تشريح محمد عبدالوهاب.. رسائل الكبار إلى أهم فنان عربى بعد معجزة «إنت عمرى»
- كان ذكى وقوى الأعصاب وصاحب عقلية منظمة
- عبدالوهاب ليس مغامرًا وليس ثائرًا وحتى ثورته صغيرة جدًا إنها ثورة فى داخل فنجان
كان حفل الخميس الأول من فبراير سنة ١٩٦٤ والذى شهد لقاءً تأخر عقودًا بين أهم مطربة مصرية وأهم ملحن مصرى، نقطة فارقة فى تاريخ الغناء العربى، عرفه الناس والصحافة بعد ذلك باسم لقاء السحاب بين أم كلثوم وعبدالوهاب، وظهرت فيه «إنت عمرى» معجزة الأغانى.. ويعيش الجميع سكرتها لأيام وأسابيع بعد إذاعتها وتستمر الصحافة منتشية بهذا اللقاء الأسطورى، لا فرق بين كاتب كبير ومحرر تحت التمرين. الجميع يتبارى فى تسجيل حضورهم بالكتابة عن تلك الليلة الليلاء التى عاشتها القاهرة وكل العواصم العربية.
وحدها «الكواكب» المجلة العريقة وجدت فى هذا اللقاء فرصة ذهبية لإلقاء نظرة مدققة على ذلك الرجل الذى يرتدى نظارة سميكة ويحرك مياه الموسيقى بأطراف أصابعه وهو جالس فى صومعته واضعًا القدم على الأخرى بمنتهى الهدوء والروية.. فصنعت المجلة عددًا خاصًا عن الموسيقار الأكبر وسمته باسمه «عبدالوهاب» فقط لا غير دون أى عنوان أخر، وبدا المعنى واضحًا أن الرجل بعد وصوله الستين حينها صار اسمه يكفى ويزيد، لن تحتاج أن تضفى عليه أى صفة أو ثناء، هو عبدالوهاب وكفى، وبدأت المجلة عددها التاريخى بمسابقة للقراء وكانت جائزتها الكبرى هى الحصول على أسطوانة «إنت عمرى» من يد عبدالوهاب بنفسه داخل مقر دار الهلال، وجعلت المجلة عنوان المسابقة «فرصة ذهبية لمقابلة أعظم فنان عربى».
امتلأ العدد بجميع الأشكال الصحفية التى أبحر جميعها فى عالم عبدالوهاب السحرى، لكننا اخترنا فى هذا الملف ما أدلى به ثمانية من الكبار عن عبدالوهاب، وقد حوت إسهاماتهم أكبر من مجرد احتفاء بالموسيقار الكبير بعد لقاء السحاب مع ثومة، بل حوت مقالاتهم نقدًا له جنبًا إلى جنب مع الإطراء الشديد على موهبته العظيمة وتاريخه الكبير، فإحسان عبدالقدوس رأى فيه بخلًا شخصيًا انسحب على إنتاجه الفنى من وجهة نظره، الذى كان ينبغى أن يكون أكثر غزارة، ويوسف إدريس استل سيف النقد له بحدته المعتادة وطالبه أن يرجع للشعب مثل أستاذه سيد درويش ويزور قرى ونجوع الوطن ليستخرج كنوزها الموسيقية بدلًا من رحلاته التى لا تنقطع لأوروبا وبيروت، أما عبدالحليم حافظ ابنه وصنيعته الكبرى فقد رأى أنه يؤذى نفسه بالخوف والحرص الشديد والمجاملة الزائدة عن الحد، وأنيس منصور رأى أن عبدالوهاب على عظمة ما أنجزه فى سماء الأغنية العربية لكنه وقف عند ذلك ولم يتطور لشىء أكبر عالميًا واكتفى بهذه «الدكانة» الفنية وراح يحسن فيها ويملأ جدرانها بالصور واللوحات ولكنه رغم هذه الديكورات والمصابيح والألوان التى امتلأت بها لا تزال دكانه صغيرة.. ومن نفس المنطلق كتب أحمد فؤاد حسن إلى عبدالوهاب يطالبه عبر «الكواكب» أن يأخد منحة تفرغ لإكمال أوبريت مجنون ليلى وإتباعه بأوبريتات أخرى حتى تخرج الموسيقى العربية من زمامها الضيق لتجوب العالم.
أما موسى صبرى فقد عاب على عبدالوهاب أنه لم يحاول أن يخلق لنفسه مدرسة لها تلاميذ واتهم عبدالوهاب بالأنانية الفنية التى جعلته لا يورث أحدًا ما يملكه، ولم يصنع مدرسة تفرز أجيالًا جديدة من المطربين والملحنين الذى يخرجون من تحت عباءته بشكل مباشر، حتى عبدالحليم حافظ الذى يحسب على عبدالوهاب، لم يكن ليتبناه لولا أنه نجح نجاحًا ساحقًا، وكان يمكنه طبقًا لرأى صبرى أن يخرج لنا عشرين عبدالحليم لو هو بذل جهدًا أكبر فى الاكتشاف والتبنى وعدم الاستسهال بالتلحين للمطرب بعد نجاحه.
أما كامل الشناوى الصديق الصدوق لعبدالوهاب فقد كشف عن تعاون سابق بين أم كلثوم وعبدالوهاب قبل «إنت عمرى» بعشرين عامًا فى جلسة طويلة كان كامل أحد الحاضرين فيها.
أما الدكتور مصطفى محمود فقد أعلن انحيازه التام لصديقه دون أى شبهة نقد، ورأى أن عبدالوهاب تسلم أغانينا من ٤٠ سنة وهى مواويل وتواشيح تركية وخطا بها من مرحلة إلى مرحلة فى مشوار طويل حتى خرج بها من نطاق التعبير المحلى إلى أفق التعبير العالمى.
هيا بنا نقرأ ما كتبه الكبار فى تشريح أسطورة عبدالوهاب بعد بلوغه الستين وبعد لقاء السحاب مع أم كلثوم.

إحسان عبدالقدوس يحكى: عندما قال عبدالوهاب لى: اسكت!
رأت صحفية الكواكب مديحة كامل أنه لا يصح أن يكون هناك احتفاء صحفى بعدالوهاب دون أن يدلى إحسان عبدالقدوس الأديب والصحفى الكبير بدلوه، وتركته يحكى ذكرياته مع الطفل إحسان الذى يعيش فى بيت واحدة من نجوم المجتمع الصحفى والفنى وهى فاطمة اليوسف أو روزاليوسف، لأنها ببساطة أمه، وكما هو متوقع بالتأكيد كان بيت روز اليوسف وزوجها ملتقى للفن والفنانين، ومن هنا تحديدًا عرف الفتى إحسان ذلك الفنان الشاب محمد عبدالوهاب صديقًا لوالديه، ثم مدرسًا له، ثم صديقًا شخصيًا.

يقول إحسان لصحفية الكواكب «سنوات عمرى أتذكرها بأغنيات عبدالوهاب: أول مرة حبيت، طبعًا كانت بنت الجيران، يومها كان لعبدالوهاب أغنية تقول «مريت على بيت الحبايب» وكنت أمر على بنت الجيران أغنى تلك الأغنية.
وقبل ميلاد ابنى كانت تعجبنى جدًا أغنية «الحبيب المجهول»، كنت أشعر وأنا أنتظر ابنى بما فى كلماتها من رقة وسحر.
وسألته الصحفية عن مناسبة زواجه بأى أغنية من أغانى عبدالوهاب فتاه فى ذلك الوقت، ولا يتذكر لفترة، ثم يقول لى بعد استشارة سكرتيرته ومكالمة تليفونية، يقول أغنية «ردى علىَّ.. كلمينى» واليوم، ومنذ سنتين مضتا، يعتز إحسان بأغنية «إنت وبس اللى حبيبى» كلما غضبت منه زوجته يدير لها تلك الأغنية، فترضى وتعود الابتسامة.
ولا يتذكر إحسان متى بدأت علاقته بعبدالوهاب، تفتحت عيناه فوجده بالمنزل، صديق لوالدته ولوالده، دائمًا يزورهما، أول صورة واضحة يتذكرها إحسان كانت لعبدالوهاب مدرس الأناشيد فى مدرسة السلحدار حيث أمضى إحسان سنوات دراسته الأولى.
ويهتم عبدالوهاب بإحسان لأنه ابن صديقه، فيختاره ضمن أعضاء فرقة الأناشيد يريد أن يعلمه الغناء، ويكتشف أن إحسان صوته «وحش» جدًا «نشاز» فإذا جاء مفتش الموسيقى والأناشيد، يفتش على عبدالوهاب، يطلب من إحسان ألا يغنى بل يظل يفتح فمه ويقفله ولا صوت، حتى لا يسمع المفتش ذلك النشاز.
يومها كان إحسان يبلغ ست سنوات من عمره، وكان عبدالوهاب يغنى على المسارح لأكثر من ست سنوات، كان أيضًا يحيى الحفلات والأفراح، ولكن إحسان لم يره على المسرح أول الأمر، أول مرة شاهد عبدالوهاب يغنى كان يوم عيد ميلاده، أقامت السيدة روزاليوسف حفلة لتلك المناسبة، كعادتها فى كل سنة، ودعت عبدالوهاب لإحيائها، فجاء وغنى له.
واستمرت علاقة إحسان وعبدالوهاب تسير داخل إطار واحد معين، عبدالوهاب صديق الأب وإحسان ابن الصديق، ولم يكن عبدالوهاب يهتم بإحسان خارج حدود ذلك الإطار، ثم تتغير نظرته إلا بعد اشتغال إحسان بالصحافة يومها دخل علاقتهما عامل جديد استمر يتحول حتى أصبح صداقة وطيدة، صداقة من نوع آخر.
عرف إحسان عبدالوهاب فى أكثر من صورة.. صديقًا للوالدين، ومدرسًا للأناشيد، ثم مطربًا، وصديقًا خاصًا، تسأله صحفية الكواكب فيحكى لها عن شخصية كل واحد من هؤلاء الـ«عبدالوهاب» وفى هدوء يبدأ إحسان، ببطء الحروف قليلًا فى محاولة للتذكر يقول لى:
- لست أذكر عبدالوهاب المدرس بوضوح فقد كنت صغيرًا، ولكنى أذكره صديقًا للعائلة، وأنا أستطيع أن أقول إن عبدالوهاب يتميز بصفتين غاليتين فى جميع أطوار حياته، سواء كانت حياته العامة أو حياته الخاصة، سواءً كان صديقًا أو مدرسًا أو مطربًا أو زوجًا هو ذكى شديد الذكاء هادىء الأعصاب لا يهتز، أنا أعتبر هاتين الصفتين هما السبب الرئيسى فى نجاحه.
وأذكر أيام كان عبدالوهاب يمر بسيارته فى شارع شبرا فتعوقه المرور وإذا بأى سيدة تسير فى الشارع تفتح الباب وتندفع داخل سيارة المطرب الشهير ترتمى عليه، شهرة عبدالوهاب فاقت التقاليد حتى فى الحفلات التى كان يحضرها، كان يشترط على أصحاب الحفلة أن يكون أول أربعة صفوف أمامه سيدات، وكان أصحاب الحفلة يكرمون المطرب ويخرجون على تقاليد العصر حتى يستمتع الجميع بغنائه.
ويكمل إحسان استرساله:
- ياسلام، عبدالوهاب «ادلع دلع» لم يره غيره فى عصره، كان حب الناس لصوته أقوى من التقاليد وأقوى من المراكز، أقوى من كل شىء.
وقبل الغناء كانت تمد لعبدالوهاب سفرة كاملة، يأكل حتى يشبع، يذكر إحسان أن عبدالوهاب ذهب لإحياء أحد الأفراح فوجد أن الصوان قد نصب بطريقة تجعل الهواء يندفع نحوه، وعبدالوهاب يخاف على صحته «من نسمة»، أمر بهدم الصوان وإعادة نصبه قبل أن يبدأ الغناء، وقد كان.
ويقول إحسان إن عبدالوهاب قد وصل بفنه فى قلوب الناس إلى مكانة لم يصل إليها أحد، لا عبدالحليم ولا فريد ولا غيرهما.. وقاده ذكاؤه لوضع نفسه فى موضع من لا يقبل أن يقارن بغيره وكون لنفسه بهذه الطريقة مكانة خاصة به.
وتسأله صحفية الكواكب عن حقيقة خشية عبدالوهاب من مواجهة الجماهير.
فينفى إحسان بشدة: عبدالوهاب لا يخشى أبدًا مواجهة الجماهير، ولكنه يحتفظ لنفسه بمكانة الأستاذ، وهو أستاذ قطعًا يخلق موسيقى ويخلق الذوق، قبل عبدالوهاب كانت الموسيقى عبارة عن طرب فقط، ولكنها أصبحت اليوم تعبيرًا وإحساسًا وحياة
ويرد إحسان بإسهاب على تهمة سرقة الألحان التى التصقت به شارحًا نظرية سماها «نظرية الإضافات» وهى التى يسير عليها الموسيقار العظيم، تتلخص فى أن الإنسان لا يمكن أن يبدأ عند أول الطريق، ولكنه دائمًا يبدأ حيث انتهى سلفه فيضيف إلى ما تركه السابقون جديدًا من عنده لتكبر التركة التى يورثها أولاده، توفيق الحكيم والعقاد وطه حسين قرأوا الأدب العالمى والشرقى وأضافوا إليه، كذلك فعل عبدالوهاب سمع الموسيقى التى تركتها لنا الأجيال الماضية من الموسيقيين وأضاف إليها، ولو بدأ كل واحد فى فنه من البداية لظلت العلوم الإنسانية تدور فى دائرة الإنسان البدائى لا تخرج عنها.
ثم تتطرق الصحفية إلى الجانب الإنسانى لعبدالوهاب لتسأل الصديق إحسان عبدالقدوس سؤالًا صريحًا عن أهم صفة للتصقت به وهى البخل حيث قالت له:
صحيح ما يقولون من أن عبدالوهاب بخيل؟ وهل لك تجربة معه تثبت ما تقول؟
يضحك إحسان على السؤال ، يبدو أن سؤالى مس منه وترًا، والمفاجأة أن إحسان يؤكد الكلام قائلا : صحيح عبدالوهاب بخيل، حقًا لم يتعامل معه إحسان كثيرًا ولكن له عند عبدالوهاب ألف جنيه لا يدفعها كلما ذكره بها، يعده بالدفع ولا يدفع، وأخذ منه اسم قصة يسمى به فيلمًا ينتجه ولم يدفع مقابلًا كما وعد، وإحسان لا يغضب لما تجمعه بعبدالوهاب من ذكريات، يقول إن كل فنان فيه ناحية من نواحى النقص فى شخصيته، ونقص عبدالوهاب فى بخله!
وعلى ما يبدو أن إحسان أراد أن يخفف وطأة هذا الاتهام فقرر أن يعمم الصفة مستدركًا:
هو بخيل أيضًا حتى فيما يقدم لنا من أعمال، كل سنة يقدم لحن أغنية أو اثنين، وليس معنى ذلك أنه فى فترة ركود، ولكنه ذكى، يؤكد إحسان أن عبدالوهاب يحتفظ لديه بألحان كثيرة حبيسة، لا يخرجها إلا بميعاد.
وهو ينظم الدعاية لكل عمل يقدمه، يقدر له فترة زمنية يستغله خلالها حتى يعتصره ثم يقدم غيره.
ويضرب إحسان المثل بما فعله عبدالوهاب هذا الموسم، قدم لحن أغنية «إنت عمرى» لأم كلثوم ولا غيره، لا يهمه أن يمنع ألحانه عن نجاة الصغيرة وفايزة أحمد وعبدالحليم، وهم يعيشون بها.
ويسرح إحسان قليلًا، يقول: يا سلام، نفسى أعملها
وتسأله صحفية الكواكب عن قصده، فيفسر لها قائلًا: نفسى أن أكتب قصتين، فأنشر واحدة وأحتفظ بالأخرى فى «سحارة» مثلما يفعل عبدالوهاب، أعود فأقدمها وحدها فلا تنافس أعمال بعضها البعض.. لهذا يحتفظ بشبابه
وهو أمر ليس هينًا ويحتاج إلى ذكاء خارق، مثل ذكاء عبدالوهاب، وإلى قوة أعصاب، وعقلية منظمة، هذا ما يفعله عبدالوهاب ينتج كل ما يستطيع إنتاجه فى فترات نشاطه، ثم يوزع إنتاجه بحيث يغطى فترات ركود الإنتاج الفنى، وكل فنان يقاسى تلك الفترات فتكاد تقتله.
يقول: عبدالوهاب يتمتع بقوة إرادة عجيبة فى هذه الناحية، الفنان عادة لا يملك أن يمنع فنه أن ينطلق فور ولادته، ولكن إرادة عبدالوهاب تفوق كل شىء، تصورى، منذ عشرين عامًا وعبدالوهاب يسير وفق ريجيم غذائى، مرض يومًا بالدوسنتاريا لمدة سبع سنوات، يذكرنى مرضه بما يقاسيه عبدالحليم اليوم، ولكن عبدالوهاب تغلب على المرض بقوة إرادته فى اتباع نصائح الأطباء، وهذا شىء لا يفعله عبدالحليم، ولعل هذا هو السبب فى أنه لا يزال حتى اليوم يحتفظ بصحته وشبابه.
ويذهب عبدالوهاب يزور إحسان يدخل من الباب وخلفه سائق سيارته يحمل أوانى بها طعام فلا يرضى أن يأكل من مائدة إحسان طعامًا لم يصنع خصيصًا له.
ويبتسم إحسان ابتسامة ترسم فى مخيلتى صورة لطفل صغير يفتح فمه ويغلقه أمام المفتش ولا صوت يصدر منه، ويقول لى: أحيانًا يخيل لى أن عبدالوهاب يرسم لكل شىء خطًا لا يحيد عنه حتى فى علاقاته العاطفية.
موسى صبرى يكتب: لماذا لم يصنع عبدالوهاب مدرسة؟

رأيت عبدالوهاب فى عدة صور متناقضة تمامًا! رأيت عبدالوهاب الخامل الكسول المدلل الذى يستيقظ من النوم عند الظهر، ويستريح فى السرير أكثر من ساعة.. ويعفى جسده من أى إرهاق.. ويضع على فمه منديلًا معطرًا بالكولونيا إذا سار فى الطريق خوفًا من الميكروبات!.. ويغسل أمامى التفاحة أو البرتقالة بالماء والصابون قبل أن يأكلها!. ويعتنى بأناقته كفتى مراهق ذاهب إلى حبه الأول!.
ولكننى رأيت عبدالوهاب أيضًا فى صورة أخرى.. رأيته يسهر فى ستوديو مصر والصقيع يجمد الأطراف فى عز البرد.. يسهر حتى الفجر ليلة وليلتين وثلاث ليال متصلة.. ليراجع مونتاج أغنية.. ويعود إلى بيته ليستريح دون أن ينام ثم يستأنف العمل.. وينسى المنديل المعطر بالكولونيا ولا يحس بالجوع وهو من هواة الطعام الجيد.. ولا يعرف ثوبه ما هى الأناقة!.
وهذا هو سر نجاح عبدالوهاب فى رأيى!
وهذا سر احتفاظه بالجلوس على القمة أكثر من ثلاثين عامًا... لم يزحزحه عنها نقد النقاد، أو اتهامات الاقتباس، أو ظهور مدارس جديدة فى التلحين... إن الغرور لم يملأ رأسه أبدًا.. إن الإيمان بالعمل المستمر جعل هذا الرأس مرفوعًا دائمًا.. لم يكن عبدالوهاب فى حاجة أبدًا إلى أن يضع لحنًا لأم كلثوم.. إن مجد عبدالوهاب لا يفيده أن تغنى أم كلثوم ألحان غيره.. بل إن ثلاثة من الشبان الملحنين أخذوا هذه الفرصة قبله.. ومع ذلك فلم يتباكَ على الفرصة عندما آلت إليه.. واستطاع أن يثبت لهؤلاء الشبان أنهم تركوا الفرصة تفلت من أيديهم عندما لم يجيدوا استغلالها مثله!
سمعت أن أم كلثوم كانت تبحث عن أحد هؤلاء الملحنين الشباب فى موعد البروفة فلا تجده.. وتلح فى البحث عنه عند كل أصدقائه.. وتطلب منهم نصحه بألا يهمل عمله.. وألا يؤخره.. أما عبدالوهاب فقد كان هو الساعى إلى العمل.. تصور نفسه وكأنه فى امتحان.. وكأنه طالب جديد.. وكأنه ملحن هاو.. وقد سمعت أنه أجرى أكثر من خمسين بروفة مع أم كلثوم!.. ولهذا دوى هذا اللحن كالقنبلة الذرية.. واكتفى الملحنون الشبان بالقول: لماذا يعنى!.. إننا أيضًا نستطيع نضع مثل هذا اللحن!..
ولماذا لم تضعوا مثله.. وكانت الفرصة بين أيديكم؟
إن الإجابة على هذا السؤال.. تكشف عن سر عبدالوهاب... إن عبدالوهاب فى دنيا اللحن والغناء مثل مصطفى أمين فى دنيا الصحافة.. إنه يجرى وراء الخبر وكأنه صحفى تحت التمرين. إنه يعمل عشرين ساعة فى اليوم وكأنه يريد أن يثبت وجوده
وهذا هو الإيمان بالفن الذى يحترق فى هواه..
ولكننى آخذ على عبدالوهاب أنانيته..
إذا قلنا إن موسيقى عبدالوهاب مثل صحافة «أخبار اليوم».. نقطة تحول فى تاريخ الألحان..
فإننا نقول أيضًا إن صحافة أخبار اليوم خلقت مدرسة.. وعلمت تلاميذ لها.. وجعلت فنها يتسرب إلى كل الصحف الأخرى على يد تلاميذها.. فأصبحت بحق نقطة تحول.
ولكن عبدالوهاب لم يصنع مدرسة.. لم يجمع حوله التلاميذ.. لم يتبنَ البراعم الصغيرة.. لم يرتبط اسمه وفنه برواد ومريدين ومتتلمذين.
وهذه هى أنانية عبدالوهاب التى جعلته منافسًا لكل صوت جديد.. ولكل موهبة جديدة فى التلحين..
إنها ليست أنانية الفنان.. لأن الفنان يبذر فنه فى كل أرض.. يسعده أن يرى حوله ورودًا كثيرة فى حدائق كثيرة.. ولكن عبدالوهاب كان ينمى وردته وحدها.. كان يسقى شجرته وحدها.. كان يرعى حديقته وحدها.. ولا يزال.
إن عبدالوهاب لم يعترف بعبدالحليم حافظ إلا بعد أن نجح عبدالحليم
إن عبدالوهاب كان يستطيع أن يقدم لنا عشرين عبدالحليم حافظ لو أعطاهم الفرصة.. لو دفعهم إلى الأمام.. لو تبناهم فى مدرسته
ونفس الرأى أردده بالنسبة لعبدالوهاب الموسيقار!.
عبدالحليم حافظ يكتب: أنانى فى الفن فقط

محمد عبدالوهاب يستحق التقدير الذى يناله من الناس، لأنه قد عمل ثلاثين عامًا باخلاص، لكى يفوز باحترام الناس، والناس لم يحترموا عبدالوهاب إلا لأنه احترم فنه، أى احترم نفسه.
واحترام النفس كالأمراض المعدية، انتقل من عبدالوهاب إلى الناس.
وإذا كان عبدالوهاب يعيش على الطعام المسلوق الذى لا يحتاج إلى مضغ وهضم، فإن عبدالوهاب لا يسلق أعماله الفنية.
وإذا كان عبدالوهاب من أنصار المسلوق فى الأكل، فإنه من أنصار «المسبك» فى العمل الفنى.
فالعمل الفنى عنده نوع من الولادة، نوع غريب من الولادة.
فالمرأة تحمل فى ثانية، وتلد بعد تسعة أشهر، وتحتضن طفلها تسع سنوات، وعبدالوهاب لا يلد بمجرد أن يحمل، ولا يقدم ألحانه بعد ولادتها، وإنما يحتضنها ويربيها ويقدمها بعد ذلك للناس.
ومحمد عبدالوهاب معدته فى أذنيه.
وهذه المعدة تهضم كل لحن وكل موسيقى، وهو يستمع إلى كل إذاعات الدنيا، خاصة إلى كل ما يذاع فى العالم العربى.
وعبدالوهاب مثل توفيق الحكيم، لأنه يعانى من تهمة الاقتباس، لا يعترف بأنه استمع إلى أحد من الناس، مع أننى سمعته كثيرًا يردد أغانى صغار المطربين، وألحان صغار المؤلفين، وإذا كانت معدته العادية لا تستريح إلا على المياه الغازية، فإن معدته الموسيقية تهضم الزلط، ابتداء من موسيقى بيتهوفن، حتى صوت الشوك والسكاكين على المائدة!
وألحان عبدالوهاب مثل مرآة ضخمة، كل إنسان يجد فيها نفسه، وكل ملحن يجد فيها موسيقاه.
وألحان عبدالوهاب تشبه لوحة «الجوكندا» التى رسمها دافنشى إذا نظرت إليها من أى اتجاه تحس أنها تنظر لك وتبتسم لك، وهذه اللوحة تبتسم وتبكى للجمهور، أما بالنسبة للرسامين فإنها تغمز لهم، وأحيانًا تخرج لسانها!
وكلنا أحببنا عبدالوهاب وتأثرنا بأغانيه القديمة والجديدة.
وأنا شخصيًا وجدت نفسى أحب عبدالوهاب وأحب عباس العقاد، وكنت أتصور أننى أحب عبدالوهاب، لأن لى أذنًا موسيقية، ولأنى أريد أن أغنى.. فعبدالوهاب مثلى الأعلى، وقد غنيت بالفعل فى الأفراح، ثم عدلت عن الغناء.
وأحببت العقاد لأنه علمنى كيف أفكر وكيف أوضح أفكارى لنفسى، واكتشفت بعد ذلك أننى أحببت عبدالوهاب لأسباب فلسفية وليس لأسباب فنية، فموسيقى عبدالوهاب تعلمت منها كيف أوضح أفكارى أيضًا.
العقاد علمنى كيف أوضح أفكارى لنفسى، وموسيقى عبدالوهاب، تعلمت منها كيف أوضح أفكارى لغيرى!
وعبدالوهاب الذى أخذت عنه كيف أوضح أفكارى لغيرى، ليس هو نفسه مفكرًا، فعبدالوهاب يعتمد على أذنيه أيضًا، فهو صديق لأشهر الصحفيين والأدباء والأطباء، وهو يسمع منهم كل شىء عن الدنيا، والذى يسمعه يحفظه، وإذا أعرب عن أفكاره، فهو ليس مفكرًا، وإنما هو مطرب، يؤدى لحنًا اشترك فى تأليفه غيره من الناس!
فعبدالوهاب عندما يلحن يجعلك تشعر بأنه إنسان مثقف، ولكن عندما يفكر فى موضوعات غير فنية تحس أنك أمام مطرب يؤدى أفكار غيره، فأفكار عبدالوهاب غير الفنية تشبه الألحان الفلكلورية مجهولة المؤلف والملحن.
ولكن ذكاء عبدالوهاب يسعفه بمظلات واقية من السقوط، هذه المظلات علامات الاستفهام، فهو يسأل دائمًا فى كل ما لا يعرفه، وأسئلته تدل على ذكاء، وعلى أنه يحترم نفسه، ويحترم الآخرين.
وعبدالوهاب شخصية متماسكة فيها ذوق الفنان، وفيها عقل التاجر، وعقل التاجر يجعله يفهم احتياجات السوق، فهو يقدم للناس ما يريدون، وهو كأى تاجر يعرف جيدًا التجار الموجودين فى السوق ويتابعهم ويهتم بهم من بعيد ومن قريب، وهو كأى تاجر يعرف قيمة الدعاية للسلعة التى يقدمها.
وهو كأى تاجر لا يغامر ولا يتورط، فعبدالوهاب لا يلحن لأى مطرب جديد، وإنما ينتظر هذا المطرب حتى يعرفه الناس، فإذا عرفوه قدم له عبدالوهاب ألحانه. فلا يتحدث الناس إلا على الحان عبدالوهاب.
ولكن عبدالوهاب أقرب ما يكون إلى التجار الناجحين من أولاد البلد، فالتاجر الناجح تجد عنده دكانًا صغيرًا، وهذا الدكان يكسب منه الآلاف، ومع ذلك لا يغيره ولا يفكر فى فتح دكان أوسع.
وعبدالوهاب وقف عند الأغنية لم يتطور بها إلى شىء أكبر، وإنما اكتفى بهذه الدكانة الفنية وراح يحسن فيها، ويملأ جدرانها بالصور واللوحات، ولكنه رغم هذه الديكورات والمصابيح والألوان التى امتلأت بها لا تزال دكانة صغيرة.
وربما كان سبب ذلك أن عبدالوهاب ليس مغامرًا، وليس ثائرًا، وحتى ثورته صغيرة جدًا، إنها ثورة فى داخل فنجان، هذا الفنجان هو الأغنية القصيرة، أو هى الأغنية فقط، ولم يشأ عبدالوهاب أن ينقل الأغنية إلى شىء أكبر.
وإذا كان الطعام المسلوق قد جعل عبدالوهاب يبدو فى الأربعين، مع أنه فى الستين، فكذلك التحسين المستمر للأغنية جعلها تبدو شابة، مع أنها امرأة عجوز!
فالأكل المسلوق قد جعل عبدالوهاب شابًا، واللحن المسبك قد جعل الأغنية قزمًا توقف عن النمو عشرين عامًا!!
وعبدالوهاب الفنان خائف متردد أنانى، وكل فنان أنانى، وكل فنان يخاف على نفسه من النقد ومن الناس، ولذلك فعبدالوهاب الفنان كعبدالوهاب التاجر لا يخاطر ولا يغامر ولا يستعجل.
وعبدالوهاب التاجر ناعم دبلوماسى، وعبدالوهاب الفنان فيه خشونة، فيه قسوة، لا يقبل التهاون فى عمله، لا من جانبه هو ولا من جانب أى إنسان.
وعبدالوهاب يمضى الساعات الطويلة فى «مونتاج» أى أغنية، وقد تعلم منه المؤلفون ذلك، والمطربون أيضًا.
وعبد الوهاب يردد دائمًا وهو على حق أن الزمن فى صالح الفنان ومعناها: أن الناس لا يسألون عادة كم من الساعات قضيتها فى تأليف لحن من الألحان، ولكن يسألون هل جيد أو ردىء، وأى مجهود يبذله الفنان، هو لصالحه.
فعبدالوهاب التاجر هو الذى كان سببًا فى نجاح عبدالوهاب الفنان، وعبدالوهاب الفنان هو الذى خلق عبدالوهاب التاجر.
وعبدالوهاب كأى عملة فضية فيها فضة وفيها نحاس، فعبدالوهاب الفنان هو الفضة، وعبدالوهاب التاجر هو النحاس، فلولا الفضة ما لمع النحاس، ولولا النحاس لتآكلت الفضة!
ومحمد عبدالوهاب مؤمن، وهو يبدأ كل ورقة يكتبها ب«بسم الله الرحمن الرحيم».
وكل التجار يؤمنون بأهمية القيم الأخلاقية، ويعرفون أن الأمانة كنز لا يفنى، وأن الغش عمره قصير، ويؤمنون بأن الأخلاق هى أحسن دعاية للمحل، ولذلك من الصعب أن تجد تاجرًا كبيرًا يغش، ولكن من السهل أن تجد تاجرًا صغيرًا يغش.
ولكن إيمان عبدالوهاب علمه شيئًا غريبًا، علمه أن الأديان كلها تقوم على أن الناس ينسون بسهولة، ولذلك فالله قد أرسل عشرات الأنبياء يذكرون الناس بالله وبالخير وبالمحبة، واعتمدت الأديان على أجراس الكنائس ومآذن المساجد تدعو الناس للصلاة وتذكرهم بالله الذى نسوه فى غمرة الحياة.
ولذلك فعبدالوهاب مؤمن بأنه لا بد أن تكون له أجراس ومآذن تدعو له، ولذلك تجد عبدالوهاب فى كل تليفون.
وقد علمته الدعاية أن يكون صحفيًا أيضًا، فهو داعية فى غاية الوعى والفهم، وهو لذلك يعرف أين ينشر الخبر.
وهو يعزف على أوتار من نوع خاص، فأصدقاؤه كلهم كبار فى الصحافة والإذاعة والتليفزيون، وهو حريص عليهم، وهم أيضًا حريصون عليه كمصدر لإخبارهم عن: محمد عبدالوهاب!

أنيس منصور يكتب: الرجل الذى حبسنا فى دكانه الجميل!
لا أريد عندما أكتب عن عبدالوهاب، أن أكتب عنه كفنان، لأن عبدالوهاب الفنان.. أكبر من أن أكتب أنا عنه، إنه عالم الموسيقى الجديد المتطور الذى نعيش فيه الآن.. كل الأنغام الحلوة التى نرددها ونتغنى بها، هو الذى أضاء لها بمشعل فكره وإحساسه الموسيقى الموهوب.

عبدالوهاب هو الذى أشار إلى اللحن الجديد والأداء الجديد.. أشار إلى كل الجديد الذى نسمعه فى موسيقانا اليوم، وقد تفرعت عن المدرسة التى خلقها عبدالوهاب مدارس جديدة وحلوة، تأثرت وتأثر بها، تطورت به وتطور بها، وكان دائمًا يقف فى أول الصف!
والذى أرجوه من عبدالوهاب الفنان أن يلحن «أوبريت»، ففى اعتقادى أنه سوف يطور فكرة الناس وفكرة الموسيقيين عن الأوبريت العربية
هذا هو عبدالوهاب الفنان الذى أعرفه، والذى لا أستطيع أن أكتب عنه لأنه شىء كبير جدًا ليس لأمثالى ممن لا يملكون حق تسجيل التاريخ أن يكتبوا عنه!
أما عبدالوهاب الصديق والإنسان فربما استطعت بأسلوبى البسيط أن أعبر عن مدى الإنسانية الموجودة فيه، إنه صديق من أخلص الأصدقاء وأوفاهم، يخاف على أصدقائه ويحبهم، يشاركهم آلامهم وسعادتهم، لا يتخلى عنهم مهما كانت تقلبات الحياة.
وعبدالوهاب يملك طاقة إنسانية كبيرة، فإنه يرعى كل عائلته الكبيرة، يرعاها من جميع النواحى، لدرجة أنه يحل لهم خلافاتهم البسيطة.

رغم عمله الكثير، وهو رجل كريم على عكس ما يشاع عنه، يعطف على رقيقى الحال، ويتألم عندما يرى أى إنسان يتعذب، وهو رجل ذكى جدًا لا يستطيع أى إنسان أن يعرف ما يجول برأسه أبدًا، وأنا شخصيًا لا أعرف ما يدور فى رأس عبدالوهاب بعقلى، إنما أعرفه بإحساسى!.
وذكاء عبدالوهاب محسوب عليه، ولذلك فهو ينميه بالاطلاع الدائم، سواء بالقراءة، أو بتجارب الآخرين، أو الاستماع إلى أى حديث ومناقشته وتفهمه، وهو متحدث لبق وعميق واسع الثقافة، يأخذك بحديثه، وصوته الرخيم، ويستطيع أن يناقشك فى أى موضوع كأنه تمامًا يلحن لك لحنًا جديدًا رائعًا.
وليس معنى هذا أن عبدالوهاب خالٍ من العيوب أبدًا، فلا يوجد إنسان بلا عيوب!!
وعيوب عبدالوهاب، فى رأيى، هى خوفه وحرصه الشديد، ومجاملته الزائدة فى بعض الأحيان، والوسوسة والأنانية الفنية التى لا تؤذى أحدًا، قدر ما تؤذيه هو عندما يفسرها الناس على أنها أنانية شخصية.
هذا هو عبدالوهاب الذى أعرفه، صديق وأخ وإنسان، وفوق كل هذا، فهو فنان ينشر الحب والسعادة فى قلوب الناس.
يوسف إدريس يكتب: زيارة أسوان وقرى مصر الشعبية أولى من رحلات بيروت وأوروبا.. يا عبدالوهاب

بدأ عبدالوهاب بداية الفنان الشعبى ولكنه انتهى إلى فنان غير شعبى.. ولد عبدالوهاب فى بيئة شعبية، وترعرعت موهبته الوليدة فى غمار الحياة الشعبية، وتفتحت وهى تغنى التراث الشعبى وحياة الجماهير والناس، وأفاد عبدالوهاب من هذا فقفز إلى أول الصف ولمع.. وبرز عبدالوهاب بين المغنين وتفوق.. والتقطته الطبقة الحاكمة فى ذلك الوقت لتجعل منه فنانها ومطربها، فانفصل عن البيئة التى ولد وتربى فيها، ولم يعد فنانًا شعبيًا بقدر ما أصبح فنانًا تحكمه الحرفة.. أصبح «صنايعى» منفصلًا عن أحاسيس الناس ومشاعرهم وانفعالاتهم.. وحصر الأغنية المصرية فى نطاق الانعزال.. لقد كان المفروض أن يظل عبدالوهاب وفن عبدالوهاب يستمدان جذورهما من الشعب وآلامه وآماله، وإذا بعبدالوهاب يحبس نفسه بين جدران أربعة، ولا يخرج من مخدعه، ليقدم لونًا خاصًا من الفن.. فن الآهات والابتهالات للمحبوب ولا شىء أكثر.. واستحق عند هذا أن يحمل لقب مطرب الملوك والأمراء.. ترك عبدالوهاب نفسه تنغمس فى الرفاهية التى أتاحها له وضعه من الطبقة الحاكمة، فأفسده هذا الانغماس وجعله يغالى فى انفعاله فإذا هو يتجه إلى الخارج لكى يحاكى موسيقاه أو يقتبسها، ويترك الجذور الشعبية للأغنية المصرية.. على عكس سيد درويش تمامًا، إن سيد درويش لم يستوحِ إلا الجماهير الشعبية وإحساساتها وآلامها، ولم يكن انفصاليًا ولا فرديًا فى فنه، ولو سار عبدالوهاب فيما بدأه سيد درويش لفاته وخلق مستويات جديدة للموسيقى المصرية والأغنية المصرية، فعبدالوهاب أوفر موهبة وأوفر قدرة.
إن هناك مثلًا يقول إن الفنان الأصيل تفسده بعض المتع التى يجدها فى الرفاهية، ولكن الوقت قصير.. فجوهر هذا الفنان يرغمه على الثورة على نفسه، والهرب من الرفاهية والاستسلام للمتع ليجدد نفسه ويجدد موهبته، كما عندما أتاحت الطبقة الحاكمة لعبدالوهاب هذه الرفاهية، بعد بدايته كفنان شعبى، كان من الممكن أن يسترد أصالته الشعبية، ولكنه لم يفعل، كان ومازال حريصًا على الاستمتاع بالحياة والرفاهية فزاد من انعزاله وفرديته. أخطر من هذا كله، التقط عبدالوهاب كل المواهب الجديدة وفاء عليها بظله، وأعطاها لونه وخواصه كلها فجنى جناية كبيرة على الأغنية الجماعية والألحان النابعة من الشعب، المستوحاة من أحلامه وأمانيه وآلامه.. هذا فى الوقت الذى نعلم فيه جميعًا عن يقين أن الأغنية هى الصدق الفنى جميعًا بالشعب وأقواها تأثيرًا فيه.
إننى أدعو عبدالوهاب أن يخرج من انعزاله وفرديته، أدعوه أن يذهب إلى أسوان ليعيش أيامًا مع بناة السد العالى ويرى ويسمع كيف يبذلون العرق والجهد فى سبيل أشرف غاية.. إن ذلك أجدى عليه ألف مرة من رحلة إلى بيروت أو أوروبا.. أدعوه إلى أن يزور قرى مصر ومناطقها الزراعية والصناعية، لكى يستعيد جذوره الشعبية، ولكى يستدرك ما فاته.. فهل يقبل عبدالوهاب هذه الدعوة؟!.
أحمد فؤاد حسن يكتب: أعطِ نفسك منحة تفرغ وأكمل «مجنون ليلى»

أنتهز فرصة العدد الذى ابتكرته «الكواكب» لتكريمك، لأحدثك حديثًا من داخل قلبى.. حديثًا تمتزج فيه الذكريات الغالية بالآمال الكبيرة التى تمتلئ بها نفسى، والتى تحققت كلها ما عدا أملًا واحدًا، الأمل الكبير الذى أرجو أن أعيش حتى أراه يتحقق، فإنك فى نظرى شعار.. رمز.. أنت الصلة المباشرة بين ماضى الأغنية العربية الراكد الضحل ومستقبلها المتحرك العميق الأغوار، أنت الذى نقلتها بنفسك وعلى مر سنين طويلة مضنية وبمشوار طويل.. طويل جدًا، من عصر أغنية «فيك عشرة كوتشينة» إلى أغنية «إنت قلبى فلا تخف» آخر ألحانك لعبدالحليم.
إننى أرجع بذاكرتى حوالى عشرين عامًا فأجدنى أهرب من المدرسة، وأعدو عبر الشوارع حتى أجد لى مكانًا بين آلاف الناس الذين يحتشدون أمام سينما «رويال» لينتظروا ظهور معبودهم الفنى ولو لدقائق! وأنا لا أمل الانتظار، ولا أفكر فى العودة حتى تبهرنى طلعتك من شرفة السينما، وأدمى يدى تصفيقًا وتغرورق عيناى بالدموع، وأقول لنفسى هل يأتى يوم أضع يدى فى يد هذا الرجل وأصافحه؟
كان هذا أقصى أمل لى فيك، وكان هو الأمل الأول.
وانتظمت فى الدراسة بمعهد الموسيقى العربية، واقتربت منك أمتارًا كثيرة، كنت أترقب مواعيد بروفاتك بالمعهد، وأتعلق مع زملائى الطلبة بشبابيك غرفة البروفات لنلمحك ونستمع إلى الجديد من ألحانك قبل أن يسمعها الناس، وتغرورق عيناى بالدموع، وأقول لنفسى هل يأتى يوم أعزف فيه مع هذا الرجل؟
وأصبح هذا هو أقصى أمل لى فيك، وكان هذا هو الأمل الثانى!!
ومرت الأشهر بطيئة وسريعة فى وقت واحد، والتصقت بك تمامًا، ودخلت معبد ألحانك كاهنًا أعظم، وعلى يدى وأيدى زملائى أعضاء الفرقة الماسية خرج أروع إنتاجك، وتعلقت بحافة القمة التى تتربع عليها، وكالمدخن الشره أخذت نفسًا عميقًا من سيجارة حبى وتقديرى لك، وسرحت بناظرى أحاول أن أستطلع ما وراء أفق المستقبل، وجزعت!
جزعت أن يمر حتى بخاطرى أن قاعدة القمة التى يتربع عليها المعبود الفنى، ليست راسخة بالقدر الذى يتيح لها الخلود، واعترتنى غيرة المحبين!
نعم يا صديقى وأستاذى، اعترتنى الغيرة خوفًا من أيام مقبلة لن تستطيع الأغنية أن تعيش أكثر من أعوام قليلة مهما كانت ناجحة! والخلود سيكون للأعمال الكبيرة.
ولم تكن الأغنية ولن تكون عملًا كبيرًا خالدًا بأى حال من الأحوال، وأنا واثق أنك أدرى منى بهذا، ثقتى من أنه إذا كان هناك من يصلح للعمل الكبير فهو أنت أولًا.
أستاذى وصديقى، أعطِ نفسك منحة تفرغ وأكمل «مجنون ليلى»، وأتبعها بغيرها وغيرها، وستكون هذه الأوبريتات قممًا جديدة تتربع عليها، وإكسيرًا لشبابك الفنى يمنحه البقاء، وعندئذ لن تكون أستاذى وأستاذ جيلى فقط، ولكنك ستكون أيضًا أستاذ الأجيال القادمة!!.

كامل الشناوى يكشف: أم كلثوم غنت لحنًا لعبدالوهاب قبل إنت عمرى بعشرين سنة!
إن التقاء عبدالوهاب بأم كلثوم فى أغنية «أنت عمرى» حقق أملًا ظلت ملايين العرب تتمناه قرابة ٢٠ عامًا أو أكثر، وأحب فى هذه المناسبة أن أقول إننى وبعض أصدقائى لا يزيدون على العشرة سبق لنا فى عام ١٩٤٤، أى منذ عشرين عامًا، أن استمعنا إلى قصيدة نظمتها فى إحدى المناسبات الخاصة ولحنها عبدالوهاب وغنتها أم كلثوم، ولم يكن هذا أول لقاء يتم بينهما فقد اجتمعت بهما، وكان عبدالوهاب يردد أغنية لأم كلثوم، وهى على ما أذكر أغنية «أنا فى انتظارك»، وغنت أم كلثوم فى هذه الجلسة قصيدة شوقى التى لحنها وغناها عبدالوهاب وهى «جبل التوباد»، والشىء الواضح فى أغنية «إنت عمرى» أن عبدالوهاب تسلل إلى حنجرة أم كلثوم فأضافت على لحن عبدالوهاب من جمال الأداء ما لا يستطيع أحد أن يصل إليه.

وعبدالوهاب الذى عرفته من حوالى ٣٣ عامًا، هو عبدالوهاب الذى أعرفه اليوم يشق طريقه بذكاء ودراسة، وهو يؤمن بأن الموهبة تحتاج إلى صقل من الثقافة الفنية، وعبدالوهاب استطاع أن يتعلم «الهارمونى» وأن يكتب النوتة الموسيقية ويقرأها، وأن يواصل باستمرار الإصغاء إلى روائع الفن العالمى. ومع ذلك يقول بتواضع جم إن سبب تأخرنا فى الأغنية هو أن الموهوبين لا يتعلمون، وأن المتعلمين ليست لهم مواهب، وأعتقد أن عبدالوهاب الموهوب فى فنه وذوقه عرف كيف يصقل موهبته بالعمل الدائم والحرص على تأدية واجبه، فهو يهتم بحضور بروفة أى أغنية لأى مطرب أو مطربة حتى يجىء عمله فى إطار فنى يرضى عنه.
وأغنية أم كلثوم الأخيرة أجرى عليها عدة بروفات قبل أن تغنى، ولما سجلت أسطوانة حضر بروفتها، ولما غنتها أول مرة أمام الجماهير كان هو بين الكواليس يجرى البروفات مع الموسيقيين، وعندما غنتها أم كلثوم فى حفلة الضرائب بسينما ريفولى حرص على أن يحضر بروفة للأغنية قبل رفع الستار، وفى الحفلة الأخيرة حضر بروفة أيضًا، فعبدالوهاب فنان ذكى يؤمن بأن النجاح عمل دائم لا توقف فيه ولا انتظار، وعبدالوهاب الإنسان مثل عبدالوهاب الفنان شديد الحرص على اختيار الطريق الذى تسير فيه خطواته، وإننى أتوقع أن يجىء اليوم الذى يلتقى فيه عبدالوهاب وأم كلثوم فى عمل فنى واحد بحيث يغنيان معًا، وأظن أن ذلك ممكن التحقيق بواسطة الإذاعة أو السينما، وذكرياتى عن عبدالوهاب أكثر من أن أحصيها فى هذه السطور، فقد عرفته عام ١٩٣١، وقام بهذا التعريف الشاعر الخالد العظيم أحمد شوقى، فقد كان يؤمن بفن عبدالوهاب إيماننا نحن بشعر شوقى، وأذكر أن عبدالوهاب زار شوقى فى مكتبه وكان غاضبًا لأن بعض الصحف هاجمته فقال له شوقى: هل عندك نسخ من هذه الصحف؟ فقال: نعم.. ووضع أمامه مجموعة كبيرة، فدعاه شوقى إلى أن يقف فوق هذه المجموعة، فلما وقف قال له: «ألا ترى أنك ارتفعت عن الأرض بضعة سنتيمترات؟» ثم قال له: «لا تغضب من النقد وإن كان جارحًا فإن النقد هو شهادة الميلاد الرسمية لعبقرية العبقريين!» وهدأ عبدالوهاب.
د. مصطفى محمود يكتب: هو رحلة.. وتاريخ.. وترجمة

عبدالوهاب الملحن عبقرية متطلعة متطورة خلاقة مبدعة.. تسلم عبدالوهاب أغانينا من ٤٠ سنة وهى مواويل وتواشيح تركية وخطا بها من مرحلة إلى مرحلة فى مشوار طويل حتى خرج بها من نطاق التعبير المحلى إلى أفق التعبير العالمى، إلى ألحان مثل «عاشق الروح»، و«أهواك»، و«أنا لك على طول»، تعزف وتغنى فى كل مكان.
عبدالوهاب هو هذه الرحلة وهذا التاريخ، وهذه الترجمة النظيفة الأمينة التى ترجمت أحاسيسنا وموسيقانا وقدمتها للعالم.
وعبدالوهاب كصوت ودود حنون شجى عطوف رحيم يفيض بالحب ويخلو من تكلف الغناء، كالوجه الصبوح الجميل الحلو بذاته وبطبيعته بدون زواق... ولهذا يحتفظ بحلاوته حتى فى الكلام العادى.
وصوت عبدالوهاب ينم عن شخصية تكاملت أحاسيسها ونضجت مع العمر، ولهذا يتسلل إلى القلب فيلمس فيه أوتارًا عميقة، ويتسلل إلى أرواح المستمعين فيصادقها، ويربط بينها وشائج المودة.



