المحرر العام
محمد الباز

أوسكار 2026.. لحظات الفن والسياسة على خشبة التتويج

حرف

كل عام يبدو حفل Academy Awards وكأنه احتفال بالسينما، لكنه فى الحقيقة لحظة تعلن فيها الصناعة صورتها عن نفسها. ليلة الأوسكار ليست مجرد منصة لتوزيع الجوائز، لكنها مسرح رمزى تُعاد فيه صياغة فكرة هوليوود عن ذاتها: ما نوع القصص التى تستحق أن تتصدر المشهد؟ وما نوع النجوم الذين يمثلون روح اللحظة؟ 

دورة 2026 جاءت أقل صخبًا من سنوات سابقة، لكنها بدت أكثر ميلًا إلى استعادة فكرة «السينما الكبرى» التى تجمع بين الطموح الفنى والخطاب الثقافى. 

وبينما كانت الأضواء تتلألأ فوق المسرح، كان الصراع الحقيقى يدور بين تصورات مختلفة للسينما: السياسة بوصفها دراما، الملحمة الشعبية بوصفها عرضًا بصريًا ضخمًا، والشعر الهادئ الذى يبنى تأثيره من التفاصيل الصغيرة.

كونان أوبراين

فى قلب هذا المشهد جاء تتويج فيلم One Battle After Another كأفضل فيلم، مع فوز مخرجه Paul Thomas Anderson بجائزة الإخراج، إلى جانب جوائز أخرى للفيلم مثل السيناريو المقتبس وcasting Best وأفضل ممثل مساعد لـSean Penn. 

فى المقابل حافظ فيلم Sinners على حضوره القوى بحصوله على جوائز مهمة بينها السيناريو الأصلى والموسيقى التصويرية والتصوير السينمائى، إضافة إلى فوز Michael B. Jordan بجائزة أفضل ممثل. أما جائزة أفضل ممثلة، فذهبت إلى Jessie Buckley عن فيلم Hamnet، بينما فاز Sentimental Value بجائزة أفضل فيلم دولى. 

وفى الفئات التقنية ذهبت جائزة المؤثرات البصرية إلى Avatar: Fire and Ash، وجائزة الصوت إلى F١، بينما فاز فيلم KPop Demon Hunters بجائزة أفضل فيلم رسوم متحركة، وحصل الوثائقى Mr. Nobody Against Putin على جائزة أفضل فيلم وثائقى.

فوز One Battle After Another بجائزة أفضل فيلم يبدو امتدادًا لنمط قديم فى الأوسكار: الميل إلى الأفلام التى تمزج الطموح الفنى بالثقل السياسى. هذا النوع من الأعمال يمنح الجائزة بعدًا يتجاوز التقييم الجمالى، إذ تبدو الأكاديمية وكأنها تصوت على موقف أو رؤية للعالم. الفيلم نفسه يبنى عالمًا سياسيًا مضطربًا تتحرك فيه شخصيات تحاول فهم علاقتها بالسلطة والتاريخ، وهو نوع من السرد يمنح المصوتين إحساسًا بأن اختيارهم يحمل وزنًا ثقافيًا، لا مجرد إعجاب بفيلم ناجح.

فى السياق نفسه، يأتى فوز Paul Thomas Anderson بجائزة الإخراج ليؤكد مكانته كأحد أهم مخرجى جيله. 

الأكاديمية كثيرًا ما تتأخر فى تكريم المخرجين الذين يبنون مسارات فنية طويلة ومعقدة، ثم تمنحهم الجائزة عندما تصل تجربتهم إلى لحظة تبدو فيها مكتملة. فى هذا المعنى لا يبدو الأوسكار هنا مجرد مكافأة على فيلم واحد، لكنه اعتراف بمسار كامل من البحث السينمائى.

جائزة السيناريو المقتبس التى حصل عليها الفيلم نفسه تفتح زاوية أخرى للقراءة. السينما الأمريكية تعيش منذ سنوات علاقة وثيقة مع النصوص السابقة: روايات، مذكرات، أحداث تاريخية. وتحويل هذه المواد إلى فيلم ناجح يتطلب أكثر من مجرد نقل الحكاية؛ إنه إعادة بناء كاملة للزمن والشخصيات والدراما داخل لغة الصورة، عندما يفوز فيلم بهذه الجائزة فهو يُكافأ ليس فقط على قصته، إنما على قدرته على تحويل مادة أدبية أو تاريخية إلى تجربة سينمائية حية.

جائزة أفضل اختيار فريق التمثيل «Casting Best)» التى حصل عليهاOne Battle After Another كانت أول مرة تُمنح فى تاريخ الأوسكار، ما يجعل هذا الفوز حدثًا تاريخيًا مهمًا. الجائزة تكرّم قدرة الفيلم على جمع فريق متكامل يحقق التفاعل الدرامى المطلوب ويخدم الرؤية الفنية للمخرج.

مايكل بى. جوردان

فى فئة السيناريو الأصلى، جاء فوز Sinners ليؤكد حضور الفكرة الجديدة داخل سباق هذا العام. هذه الفئة غالبًا ما تُقرأ بوصفها مساحة تكافئ الخيال الحر، حيث لا يعتمد الفيلم على نص سابق، بل على رؤية تولدت من داخل السينما نفسها. عندما تفوز فكرة جديدة بهذه الجائزة فإن الأكاديمية تعلن، بطريقة غير مباشرة، عن أن السينما ما زالت قادرة على ابتكار حكاياتها الخاصة.

فوز الفيلم نفسه بجائزة التصوير السينمائى يفتح بابًا آخر لفهم قوته. الصورة فى السينما ليست مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل طريقة لرؤية العالم. الضوء، الظل، زاوية الكاميرا، حركة العدسة؛ كلها عناصر تخلق المعنى بقدر ما تخلقه القصة. 

الاعتراف بالتصوير هنا يعنى أن الفيلم استطاع أن يبنى عالمه البصرى بطريقة تظل عالقة فى الذاكرة ، وذهاب الجائزة إلى Autumn Durald Arkapaw هى لحظة تاريخية أيضًا لأنها أول مرة تفوز بها امرأة، ما يضيف بعدًا رمزيًا لتمثيل النساء فى أقسام صناعة السينما التقنية.

كما أن حصوله على جائزة الموسيقى التصويرية يذكر بدور الصوت الخفى فى صناعة العاطفة داخل الفيلم. الموسيقى فى السينما تعمل مثل تيار غير مرئى يقود إحساس المشاهد، يرفع التوتر أو يخففه، ويمنح اللحظة الدرامية عمقها الشعورى.

فى فئة التمثيل يعكس فوز Michael B. Jordan عن Sinners تقديرًا للأدوار التى تقوم على التحول الداخلى والصراع النفسى. الشخصية التى يقدمها تمر بمسار درامى واسع يسمح للممثل بإظهار طيف كبير من الانفعالات، وهو النوع من الأداءات التى تحب الأكاديمية مكافأتها لأنها تمنح التمثيل بعده الاستعراضى والإنسانى فى الوقت نفسه.

على الطرف الآخر جاء فوز Jessie Buckley عن Hamnet كتذكير بأن السينما لا تُبنى دائمًا على الانفجارات الدرامية. أداؤها يعتمد على الإيقاع الداخلى وعلى اقتصاد التعبير، حيث تتشكل الشخصية من خلال نظرات وتفاصيل صغيرة أكثر مما تتشكل عبر لحظات صاخبة. مثل هذه الجوائز تشير إلى أن الأوسكار، رغم ميله إلى الأفلام الضخمة، لا يزال يترك مساحة للأداءات الدقيقة التى تقوم على الحساسية والهدوء.

أما جائزة أفضل ممثل مساعد التى ذهبت إلى Sean Penn فتعكس تقليدًا آخر راسخًا فى الأوسكار: تكريم الممثلين المخضرمين عندما يقدمون أدوارًا تمنح الفيلم ثقله الدرامى. أداء «بن» هنا لا يقوم على تحول جذرى بقدر ما يقوم على الحضور والكاريزما، لكنه يضيف إلى الفيلم طبقة من السلطة والخبرة يصعب تجاهلها.

خافيير باردم

وفى مفاجأة مهمة، حصلت Amy Madigan على جائزة أفضل ممثلة مساعدة عن فيلم Weapons. هذه الإضافة تكمل خريطة الجوائز وتعكس الاهتمام بالأداءات الداعمة التى تمنح الفيلم ثقله الدرامى.

فى الجوائز التقنية يظهر وجه مختلف للسينما، وجه الحرفة الخفية التى تبنى التجربة البصرية والسمعية. فوز Avatar: Fire and Ash بالمؤثرات البصرية يواصل تقليد هذه السلسلة فى دفع حدود التكنولوجيا السينمائية، بينما يعكس فوز F١ بجائزة الصوت تقديرًا للأفلام التى تحول المشاهدة إلى تجربة حسية كاملة.

حتى فى الفئات التى تبدو بعيدة عن السينما «الكبرى» تظهر ملامح المزاج العام للصناعة. فوز KPop Demon Hunters بجائزة أفضل فيلم رسوم متحركة يعكس اتساع خيال السينما المعاصرة وقدرتها على المزج بين ثقافات مختلفة داخل صورة واحدة. أما فوز الوثائقى Mr. Nobody Against Putin فيؤكد أن السياسة لا تزال تجد طريقها إلى الأوسكار عبر السينما غير الروائية، حيث تصبح الكاميرا أداة مواجهة مباشرة مع الواقع.

إيمى ماديجان

بعض الأفلام الأخرى حصلت على جوائز تقنية مهمة مثل تصميم الإنتاج، الماكياج، وأفضل فيلم قصير، أمثلة على ذلك Frankenstein وThe Girl Who Cried Pearls. هذه الجوائز تظهر الجهد الكبير وراء الكواليس فى صناعة تجربة سينمائية متكاملة

موقف خافيير على المسرح كان لحظة لا تُنسى، عندما رفض الصمت وقال بصوت واضح: «لا للحرب، فلسطين حرة».

ما تكشفه نتائج هذا العام إذن ليس فقط قائمة الفائزين، بل خريطة للقوى المتحركة داخل السينما المعاصرة. فيلم سياسى كبير يهيمن على الجوائز الرئيسية، فيلم ذو خيال بصرى قوى يحصد الاعتراف الفنى، أداءات تمثيلية تتراوح بين الانفجار الدرامى والهدوء الداخلى، وأفلام تقنية تدفع حدود الصورة والصوت. هكذا يرسم الأوسكار كل عام صورة للعالم الذى تراه هوليوود ممكنًا على الشاشة، حتى لو كانت هذه الصورة أحيانًا أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع.