع القراءات والتفسيرات للأحداث.

■ لماذا تركت بعض المصادر ولم تشر إليها فى سياق حديثك عن أبرهة الأشرم مثل نقوش بعثة ريكمانز أو مريغان فى اليمن؟
- أنا لم أترك المصادر، ولكننى وبمنتهى البساطة أختار منها ما يناسب القارئ. عندما أكتب، أراعى ما قد يجذب القارئ، وما قد يكون معقدًا عليه إذا لم يكن متخصصًا.
فلو سألنى قارئ بعد ذلك عن النقوش والدراسات الأثرية، يمكننى توجيهه إلى مصادر أكثر تخصصًا. كما أن بعض المراجع التى اعتمدت عليها تناولت هذه النقوش ودرستها بالفعل، وبالتالى فإن الإشارة إليها تكفى، أنا أحاول تحقيق توازن: لا أُثقل على القارئ، ولا أُفرّط فى الإحالة إلى المصادر. فبعض المراجع قد تكون شديدة التعقيد، فأفضّل عدم إدراجها حتى لا تُربك القارئ.

■ قلت إن حملة أبرهة لم يكن مقصدها الكعبة وإن هناك قولًا آخر يتمثل فى أن أصحاب الفيل الذين ذكروا فى القرآن هم قوم غير قوم أبرهة الحبشى لكنك استبعدت هذا الرأى بسبب استنكار زاعميه أن الأفيال الإفريقية لا يمكن أن تسير كل هذه المسافة وضربت مثلًا بأفيال هانيبال القرطاجى.. ما رأيك النهائى فى هذه المسألة؟
- سأقول لك شيئًا: مسألة أن المؤرخين قالوا إن الحملة كانت لأبرهة أم لا، فالقرآن الكريم- فى سورة الفيل- لم يحدد ذلك صراحة؛ إذ ذكر أصحاب الفيل، وأن كيدهم جُعل فى تضليل، وأن الله أرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فصاروا كعصف مأكول. لكن لم يُذكر تحديدًا من هم أصحاب الفيل، هنا نحن نجمع قطع الصورة. فالقرآن نزل على قريش، وعلى نبى قرشى، وكان يخاطب العرب، وعندما يقول: «ألم ترَ»، فهو يشير إلى أمر معروف لديهم أو متداول بينهم. وعند الرجوع إلى مروياتهم نجد حديثًا عن عام الفيل واستخدام الأفيال.
فمن أقرب مَن استخدم الأفيال فى تلك المنطقة؟ إنها مملكة الحبشة، والدولة التى أقامها أبرهة. وعندما نستبعد المستحيل نجد أنفسنا أمام الحقيقة مهما بدت غريبة، نعم، قد يبدو غريبًا أن تسير الأفيال فى صحراء الجزيرة العربية، لكنه ليس مستحيلًا، ويمكن تفسيره، فالمسألة بالنسبة لى ليست مسألة الفيل، بل مسألة التفكير المنطقى.
■ مَن يقرأ كتابك وكتبك عمومًا يجد أن الكثير من الأحداث التى نعاصرها أو نعرفها تعرضت لتحريف أو تبديل أحيانًا.. لمصلحة مَن اللعب فى الأحداث والتواريخ بهذه الكيفية؟
- هذا موضوع كبير جدًا، لكن سأبسطه. التحريف نوعان: تحريف مقصود، وتحريف غير مقصود، أما المقصود فمثاله ما حدث مع مؤرخ قبطى يُدعى يوحنا النقيوسى، وهو أسقف مدينة نقيوس، الذى شهد دخول العرب إلى مصر، وحدث أن يوحنا كتب عمّا رآه وشاهده رأى العين من دخول العرب، هو كتب مذكراته وكتب أيضًا عن تاريخ مصر عامة، ولاحقًا ظهرت نسخة من كتابه مكتوبة باللغة الحبشية، وهذه النسخة تضمنت روايات فيها مبالغات واتهامات وافتراءات على العرب، عن الكثير من المذابح التى أقاموها إبان دخولهم مصر، وأمور غريبة جدًا، وقد فُسّر ذلك فى سياق الصراع بين الحبشة والسلطنة المملوكية فى ذلك الوقت، حيث استُخدمت هذه الروايات ذريعة للتدخل السياسى.
فهذا نموذج للتحريف المتعمد، وحدث ذلك بسبب أنه فى هذا التوقيت كان الأحباش يحاولون التدخل بقوة، فقالوا مثلًا إن المماليك يضطهدون الأقباط المصريين، وغيرها من الأمور.
وهناك نوع آخر من التحريف يتم بدوافع أيديولوجية، إذ قد يُعاد تفسير الأحداث لخدمة توجهات معينة، مثل الأغراض السياسية المتطرفة، وعلى سبيل المثال هناك كتب على الصلابى، وهو يشغل منصب الأمين العام للاتحاد العالمى لعلماء المسلمين، ونحن نعرف تمامًا لمن انتماؤه، وكان مساعدًا ليوسف القرضاوى، وهو أيضًا مدرج على قوائم الإرهاب، وكل كتبه تخدم الأيديولوجية الإخوانية التى ينتمى إليها، لدرجة أنه فى كتابه «الدولة العثمانية»، اتهم محمد على باشا بأنه ماسونى، وأن حكمه مصر مؤامرة من الماسونيين، وهو من النماذج التى تحرّف لخدمة أيديولوجية وبسوء نية.
أما التحريف غير المقصود فيشبه لعبة «الهاتف المكسور»؛ حيث تنتقل القصة من شخص إلى آخر، فيضيف كلٌّ منهم شيئًا أو يسىء الفهم، فتتغير الرواية تدريجيًا. وهذا أمر طبيعى فى انتقال الأخبار عبر الزمن وإضافة الكثير مما لم تحوه القصة الأصلية.
أما لمصلحة مَن هذا التحريف؟، فالقائمة تطول، وما هى أسباب التحريف؟، فالقائمة أطول بكثير.

■ هناك أمور لا تعقل أوردتها مثل رؤية الملك ربيعة وما قاله الكاهنان سطيح وشق.. لماذا سجلتها هنا؟
- هذه القصص أوردها بوصفها قصصًا شعبية أو أسطورية. وأنا غالبًا ما أوضح ذلك. فالأسطورة بطبيعتها تتضمن خوارق ومبالغات، وهذا أمر طبيعى، قد يكون أصل هذه القصص أشخاصًا حقيقيين لديهم صفات أو تشوهات معينة، ثم بالغ الخيال الشعبى فى وصفهم. كما أن المبالغة أسلوب معروف فى الحكى الشعبى، لكن أهمية هذه القصص ليست فى صدقها، بل فى كونها تعكس طريقة تفكير الناس فى ذلك الزمن، وكيف كانوا يرون العالم. وهذا بالنسبة لى أمر مهم.
■ الكل يعرف دعوة مسيلمة الكذاب ونبوته المزعومة لكنك كتبت عن رجل ادّعى النبوة أقوى منه وهو عيهلة بن كعب.. لماذا غاب عيهلة عن الذكر واشتهرت قصة مسيلمة؟
- قصة مسيلمة أخذت مساحة أكبر لأنها استمرت مدة أطول، ولأنها ارتبطت بأحداث درامية أكثر. كما أن مسيلمة كان مدعومًا من قومه، فازدادت خطورته، أما عيهلة فكانت تجربته قصيرة، وكان يحكم بأسلوب قاسٍ، ما جعل سقوطه سريعًا. كما أنه لم يكن يحظى بنفس الدعم، فكان يحمل فى داخله أسباب سقوطه، إضافة إلى ذلك، فإن قصة مسيلمة ارتبطت مباشرة بأحداث فى زمن النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، مما منحها حضورًا أكبر فى الروايات، بالرغم من أنه أضعف من أن يوحّد قبيلته أو قومه، ولكن هناك زعماء استخدموه، وبالتالى خطورته كما سبق وقلت كانت أكبر، وكان له لقاء مباشر بينه والرسول، حين طلب إشراكه فى النبوة مع سيدنا محمد، وبالتالى رفض نبينا هذا الأمر، وهناك الكثير من الأحداث الدرامية التى ساهمت فى انتشار القصة فأخذت حجمًا أكبر.
■ ذكرت قصة الملك نواس ورميه المسيحيين فى الأخدود.. ما ترى فى هذه القصة؟
- واقعة الأخدود ليست حدثًا منفصلًا، بل هى جزء من سياق أكبر من الصراعات الدينية والسياسية فى ذلك الزمن، وهى فى الوقت نفسه نتيجة لما سبقها، وسبب لما تلاها.
فقد تداخلت فيها عوامل متعددة، مثل الصراع بين القوى الكبرى، والتوظيف الدينى، إضافة إلى شخصية الملك نفسه، التى كانت مهيأة لارتكاب مثل هذا الفعل.
لذلك، لا يمكن فهم الحدث بمعزل عن سياقه، بل يجب النظر إلى ما قبله وما بعده، لفهم الصورة الكاملة.
■ هل نشهد كتبًا أخرى متفرعة من كتابك «أبرهة الحبشى»؟
- حتى الآن لا أستطيع الجزم، لكن أحيانًا يحدث ذلك دون أن أكون منتبهًا. فقد أعود إلى كتاب قديم، فأجد فكرة صغيرة يمكن أن تتحول إلى مشروع مستقل.
وقد حدث هذا من قبل، مثل كتاب «أساطير مقدسة»، حيث فتح لى أحد فصوله باب التفكير فى مشروع آخر، فحين كتبت «فصل الشيطان» هو الذى فتح الباب لكتابى «أرباب الشر» لذلك أمر وارد جدًا فى المستقبل أن يكون هناك شىء شبيه لهذا، من الممكن أن يخرج من هذا الكتاب أفكار مستقبلية، لكن الأمر غير محسوم الآن.







