60 عامًا على «الأطلال»
السنباطى.. لم يكن صرحًا من خيالٍ
- هل كانت «الأطلال» من الألحان التى اعترف السنباطى بأنها «أوحيت إليه»؟
- اعتبر أن عبدالوهاب أفسد أم كلثوم بـ«إنت عمرى» فقرر أن يعيدها إلى الحالة السنباطية بـ«الأطلال»
أكاد أصل إلى حد القناعة بأن رياض السنباطى لم يكن شخصًا واحدًا، بل كان شخصيتين تسكنان الجسد نفسه وتتنازعانه، تقفان على طرفى نقيض: ملاك وشيطان، ملحن تتنزل عليه الألحان وكأنه موصول بإلهامات علوية تُجرى الأنغام على عوده، فبدى كثير من تلك الألحان وكأنه «إشراقات» تسمعها فتسرى فى روحك وتشك أنها من صنع البشر!.. وبجواره وفى مقابلة ذلك الصقر الجارح حاد المخالب صادم الآراء والمواقف، حتى إنك لتراجع بصرك حتى تتأكد أنها صادرة عن الشخص نفسه.. صاحب الأنغام التى تغسل الأرواح.

لا يحتاج السنباطى إلى مناسبة لاستعادة سيرته، فهى حاضرة ومؤثرة ومحفورة فى وجداننا متجسدة فى تلك الألحان باذخة الإبداع التى إن «مر يوم من غير ذكراها ما ينحسبش من عمرنا».. فما بالك إن كانت هناك مناسبة فى قيمة مرور ستين عامًا على أيقونة ألحانة وأعظمها.. «الأطلال».
ففى مثل هذه الأيام من مطلع ربيع العام ١٩٦٦ كان السنباطى يُجرى البروفات الأخيرة على لحن قصيدته مع سيدة الغناء قبل أن تغنيها لأول مرة فى حفلها بالخميس الأول فى شهر أبريل.
لم تكن «الأطلال» عند السنباطى مجرد غنوة أو لحن، فقد صنعت منها الظروف تحديًا مرعبًا لتاريخه وموهبته، رهانًا على اسمه وقيمته ومكانته فى دولة أم كلثوم، وكذلك تجربة استثنائية وسط ألحانه الغزيرة لسيدة الغناء، حتى إنه من فرط قلقه منها وعليها قرر تأجيل ظهورها للنور مرات، لولا أن وضعته الست أمام الأمر الواقع وانتزعتها منه انتزاعًا.
تعالوا لنستعيد «الأطلال» وظروفها وكواليسها، ونعيش مع السنباطى مخاضها المرهق وميلادها الصعب:.
* وقع السنباطى فى سحر قصيدة الأطلال منذ أن قرأها فى منتصف الأربعينيات، والغالب أنه سمعها من شاعرها إبراهيم ناجى، وكثيرًا ما كان يلقيها فى ندوات وأمسيات.. ولم يكن يخفى أمنيته فى أن يسعده ويسعدها الحظ بالوقوع فى يد ملحن مبدع يفهم معانيها وما بين سطورها.. ولكنه رحل قبل أن يتحقق حلمه. أحس السنباطى بقيمة الكلمات وروعتها، وبدأ فى تلحينها ولكنه تخوف من عمقها وما تحمله من معانٍ خفية بين سطورها، وتوقف خشية ألا يصل بلحنه إلى أعماقها وأسرارها.. وظل السنباطى على هذا التردد طيلة عشرين عامًا.
* كان الموسيقار محمد فوزى أكثر جسارة من السنباطى فأقدم على تلحين القصيدة عام ١٩٤٨ وغنتها المطربة نجاة على تحت اسم «وداع»، ولكنها لم تحقق النجاح المتوقع.. وكان السنباطى حريصًا على أن يختار أبياتًا مختلفة عما لحنه فوزى من قصيدة ناجى الطويلة، ولا يوجد تشابه بين التجربتين إلا فى ستة أبيات فقط.. لكن تردده فى استكمالها ظل مسيطرًا عليه طويلًا، إلى أن لحن عبدالوهاب لإبراهيم ناجى قصيدة «القيثارة»، فخشى السنباطى على أيقونته فمعنى أن يلحنها عبدالوهاب أنها ضاعت عليه للأبد.. فاستعاد حماسه لاستكمال الأطلال وانتهى منها فى مطلع العام ١٩٦٦.
* فى تلك الفترة اقتحم عبدالوهاب مملكة السنباطى ومنطقة نفوذه ونافسه على صوت أم كلثوم، وكانت البداية فى لقاء السحاب وغنوة «إنت عمرى» عام ١٩٦٤، بنجاحها الأسطورى غير المسبوق.. وهو نجاح أثار قلقًا عارمًا لدى السنباطى، فقد كان يعتبر نفسه شريكًا فى نجاح أم كلثوم وصانعًا لأسطورتها ومحددًا لشخصيتها والمسيطر على صوتها والأغزر تلحينًا لها بلا منافس.. ولم يستطع الملحنون الذين تعاونوا معها فى سنوات الخمسينيات والستينيات الخروج- كما يقول نقاد الموسيقى- من الدائرة الصلبة التى رسمها السنباطى لصوت ثومة وإمكاناته، لدرجة أنهم حرصوا- كما فعل الموجى مثلًا- أن يسيروا على أسلوب السنباطى خوفًا ألا تلقى ألحانهم قبولًا لدى سيدة الغناء التى اعتاد صوتها الحالة السنباطية.
لكن عبدالوهاب بالذات كان السنباطى يعمل له ألف حساب، إنه منافسه الأخطر والأشهر، وعبدالوهاب وقتها كانت تحوطه تلك الهالة من البريق وسحر النجومية. لكن السنباطى فى قرارة نفسه كان على قناعة أنه الأحق بتلك المكانة، وموهبته لا تقل عن عبدالوهاب بل تزيد، بحكم تلك الأصالة الشرقية التى تميز ألحانه وتزيينها، فى مقابل ما كان يطارد عبدالوهاب من اتهامات بالاقتباس وتهجين الموسيقى الشرقية. ودفعته تلك القناعة بالتفوق بأن يطلب نفس الأجر الذى يتقاضاه عبدالوهاب، وأن يحتج على ذلك الاستثناء الذى ناله عبدالوهاب بإذاعة ألحانه دون عرضها على لجنة الاستماع، وبالفعل حصل السنباطى على الاستثناء نفسه، ولما حصل عبدالوهاب على الدكتوراه الفخرية عام ١٩٧٩ لم يهدأ السنباطى حتى حصل عليها، مثلما حدث مع جائزة الدولة التقديرية، بل تفوق عليه بحصوله على جائزة يونسكو كأعظم موسيقى فى العالم عام ١٩٧٩.

وقبلها حدث فى العام ١٩٤٤ أن أعطى أحمد رامى لعبدالوهاب كلمات أغنيته الجديدة «سهران لوحدى» ولحنها عبدالوهاب ليغنيها بنفسه، لكنه ركنها حتى يصل بلحنها إلى الكمال، وضغطت أم كلثوم على رامى وأخذت منه الكلمات وطلبت من السنباطى تلحينها، وعكف عليها السنباطى عامًا ولحنها من عشرة مقامات حتى استقر على اللحن الذى يرضيه، ولأنه كان يعرف بحكاية لحن عبدالوهاب لها الذى لم يخرج للنور، فإنه اعتبر نفسه فى اختبار صعب مع غريمه، وحتى بعد نجاحها عندما غنتها أم كلثوم عام ١٩٥٠ ظل السنباطى متخوفًا من ظهور لحن عبدالوهاب، الذى يبدو أنه استشعر تفوق السنباطى فأخفى لحنه ولم يظهر بعدها أبدًا.
ولك أن تتخيل حجم قلق السنباطى عندما استولى عبدالوهاب على أم كلثوم، والنجاحات التى حققها معها، وتوالت تلك النجاحات بعد «إنت عمرى» وكان عام ١٩٦٦ من المواسم المميزة فى هذا التعاون بعد أن لحن لها عبدالوهاب تحفتيه «أمل حياتى» و«فكرونى».
وكان على السنباطى أن يرد.. ولم يجد أروع من «الأطلال» للرد.. ولكنه ظل متخوفًا ومترددًا من ترجمة لحنه ووصوله لعمق الكلمات وسرها.. لكن أم كلثوم بخبرة السنين أدركت أنها أمام أغنية استثنائية- كلمة ولحنًا- يمكن أن تكون حدثًا فى تاريخ الغناء العربى.. وهو ما حكاه السنباطى: «خفت من هذه القصيدة جدًا وقلت لأم كلثوم وأنا ألحنها: يا ثومة أنا خايف! وكنت ألحن هذه القصيدة وأنا فى العجمى.. وكانت هى فى قصر الضيافة وكانت ترد قائلة: يا جدع أنت لك حاجات غريبة.. خايف من إيه.. عيب.. ولكنها كانت تحس باللحن وعمقه. وعلى يقين من نجاحه.. أما أنا فلم يكن عندى هذا الإحساس.. وأجرينا البروفات الضرورية لهذا اللحن، وتحدد موعد غنائه.. أجرينا البروفات فى شركة «مصرفون».. والفرقة كلها حفظت اللحن بالصورة التى ترضينى وترضيها.. ولكنها همست فى أذنى وقالت لى: رياض قلت لها: نعم. قالت لى: لا داعى لأن أغنى هذه القصيدة فى الحفلة الجاية.. وكانت الصحف قد نشرت أن أم كلثوم سوف تغنى هذه القصيدة. ولما سألتها عن السبب قالت: أنا أيضًا خائفة فالأطلال قصيدة عملاقة لا لأنها من تلحينك.. ولكنها بالفعل كذلك. ولم تغن أم كلثوم هذه القصيدة وبعد ذلك بشهر أجرينا البروفات.. وقلت لها: ما رأيك.. لا داعى لأن تغنى هذه القصيدة أيضًا وسألتنى: إذن متى أغنيها؟ فقلت لها: عندما تستريحين تمامًا. وسألتنى: متى؟ قلت لها: بعدين.. ثم غنتها بعد ذلك وشاء القدر أن تنجح ولم أنم تلك الليلة.. ولا نامت أم كلثوم واتصلت بها بعد رجوعها مهنئًا، وقالت لى مبروك قلت لها: الله يبارك فيك. أنا حاسة أن جبلًا قد ارتفع من فوق دماغى وقعدنا حتى شروق الشمس نتحدث عن اللحن المعجزة.. هذه هى الأغنية الوحيدة التى أخافتنى.. لقد كنت أرتعد غارقًا فى عرقى عندما استمعت إليه من الراديو.. فرغم أننى لحنت لها ما يقرب من ٣٠٠ لحن إلا أننى لم أحضر حفلة واحدة لأننى أفضل أن أسمعها فى غرفتى مع أجهزة التسجيل الكثيرة التى أسجل بها كل همسة من همساتها فى كل أغانيها.. كان أداؤها للأغنية فوق تصورى.. وكان اللحن معجزة».
لم يبالغ السنباطى عندما وصف لحنه فى «الأطلال» بالمعجزة، فقد وصل لحد الإعجاز وتجاوزه.. ولم يبالغ النقاد حينها حينما أن الأغنية توجت السنباطى ملكًا على عرش التلحين ودكت عرش «إنت عمرى».. ولكن النجاح الأكبر تمثل فى اللقب الذى منحته له أم كلثوم بعدها.. العملاق.
فقد حدث أن لاحظت أم كلثوم عشرات من مقالات الإشادة بإبداعها الخارق فى الأطلال فلفتت بعتاب نظر كتابها ومن جاءوا للحوار الصحفى معها: لا تنسوا السنباطى الموسيقار العملاق.. فلحنه له النصيب الأكبر فى هذا النجاح.. والتصق به اللقب وأصبح يسبق اسمه فى الصحف كما استخدمه مذيعو حفلات أم كلثوم وهم يقدمون ألحان السنباطى.
وأسهم نجاح الأطلال وشهادة أم كلثوم وعتابها فى تخفيف الجفوة الطويلة بين السنباطى والصحافة، فقد ظل لسنوات طويلة يرفض حواراتها ويتهرب منها، ولما سئل عن موقفه الحاد من الصحفيين قال بسخرية: عملت معهم حوارين فى حياتى، فى الأول فوجئت بحوار لم أقله ولا علاقة لى بما فيه، وفى الثانى سألونى عن مقاسات قمصانى وأحذيتى!
* تصدرت «الأطلال» قائمة ألحان السنباطى التى يتقاضى عنها حقوق الأداء العلنى من جمعية المؤلفين والملحنين، وحققت له دخلًا سنويًا يبلغ ٥ آلاف جنيه، وبفارق كبير عن أغنية المركز الثانى «هجرتك» وكان دخله منها ١٥٠٠ جنيه، والسنباطى كان هو الأعلى فى قائمة الملحنين بالجمعية بمتوسط ١٦ ألف جنيه، متقدمًا عن عبدالوهاب وبليغ وفريد الأطرش.

على أى حال، تفوقت «الأطلال» على «إنت عمرى» وكسب السنباطى معركته مع عبدالوهاب، بل أعلن أنها- الأطلال- أصلحت ما أفسده عبدالوهاب فى مسيرة أم كلثوم، وأعادتها إلى الحالة السنباطية بأصالتها وهيبتها.. وامتلك السنباطى من الشجاعة لأن يعلن انتصاره: «علاقتى بعبدالوهاب علاقة «أنداد»، علاقة منافسة شريفة من أجل رقى الفن والموسيقى العربية.. وعندما غنت أم كلثوم لحن عبدالوهاب «إنت عمرى» وضعت يدى على قلبى لأن لحن «إنت عمرى» أثر فى المستمع العربى، وبدا وكأنه يتقبل أى لون آخر من الألحان.. ولكننى قدمت مع أم كلثوم «الأطلال»، وكانت هذه الأغنية اختبارًا صعبًا نجحت فيه بتفوق وزادت ثقتى بالمستمع العربى».
«الأطلال» واحد من ألحان السنباطى «السماوية».. وهى الألحان التى كان يشعر بأن فيها إشراقات ومددًا سماويًا وإلهامًا علويًا، وكأن هناك من يملى عليه النغم.. أو يوحيه إليه، ووصف «الوحى» ليس من عندى، بل استخدمه السنباطى بنفسه: «كتب (شوقى) قصيدة (سلو كئوس الطلا) لأم كلثوم وأعطاها لى فقرأتها وانفعلت بكلماتها، وعندما هبط علىّ (الوحى) لم أنم ليلتها حتى انتهيت من تلحينها، وفى الصباح أسمعتها لأم كلثوم فأعجبتها جدًا وغنتها».
وذروة الإشراقات والإلهامات والمدد السماوى فى ألحان السنباطى تجدها فى «الشوقيات الصوفية»، أى القصائد الصوفية التى كتبها أمير الشعراء وغنتها أم كلثوم، وبلغ فيها السنباطى ذرى أعجزت من جاء بعده، وتنزلت عليه «أنغام» علوية عندما يسمعها أهل الصنعة فإنهم يقولون عن صاحبها: ما هذا بشرًا!
السنباطى نفسه لم يكن يجد تفسيرًا لهذا السحر فى أنغام تلك القصائد سوى المدد العلوى.. خاصة فى لحنه لقصيدة «نهج البردة» التى عارض فيها أمير الشعراء بردة الإمام البوصيرى الشهيرة وكتب على بحرها.
ويبدو أن «كرامات» البردة وصاحبها حلت على كل من شارك فى «نهج البردة» من أول شوقى، الذى فاض عليه الإلهام وزاد فكتب ما يضارع «البردة» روعة وجمالًا ومدحًا وعشقًا فى النبى.. اعترف السنباطى أنها حلت عليه كذلك، فحكى أنه لحن تلك القصيدة الطويلة «٣٠ بيتًا اختارها مع أم كلثوم ورامى من بين ١٩١ بيتًا كتبها شوقى» فى ثلاث ساعات فقط، وأن صوتًا سماويًا كان يلهمه اللحن عندما أمسك عوده.. وبتعبيره هو: كنت أستمع إلى صوت داخلى وأنا أردد وراءه على عودى ما أسمع، فأنا لم ألحنها وإنما كانت نغماتها كما سمعت الصوت بداخلى.
وعندما طرق باب أم كلثوم يخبرها بأنه انتهى من اللحن لم تصدقه، فلم يكن السنباطى من المشهور عنهم «كروتة» الألحان، خاصة فى القصائد الدينية، فهو يستغرق فيها ويعيش أسابيع، وربما سنة كاملة كما حدث فى «حديث الروح»، ولذلك تشككت فى البداية فلما استمعت إلى اللحن بكت تأثرًا وإعجابًا.. وصدقت السنباطى عندما حكى لها عن الصوت السماوى الذى ألهمه اللحن فأتمه فى ثلاث ساعات!
وكان العام ١٩٤٦ هو ذروة تألق السنباطى فى الألحان الدينية الكبرى التى غنتها كوكب الشرق، فقد لحن ثلاثًا من أروع قصائد شوقى الصوفية: سلوا قلبى.. ولد الهدى.. ونهج البردة.
والسنباطى بإجماع آراء نقاد الموسيقى هو سيد ملحنى القصيدة، وبتعبير الناقد السورى صميم الشريف «شمخ بالقصيدة بالقصيدة شموخًا جعلت الملحنين حتى الكبار منهم يهابون تلحينها خوفًا من عدم الارتقاء بها إلى سفح القمة السنباطية».. لكن ألحان السنباطى فى القصائد الصوفية بالذات تغلفها حالة من النورانية، تتسرب إلى الروح وتغسلها، وهى حالة يمكننا أن نرجع أهم أسبابها إلى جذور نشأة السنباطى وتربيته، فقد كان والده محمد السنباطى من المنشدين المعروفين فى دمياط التى ولد بها ثم المنصورة التى انتقل إليها واستقر بها، وكان يتكسب من الغناء فى الموالد والأفراح والمناسبات الدينية، وكان يحفظ ثروة هائلة من الألحان والأناشيد الصوفية أخذها عنه رياض.
وكان من أهم شروط الأب عندما أحس بشغف ابنه الصغير بالموسيقى وإلحاحه عليه ليعلمه العزف على العود أن يحفظ رياض القرآن الكريم مجودًا بقراءاته السبع ومعه مئات من المدائح النبوية والقصائد الصوفية، ولا شك أن هذا الرصيد المتراكم فى وجدان السنباطى وذاكرته كان له أثره وتأثيره وفتح فى قلبه طاقات النور عندما أقدم على تلحين الشوقيات الصوفية.

ولا بد أنك ستحتار وتستغرب وتستعجب عندما ننتقل إلى الوجه الآخر للسنباطى، أو «الشيطان» الذى كان يسكن بجوار الموسيقار العملاق الذى تتنزل عليه الألحان وكأنه موصول بالسماء يأتيه منها المدد والنغم.
ورغم ندرة حواراته إلا أنها ستصدمك بما فيها من آراء حادة طالت أساطين جيله من ملحنين ومطربين.
كان السنباطى يطلق قذائفه بلا تردد ولا حسابات.. وأرصد هنا أعنف آراء السنباطى:
محمد عبدالوهاب

عبدالوهاب أراد أن يرضى الجمهور على حساب أم كلثوم فجعل من ألحانه لها راقصة ولا تليق بها.. وربما كانت هذه الترقيصات غير ضرورية واللحن لا يقتضيها مطلقًا، لكن عبدالوهاب يريد مغازلة الجمهور.. وجمهورنا طيب.. ولما تعمل له حاجة ترقصه يعمل هيصة!
عبدالحليم حافظ

عبدالحليم حافظ كويس، لكن فى بعض الأحيان تجد رجفة غريبة فى صوته، ولا أعرف هل هذه الرجفة متعمدة كحلية ونوع من تطوير الأداء أم خلقة فى صوته؟.. على العموم أنا لا أحبها.. إنه يشبه واحدًا يغنى ثم يجىء إنسان من ورائه ويهزه من كتفيه.. طبعًا حليم خامة صوتية حلوة وجذابة.. باستثناء «البتاعة» اللى فى صوته!
وردة الجزائرية

يعنى إيه وردة الجزائرية؟ ما الفرق بينها وبين منيرة المهدية؟.. مجرد مطربة لها أغنيات خفيفة تسمعها وأنت تأكل أو وأنت تشرب أو وأنت تلعب الطاولة!
فيروز

صوت فيروز محدود المقامات ولكن حركاتها الرقيقة أثناء الغناء تساعدها فى أداء الألحان الخفيفة المؤثرة التى تشبه ألوان الموسيقى الغربية التى يصوغها الرحبانية بلباقة وذكاء.
محمود الشريف
محمود الشريف ملحن رقيق، ولكن «نفسه قصير» لا يستطيع تلحين قصيدة صعبة!
فريد الأطرش

فريد الأطرش له بصماته على الغناء كمطرب.. أما كملحن فإن آفاقه محدودة!
منيرة المهدية
لحنت لمنيرة المهدية.. وهى صوت قوى وجهورى وقدير.. لكن صوتها سايب وليس له فرامل.. وفى كل مرة تحاول تقفله يهرب منها!
بليغ حمدى
* بليغ حمدى عمل حاجات لأم كلثوم لا تزيد ولا تقل عن الذى عمله الموجى وكمال الطويل.. الثلاثة لا يختلفون إلا فى الاسم!
* بليغ برعم يمكن أن يكون له مستقبل لو غيّر طريقته فى التلحين!
* جيل بليغ لم يطور موسيقانا كما يدعى.. موسيقانا كما هى وكل ما حدث فيها أن جميع الملحنين الشبان اعتمدوا على الرتم السريع والرقص وكلمة حزينة من هنا وكلمة مرحة من هناك.. وهذا هو التطور الذى حدث!

عفاف راضى
عفاف راضى لا تصلح للغناء الشرقى.. عندما كنت أستاذًا لها فى الكونسرفتوار تقدمت لتلتحق بقسم الأصوات الشرقية، ودعوتها إلى حفظ «سلو كئوس الطلا» فقالتها: سلو كئوس التلا!.. ولما أمضيت زمنًا أحاول أن أردها من التلا إلى الطلا وفشلت، كتبت تقريرًا أنها لا تصلح للقسم الشرقى ولا الغنا الشرقى!
الأغنية العربية
الأغنية العربية فى محنة.. وكل ما ظهر من أصوات بعد رحيل أم كلثوم وعبدالحليم ما هى إلا إرهاصات أو تدريبات حتى يأتى الصوت المنتظر.
أعنف آرائه: عبدالوهاب «رقّص» أم كلثوم إرضاء لجمهوره وفريد ملحن أفقه محدود.. ومحمود الشريف «نفسه قصير»
ظاهر الآراء تبدو فعلًا صادمة وجارحة وعنيفة وكأن صاحبها يصفى حسابات أو ينتقم من أصحابها بسبب منافسات أو خلافات.. لكن هذا المبرر لم يكن صحيحًا ولا حقيقيًا. والحق أن السنباطى كان يطلق هذه الآراء لأنه بالفعل مقتنعًا بها.. يقولها من مقام المُستعلى بموهبته المستغنى بزهده.
إنه غير مستعد للمواءمات والتنازلات مهما تبدو صغيرة. حتى أم كلثوم نفسها لم تكن استثناء من تلك القاعدة رغم مكانتها من نفسه.. فقد قاطعها مثلًا لثلاث سنوات لأنها اعترضت على مقطع من لحنه لغنوة «يا طول عذابى» وطالبت بتغييره وقالت بصراحة يا رياض ده شبه شغل القصبجى وتكرار له!.. فغضب ورفض طلبها وحمل عوده وقاطعها من عام ١٩٤٦ إلى ١٩٤٨، وسعت هى لمصالحته طويلًا حتى سكت عنه الغضب.
كان السنباطى راهبًا يعيش فى صومعة بكل معنى الكلمة. أغلب وقته يقضيه فى تلك العزلة الإبداعية فى غرفة مكتبه داخل بيته بمصر الجديدة. ونادرون هم الذين كان يسمح لهم بأن يطرقوا عليه بابه ويقتحمون صومعته، على رأسهم الشعراء أحمد رامى وعبدالفتاح مصطفى ومحمود حسن إسماعيل.
كانت له ترابيزة خاصة فى جروبى، يذهب إليها فى الصباح ولا يجرؤ أحد أن يقترب منه وهو منهمك فى كتابة نوت ألحانه الجديدة أو فى تأملاته وهو يشرب القهوة.. ولا يمكن أن تصادفه فى سهرات الوسط الفنى ومناسباته.. فمن يريده يسعى إليه أما هو فلا يسعى لأحد.. بل أحيانًا كان يبالغ فى أجره ليقلل من مريديه وطالبى ألحانه، ووصل أجره إلى ٥ آلاف جنيه فى اللحن، وهو مبلغ فلكى بحسابات ذلك الزمان.
ولذلك عندما كان السنباطى يتكلم فإنه لا يفكر فى حسابات ولا مصالح حتى لو طال كلامه نجومًا بسطوة عبدالوهاب وعبدالحليم وفيروز وبليغ ووردة.
كان السنباطى واثقًا فى موهبته حد اليقين.. عارفًا بمكانته حد الاغترار.. مستعليًا بالنغم!






