كتاب النميمة الصحفية.. أخطر أسرار وحكايات عبده مباشر فى مذكرات «65 عامًا فى بلاط صاحبة الجلالة»
جلس الكاتب الكبير عبده مباشر عميد المراسلين العسكريين فى مصر ليدون قصته مع الصحافة المصرية، وهى قصة لمن يعرف ويتابع صاحبها سيعرف أنها ليست مهمة فقط ولكنها مثيرة أيضًا، فهو أهم وأكبر مراسل حربى عمل فى الصحافة، ولديه من الأسرار ما لا يملكه غيره.
لم يكتب عبده مباشر قصته وحده، ولكنه كتب قصة من عبروا فى حياته أثناء عمله الصحفى، ولأنه صريح وواضح لا يعرف المراوغة، فقد أفصح عما لا يمكن أن يتصوره الكثيرون، وكشف عما لا يمكن أن يتخيله كثيرون من كواليس العمل الصحفى فى مصر.
يمكن أن يختصر أحدهم الكتاب ويقول إنه كتاب النميمة الصحفية الكبرى، خاصة أن مباشر تعمد أن يكتفى بالحروف الأولى من أسماء من تحدث عنهم، صحيح أننا عرفناهم جميعًا، لكننا سنلتزم هنا بما أراده، وسيكون عليكم أن تخمنوا من يقصد وعمن كتب.
الكتاب صدر فى هدوء ودون ضجيج ولم يلتفت له أحد، وإن كنت أعتقد أنه من المهم أن يقرأه كل من يعمل فى الصحافة والإعلام، وكل من يهتم بكواليس وأسرار دنيا الصحافة فى مصر، فعلى أساس ما قاله مباشر يمكننا أن نعيد النظر فيما توافقنا عليه على أنه حقائق، ونعيد الاعتبار لكتاب وصحفيين لم ينالوا ما يستحقون من تقدير، وننزع هذا الاعتبار من كتاب وصحفيين لم يكونوا أهلًا للاعتبار والاهتمام والتقدير، وهذا كله من وجهة ظر مباشر بالطبع.
اختار عبده مباشر لكتابه عنوان «أعطيت الكلمة عمرى.. 65 عامًا فى بلاط صاحبة الجلالة» وصدر عن دار غراب للنشر والتوزيع فى 500 صفحة من القطع الكبير، لن نفسد عليكم الكتاب، فهو يستحق القراءة، سنكتفى فقط بأن نرشدكم إليه من خلال بعض ما ورد فيه من حكايات، ولستم فى حاجة بالطبع لأن نقول لكم إن كل هذه الحكايات على مسئولية كاتبها وحده.

«ج. ك»كاتب شيوعى للإيجار
«ج. ك» صحفى شيوعى، اعتقل خلال الفترة من ١٩٥٤ حتى ١٩٥٦، وعندما خرج أعلن توبته وهاجم الرفاق بقسوة وضراوة، وبعد الإفراج عنه عينه هيكل بجريدة أخبار اليوم، وبدأ يطرق باب العمل فى مجال الإعلانات، واختار منطقة الخليج مجالًا لنشاطه الإعلانى، ومن المبلغ الذى حصل عليه كعمولة لأول صفقة إعلانات قام بتفصيل ٦ بدل، وعندما تسلمها حملها على كتفه وطاف بها فى مناطق تجمع الرفاق خاصة بدور الصحف، ليشاهدوا ثمار العمل والتعاون مع الرأسمالية والرأسماليين.
ومنذ دخل أخبار اليوم، بدأ ينتظر الفرصة السانحة لمغادرة مصر، فقد أدرك أنه فى غيبة الحرية لن يتمكن من الانطلاق فى عالم الكلمة، وانتقل من القاهرة إلى بيروت حيث وجد عملًا بمجلة الحوادث تحت قيادة سليم اللوزى رئيس تحرير المجلة ومالكها، وسرعان ما برز ونضج أسلوبه، وانتقل من نجاح إلى نجاح.
ونتيجة المحن التى تعرضت لها بيروت، احتلال إسرائيلى، وسيطرة سورية، وهجوم على دور الصحف وإحراق عدد منها انتقلت الحوادث للعمل من العاصمة البريطانية لندن.
ولم يكتف «ج. ك» بدوره فى مجلة الحوادث، وانضم إلى قافلة مؤلفى الكتب، وأضاف إلى نجاحه نجاحًا، وأقبل القراء بالعالم العربى على شراء كتبه.
وبعد سنوات من السطوع والنجاح، تلقى دعوة من مسئول عربى بواحدة من كبرى دول شبه الجزيرة العربية لزيارته، وعندما التقيا طلب منه المسئول الذى كان مسئولًا عن التعامل مع الكتاب والصحفيين والإعلام بصفة عامة، إعداد كتاب عن بلده، وعندما سأله «ج. ك» عن المبلغ الذى سيحصل عليه، أجابه الرجل بقوله: مليونا دولار.
وعاد «ج. ك» إلى لندن، وبدأ إعداد هذا الكتاب، وبعد أن انتهى منه، طلب المسئول تليفونيًا، وتحدد موعد سفره لتسليم الكتاب، وهناك فى مكتبة بالعاصمة، سلمه شيكًا بمليون دولار فقط.
وكان المسئول قد راجع نفسه فوجد أن مليون دولار تكفى كمقابل لهذا الكتاب، وراجع «ج. ك» الرقم فوجده مليونًا فقط وليس مليونين، فاختار الصمت وعدم مناقشة الأمر، وكان هدفه الخروج بسلام والعودة إلى لندن، فوجه الشكر العميق للمسئول العربى، وأكد له أن مبلغ المليون دولار أكثر من كاف.
وفى لندن بدأ يكتب كتابًا آخر فى نقد هذه الدولة، وكشف ما بها من سلبيات وأوجه قصور، وأزاح الستار عن كثير من السلبيات والأسرار، ثم أرسل نسخة مما كتب إلى المسئول إياه، وبعد أن قرأ الكتاب أرسل لـ«ج. ك» شيكًا جديدًا بالمليون دولار الثانية، بعد أن تبين خطورة أن يتحول «ج. ك» إلى كاتب يقف فى المربع الذى يقف فيه كل من يعارض أو ينتقد بلده.
مبارك قال لى: كله يتصلح يا عبده.. فتم منعى من الكتابة

خلال زيارة الرئيس مبارك لمبنى مؤسسة الأهرام للمرة الأولى اختار إبراهيم نافع رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة أن يكون مكان جلوسى فى صالة التحرير بعيدًا عن مرأى الضيف الكبير، وكنت أدرك أسبابه وأفهم دوافعه، لذا لم أبد اعتراضًا، فهو لم يرض أبدًا عن علاقتى بالرجل بأى صورة من الصور، وأراد أن تمضى الزيارة دون أن يرانى وعلى نفس الطريق لم يوجه لى الدعوة لحضور أى اجتماع للرئيس مع أعداد من الكتاب والصحفيين بالمؤسسة أى بالأهرام الجريدة وباقى إصدارات المؤسسة.
وأثناء خروج الرئيس من باب الجناح الذى يضم مكتب رئيس التحرير الذى يقود إلى صالة التحرير، وبدأ يمر من الممر الغربى المطل على الصالة، لمحنى فغير مساره ومن خلفه كل المرافقين، ودخل الصالة من الباب الشمالى الذى يقود إلى منتصفها وبعد أن حيانى، سأل لماذا لا أزوره مثلما كنت أفعل من قبل، فوعدته بالزيارة، ثم قال معلقًا: لماذا لا تكتب فى الأهرام؟ هو انت فاكر إن الكلمتين إللى انت بتكتبهم فى مايو يكفونى؟
وبعد أن صافحنى منصرفًا، وأديت له التحية الواجبة، سألنى زملائى لماذا لم أخبره بأننى ممنوع من الكتابة؟
فأجبتهم بأنه ليس مدرس الفصل، ثم إننى لا ألتقى به إلا قليلًا، فى حين يراه رئيس التحرير كثيرًا، ويتحدث إليه تليفونيًا أكثر من مرة يوميًا، وبالتالى فإن أمامه كل الفرص ليقول ما يشاء عنى، لذا آثرت أن يظل خلافى مع رئيس التحرير محصورًا بينى وبينه دون طرح بعض نتائجه على الرئيس.
وبعد مرور أقل من أسبوع، أخبرنى صديق بالرئاسة بأن رئيس التحرير قد أجلسنى على «خازوق مغرى» وعندما سألته كيف ذلك؟ قال إنه أخبر الرئيس، أنهم فى الأهرام عندما يطلبون منى الكتابة، أرد قائلًا إننى كاتب عالمى ويجب أن أعامل على هذا الأساس.
ولقد كانت الدعوة توجه لى لحضور لقاءات الرئيس بالهيئة البرلمانية، أو بقيادات سياسية من الحزب الحاكم بصفتى رئيسًا لتحرير جريدة «شباب بلادى» الشقيقة الصغرى لجريدة مايو.
وخلال أول اجتماع حضرته وأثناء مصافحتى الرئيس مبارك أثناء انصرافه همست فى أذنه قائلًا: هو أنا قادر أكون كاتب محلى لكى أقول إننى كاتب عالمى، فأدرك الرئيس المعنى، وقال بصوت عال سمعه كل مرافقيه: ولاد ال .. ثم قال: كله يتصلح يا عبده.
وهنا أوضح أنه تم منعى من الكتابة فى جريدة مايو، بمجرد انتهاء زيارة الرئيس مبارك لمؤسسة الأهرام، أى أن إشارته إلى أنه يقرأ ما أكتبه فى هذه الجريدة قد أدى إلى منعى من الكتابة بها.
«ع. ح. ج».. قصة الصحفى الذى غدر بمعلمه جلال الدين الحمامصى

ولد الصحفى «ع. ح. ج» لأسرة ثرية فى دمياط، فعاش حياته فى نعومة ويسر، وقد تميز بالأناقة والأخلاق النبيلة، وبعد أن حصل على التوجيهية «الثانوية العامة» الآن، التحق بكلية الزراعة وتخرج فيها عام ١٩٤٧، بعدها عمل فى صناعة الألبان بدمياط لفترة قصيرة، وقد التحق بالمعهد العالى للصحافة التابع لجامعة القاهرة، وفى نهاية فترة الدراسة التى استمرت عامين حصل على درجة الدبلوم عام ١٩٤٩.
وكان جلال الحمامصى فى ذلك الوقت نجمًا ساطعًا فى عالمى الصحافة والسياسة، وربما أنه كان قريبه، فقد قصده لمساعدته على العمل بالصحافة فلم يخيب رجاءه، وبدأ «ع. ح. ج» مشواره الصحفى تحت رئاسة جلال الحمامصى فى كل الصحف التى عمل بها أو رأس تحريرها أو أنشاها، وعندما قرر الحمامصى الانتقال إلى دار أخبار اليوم اصطحب معه و«ع. ح. ج» وعينه نائبًا لرئيس التحرير وأسند إليه مهمة إصدار الطبعة الأولى من جريدة الأخبار ثلاثة أيام فى الأسبوع، وكان موسى صبرى يتولى المسئولية ثلاثة أيام أخرى.
أما جريدة أخبار اليوم فلها فريق مستقل، وظل موسى صبرى «ع. ح. ج» يتناوبان العمل طوال أيام الأسبوع، وعندما تقرر إنشاء وكالة أنباء الشرق الأوسط كأول وكالة أنباء مصرية، تم إسناد المسئولية إلى جلال الحمامصى، فاختار «ع. ح. ج» لرئاسة تحرير الوكالة.
صعد «ع. ح. ج» من مجرد صحفى مبتدئ عام ١٩٤٩ إلى رئيس تحرير خلال أقل من ثمانى سنوات، ولم يكن ذلك ليتحقق إلا بفضل رعاية الحمامصى له، ولم يكن ليجيد حرفة الصحافة لولا تعليمه وصقل موهبته.
وعندما انتقل هيكل إلى الأهرام رئيسًا للتحرير عام ١٩٥٧ سأل جلال الحمامصى عما إذا كان يمكنه ترشيح صحفى لتعيينه مديرًا لتحرير الأهرام، فقال له الحمامصى: أرشح لك «ع. ح. ج» رئيس تحرير الوكالة، وسأعمل على إقناعه بالتخلى عن منصب رئيس التحرير والقبول بمنصب مدير تحرير الأهرام.
نجح الحمامصى فى مسعاه، ولم يكن «ع. ح. ج» كاتبًا مرموقًا أو حتى من كتاب الصف الأول، وهنا لن نقارنه بمصطفى أو على أمين ولا بمحمد التابعى، بل سنقارنه بأبناء جيله، فهو لم يصل ككاتب إلى مستوى هيكل أو إحسان عبدالقدوس أو موسى صبرى أو أنيس منصور، وكانت كفاءته تبرز فى مجال العمل الداخلى بالصحيفة من مراجعة وكتابة الأخبار واختيار ما يصلح للصفحة الأولى أو لباقى صفحات الجريدة.
وظل كما هو صحفيًا أنيق الملبس، ولا يشترى إلا المنتجات غالية الثمن التى تنتجها دور الأزياء العالمية، وفى نفس الوقت كان وسيمًا رقيق الحاشية خفيض الصوت، دمث الخلق، نبيلًا، جنتلمان، ولإمكاناته التى لا ترقى إلى مستوى هيكل، فقد شعر معه هيكل بالأمان ووثق به ومنحه سلطات كاملة.
وتمكن «ع. ح. ج» من تحمل مسئوليته بفضل ما علمه له أستاذه وقريبه وراعيه جلال الحمامصى، وفى عام ١٩٧١ قرر الترشح لشغل مقعد نقيب الصحفيين منافسًا لموسى صبرى رئيس تحرير الأخبار، وكانت المعركة الانتخابية فى حقيقتها معركة بين هيكل وموسى صبرى بعد سنوات من الصراع والمنافسة، بدأت منذ جمع العمل فى دار أخبار اليوم بينهما.
وكان «ع. ح. ج» هو رجل هيكل أو أداته، ووقفت الأهرام بكل إمكاناتها وراءه، ومن الأوراق الجيدة التى لجأت إليها الأهرام استخدام سيارات المؤسسة لإحضار الصحفيين من منازلهم إلى مبنى النقابة للمشاركة فى الانتخابات.
وبرعت اللجنة التى قادت ذلك العمل فى أداء دورها وتمكنت من حشد أكبر عدد من الصحفيين للمشاركة فى الانتخابات وكانت المرة الأولى التى تلجأ فيها مؤسسة صحفية إلى ذلك.
وأضاف عبدالله عبدالبارى مدير الإعلانات ورقة أخرى كان لها تأثيرها، فقد اشترى وجبات غداء من أحد الفنادق الكبرى فى علب كرتونية تم توزيعها على أبناء الأهرام وغيرهم من الصحفيين.
وبعد الجولة الثانية تمكن «ع. ح. ج» من الفوز على موسى صبرى بفارق ١٧ صوتًا، وأصبح نقيبًا للصحفيين، وخسر موسى المنافسة الحقيقية التى لم تكن أمام «ع. ح. ج» بل أمام هيكل.
وشهد عام ١٩٧٨ ما كان مستبعدًا تمامًا، فخلال هذا العام قرر الرجل النبيل دمث الخلق الأنيق الغدر بمعلمه وراعيه وصاحب الفضل عليه فى كل ما يتعلق بعمله كصحفى، فهو الذى فتح له الباب ليكون صحفيًا، وتولى بعد ذلك تعليمه ورعايته، وحرص على أن يعمل بجواره دائمًا وتحت رئاسته، وهو الذى دفعه وساعده فى صعود السلم إلى أن عينه رئيسًا لتحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، وهو الذى وضعه على مقعد مدير تحرير الأهرام.
أخذ «ع. ح. ج» قرار الغدر وأدار ظهره لكل ما فعله له الحمامصى بالإقدام على منافسته على مقعد نقيب الصحفيين، وفاجأ قراره كل من يعرفون علاقته بالحمامصى، ولكن كان التفسير أنه تعلم تحت قيادة هيكل الحفاظ على مصلحة الأهرام والعمل على تعظيمها، وأن مصلحته ستتحقق من خلال مصلحة الأهرام، أى تم الربط بين مصالحه ومصالح الأهرام، واستمراره فى العمل تحت قيادة هيكل كانت أكثر من كافية لترسيخ المفهوم.
وبعد رحيل هيكل فى فبراير ١٩٧٤ شهدت مؤسسسة الأهرام سلسلة من التغييرات لم تستمر طويلًا، بعدها تقرر تعيين «ع. ح. ج» رئيسًا للتحرير، وبعد اغتيال يوسف السباعى فى قبرص عام ١٩٧٨ عقابًا على اشتراكه فى الوفد الذى صاحب السادات أثناء زيارته إلى إسرائيل فى نوفمبر ١٩٧٧ تم تعيينه رئيسًا لمجلس الإدارة.
كيف أصبحت كرة القدم بديلًا للأحزاب السياسية فى مصر؟

بعد إلغاء الأحزاب فى مصر، اقترح الأخوان مصطفى وعلى أمين على الرئيس جمال عبدالناصر توسيع دائرة الأضواء من حول كرة القدم فى مصر، والتركيز على هذا النشاط الرياضى فى كل وسائل الإعلام بكل السبل المتاحة من أجل إتاحة الفرصة أمام المواطنين لتشجيع الفرق الرياضية والنوادى الكبيرة، وهذا النوع من الانتماء الرياضى سيعالج قضية فقدان الانتماء السياسى التى كانت توفرها الأحزاب السياسية.
وعندما سأل عبدالناصر وكيف سيتحقق ذلك؟
قال له مصطفى أمين: سندعو فرق الكرة البرازيلية للعب فى القاهرة، وستشهد الملاعب المصرية الساحر بيليه والبارزين من زملائه مثل ديدى وجارنيشيا، وكان بيليه قد قاد فريق بلاده للحصول على كأس العالم فى كرة القدم، وتحول إلى أسطورة للملاعب، وقال مصطفى أمين سنتوسع فى عدد الصفحات المخصصة لكرة القدم وسنعتمد على اللاعبين الكبار مثل مكاوى وأبوحبابة وغيرهما للتعليق على المباريات. وافق الرئيس، وبعدها سافر الصحفى أحمد زين إلى البرازيل للتعاقد مع نادى «سانتوس» البرازيلى، واشترط حضور بيليه بصفة أساسية واشتراكه فى المباريات، وبعدها سافر أكثر من مرة من أجل نفس الهدف.
استقبلت الملاعب المصرية فيما بعد نادى «ريال مدريد» بنجومه أمثال دى ستيفانو وبوشكاش، ونجحت الخطة واستقطبت كرة القدم ملايين المشجعين، وأصبح الانتماء للنوادى بديلًا عن الانتماء للأحزاب.
مصطفى أمين يغازل عبدالناصر بتقارير «للعلم فقط»

خلال لقاءات مصطفى أمين مع المحررين خاصة اجتماع يوم الجمعة الصباحى، كان يجرى التركيز على التفرقة بين الأخبار والمعلومات التى تصلح للنشر والأسرار والمعلومات التى لا يمكن نشرها أيًا كانت الأسباب، فالنوع الأول يكتبه المحرر، بعدها يجرى إعداده للنشر، أما النوع الثانى فيكتب للعلم ويتم إرساله لمكتب رئيس التحرير.
ومع بدء دورة العمل صباح كل يوم، كانت تقارير «للعلم» تتدفق على مكتب رئيس التحرير، فتضىء له كثيرًا من جوانب الصورة، وكان هو بملكاته وموهبته وخبرته وعلاقاته قادرًا على استثمار ما لديه لمعرفة ما هو أكثر وأدق وأفضل، وفى كثير من الأحيان استخدم بعض هذه المعلومات فى مقالته وأيضًا فى الضغط على البعض.
كان مصطفى أمين يتابع الاتصال صباح كل يوم بجمال عبدالناصر، وإبلاغه بكثير مما لديه من أسرار، وسواء أكان يريد أن يقول للرئيس إنه أكفأ من غيره فى ميدان جمع المعلومات، أو ليشير إلى أنه بالرغم من توافر معلومات تسىء لبعض المسئولين أو للنظام، أو تكشف عورة هنا أو هناك، فإنه لن يستخدمها حرصًا على استقرار النظام، أو لمجرد النميمة خاصة إذا كانت المعلومة شخصية وتكشف ممارسات غير أخلاقية خاصة إذا كانت تمس فنانًا أو فنانة أو علاقة بين مسئولين وسيدات خارج نطاق الشرعية، وكانت النميمة الشخصية تجد آذانًا صاغية من الرئيس.
لم تكن تقارير المعلومات تقتصر على الأسرار السياسية أو البرلمانية أو أهل الحكم وكبار المسئولين، بل كانت تمتد لتشمل كل أنواع المعلومات.
كان مصطفى أمين هو الذى أزاح الستار عن أن تعاون أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب قد تم بناء على طلب أو أمر من جمال عبدالناصر، وكان هو من أبلغ الرئيس بزواج المشير عبدالحكيم عامر من الفنانة برلنتى عبدالحميد.
وكان هو من أبلغ الرئيس بزواج الكاتب الصحفى الشيوعى صلاح حافظ بعد عقد القران بأقل من ساعة، بالرغم من أن الأمر قد أحيط بقدر كبير من السرية، ولم يكن هناك غير الشاهدين صحفى شيوعى وأحد أصدقاء صلاح.
وقال مصطفى أمين لعبدالناصر تعليقًا أضحكه كثيرًا، فقد قال له إن الشيوعيين يعلمون دائمًا من أجل تحويل القطاع الخاص إلى قطاع عام، ولكنها المرة الأولى التى يقوم فيها شيوعى بتحويل القطاع العام إلى قطاع خاص.
«حاتم» الشهير بـ«محمود أمين العالم»
كان هناك زميل بـ«الأخبار» تعود أن يرسل برقيات لمصطفى أمين خلال رحلات الذهاب والإياب من الخارج، فعندما تقلع الطائرة التى يستقلها يرسل له رسالة يقول له فيها «رحلة سعيدة يا مصطفى بك»، وأثناء رحلة العودة تكون الرسالة «عودة سعيدة يا مصطفى بك»، وقد حاز مكانة متقدمة بذلك.
وهناك زميل آخر سمى اسمه ابنه حاتم تيمنًا باسم عبدالقادر حاتم الذى كان وثيق الصلة بكل من مصطفى وعلى أمين بجانب تربعه على عرش الإعلام، ليسجل نقطة لحسابه، وتشاء الظروف أن يتقرر تعيين محمود أمين العالم رئيسًا لمجلس إدارة وتحرير «أخبار اليوم»، فوجدها فرصة لنقرزة هذا الزميل، فقالوا له تستطيع تعديل اسم الابن ليصبح «حاتم» الشهير بـ«محمود أمين العالم».
وهناك من التحق بالأخبار فى موجة صعود الشيوعيين وسيطرتهم على الإعلام والصحافة والثقافة أثناء رحلة خروشوف إلى مصر عام ١٩٦٤، وإصراره على الإفراج عن كل الشيوعيين المسجونين والمعتقلين وتعيينهم فى وظائف وأعمال مناسبة قبل أن تبدأ الزيارة، ويختار الجميع الثقافة والإعلام والصحافة، وتتوافد جموع من الشيوعيين معظهم لا علاقة له بالمهنة مثل كمسارية الترام والأتوبيس والباعة بعمر أفندى والمكوجية والميكانيكية، ومن بين هؤلاء من يتساوى مؤهله مع الإعدادية، لقد درس ليصبح عاملًا فنيًا، ولكن الجماعة اختاروا له العمل بالأخبار، ووجد سكته عبر كتابة تقارير لمصطفى بك عما يعيشه ويعرفه من الحياة فى وسط الرفاق، ويدفع به مصطفى أمين إلى الأمام ويضعه على رأس مطبوعة تصدر وتهتم بالأدب، وكانت التقارير سكة مطروقة بالوسط الصحفى، ولم تكن لمالكى الصحف والرؤساء فقط، بل كانت أيضًا للأجهزة.
«أ. م» يكسب قلب على أمين بالمكالمات الصباحية
وقع الاختيار على «أ. م» ليقوم برحلة حول العالم، وبجانب ثقافته وسعة معرفته وأسلوبه الرشيق وخفة ظله وحكاياته الممتعة، رأى أن يقترب من على أمين، وبما أنه كان يستيقظ مبكرًا كل يوم، كان يقرأ فكرة، إن لم نقل يحفظها، ولأنه يعرف ماذا يفعل الأخوان أمين كل صباح، حيث يستيقظان مبكرًا، ويرسلان السائق لإحضار الكرواسون الطازجة من جروبى للإفطار، بعدها يستعدان للتوجه إلى مكتبيهما، فقد كان يختار الوقت المناسب للاتصال بعلى أمين؛ ليمتدح مقال «فكرة»، ويبدأ فى ترديد فقرات يؤكد بها أستاذية الكاتب ويومًا بعد يوم أصبح «أ. م» قريبًا من قلب على أمين. وتحولت الرحلة إلى مقالات نالت إقبال الرأى العام، وزاد بها توزيع الأخبار، وباتت شرائح متعددة من المواطنين تجرب استحضار الأرواح عن طريق السلة بنفس الأسلوب الذى شرحه «أ. م» فى أحد مقالاته، وتحولت المقالات إلى كتاب، وكان الكتاب الأكثر مبيعًا، وبعد أن عاد من الرحلة تم تعيينه رئيسًا لتحرير إحدى مجلات مؤسسة أخبار اليوم.
«مغازلة نوال».. كلمة السر فى الوصول إلى مكتب هيكل
بعد أن تسلم هيكل مسئولياته كرئيس لتحرير الأهرام عام ١٩٥٧ قرر الاحتفاظ بالفريق الموجود من الصحفيين مع الاستعانة بجيل جديد من خريجى قسم الصحافة بكلية آداب القاهرة، فطلب من أحد الأساتذة ترشيح الأوائل لكى يبدأ تدريبهم بالأهرام، وفعلًا أرسل الأستاذ قائمة بالأسماء التى فتح لها الأهرام الباب لكى تبدأ أولى خطواتها فى بلاط صاحبة الجلالة.
هذه المجموعة التى عرفت فيما بعد بدفعة ١٩٥٨ ضمت كثرة من الذين أصبحوا نجومًا بعد سنوات، وبما أن هيكل كان يقوم برحلات خارجية فقد بدأت مجموعة من هؤلاء تتوجه للمطار لوداعه، ثم تتوجه مرة أخرى لاستقباله.
كان الهدف لفت نظره وإظهار علامة من علامات الولاء، وتحول سفر الرجل أو عودته إلى مظاهرة صغيرة وكان الزملاء المسئولون عن متابعة أخبار المطار والطيران يتسابقون لحمل حقيبته، وإنهاء إجراءات السفر أثناء جلوسه فى قاعة كبار الزوار ذهابًا وإيابًا، وقد حدث أن توفى والد أحد الزملاء فترك الجنازة والعزاء وذهب ليكون فى استقبال هيكل أثناء عودته من رحلة إلى الخارج.
وأخذت المجموعة تلتقى وتسهر تفكر فى كيفية العثور على طريق أو سكة، كانوا يعرفون أن هيكل يثق فى نوال المحلاوى سكرتيرته ومديرة مكتبه التى تمكنت باقتدار من الإمساك بمعظم خيوط العمل بالقرب من رئيس التحرير، كانت تتميز بالذكاء والحيوية والقدرة الفائقة على بذل الجهد وعلى الحسم، وبدأت فى وضع بصماتها على أسلوب العمل، ولم تكن نوال من الجميلات الرشيقات طوال القامة، بل كانت تميل إلى القصر والامتلاء، ولكنها فى البداية والنهاية أنثى مقبولة الشكل.
ورأت المجموعة أن الوصول إلى نوال هو أحد أهم الأبواب لنيل رضاء هيكل واقتناعه بهم، وكانت الخطة بسيطة أن يخبروها أن زميلهم الأنيق الوسيم طويل القامة يحمل لها قدرًا هائلًا من المشاعر، ولكنه يكتم مشاعره ويطوى الضلوع على حبه لها، وقرروا أن يختار كل منهم مدخلًا مختلفًا لإبلاغها بهذه المعلومة.
بعدها تمت دعوتها لقضاء سهرة بمنطقة الحسين وخان الخليلى وتناول الشاى معًا بمقهى الفيشاوى، وقبلت نوال الدعوة، فطاروا فرحًا، لقد ابتلعت الطعم، وبعد أن انتهت ساعات عملها بالمكتب، كانوا فى انتظارها واستوعبتهم سيارة المصور أنطون ألبير بصعوبة، وراعوا أن يجلس زميلهم محمود بجوار نوال فى السيارة.
وسهرة بعد أخرى بدأ محمود يمسك بيد نوال، ويردد على مسامعها كثيرًا من الكلمات الرقيقة، ونالت المجموعة إعجابها، كان الحوار جادًا أحيانًا مرحًا أحيانًا أخرى، وكانوا جميعًا يحرصون على انتقاء كلماتهم واختيار الموضوعات التى يطرحونها كان هدفهم الاستحواذ على تقديرها وإعجابها.
ونجحوا فى ذلك، وانعكس ذلك على ما قالته لرئيس التحرير حول كفاءة وبراعة أفراد هذه المجموعة واستمع الرجل لها، وبدأ فى منحهم عددًا من الفرص، وقتها رأت المجموعة إبعاد زميلهم محمود الذى قام بدور العاشق لا من الصورة فقط، بل من الأهرام أيضًا، فدبروا له مكيدة غدر، غادر على إثرها الأهرام إلى دار صحفية أخرى.
لقد خشوا أن تقوده قصة الحب المصنوعة إلى مكان أفضل مما يمكنهم الحصول عليه لقربه من نوال ومن نجاحه فى الاستيلاء على مشاعرها. لقد عثروا على طريق، ولكنهم يرفضون أن يسبقهم هذا العاشق على هذا الطريق كما كانوا يخشون أن يستغل أو يهتبل محمود الفرصة ويتزوج نوال لتنفتح أمامه أبواب الصعود المريح وقتها قد يلجأون لخطب وده وسيصبح خطرًا احتماليًا يؤثر على ما تحقق لهم من نجاح بالاقتراب من هيكل بعد أن أقنعته نوال بكفاءتهم وموهبتهم وولائهم له وللأهرام.
وكانت المكيدة التى فكروا فيها لإبعاده تتمثل فى الدس له عند نوال لشحنها ضده بسرد غراميات قديمة له، وكأنها غراميات أو غزوات نسائية معاصرة.
وفوجئ محمود بتغير مشاعر نوال وحدتها فى التعامل معه دون أن يدرى لذلك سببًا، وبدأت الرياح تهب من الاتجاهات المعاكسة وبقوة، أدرك أن الأبواب المفتوحة بدأت تغلق فى وجهه، فقرر الابتعاد تمامًا وفى النهاية انتقل للعمل بمؤسسة صحفية أخرى.
عندما قال وزير الحربية: هيكل لن يفلت من المسئولية يا مباشر

وأنا فى طريقى إلى وزارة الحربية بكوبرى القبة رأيت سيارة الفريق أول محمد فوزى وزير الحربية وهى تعبر البوابة الرئيسية، فطلبت من السائق أن يتمهل قليلًا حتى لا أدخل فى مراسم استقبال الوزير بعدها اجتزت البوابة وصعدت سلالم المدخل الذى يؤدى إلى ردهة مستديرة رأيت الوزير، وهو يقف بالدور الأول مطلًا على المدخل والردهة، فتيقنت أنه لمحنى أو لمح سيارة الأهرام التى تقلنى فقرر الانتظار.
وما إن رفعت رأسى إليه حتى سمعته ينادينى قائلًا: يا مباشر أبلغ هيكل أنه يتحمل مسئولية ما فعل، ويفعل، وأنه لن يفلت من هذه المسئولية.
فقلت له: يا سيادة الوزير إن الأستاذ هيكل رئيسى ولا أستطيع أن أنقل له مثل هذا الكلام، وبما أنكما من الكبار وعلى اتصال، فإننى أقترح أن تبلغه ذلك بنفسك.
فعقب: طيب يا مباشر.
هيكل لصحفى: تستطيع أن تصبح أكبر من خلالى
كان عبدالفتاح أبو الفضل مسئولًا كبيرًا بأحد الأجهزة السيادية، ويدخل فى نطاق مسئولياته الإشراف على إصدار تقرير يومى عن الصحف المصرية، واختار لمساعدته جلال كشك الصحفى بجريدة أخبار اليوم وزميل من الأهرام.
ونجح الاثنان فى أداء دورهما، يقرأ أحدهما عددًا من الصحف والمجلات، ويقرأ الآخر عددًا مماثلًا يوميًا، ثم يكتب كل منهما ملاحظاته وانتقاداته ورؤيته، وفى النهاية يكتبان التقرير المطلوب بعدها يراجعه الرجل المسئول، قبل إرساله إلى الجهات المعنية.
ورأى زميل الأهرام وهو يبحث عن سكة تحقيق طموحه أن يكتب تقريرًا عن هيكل يرفعه إلى على صبرى لكى يعرضه على الرئيس عبدالناصر، وقد تضمن التقرير كثيرًا مما رآه الزميل الأهرامى سلبيًا أو مسيئًا.
وبعد أيام استدعى هيكل هذا الزميل وأعطاه التقرير الذى كتبه، فقال لهيكل وهو يرى نفسه مكشوفًا بل عاريًا: إننى أريد أن أكبر، فرد عليه بسرعة: تستطيع أن تصبح أكبر من خلالى، وهكذا أصبح رجلًا من رجال هيكل، أى يفعل كل ما يطلب منه أيًا كان المطلوب، وبدأ يتقدم الصفوف.
«س. س».. رحلة صحفى من سكرتير تحرير إلى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة قومية

بتزكية من أساتذة بإعلام الزقازيق وافقت على إعطاء «س. س» فرصة للعمل بجريدة «شباب بلادى»، التى ترأست تحريرها، وبرزت كفاءته فى العمل كسكرتير تحرير فنى، وعندما تقرر وقف صدور الجريدة بذلت جهدًا لدى صفوت الشريف وزير الإعلام، وأمين الإعلام بالحزب الوطنى، وعبدالله عبدالبارى، رئيس مجلس إدارة دار مايو للنشر، لضم كل المحررين بالجريدة للفريق الذى يعمل بجريدة مايو، حفاظًا على مستقبلهم ووافق الرجلان على مطلبى.
وظللت أرعى هذه المجموعة لوجودى كمدير تحرير مايو، وكفاءته وتميزه اختاره سمير رجب ليعمل كسكرتير تحرير جريدة الجمهورية وبثبات بدأ يصعد السلم ليكون فى مقدمة من يعملون بقسم السكرتارية الفنية.
وتتغير الظروف ويرحل مسئولون بدار التحرير للطبع والنشر، ويتولى المسئولية آخرون، وتصدر قوانين جديدة وتتشكل مجالس مسئولة عن الصحافة ويبدأ المسئولون الجدد خطواتهم لاختيار مسئولين بالصحف القومية، وكان منصب رئيس مجلس إدارة دار التحرير للطبع والنشر «الجمهورية» من بين المناصب التى تنتظر قادمًا جديدًا، ولأن «س. س» كان يعلم بوجود صداقة تربطنى بمسئولين من أهل القمة بالمجالس المسئولة عن الصحافة، زارنى عدة مرات لمساعدته للصعود إلى مقعد رئيس مجلس الإدارة.
وبالرغم من وجود منافسة شرسة بين المتطلعين لهذا المقعد، إلا أنه كان يرى أن هذه القمة الصحفية فى المتناول، وظل يتابع ما أبذله من جهد، ولا يتوقف عن الاتصال التليفونى أو الزيارة، وبفضل المولى سبحانه وتعالى تتكلل جهودى بالنجاح، ويصدر القرار بتعيينه رئيسًا لمجلس الإدارة، وأتأخر قليلًا فى زيارته للتهنئة إلى أن يتمكن من تثبيت قدميه والاستقرار فى موقعه المتميز بعدها أتوجه للقائه بمكتبه لتهنئته، ولكى أرى مدى تقديره للجهود التى بذلتها من أجل تعيينه، وأطرح مطلبًا لاستكشاف مدى ما يشعر به من شكر أو امتنان، فيكون الرد وعدًا بأنه سيتصل بى تليفونيًا.
وكما هو متوقع لم أستقبل منه أى مكالمات تليفونية حتى الآن، ولكن لماذا كنت أتوقع شيئًا مختلفًا؟ هل لأننى مددت له يدًا فى البداية، أم لأننى مددت له يدى مرة أخرى لكى تتاح له فرصة الجلوس على مقعد رئيس مجلس الإدارة.
إحسان عبدالقدوس يشكو: أحمد بهاء الدين منع مقالى من النشر

وصلت إلى مبنى جريدة الأهرام لأبدأ يوم عمل جديدًا، وفور دخولى من الباب أبلغنى الموجودون بمكتب الاستقبال أن نرمين القويسنى سكرتيرة ومديرة مكتب إحسان عبدالقدوس سألت عنى، وقبل أن أدخل إلى الدور الرابع بالمبنى الرئيسى، أبلغنى موظف الاستقبال الموجود على مكتبه أمام المصاعد بنفس الرسالة، وعند دخولى من باب الدور الرابع سمعت نفس الرسالة من موظفى الساعة الذين يسجلون حركة الحضور والانصراف.
كان منطقيًا أن أتساءل عن سر هذه اللهفة، ولم أفكر فى الأمر طويلًا وصعدت للقائها، وما إن رأتنى حتى طلبت منى أن أدخل فورًا للقاء الأستاذ إحسان، وفى جملة قصيرة قالت لى إنه غاضب وحزين وثائر لأن أحمد بهاء الدين رئيس التحرير قد منع نشر مقال له دون أن يخطره بذلك.
وجلست على أحد المقاعد أمام مكتب الكاتب الكبير صاحب التاريخ والحضور الصحفى والسياسى والأدبى، وحاول الرجل بعد الترحيب السيطرة على مشاعره وهو يرحب بى، ولكن الكلمات كانت أسرع من أى محاولة للسيطرة عليها.
وسألنى: هل تصدق أن بهاء يمنع نشر مقالى دون أن يناقشنى أو حتى يخطرنى بالأمر؟
وواصل قائلًا: إنك تعرف أننى الذى ذهبت إلى بهاء بمكتبه بمبنى مجمع التحرير لكى أطلب منه الاستقالة من عمله بالشئون القانونية بوزارة التربية والتعليم ليبدأ عمله كاتبًا بمجلة روزاليوسف، وقد طلبت نفس الطلب من عبدالرحمن الشرقاوى وفتحى غانم، وأصبح الثلاثة أعضاء بأسرة روزاليوسف.
ثم قال: ربما لا تعلم أننى ساندت بهاء فى بداية عمله، وكنت أكتب له بعض المقالات التى يضع عليها اسمه، وطوال الفترة الأولى لم أبخل عليه بجهد، كنا نريد له النجاح، فعملنا على ثتبيت قدميه، ورأت أمى إصدار مجلة جديدة تخاطب الشباب، هذا التيار الصاعد الجديد الذى لا يجد نفسه فى مجلة روزاليوسف، وسألتنى عن رأيى فى بهاء، وعما إذا كان يصلح لرئاسة تحرير هذه المجلة، فأكدت لها أنه الاختيار الأفضل، وظللنا نعمل معًا فى الإعداد لإصدار هذه المجلة، ووقع اختيارنا على أن يكون اسمها «صباح الخير» ووضعنا معًا شعارها «إلى القلوب الشابة والعقول المتحررة».
ويضيف إحسان: كانت التجربة جديدة بالكامل على بهاء، وكان فى حاجة شديدة للمساعدة طوال الوقت، خاصة أنه لا يملك خبرة فى مجال عمل المجلات، كان هو الشخص الذى تحمل المجلة اسمه كرئيس للتحرير، لكن العمل الشاق كله من نصيبى، وخلال تلك الفترة لم أتوقف عن مساعدته فى الكتابة، بل كنت أكتب له بابًا أسبوعيًا عنوانه «زوجة أحمد»، ونتيجة لموهبته وما يتمتع به من ذكاء بدأ يشق طريقه، وأعطاه نجاح المجلة جرعة كبيرة من الثقة حتى وإن كان لا يعلم أننى وأمى كنا وراء هذا النجاح. وبدأ إحسان يحكى بعضًا من خلافاته مع موسى صبرى عندما كان يتحمل مسئولية منصب رئيس مجلس الإدارة، ويشغل موسى منصب رئيس تحرير الأخبار، فقال: كان موسى يرى أحيانًا أن مقالى يحتاج إلى مراجعة، فنناقش معًا نقاط الاختلاف، وكثيرًا ما كنا نصل إلى تفاهم، أما إذا ظل الخلاف قائمًا فكان موسى يرسل المقال للرئيس السادات لكى يبدى رأيه فيه.
لم يكن موسى بالرغم من خبراته وتمرسه ليأخذ قرارًا بمنع نشر مقال لى أيًا كانت درجة اعتراضه عليه، وكان يترك أمر المنع لرئيس الجمهورية، وكان موسى يعرف كيف يتحمل المسئولية ويحافظ على الجسور القائمة بينه وبين الآخرين، وفى كثير من الأحيان كانت درجة حرارة الاختلاف ترتفع، إلا أنه أبدًا لم يفكر فى اللجوء إلى الغدر.
ويضيف إحسان: ولكن ها هو بهاء الذى وفرت له الرعاية والمساندة والدعم، يعاملنى كصحفى فى بداية الطريق ويمنع مقالًا لى من النشر دون أن يتصل بى أو يحاورنى أو يناقش معى ما يراه مستحقًا للمنع من النشر، وربما كان الحوار والنقاش سيضىء لنا أنا وهو الطريق، وهل من المنطقى ألا أجد مقالى على صفحات الجريدة بعد كل هذا العمر؟
وتدخلت فى الحوار لأذكر له أنه لا أنا ولا غيرى يمكننا أن نتصور أن يعامل إحسان عبدالقدوس هكذا، أى أن يرسل مقالًا للنشر، ثم يفاجأ بأن المقال غير موجود على صفحات الجريدة صباح اليوم التالى، وواصلت الحوار وفقًا لهذا المنطق، على أمل أن يكون الحوار بيننا طريقًا لإخراج الثورة على غدر بهاء من بؤرة الشعور إلى هامشه.
وواصلت قائلًا: إنه تصرف غير لائق تجاه صاحب فضل عليه، فأنت من حولته من مجرد موظف إلى كاتب بمجلة روزاليوسف، منبر الرأى فى مصر، ومدرسة الرأى التى تنشط بجوار دار أخبار اليوم التى تمثل مدرسة الخبر، ومن هاتين المدرستين تخرجت أجيال من الصحفيين والكتاب.
«الوشاية» التى كتبت نهاية حياة عبدالوهاب مطاوع
بعد إحالة الأستاذ صلاح جلال رئيس تحرير مجلة «الشباب وعلوم المستقبل» إلى المعاش اختار إبراهيم نافع عبدالوهاب مطاوع رئيسًا لتحرير المجلة، وكانت الخطوة الأولى هى تغيير اسم المجلة إلى «الشباب» ونجح مطاوع فى تحويل المجلة إلى مطبوع مقروء.
خلا منصب رئيس الديسك المركزى بجريدة الأهرام، فقرر نافع تعيين مطاوع رئيسًا للديسك المركزى ومديرًا للتحرير مع استمراره فى عمله كرئيس لتحرير «الشباب» مع الإشراف على «بريد الأهرام».
تمكن مطاوع من الجمع بين المسئوليات خلال كل تلك المرحلة، فلم يكن يجد وقتًا لمرافقة رئيس التحرير فى زياراته الخارجية، وبذلك أفسح الطريق ليحل زميل آخر محله.
وبعد فترة قال مطاوع إنه فرض الانضباط على صالة التحرير بالدور الرابع بجريدة الأهرام، وبذلك أعادها إلى صورتها التى كانت موجودة عندما كان بحرى رئيسًا لقسم سكرتارية التحرير ويعمل تحت رئاسة هيكل.
لم يرض نافع عن مقولة مطاوع الذى يعمل تحت رئاسته ويتمتع بمكانته بفضل رضائه عنه، وبالتالى فكل ما يحققه يجب أن ينسب إليه.
وغضب نافع ولكى يضع جميع الزملاء فى الصورة ويرسل رسالة قوية لمطاوع قرر عقد اجتماع مسائى لعدد من مديرى التحرير وأعضاء الديسك المركزى ورؤساء الأقسام.
شهد الاجتماع هجومًا حادًا وشديد القسوة على مطاوع، الذى كان فى تلك اللحظات يحتل مقعدًا بالطائرة المسافرة إلى الولايات المتحدة التى كان يقصدها لتجرى له جراحة قلب مفتوح فى كليفلاند، وبعد هبوط الطائرة تلقى عددًا من المكالمات تخبره بما جرى، وكان الموقف بالغ السوء، وتدافعت مشاعر الغضب لتجتاح كل كيانه.
أجريت له الجراحة بنجاح، وانتهت فترة النقاهة، وعاد إلى القاهرة، وكان عليه أن يختار بين أن يقبل المهانة ويواصل العمل، أو يستقيل احترامًا لنفسه واحتجاجًا على ما جرى، لكنه عاد ليواصل تحمل مسئولياته ولكن الجرح كان غائرًا.
حاول مطاوع أمام الجميع أن يبدو متماسكًا، ولكن الأمر كان أكبر من مجرد التماسك، وتمضى الأيام بكل ما بها من آلام وغضب مكتوم، لكن مطاوع لم يحتمل فرحل عن عالمنا.
«ع. س».. رئيس تحرير الأهرام الإخوانى الذى زرعته فخلعنى

طرق بابى طالبًا مساعدته للتعيين بعد أن قضى عدة سنوات متدربًا، وقال إن شقيق زوجته الأستاذ محمود معوض المحرر البرلمانى حاول كثيرًا ولجأ إلى كثيرين للضغط على إبراهيم نافع إلا أنه لم يوافق، وقال كلامًا كثيرًا يقال فى مثل هذه الظروف وتمادى فى الرجاء والإلحاح، فطلبت منه أن يكتب كل البيانات الخاصة به، فكتبها على ورقة دشت من تلك التى نستخدمها داخل الجريدة، وكانت وجهة نظر رئيس التحرير أن هناك تخمة من المحررين وبأكثر مما تحتاجه الأهرام، وإذا كان سيفتح الباب لقادم جديد، فلا بد بالضرورة أن يكون متميزًا، وكان يعنى أن يكون من خريجى المؤسسات التعليمية الأجنبية، وبما يعنى أنه يجيد أكثر من لغة أجنبية بجانب اللغة العربية، بالإضافة إلى مستوى ثقافى ومعرفى متميز، وبما أن المواصفات لا تتوافر فى هذا المتدرب خريج إعلام الأزهر، فقد رفض الموافقة على تعيينه، وقد قال ذلك بوضوح للأستاذ محمود معوض.
وبدت الصورة أمام الشاب «ع. س» غير مبشرة، ومن قلب هذه الصورة بدأ محاولته الجديدة متشبثًا بخيوط الأمل، وبدأت محاولتى مع رئيس التحرير، فردد على مسامعى ما سبق أن أبلغنى به محمود معوض.
فقلت له إن المطلوب تعيينه تحت التمرين لفترة معقولة، وإذا ما أثبت تميزًا فى العمل يغطى أوجه القصور المرتبطة بنوع التعليم الذى تلقاه وعدم إجادته أى لغة أجنبية وضحالة المستوى الثقافى والمعرفى، يجرى تثبيته، وإذا لم يحقق مثل هذا التميز يتم الاستغناء عنه.
وكان إبراهيم نافع قد فاز بمنصب النقيب لدورة جديدة، وكنت وكيل النقابة المسئول عن الإشراف على الانتخابات، وقد وفقنى الله أن أديرها دون أى ملاحظات، لقد حاولت طوال الوقت أن تكون العملية الانتخابية نظيفة ومنظمة جدًا بجانب مراعاة تجنب الوقوع فى أخطاء، وقد اعترفت كل القوى السياسية والنقابية بسلامة كل مراحل الانتخابات، كما شاركت بقوة فى الحملة الانتخابية لإبراهيم نافع.
كل ذلك كان فى اعتباره وأنا أتطلع لموافقته على تعيين «ع. س» وقد لاقى اقتراحى بتعيينه لفترة تحت التمرين القبول، ووقع بالموافقة على هذه الورقة الدشت التى كتب الشاب بياناته عليها، وتلقيت شكرًا من هذا المتدرب ومن شقيق زوجته زميلى وصديقى محمود معوض.
وتمر سنوات ويخبرنى رئيس التحرير بأنه تلقى تقريرًا من أجهزة الأمن يؤكد أن «ع س» قيادة إخوانية وتطالب بإبعاده عن الأهرام، وأثناء الحوار اقترحت أن يبحث له شقيق زوجته عن عمل بمنطقة الخليج، وقبل السفر يتقدم باستقالته، التى سيسبقها وعد بإعادته للعمل بالأهرام بعد انتهاء عمله بالخارج.
ويوافق رئيس التحرير على الاقتراح، وفعلًا يسافر الرجل للعمل بمنطقة الخليج وتمر سنوات طويلة نسبيًا قبل أن يقرر العودة، ويعود فعلًا للعمل بالأهرام، وتتطور الأوضاع فى مصر، ويصل الإخوان المسلمون إلى قمة السلطة فى مصر بعد انتظار ثمانية عقود، ويتم اختيار الرجل رئيسًا للتحرير، وقبل أن يستقر فوق مقعده يقرر فصلى من الأهرام، أى لا عمل ولا دخل ولا مكتب، ولا نشر أى مقالات، وقد تم اتخاذ هذا القرار وأنا موجود بالخارج لإجراء جراحة بالعين، وقد حاول كثير من الأصدقاء تخفيف ما جرى، وكل ما ما قالوه أن أبقى بالمنزل لعدة أيام بعد العودة من رحلة العلاج إلى أن تتجلى الصورة، لكن آخرين أبلغونى بالحقيقة كاملة.
المهم أن الأستاذ محمود معوض عرف بالقرار، وعبر عن غضبه وحزنه لرئيس التحرير الإخوانى زوج شقيقته، وسأله هل هذا هو العرفان بالجميل والامتنان والشكر للرجل الذى فتح لك الباب لتنضم لأسرة الأهرام، وبسط حمايته عليك لكى تتجنب العقاب؟ ولم يكن هناك من يستطيع أن يفتح لك أبواب الأهرام فى بداية حياتك إلا هو لطبيعة العلاقة بينه وبين إبراهيم نافع فى تلك الفترة.
فهل يفتح لك الباب لإدخالك الأهرام ثم تقوم أنت بإخراجه من الأهرام؟ إنها لمفارقة تعكس قدرة هائلة على الغدر وطعن صاحب الفضل، هل تفصل أحد بناة الأهرام وتبعده عن بيته؟ وإذا كانت كتاباته عن الإخوان لا تجد القبول، فقد كان فى الإمكان منعه من الكتابة، مع استمراره فى الأهرام وفى الحصول على مرتبه، وأنت تعلم أنه يعتمد على هذا المرتب فى حياته، فقد ظل دائمًا صحفيًا لا يقترب من عالم الإعلانات والمعلنين، فلم يحدث أن جلب إعلانًا واحدًا طوال فترة عمله وبدأت قطيعة بين الاثنين.
فبراير 31 يومًا وتأجير دبابة فى كشوف بدل الصحفيين
تقدم زميل بكشف بدل سفر لمدير تحرير الأهرام، وبعد قليل تم استدعاؤه وسأله: منذ متى أصبح شهر فبراير ٣١ يومًا، لقد نسى الصحفى وهو يكتب كشف بدل السفر أن شهر فبراير إما ٢٨ أو ٢٩ يومًا، وأسقط فى يد الصحفى واعتذر.
بعدها قدم الكشف حتى آخر شهر فبراير وخسر بذلك عدة جنيهات لو كان الشهر فعلًا ٣١ يومًا.
وكتب زميل آخر فى كشف بدل السفر أنه اشترى قاربًا فى أسوان للعبور به إلى جزيرة الفنتين، وهنا استدعاه مدير التحرير وطلب منه إحضار القارب الذى أصبح مملوكًا للأهرام، أو على الأقل تسليمه لمدير المكتب الموجود بأسوان باعتباره قاربًا مملوكًا للأهرام.
والأكثر طرافة من ذلك أن زميلًا بمجلة المصور وضع فى كشف بدل السفر مبلغًا كتب أمامه استئجار دبابة للمرور على المواقع بالجبهة.
وطلب منه مدير التحرير إيصالًا بذلك من مدير سلاح المدرعات أو مدير الشئون المعنوية أو إحضار ما يثبت أن هناك إدارة بالقوات المسلحة لتأجير الدبابات، وكان بعض من رؤساء الأقسام بالصحف اليومية يكلفون المحررين بالسفر فى مهام صحفية، وفى نفس الوقت يطلبون منهم البقاء فى منازلهم حتى لا يراهم أحد وهم فى القاهرة وبعد انتهاء المهمة الوهمية يحصلون على مبلغ بدل السفر من المحررين، وأحيانًا يعطون المحرر مبلغًا ويحتفظان بالباقى.
وقد سمعت قصصًا مماثلة عن اثنين من رؤساء الأقسام بالأهرام، وتعلم صحفيون الادعاء بأنهم سافروا فى مهمة دون أن يسافروا فعلًا، ثم يتقاضون بدل سفر عن هذه المهام، أما التحقيق المطلوب أو ما شابه فيمكن كتابته بالاستعانة بالتليفون أو أحيانًا بالأرشيف.
وهناك من كانوا يدعون القيام بمهام صحفية، ثم يتجهون لقضاء إجازة هنا أو هناك، بعدها يعودون للعمل وتقديم كشف حساب، وكثيرًا ما يعلم رؤساء الأقسام ومديرو التحرير أن كشوف بدل السفر غير دقيقة ومع ذلك يوافقون على صرفها فيما عدا الحالات الصارخة مثل تلك التى أشرنا إليها.
إبراهيم نافع.. فلسفة خاصةفى اختيار مديرين تحريره
قال صلاح منتصر فى عموده «مجرد رأى» المنشور فى ٦ يونيو ٢٠٢١ بجريدة الأهرام إنه وجد ورقة جريدة ملقاة على الأرض من جريدة اسمها «النداء»، وأخذ فى قراءتها، ووجد نفسه يجلس القرفصاء، وظل فى مكانه حتى انتهى من قراءتها، كانت قصة لإبراهيم الوردانى، وقال لنفسه: يا سلام الكتابة دى حلة قوى، أنا حابقى كاتب.
وإبراهيم الوردانى صحفى وقاص وروائى، صاحب أسلوب رشيق ومشوق، وكثيرًا ما كان يعالج حكايات عاطفية ملتهبة، وبدأت رحلة الرجل مع الكلمة قارئًا وصحفيًا وكاتبًا.
وحكاية صلاح منتصر لا تختلف كثيرًا عن بداية معظم الكتاب والصحفيين، فالكلمة المقروءة هى نقطة البداية فى بدء السباحة فى بحار الكلمة الساحرة الجميلة التى لا حد لجمالها.
والكلمة المطبوعة هى البساط السحرى الذى يقود عشاقها ومحبيها ورهبانها إلى مهنة الكلمة وعالم الإبداع.
وأيًا كان اختلاف البدايات، وهذا من طبائع الحياة، فإن الكتاب والصحفيين والمبدعين فى عالم القصة والرواية والشعر وغير ذلك خرجوا من معطف الكلمة.
ونتوقف هنا أمام مدير تحرير الأهرام لأكثر من ١٥ عامًا الذى اعترف فى كتابه الأول وربما الأخير، أنه لم يقرأ كتابا خارج المناهج الدراسية منذ الابتدائى حتى الجامعة، ويرتبط ويتوافق مع هذا الاعتراف، اعترافه التالى بأنه لم يتردد على دور السينما أو المسرح أو الأوبرا طوال حياته، كما يقول فخورًا بأنه لم يجلس على مقهى أو كافتيريا.
وربما تحمل اعترافاته إدانة لكل من قرأ كتابًا أو شاهد فيلمًا أو مسرحية أو تناول قدحًا من الشاى مع أصدقاء بأحد المقاهى أو الكافتيريات، لأن ذلك يعنى أنهم جميعًا لم يكرسوا كل حياتهم للعمل مثلما فعل هو.
فهو وكما يقول: كان يصل الليل بالنهار وهو يؤدى عمله.
ومن الحقائق أن الرجل كمدير للتحرير كان يصل مبكرًا إلى مبنى جريدة الأهرام بشارع الجلاء، ويقوم بإضاءة أنوار صالة التحرير بالدور الرابع، أى أنه كان أول من يصل ويستمر فى العمل إلى فترة المساء، وبعدها ينصرف إلى منزله، وإذا ما تطلب العمل البقاء لفترة أطول بقى بقدر ما يتطلب الأمر.
وإضافة لعدم القراءة نجده يقول وهو يحاور سيد مرعى، رئيس مجلس الشعب: لا أجيد لغات، ولم يكن الأمر فى حاجة إلى اعترافه، فهو لا يقرأ ولا يتحدث لا الإنجليزية ولا الفرنسية، كما أنه لا يجبد العربية.
وكان قرار إبراهيم نافع تعيين مدير تحرير للأهرام لا يعرف أى لغة أجنبية لأول مرة فى تاريخ الجريدة استهانة شديدة بمكانة الجريدة ووزنها وتاريخها، إن اللغة الأجنبية لأى قيادة صحفية ولأى كاتب من الأساسيات، وبدونها لن تتاح له أبدًا فرصة متابعة أو معرفة ما يجرى فى العالم، ولن يتعرف على وجهات نظر من يكتبون فى الصحف الأجنبية ولا عن اتجاهاتهم السياسية والمعرفة هنا تسهم فى توسيع المدارك وتضىء الطريق وتسهم فى زيادة حجم المعارف.
ولكن ما حاجة إبراهيم نافع لذلك، إنه يريد مدير تحرير يعيش هذا النقص المؤسف حتى لا يحلم يومًا بمنافسته ولا يتطلع لأكثر مما وصل إليه، وليظل دومًا صدى لصوته ومنفذًا لسياساته وتوجيهاته.
والمدهش أن رئيس التحرير عين بعد ذلك مديرًا آخر للتحرير لا يعرف أى لغة أجنبية، لقد استراح لهذه النوعية ووجد فى وجودها الإحساس بالأمان والاستقرار، فإذا ما أراد الحكام إبعاده فسيفكر كثيرًا فيمن يمكن أن يحل محله، وإذا ما كان مدير التحرير وهو يمثل رقم ٢ بعد رئيس التحرير لا يعرف لغة أجنبية، وإذا كان رقم ٣ لا يختلف عن رقم ٢، فإن الأرجح أن يتخلى عن فكرة إبعاده أو تغييره، وكانت هذه الحسبة فى ذهن إبراهيم نافع دائمًا.
«أ. ب» يجلس على حِجر روز اليوسف و«م. ح» يأكل رأس التابعى

«أ. ب» صحفى مشهور، فى بداية عمله ولكى يسبق جيله ويحتل مكانة متميزة عند القمة، عمد إلى الاستيلاء على رأس السيدة روزاليوسف، وقد نجح فى ذلك تمامًا وأصبح يجلس على حجرها، وبدأت تدفع به إلى الأمام بالرغم من معارضة ابنها إحسان، وعندما وجدت أن الوقت حان من وجهة نظرها، أصدرت مجلة «صباح الخير» ووضعته رئيسًا لتحريرها.
وسبق أن نجح الصحفى الشاب «م. ح» فى الاستيلاء على رأس السيدة روز اليوسف، وعندما تنتقل للعمل بمجلة «آخر ساعة» التى يملكها محمد التابعى، تمكن أيضًا من الاستيلاء على رأسها، وعندما اشترى الأخوان مصطفى وعلى أمين المجلة كان لأستاذهما التابعى رجاء، أن يعينوه، وقد استجابا للرجاء، بعدها استولى «م. ح» على رأس على أمين.
كان إحسان عبدالقدوس هو الذى قال إن «م. ح» يعمل دائمًا على أكل الرأس الكبيرة فى أى مكان يعمل فيه، بعدها يعيش آمنًا، ويواصل الصعود وكان التوصيف دقيقًا.







