هل أسكتوه ظلما؟!
وصل خبر وفاة ماكس ميشيل، الذي كان يلقّب نفسه بـ«الأنبا مكسيموس»، وهو خبر يحمل في طياته شعورًا مركّبًا. فنحن نحزن إنسانيًا على إنسان انتهت أيامه، لكننا نحزن أكثر لأنه مات – بحسب ما عُرف عنه – في حالة عصيان وانشقاق عن الكنيسة، ونحزن أيضًا على الذين ضلّوا بسببه وانجرفوا وراء دعواه الباطلة، فتركوا حضن الكنيسة وتسليمها الرسولي.
لقد انتهت حياة الرجل، لكن تبقى العبرة التاريخية والكنسية مما حدث.
في توقيتٍ لافت، عادت إلى الواجهة ما يُعرف بـ«مذكرات ماكس ميشيل»، لتُقدَّم للبعض بوصفها شهادة شخصية تُعيد قراءة مسيرته، بينما يُروَّج لها باعتبارها وثيقة قد تُغيّر من الصورة المتداولة عنه. غير أن القراءة المتأنية لمحتوى هذه المذكرات تكشف -على نحوٍ واضح - أنها لم تُسهم في تبرئة صاحبها، بقدر ما قدّمت مادةً صريحة تُثبت سلامة الموقف الكنسي الذي صدر بحقه.
فبدلًا من أن تحمل هذه النصوص دفاعًا منهجيًا عن تعليمه أو تفسيرًا متماسكًا لمواقفه، جاءت مليئة بإشاراتٍ تؤكد وجود خلل عقائدي وفكري، بل ونفسي، ظهر في أكثر من موضع، سواء على مستوى التصريحات المباشرة أو في طبيعة الطرح ذاته. وهو ما يجعل هذه المذكرات -عمليًا -أقرب إلى وثيقة تحليلية تكشف طبيعة هذا الانحراف، لا وسيلة لنفيه.
ومن المثير أن كثيرًا مما ورد فيها يتقاطع بشكل مباشر مع الأسباب التي استندت إليها الكنيسة في إصدار قرار الحرمان، ما يعزز من مصداقية هذا القرار ويُظهر أنه لم يكن وليد لحظة أو رد فعل، بل نتيجة تقييم دقيق لمسار تعليمي وفكري خرج عن الإطار المستقيم للإيمان.

ومن هذا المنطلق، يأتي هذا المقال ليُعيد قراءة هذه المذكرات قراءة تحليلية، تكشف ما فيها، وتضعها في سياقها الصحيح، استنادًا إلى المعايير العقائدية والتاريخية المعروفة، حتى لا يُزيَّف التاريخ.
الشرعية!
قبل التوقف عند الإضاءات الكاشفة في المذكرات المنسوبة إلى ماكس ميشيل، يبدو من الضروري طرح مسألة أساسية أمام القارئ غير المتخصص في فهم البنية الكنسية المؤسسية، حتى تتضح لديه طبيعة ما جرى، بعيدًا عن العناوين العاطفية أو التقديم المُضلِّل.
فالمفهوم المسيحي، في إطاره الكنسي التاريخي، لا يقوم على مجرد إعلان شخصي للإيمان، ولا على إنشاء كيان موازٍ بدعوى الخلاف أو الاضطهاد، بل يرتبط بالانتماء إلى كنيسة رسولية، يمتد كيانها وتسليمها وسلطانها عبر خط تاريخي وروحي متصل إلى رسل المسيح. ومن ثمّ، فإن الانفصال عن هذا الامتداد لا يُنتج كيانًا كنسيًا مشروعًا، بل يفقده شرعيته وانتماءه، لا سيما إذا ارتبط هذا الانفصال بتعاليم مخالفة لما تسلّمته الكنيسة عبر العصور.
وفي رواية ماكس ميشيل داخل هذه المذكرات، يقدّم نفسه باعتباره قد واجه ما سمّاه «مشكلات واضطهادًا» -وهي مسألة سنعود إليها لاحقًا - دفعته، بحسب روايته، إلى الانتقال والانضمام إلى كيان آخر، ثم تأسيس مجمع صار هو رئيسًا لأساقفته. وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد انتقال إداري، بل بادعاء تأسيس أصل كنسي جديد يُبنى عليه لاحقًا الحديث عن الأسقفية والخلافة الرسولية.
هذا المسار بدأ بالانضمام إلى ما يُعرف بـ«مجمع الأرثوذكس في المهجر بأمريكا»، وهو كيان نشأ أصلًا من انشقاق داخل الكنيسة الأرثوذكسية في اليونان على خلفية الخلاف حول تغيير التقويم الكنسي في بدايات القرن العشرين، فيما عُرف لاحقًا بتيار «التقويم القديم». ومع تطور هذا التيار، تفرّعت عنه تجمعات متعددة، انتقل أحدها إلى الولايات المتحدة، وتحديدًا نبراسكا، ليظهر في صورة مجمع موازٍ لا يحظى باعتراف الكنائس الأرثوذكسية التقليدية، رغم رفعه شعارات إصلاحية والتزامًا نظريًا بتعاليم الرسل والمجامع.
وفي هذا الإطار، بدأ ماكس ميشيل في بناء امتداده داخل مصر، حيث تأسست «مؤسسة القديس أثناسيوس الرسولي» في 28 سبتمبر 1992، وتم إشهارها رسميًا، واستوعبت اجتماعات البيوت في عدد من المحافظات. وبالتوازي، التحق بما يُعرف بـ«كلية القديس إلياس للاهوت الأرثوذكسي» في نبراسكا، وهي جهة لا تتبع أي كنيسة أرثوذكسية معترف بها. وبعد حصوله منها على درجة الدكتوراه، جرى تعيينه أسقفًا مساعدًا باسم «مكسيموس» بواسطة عميد الكلية، الذي يُعد بدوره شخصية غير قانونية كنسيًا.
وخلال العام ذاته، تم ترشيحه عبر ما يُدعى «ملكي صادق» إلى ما يسمى بـ«المجمع المقدس للأرثوذكس الحقيقيين في المهجر الأمريكي»، الذي وافق على رسامته أسقفًا، ومنحه لقب مطران على ما سُمِّي بإيبارشية القديس أثناسيوس في مصر والشرق. وقد أُعلنت هذه الرسامة في مجلة «الجوهر»، مع الإشارة إلى إتمامها في نبراسكا بمشاركة شخصيات من نفس التيار.
لاحقًا، تم تسجيل «كنيسة القديس أثناسيوس» في ولاية نيفادا عام 2004، مع استيفاء إجراءات قانونية وتوثيقات رسمية داخل الولايات المتحدة ومصر، بل ونُشر إعلان مدفوع في جريدة «الأهرام» عام 2005 يتضمن بيانات هذا الكيان. غير أن هذه الإجراءات، بطبيعتها، تظل قانونية إدارية، لا تُكسب أي صفة كنسية أو شرعية دينية.
غير أن النقطة الأخطر تتعلق بالأصل الذي استندت إليه هذه الرسامة. فالشخص الذي ارتبط اسمه بتنصيب ماكس ميشيل، وهو «ملكي صادق»، كان يحمل صفة رئيس ما يسمى بـ«المجمع المقدس للمسيحيين الأرثوذكس الحقيقيين في الشتات»، وقد قام برسامة ماكس ميشيل أسقفًا رغم كونه متزوجًا، في مخالفة صريحة للتقليد الكنسي المستقر. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أعلن لاحقًا تركه للمسيحية واعتناقه البوذية، وصرّح بأن المسيحية «خرافة وسخافة»، بل وانخرط عمليًا في طقوس الزين، وحوّل مكاتبه إلى مركز لممارستها.
وأمام هذا الواقع، يبرز السؤال الحتمي: إذا كان هذا هو الأصل الذي يُبنى عليه ادعاء الخلافة الرسولية، فبأي معنى يمكن الحديث عن أسقفية مسيحية؟ وبأي منطق يمكن لكيان خرج من هذا المسار أن يقدّم نفسه بوصفه امتدادًا شرعيًا للكنيسة الرسولية؟
وبعد هذا العرض، تسقط كل محاولات التجميل، ويبدأ الامتحان الحقيقي لما كُتب في تلك المذكرات.
نعود بالزمن
يستهلّ ماكس ميشيل مذكراته بما يصفه كأول «صدام» بينه وبين البابا شنودة، ويتمثل - بحسب روايته - في رفضه التصوير معه عام 1966! طرحٌ يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه سرعان ما يكشف عن بناء سردي مقصود، لا يهدف إلى نقل واقعة بقدر ما يسعى إلى رسم ملامح بطل منذ اللحظة الأولى.
فالقصة تبدأ بنغمة تواضع مفرطة: شاب يقف بعيدًا، لا يزاحم، ولا يسعى للظهور. لكن المفارقة أن هذا «الواقف في الهامش» يتحول فجأة إلى مركز المشهد، إذ يلتفت إليه الأسقف من بين الجميع ويختاره دون سواه. وهنا تنتقل الرواية من الواقعية إلى بناء درامي واضح، حيث لا يحتاج البطل إلى فعل شيء، لأن السيناريو ذاته يعمل لصالحه.
وفي خضم هذا السرد، تبرز جملة لافتة: «وكان أبي ضابط بوليس». جملة لا تضيف شيئًا إلى سياق الحدث، ولا ترتبط باللقاء أو التصوير، لكنها حاضرة بإلحاح يوحي بوظيفة غير بريئة، وكأنها تمرير ناعم لرسالة غير معلنة عن خلفية صاحب القصة.
ثم يأتي الحوار، لتزداد ملامح الصنعة وضوحًا. أسقف وسط زحام، يترك الجميع، يسأل شابًا عن اسمه، لينتهي الحديث فجأة إلى معنى الاسم في اللاتينية واليونانية: «الأعظم»! مشهد أقرب إلى افتتاحية درامية منه إلى واقعة عابرة، حيث يُلقى على البطل لقب العظمة منذ البداية، في توقيت يبدو مثاليًا أكثر مما ينبغي.
ومع تقدم السرد، تتأكد الصورة: نحن لا نقرأ ما حدث بقدر ما نقرأ ما يُراد أن نصدقه. فتصوير المشهد وكأنه «تهافت جماهيري» عام 1966 يعكس إسقاطًا واضحًا لذهنية الحاضر على الماضي، حيث تبدو القصة مكتوبة بعقلية زمن مختلف، ثم أُعيدت صياغتها لتناسب سياقًا تاريخيًا لا يحتمل هذا القدر من الدراما.
وربما يطرح القارئ سؤالًا مشروعًا: لماذا التوقف عند قصة تبدو - في ظاهرها- غير ذات أهمية، سواء حدثت أم لا؟ والإجابة ببساطة أن هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تكشف عن عقلية كاتب المذكرات وطريقة بنائه للسرد؛ وهي العقلية التي ستظهر بصورة أوضح وأكثر مباشرة في الصفحات التالية.
الأحداث حسب ما وثقته الكنيسة الأرثوذكسية
نشأ ماكس ميشيل في مدينة زفتى بمحافظة الغربية داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والتحق بالكلية الإكليريكية بالقاهرة، وتخرج منها عام 1973، ثم خدم في كنيسة مارمينا بشبرا، قبل أن ينتقل إلى إيبارشية الغربية تحت إشراف الأنبا يوأنس. ومنذ بدايات خدمته، ظهرت لديه نزعة واضحة نحو التميز والانفراد، سرعان ما ارتبطت بانجذابه إلى الفكر الخمسيني، بما يحمله من ادعاءات المواهب الخارقة، وعلى رأسها «التكلم بألسنة»، وهي ممارسات تختلف جوهريًا عن المفهوم الرسولي لهذه المواهب.
ومع تصاعد هذه الاتجاهات، بدأت الشكاوى تتزايد، فتم استدعاؤه ومناقشته في تعاليمه، غير أنه تمسك بمواقفه، ما دفع الأنبا يوأنس - بعد محاولات إصلاح - إلى فصله من خدمة التكريس في مايو 1976.
ومنذ تلك اللحظة، اتجه ماكس ميشيل إلى تأسيس مسار مستقل، مستثمرًا هذا الانفصال في تكوين تجمع يجمع بين عناصر من خلفيات كنسية مختلفة، مع تركيز واضح على الخطاب العاطفي المرتبط بالمواهب الخمسينية. واستمر نشاطه حتى أسس، في 28 نوفمبر 1982، خدمة ذات طابع عابر للطوائف في مصر الجديدة، مستغلًا الظروف الاستثنائية التي مرت بها الكنيسة آنذاك، وعلى رأسها فترة نفي البابا شنودة، ليطرح نفسه وجماعته كبديل، مع تصعيد هجومه على الكنيسة واتهامها بالانحراف.
ورغم ذلك، لم تتوقف محاولات الكنيسة لاحتوائه؛ إذ سعى الأنبا موسى — في أكثر من مناسبة — إلى إعادته، من خلال لقاءات مباشرة وحوارات متكررة، اتسمت بالحرص والرعاية، إلا أن هذه المحاولات لم تُثمر عن تغيير حقيقي في مساره.
وفي مطلع الألفية، ومع تصاعد ملف الجماعات المنشقة، أشار البابا شنودة إلى اقتراب التعامل مع حالته، إلا أن ماكس ميشيل سلك مسارًا مراوغًا، فظهر إعلاميًا بنبرة تصالحية لتجنب المواجهة الكنسية، في وقت كان يعمل فيه فعليًا على تثبيت وضعه المستقل، تمهيدًا لإعلان رسامته المزعومة. وبالتوازي، بدأت منصاته الإعلامية، وعلى رأسها مجلة «الجوهر»، في تصعيد الهجوم على الكنيسة وقيادتها، وطرح أفكار تتعارض مع التقليد الكنسي، من بينها الترويج لفكرة «زواج الأسقف».
يدين نفسه بنفسه
ومن داخل هذه المذكرات ذاتها -دون الحاجة إلى مصادر خارجية - تتكشف أمامنا سلسلة من الوقائع التي لا يمكن قراءتها باعتبارها «أحداثًا عابرة»، بل كشهادات متتابعة على خلل واضح في المسار والتكوين، يكشف أن المشكلة لم تكن يومًا في «الظروف» كما يحاول صاحب الرواية أن يوحي، بل في شخصه هو.
فبحسب ما يورده بنفسه، نجده يتحدث عن خدمته في إحدى الكنائس بالظاهر بالقاهرة، ثم خروجه منها في ظروف ينسبها -كعادته - إلى تدخل البابا شنودة. ورغم أن هذه النقطة سنعود إليها لاحقًا بالتفصيل، إلا أن اللافت هنا ليس الاتهام، بل تكرار نمط واحد: دائمًا هناك جهة أخرى مسؤولة، بينما يغيب أي نقد ذاتي حقيقي.
ثم ينتقل إلى مرحلة دراسته، ليذكر واقعة لا تقل دلالة، إذ يقرّ بأنه كان الطالب الوحيد الذي أعاد السنة في الكلية الإكليريكية بسبب أخطاء في أبحاثه. وهي شهادة صريحة — من صاحبها — على خلل علمي في مرحلة التكوين، لا يمكن تجاهله عند تقييم ما سيأتي لاحقًا من ادعاءات تعليمية ولاهوتية.
ولا تقف الأمور عند هذا الحد، بل تتصاعد إلى سردية أكثر غرابة حين يتحدث عن خدمته في كنيسة مارمينا بشبرا، حيث يروي - بنبرة أقرب إلى «الطرف» -أن خلافًا إداريًا بين شخصين ممن يسميهم «أبناء البابا شنودة» انتهى بشكل مفاجئ إلى اتفاقهما على وضعه «في واجهة المدفع»، على حد تعبيره! وهنا يبرز التساؤل المشروع: ما هو المنطق الذي يحكم هذه الرواية؟ وكيف يتحول شخص - بحسب وصفه هو -إلى محور اتفاق بين طرفين مختلفين، دون تفسير واقعي مقنع؟ هل نحن أمام سرد موضوعي، أم أمام محاولة لإعادة صياغة الأحداث بشكل درامي يخدم صورة معينة؟
ثم تأتي النقطة الأوضح والأكثر حسمًا، حين يقرّ بنفسه أن مطران طنطا قام بطرده، وأن الأنبا غريغوريوس أعطاه ظهره. وهنا تتجمع الشهادات من داخل الرواية ذاتها: خروج من خدمة، تعثر علمي، صدامات متكررة، ورفض من قيادات كنسية مختلفة.
وأمام هذا التراكم، يطرح السؤال نفسه بقوة: هل نحن أمام «مؤامرة كونية» استهدفت شخصًا بعينه في كل مرحلة من حياته؟ أم أن الرواية -كما كتبها صاحبها -تكشف بوضوح أن هناك خللًا أصيلًا في الفكر والمنهج والسلوك، كان هو العامل المشترك في كل هذه الوقائع؟
إن أخطر ما في هذه المذكرات أنها لا تحتاج إلى تفنيد خارجي بقدر ما تحتاج إلى قراءة واعية؛ لأن صاحبها - دون أن يقصد - قدّم بنفسه الأدلة التي تُدين مساره، وتؤكد أنه لم يكن أمينًا في التعليم، ولا ثابتًا في المنهج، بل انتقل من تعثر إلى صدام، ومن صدام إلى انشقاق، حتى انتهى إلى ما هو معروف.
ماكس ميشيل في مذكراته يعترف أنه منحرف إيمانيًا!!
وفي محاولة ماكس ميشيل تقديم نفسه كصاحب خلفية ثقافية وفكرية واسعة، يظهر في مذكراته استعراض واضح لمصادر تأثره، لكن المفارقة أن هذا الاستعراض - بدلًا من أن يعزز صورته - يكشف بوضوح عن اضطراب عميق في بنيته الإيمانية، وهو ما يفسر، لا يبرر، القرارات الكنسية التي صدرت بحقه عبر مراحل مختلفة من حياته.
فهو يصرّح بما معناه أنه لا يرى مشكلة في أن تكون مزامير داود النبي مأخوذة من مزامير إخناتون، وهو طرح لا يمكن التعامل معه كـ«رأي ثقافي»، بل كطعن مباشر في جوهر الإيمان المسيحي بوحي الكتاب المقدس. لأن الإيمان الكنسي لا يقوم على مجرد تشابه أدبي أو تأثير حضاري، بل على إعلان إلهي مميز، استخدم فيه الروح القدس الكتّاب دون أن يفقد النص خصوصيته ووحدته اللاهوتية. والتشابهات الشكلية — إن وُجدت — لا تعني النقل أو الاقتباس، بل قد تعكس إدراكًا إنسانيًا عامًا لبعض الحقائق، جاء الوحي ليصححه ويقدمه في صورته الكاملة. أما تحويل هذا التشابه إلى «أصل وثني» للنص المقدس، فهو قفز غير علمي، يكشف عن خلل في فهم طبيعة الوحي ذاته.
ثم ينتقل إلى مرحلة أخرى من التأثر، فيتحدث بإعجاب عن الفيلسوف الوجودي سارتر، خاصة في أعمال مثل «الذباب» و«الشيطان والله»، ليقرّ بأنه تبنّى لفترة تصورًا يرى أن الله يستلذ بعقاب الإنسان بهدف إذلاله، بل ويصل إلى حد وصف الله - حاشا - بأنه «فاشل» لأنه لم يمنع الإنسان! وهنا لا نكون أمام اجتهاد فكري، بل أمام تبنٍّ مباشر لفلسفة إلحاد وجودي قائم على إنكار صلاح الله وعدله. فاللاهوت المسيحي يميز بوضوح بين عدل الله وقداسته من جهة، وحريّة الإنسان ومسؤوليته من جهة أخرى؛ فالله لا «يفشل» في منع الإنسان، بل يمنحه حرية حقيقية، ويُقيم العدل دون أن يلغي هذه الحرية. أما تصوير الله ككائن يتلذذ بإذلال الإنسان، فهو إسقاط فلسفي مشوّه، لا علاقة له بإعلان الله في الكتاب المقدس.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتحدث عن رسالة دكتوراه في موضوع الفداء - في إطار أكاديمي غير معترف به كنسيًا - ثم يهاجم ما يؤمن به المسيحيون من مفهوم الفداء، وخاصة ما يُعرف بالبدلية العقابية. وهنا يظهر الخلط مجددًا؛ إذ إن الفداء في الإيمان المسيحي ليس تصورًا قانونيًا جامدًا، بل عمل إلهي متكامل يجمع بين العدل والرحمة، حيث حمل المسيح خطايا العالم بإرادته، لا كضحية قسرية، بل كفعل حب خلاصي. والبدلية - في هذا الإطار- ليست «عقوبة تُفرض»، بل تحقيق للعدل الإلهي في إطار محبة إلهية كاملة، وهو ما لا يمكن تفكيكه أو اختزاله دون الإخلال بجوهر العقيدة.
ثم ينتقل إلى خطاب يبدو في ظاهره «تصالحيًا»، حين يعلن رفضه لما يسميه «الطائفية»، ويلقي باللوم على رجال الدين، متجاهلًا حقيقة بديهية: أن كل إيمان -ديني أو فكري - له محدداته التي تميّزه، وأن الانتماء إليه يقوم على قبول هذه المحددات. فرفض «الطائفية» بهذا المعنى لا يؤدي إلى وحدة، بل إلى تمييع كامل للحقائق الإيمانية، حيث يصبح كل شيء مقبولًا، وبالتالي يفقد أي شيء معناه.
ومن خلال هذا المسار المتتابع -من الطعن في الوحي، إلى تبني تصورات فلسفية منحرفة عن الله، إلى إعادة تعريف الفداء، وصولًا إلى تمييع حدود الإيمان - تتكشف صورة واضحة: لسنا أمام مجرد شخص «يبحث» أو «يجتهد»، بل أمام فكر غير منضبط، ينتقل بين الأفكار دون معيار ثابت، وهو ما يثبت — من داخل المذكرات نفسها — أن القرارات الكنسية التي صدرت بحقه لم تكن تعسفية، بل جاءت نتيجة طبيعية لمسار فكري وإيماني مضطرب.
أسباب تأسيس طائفته تُدينه تعليميًا
ولا يكتفي ماكس ميشيل بسرد مسيرته، بل يحاول في مذكراته أن يمنح انشقاقه غطاءً فكريًا، فيطرح أربعة أسباب يقدّمها كمبررات لتأسيس كيانه الخاص. غير أن القراءة الدقيقة لهذه الأسباب تكشف - مرة أخرى - أن ما يُعرض بوصفه «موقفًا فكريًا» ليس إلا مجموعة من الطعون غير المنضبطة، التي تعكس خللًا في الفهم، لا قوة في الحجة.
أما السبب الأول، فيتمثل - بحسب روايته - في عدم قبوله لأسلوب البابا شنودة في التعامل مع المشكلات مع المسلمين. وهنا يغيب التمييز بين الرأي الشخصي والانتماء الكنسي؛ فالكنيسة، عبر تاريخها، لا تُبنى على مواقف سياسية أو تقديرات ظرفية، بل على تسليم إيماني ثابت. وحتى لو افترضنا وجود اختلاف في أسلوب إدارة الملفات المجتمعية، فهل يصبح ذلك مبررًا للانشقاق وتأسيس «كنيسة بديلة»؟ إن تحويل قضايا رعوية أو اجتماعية إلى سبب لتمزيق الجسد الكنسي يكشف عن خلل في ترتيب الأولويات، حيث يُقدَّم الظرفي على الجوهري.
أما السبب الثاني، فيصف فيه عهد البابا شنودة بأنه «أسوأ العهود»، ويتحدث عن «محاكمات غير قانونية». وهو طرح يخلط بين المفاهيم؛ فالكنيسة ليست مؤسسة مدنية تُقاس بقوانين الدولة، بل لها نظامها الكنسي المعروف، الذي يحكمه القانون الكنسي (الكنسي-القانوني) والتقليد المستقر. والإجراءات التأديبية داخل الكنيسة لا تُقاس بمعايير المحاكم المدنية، بل بمعايير الحفاظ على الإيمان والنظام الكنسي. ومن ثمّ، فإن وصف هذه الإجراءات بأنها «غير قانونية» يعكس عدم فهم لطبيعة السلطة الكنسية، أو محاولة لتشويهها بخطاب خارج سياقها.
وفي السبب الثالث، يدّعي أن التعليم في الكنيسة الأرثوذكسية يتبنى «لاهوتًا وسطيًا»، وكأن هذا الوصف يحمل طعنًا في ذاته. والحقيقة أن ما يسميه «وسطية» هو في جوهره تعبير عن اتزان لاهوتي حافظت عليه الكنيسة عبر المجامع والآباء، حيث رفضت الانحرافات المتطرفة يمينًا ويسارًا، وقدّمت إيمانًا متكاملًا يجمع بين الأبعاد المختلفة دون تناقض. فالاعتدال هنا ليس ضعفًا، بل هو علامة على سلامة التسليم، في مقابل النزعات الفردية التي تميل إلى التطرف أو الابتداع.
أما السبب الرابع، فهو الأخطر، إذ يدّعي أن المسيح لم يقل «لا طلاق إلا لعلة الزنا»، وهو ادعاء يصطدم مباشرة بالنص الإنجيلي الصريح، حيث يقول الرب: «مَن طلّق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني» (متى 5: 32، ومتى 19: 9). وهذا النص كان — عبر التاريخ الكنسي — أساسًا واضحًا في تعليم الكنيسة عن الزواج وعدم انحلاله إلا في هذه الحالة المحددة. ومن ثمّ، فإن إنكار هذا التعليم لا يُعد اختلافًا في التفسير، بل خروجًا صريحًا عن نص الإنجيل ذاته.
وبجمع هذه الأسباب الأربعة، تتضح الصورة: لسنا أمام رؤية إصلاحية أو مشروع فكري متماسك، بل أمام مزيج من الاعتراضات الشخصية، وسوء الفهم، والاصطدام بالنصوص الصريحة. وهي أسباب -بدلًا من أن تبرر الانشقاق - تقدّم دليلًا إضافيًا على أن ما جرى لم يكن دفاعًا عن الإيمان، بل خروجًا عليه.
أكاذيب تكشف أكثر مما تُخفي
لم تقتصر مذكرات ماكس ميشيل على سردٍ انتقائي للأحداث، بل حملت كذلك عددًا من الادعاءات التي لا يمكن وصفها إلا بأنها أكاذيب صريحة، جرى توظيفها لدعم موقفه وإضفاء مصداقية زائفة على مساره. غير أن الكذب - بطبيعته - لا يُخفي الحقيقة، بل يكشف عن أزمة أعمق في الأمانة الفكرية.
أولًا: الادعاء
«جورج بباوي كان تلميذًا مقرّبًا للبابا كيرلس السادس».
الحقيقة
هذا الادعاء حُسم رسميًا بقرار صادر عن المجمع المقدس برئاسة البابا تواضروس الثاني عام 2015، حيث تم نفي هذه المزاعم بشكل قاطع، مع التحذير من الكتب المضلِّلة التي رُوِّجت تحت عناوين منسوبة إلى هذا السياق.
ولا نتحدث هنا عن رأي شخصي أو اجتهاد فردي، بل عن موقف كنسي موثّق أنهى الجدل من جذوره.
وقد نِلتُ بركة تقديم مذكرة في هذا الشأن، ونشرتُ سلسلة مقالات كشفت حقيقة هذه الادعاءات، وكانت ضمن الجهود التي ساهمت في صدور القرار.
ثانيًا: الادعاء
«جورج بباوي أستاذ في جامعة كامبريدج وعميد كلية لاهوت بها».
الحقيقة
هذه واحدة من أكثر الادعاءات فجاجة. فالكيان الذي ارتبط به بباوي ليس كلية لاهوت تابعة لجامعة كامبريدج، بل مؤسسة مسجَّلة كجمعية خيرية تحمل أرقام تسجيل (1076519 / 3785551)، تقع في محيط المدينة الجامعية، دون أن تكون جزءًا من الهيكل الأكاديمي الرسمي للجامعة.
وقد يوجد ارتباط أو تعاون غير مباشر، لكن ذلك لا يمنح صفة «أستاذ» أو «عميد» داخل جامعة عريقة ككامبريدج.
وباختصار: نحن أمام تضخيم متعمد، ومحاولة مكشوفة لصناعة مكانة علمية لا وجود لها.
ثالثًا: الادعاء
«ماكس ميشيل درس اللاهوت واكتشف أن الحق مع فكر متى المسكين وجورج بباوي».
الحقيقة
هذا الادعاء يسقط أمام أبسط فحص لنتاج ماكس ميشيل نفسه، الذي لا يُظهر أي اتساق لاهوتي أو مرجعية آبائية منضبطة، بل يكشف عن خليط متناقض من الأفكار.
أما الاستناد إلى فكر متى المسكين وجورج بباوي، فهو في ذاته إشكالي، إذ إن كلا الاتجاهين قد قُدِّمت حوله انتقادات واسعة بسبب افتقارهما إلى الامتداد الآبائي المستقيم واعتمادهما على اجتهادات شخصية متباينة — بل ومتعارضة في مواضع عديدة.
فكيف يُستدل بمرجعيتين غير منضبطتين، ومتباينتين فيما بينهما، لإثبات «حق واحد»؟!
وهذه النماذج ليست إلا جزءًا من سلسلة أطول من الادعاءات التي تكشف — بوضوح — أن المذكرات لم تُكتب لتوثيق الحقيقة، بل لإعادة صياغتها بما يخدم رواية محددة.
لكن المشكلة أن هذه الرواية، كلما حاولت أن تُثبت نفسها، قدّمت دليلًا إضافيًا على سقوطها.
وفي النهاية، لسنا أمام مذكرات تُعيد قراءة التاريخ، بل أمام نص يحاول إعادة صياغته وفق رؤية صاحبه، لكنه - دون أن يقصد - كشف عن نفسه أكثر مما دافع عنها. فبين اضطراب السرد، وتناقض المواقف، وتكرار الاتهامات، وورود ادعاءات ثبت بطلانها، تتكوّن صورة واضحة: نحن لا نقرأ سيرة مظلوم، بل نقرأ مسارًا ممتدًا من عدم الأمانة الفكرية والانحراف التدريجي.
هذه المذكرات لم تُثبت براءة، ولم تُقدّم دفاعًا، بل جاءت - في كثير من مواضعها- كوثيقة إدانة ذاتية، تثبت أن القرارات الكنسية التي صدرت لم تكن تعسفًا ولا رد فعل، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الخروج عن الإيمان المستقيم والتسليم الكنسي.
ولذلك، فإن أخطر ما في هذه المذكرات ليس ما قيل فيها، بل ما كُشف من خلالها. لأنها ببساطة أزاحت الغطاء… وأظهرت الحقيقة كما هي.
ويبقى الحكم - في النهاية - ليس لما أراد الكاتب أن يقنعنا به، بل لما قاله بنفسه.







