المحرر العام
محمد الباز

إنعاش قبل الإنعاش.. روشتة كاملة للنهوض بالنشاط الثقافى فى مصر

حرف

- تعيش مصر حاليًا طفرة سياحية لم تشهدها منذ اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون

- يجب أن تسعى مصر لاستضافة دورات مختلفة من سمبوز يومات فنية فى محيطها المتوسطى

لطالما ظلت «الثقافة» فى المتخيل البيروقراطى مجرد «رداء احتفالى» يُرتدى فى المحافل، لا «محركًا تروسيًا» يدير عجلة التنمية ويهندس وعى الأمة. ومع كل رياح تغيير تهب على كراسى السلطة الثقافية، نجد أنفسنا أمام مشهد يتكرر برتابة تراجيدية؛ انقسامٌ حاد على طاولات النخبة بين «مبخرين» يقدسون الماضى القريب، و«مهللين» ينتظرون المعجزات من القادم، و«حكائين» يغرقون فى سِيَر الشخوص لا فى جوهر السياسات.

إنها «ثقافة الاستئناس» التى تكتفى بالفرجة، بينما يظل جسد الإنتاج الثقافى مثقلًا بقيود الترهل الإدارى، وغياب الرؤية الاقتصادية الرشيقة. أنا مواطن مصرى أعيش فى مصر ولم أغادرها قط فى حياتى ولا أعرف وطنًا أو انتماء غيرها، أعمل فى الإنتاج الثقافى والدولى منذ عشر سنوات تعاونا فيها مع العديد من وزارات الثقافة حول العالم، عبر تأسيسنا «تعاونية ثقافية دولية» تضم أكثر من مائتى فنان حول العالم، لكن هذا ليس موضوعنا ولن أطيل فى مقدمة هذا المقال.

تعيش مصر حاليًا طفرة سياحية لم تشهدها منذ اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون فى عشرينيات القرن الماضى، كما نعيش طفرة فى مجال البنية التحتية التى تلزمنا جميعًا كأوساط فنية وثقافية وأدبية أن نتكاتف لنواكب هذه الطفرة. لذلك أبارك للسيدة د. جيهان زكى، وزيرة الثقافة، والتعاطف معها فى مهمتها الصعبة، وسأحاول طرح بعض الأفكار هنا لتطوير منظومة الإنتاج الثقافى فى مصر.

لا يمكن أن ننكر أبدًا أن وزارة الثقافة المصرية، كغيرها من الوزارات العريقة، تعانى من ترهل الهيكل الإدارى وتعدد المستويات القيادية التى تعوق اتخاذ القرار. لو نظرنا للنموذج العالمى الناجح فى إدارة الثقافة اليوم لن نجد «الوزارة المركزية الهرمية»، بل نموذج «مجالس الفنون المستقلة» الذى يعمل بمعايير القطاع الخاص ومرونة الشراكات الناشئة، مع بقائها تحت المظلة الاستراتيجية للدولة، حيث تشير الدراسات فى الإدارة العامة الحديثة إلى أن الحكومات التى تتبنى «صنع السياسات الرشيقة» تكون أقدر على الاستجابة للمتغيرات السريعة. 

فى الحالة المصرية، وبدلًا من الاعتماد الحصرى على رؤساء القطاعات التقليديين، أقترح تشكيل «لجان تكنوقراطية مختصة» تتمتع بصلاحيات تنفيذية وليست استشارية فقط، وتعمل وفق نموذج «المسار السريع». على سبيل المثال نموذج «مؤسسة الفنون الدنماركية»، حيث يتم فصل القرار الفنى والتمويلى عن البيروقراطية الإدارية للوزارة، ويُسند إلى لجان من الخبراء الممارسين. هذه اللجان لا تخضع للتسلسل الهرمى التقليدى، بل تعمل بنظام الأهداف والنتائج. 

لتحقيق هذا التحول، أقترح تشكيل اللجان التالية فورًا بصلاحيات واسعة:

- لجنة هندسة النشر الرقمى: وتتكون من خبراء فى تكنولوجيا المعلومات، سلاسل الإمداد، والتسويق الرقمى، وتكون مهمتها الوحيدة تحويل قطاع النشر الحكومى إلى الربحية خلال ٢٤ شهرًا.

- لجنة الاستثمار فى الأصول الثقافية: تضم خبراء ماليين ومطور عقارات تراثية، لإدارة محفظة أصول الوزارة «قصور، مسارح، أراضٍ» بنظام الشراكة مع القطاع الخاص لتعظيم العوائد، مع الاحتفاظ بحق الملكية للدولة. 

- لجنة المهرجانات الدولية: تتكون من منظمى فعاليات محترفين ومنتدبين وليس موظفين إداريين، لضمان جودة الفعاليات وتسويقها عالميًا. لكن لن يحدث ذلك أبدًا دون ثورة فى تنمية موارد الوزارة، حيث يواجه قطاع النشر فى وزارة الثقافة «الهيئة المصرية العامة للكتاب، الهيئة العامة لقصور الثقافة، المركز القومى للترجمة» أزمة هيكلية مزدوجة: تتمثل فى أزمة المخزون الراكد الذى يلتهم مساحات التخزين والميزانيات، وأزمة التوزيع التى تحرم القارئ فى المحافظات الحدودية والنائية والأقاليم من الكتاب. الحل الجذرى يكمن فى التحول الكامل نحو تكنولوجيا «الطباعة تحت الطلب»، أى الكتاب لا يُطبع إلا عندما يتم شراؤه. هذا النموذج يحقق توفيرًا ماليًا ضخمًا وجذريًا، ويضمن توافر العناوين للأبد. 

لكن هناك آليات تنفيذية فى متناول اليد ويمكن تنفيذها ببساطة، حيث يمكن أن نبدأ بتحويل كل أصول الهيئة «التى تقدر بعشرات الآلاف من العناوين» إلى ملفات جاهزة للطباعة الرقمية عالية الجودة وتخزينها سحابيًا، وبدلًا من الطباعة المركزية فى القاهرة ثم الشحن المكلف للصعيد والدلتا، يتم التعاقد على توريد ماكينات طباعة وتغليف فورية ووضعها فى نقاط ارتكاز إقليمية، مثلًا: قصر ثقافة أسيوط، مكتبة الإسكندرية، قصر ثقافة الإسماعيلية وغيرها، بالإضافة لإنشاء بوابة إلكترونية موحدة تتيح للقارئ طلب أى كتاب من تراث الهيئة، ليُطبع آليًا فى أقرب نقطة له ويُسلم لشركة الشحن. 

هذه الآلية يمكن أن تضاعف ميزانية الهيئة العامة للكتاب فى غضون أقل من عام، بالإضافة للقضاء التام على ظاهرة إعدام الكتب غير المبيعة. يمكن أيضًا إعادة طرح كتب الخمسينيات والستينيات التى نفدت طبعاتها، ما سيدر دخلًا من أصول ميتة حاليًا. أيضًا سيتم التحول أوتوماتيكيًا من الدفع المؤجل للمطابع إلى التحصيل الفورى من العملاء. ولن تكتمل منظومة الطباعة تحت الطلب دون ذراع لوجستية قوية. الوزارة ليست شركة شحن، ويجب ألا تكون. الحل يكمن فى الشراكة مع القطاع الخاص والشركات الناشئة فى مجال اللوجستيات، وإطلاق مبادرة «ثقافتك لحد بابك» التى ستتضمن تفعيل اتفاقيات مع كيانات مثل: البريد المصرى، لتقديم أسعار شحن مدعومة للكتاب الحكومى مع ربط نظام مخازن الهيئة بأنظمة تتبع الشحنات الخاصة بهذه الشركات، لضمان وصول الكتاب للقارئ خلال ٤٨ ساعة فى أى مكان فى مصر. 

أيضًا وعلى جانب آخر، لن تتوازن هذه المنظومة إلا بربط منظومة الإنتاج الثقافى فى مصر بالطفرة السياحية التاريخية التى تشهدها مصرنا الحبيبة، السائح الذى يزور مصر ينفق آلاف الدولارات، لكن نصيب «الكتاب» من هذه النفقات يكاد يكون صفرًا لعدم توافره. نجحت وزارة السياحة والآثار فى تجربة مصنع «كنوز» للمستنسخات الأثرية، وهو نموذج يجب استنساخه فى قطاع النشر. وإنشاء مجموعة كبيرة من أكشاك الكتب المصرية بالإنجليزية والفرنسية، وإطلاق مبادرة «مصر تقرأ» ليتم تخصيص مساحات راقية داخل المتاحف الكبرى «المتحف المصرى الكبير، متحف الحضارة»، والمواقع الأثرية «الكرنك، فيلة» لبيع إصدارات وزارة الثقافة المترجمة للغات الأجنبية.

وتكليف هيئة الكتاب بإصدار سلاسل خاصة بالإنجليزية والفرنسية والإسبانية بجودة طباعة عالمية، تتناول الفنون المصرية المعاصرة ومنتج الحركة الأدبية المعاصرة فى مصر، وسيتضمن ذلك أيضًا السماح للبازارات السياحية المرخصة ببيع كتب الوزارة بنظام العمولة، ما يوسع شبكة التوزيع دون تكلفة إضافية. 

نترك منظومة الإنتاج الثقافى الداخلية ونذهب إلى الدبلوماسية الثقافية، حيث تواجه المراكز الثقافية المصرية فى الخارج «باريس، روما، لندن... إلخ» تحديات تمويلية ضخمة فى ظل شح النقد الأجنبى، ما يحولها فى كثير من الأحيان إلى مبانٍ صامتة. الحل المبتكر يكمن فى تغيير «الصفة القانونية» لهذه المراكز فى دول المقر لتتمكن من توليد الدخل. فى فرنسا على سبيل المثال وليس الحصر، يتيح القانون نموذجًا فريدًا يُعرف بـ«Société Coopérative d›Intérêt Collectif - SCIC». هذا النموذج يسمح للمؤسسات ذات النفع العام بأن تدار كشركات تجارية لا تهدف للربح المفرط، بل لإعادة استثمار العوائد، فلنأخذ المركز الثقافى المصرى فى باريس نموذجًا، حيث يمكن أن يتم تسجيل المركز كشركة تعاونية تسهم فيها الحكومة المصرية «الحصة الحاكمة»، إلى جانب شركاء محليين «بلدية باريس، مؤسسات ثقافية فرنسية، رجال أعمال مصريين فى فرنسا»، حيث يسمح هذا الوضع القانونى للمركز ببيع تذاكر للفعاليات، تقديم دورات لغة عربية مدفوعة، تأجير قاعاته، والحصول على منح من الاتحاد الأوروبى والحكومة الفرنسية مخصصة للثقافة. يضمن هذا النموذج وجود مجلس إدارة يضم كفاءات فرنسية ومصرية، ما يسهل اختراق المجتمع الثقافى الفرنسى بدلًا من الانعزال عنه. يجب إنهاء عصر «الدبلوماسية الثقافية الساكنة». 

المستشار الثقافى هو «مدير مبيعات» للثقافة المصرية فى الخارج، ويجب تقييمه بناءً على أرقام وحقائق، حيث يجب إلزام كل ملحق ثقافى بتنظيم فعالية كبرى واحدة شهريًا «معرض، ندوة، عرض سينمائى»، وفعاليات فرعية أسبوعية. وقياس قيمة المنح الدراسية التى نجح المكتب فى جلبها للطلاب المصريين، وقيمة مبيعات المنتجات الثقافية المصرية عبر تعاون تنسيقى بين وزارتى الخارجية والثقافة، حيث يتم رصد عدد اتفاقيات التوأمة الموقعة بين جامعات/ مؤسسات مصرية ونظيراتها فى دولة المقر. ونسبة النمو الرقمى فى المتابعين والتفاعل على منصات السفارات فى وسائل التواصل الاجتماعى الموجهة لجمهور دولة المقر. وتتم مراجعة هذه المؤشرات ربع سنويًا، وربط استمرار الملحق الثقافى فى منصبه بتحقيق المستهدفات.

وبدلًا من البروتوكولات الروتينية التى تُحفظ فى الأدراج، يجب تحويل اتفاقيات التبادل الثقافى إلى «برامج عمل تنفيذية» تتبنى تبادل استضافة الفرق الفنية فى المهرجانات الوطنية دون تكلفة «الإقامة» مقابل الإقامة.

استغلال بيوت الفنانين فى الأقصر ومراسم وبيوت القاهرة الفاطمية لاستضافة فنانين عالميين، مقابل إرسال فنانين مصريين للخارج، ما يخلق احتكاكًا فنيًا حقيقيًا. 

نترك كل هذا ونذهب إلى الترجمة وتصدير «الصوت الأدبى المصرى» المعاصر. 

ظلت مهمة المركز القومى للترجمة لسنوات طويلة مقتصرة على «نقل الآخر إلينا». آن الأوان لعكس الآية لتصبح «نقل الذات إلى الآخر». لكن التجربة أثبتت أن ترجمة الكتب وطباعتها محليًا ثم محاولة توزيعها خارجيًا هى عملية فاشلة لوجستيًا وتسويقيًا.

حققت كوريا الجنوبية وتركيا اختراقات عالمية مذهلة لأدبهما عبر تبنى نموذج «دعم الناشر الأجنبى» بدلًا من «النشر المباشر»، حيث يمكن أن تخصص الوزارة ميزانية سنوية لترجمة الكتب الأدبية المصرية المعاصرة للغات الأجنبية، عبر التقنيات الحديثة وطلاب وأكاديميين كليات الآداب واللغات، ثم تحريرها بشكل احترافى قبل إبرام شراكات مع دور النشر الأجنبية الراغبة فى ترجمة ونشر الأدب المصرى. وسيسبق ذلك بالطبع بناء قاعدة بيانات للمترجمين المحترفين من العربية إلى اللغات الأخرى، لترشيحهم للناشرين والموزعين الأجانب. سيظهر الكتاب المصرى فى مكتبات باريس ونيويورك وطوكيو كأى كتاب محلى، محمولًا على شبكة توزيع الناشر الأجنبى القوية، وليس ككتاب مستورد غريب.

وبالتوازى مع الترجمة العكسية، تجب إعادة توجيه بوصلة الترجمة إلى العربية. بدلًا من العشوائية فى اختيار العناوين، يجب إطلاق «المشروع القومى لترجمة علوم المستقبل»، فيمكن تخصيص ٦٠٪ من خطة المركز القومى للترجمة لعلوم الذكاء الاصطناعى، التكنولوجيا الحيوية، الفلسفة الرقمية، والاقتصاد الأخضر. سد الفجوة المعرفية العربية فى هذه المجالات الحيوية، وتوفير مصادر حديثة للباحثين والطلاب المصريين.

رفع سقف حرية النشر، وبالطبع لا يمكن لأى استراتيجية ثقافية أن تنجح فى ظل قيود رقابية تكبل الفكر. إن «رفع سقف حرية النشر» ليس مجرد مطلب حقوقى، بل ضرورة استراتيجية لمواجهة التطرف الدينى ولتحقيق العوائد الاقتصادية.

يجب ألا ننسى أن الأفكار الدينية المتطرفة تنمو فى السراديب؛ السماح بتداول الأفكار المختلفة وسجالها علنيًا هو الطريقة الوحيدة لتعرية هشاشة الفكر المتطرف. دعونا نعترف بأن تحويل مصر إلى مركز إقليمى للنشر يتطلب بيئة تشريعية ورقابية حرة ومستقرة، تشجع الناشرين العرب والأجانب على الطباعة والتوزيع؛ انطلاقًا من القاهرة فهذا هو الطريق لتشييد بديل إحلالى للفكر المتطرف، فالمواجهة الأمنية للإرهاب ضرورية، لكنها تقص «الأغصان» ولا تقتلع «الجذور». الاستراتيجية الأنجح هى «الإحلال الثقافى»، أى ملء الفراغ النفسى والمكانى والاجتماعى الذى يستغله المتطرفون ببدائل ثقافية جاذبة. نظرية «الاستبدال العظيم» التى يروج لها اليمين المتطرف والإخوان المسلمين الإرهابيين والجماعات السلفية الإرهابية، يجب أن نقابلها نحن بـ«الاستبدال الثقافى التنويرى»: استبدال اليأس بالأمل، والعزلة بالمشاركة، والظلام بالفنون. والجسور الثقافية مع الآخر. 

لكن لنقفز إلى ضرورة ملحة أخرى لتحقيق الإحلال الثقافى، يجب إعادة اختراع «قصور الثقافة» التى تحولت لمبانٍ إدارية متهالكة، بل تم إغلاق بعضها على مدار العام المقبل. النموذج الملهم هنا هو تجربة مدينة «ميديلين» فى كولومبيا، التى تحولت من عاصمة الجريمة فى العالم إلى واحة للابتكار عبر مشروع «حدائق المكتبات»، حيث يجب علينا التركيز على المناطق العشوائية والقرى الأكثر فقرًا، مثل مناطق مبادرة «حياة كريمة». يجب أن يكون مبنى قصر الثقافة أيقونة معمارية تمنح سكان المنطقة شعورًا بالكرامة والانتماء. وهذا يمكن أن يحدث تدريجيً عبر فتح الباب لمجموعة شراكات تعاونية، بالإضافة لتحويل القصور إلى مراكز خدمة مجتمعية توفر إنترنت فائق السرعة مجانًا، مساحات عمل مشتركة للشباب، ومعامل حاسب آلى وتقديم ورش عمل فى الجرافيك، البرمجة، التصوير، والحرف اليدوية، لربط الثقافة بسوق العمل، ما يسحب الشباب من دوائر البطالة التى تغذى التطرف. كل هذا يمكن تحقيقه عبر شراكات استراتيجية فى ظل حالة التشبع والتنافسية العالية فى الأسواق الغربية التقليدية، يجب أن تتوجه مصر نحو «العمق الاستراتيجى» و«الفضاءات البديلة» لتمتلك ميزات تنافسية وقبولًا ثقافيًا عاليًا وتفعيل الشراكة الاستراتيجية مع شباب فنانى أوروبا والبحر المتوسط.

يجب أن تسعى مصر لاستضافة دورات مختلفة من سمبوزيومات فنية فى محيطها المتوسطى، واستخدام تلك الإقامات الفنية كمنصة لشباب الفنانين المصريين للاحتكاك بنظرائهم من ٣٠ دولة متوسطية، بعيدًا عن هيمنة مراكز الفن الغربية التقليدية وأموال البترول الطائلة التى تتشبع بها ثقافة منطقتنا والتى فى رأيى عامل أساسى لتغيير هوية الحركة الثقافية المصرية المعاصرة، وهذا يعزز الهوية المتوسطية لمصر ويفتح أسواقًا جديدة للفن المصرى المعاصر.

على جانب آخر تفعيل «خطة عمل الاتحاد الإفريقى للصناعات الثقافية والإبداعية». مصرنا الحبيبة مؤهلة لتكون مركزًا محوريًا للإنتاج الثقافى الإفريقى «طباعة، مونتاج سينمائى، تسجيلات موسيقية»؛ بفضل بنيتها التحتية المتقدمة فى مدينة الفنون فى العاصمة الإدارية الجديدة، ما يربط الاقتصاد الإبداعى المصرى بعمقه القارى. ويجب البناء على نجاح نسخة معرض القاهرة الدولى للكتاب. نعم هو الأهم عربيًا، لكن مصر تحتاج لأكثر من حدث واحد، حيث يجب على الوزارة تنظيم معرض دولى لكتب الطفل، ومعرض للكتاب الأكاديمى، ومعرض للكتاب الفنى، موزعة على مدار العام فى محافظات مختلفة «شرم الشيخ، العلمين»، وتحويل المعارض من مجرد «سوق لبيع الكتب للجمهور» إلى «مركز لتجارة حقوق الملكية الفكرية» بين الناشرين العرب والأجانب، وهو المصدر الحقيقى للربح فى صناعة النشر العالمية. وعلى جانب آخر، أرى أن تجمعات المثقفين فى وسط القاهرة لزامًا عليها دعم مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الجديدة، تلك الجوهرة المعمارية التى تحتاج إلى «روح» ونموذج تشغيل عالمى؛ لئلا تتحول إلى عبء مالى، وبدء التعاقد مع منظمى حفلات عالميين وناشرين عالميين لاستضافة نجوم العالم فى الفن والأدب.

وتوقيع اتفاقيات شراكة مع دور أوبرا عالمية لتقديم مواسم سنوية ثابتة فى العاصمة الجديدة، واستغلال قاعات المدينة لاستضافة مؤتمرات دولية كبرى، ما يدمج الطفرة السياحة بالعاصمة الجديدة. فلنتذكر جميعًا أن إنعاش الثقافة فى مصر هو مشروع وطنى لإعادة صياغة الوجدان المصرى فى ظل منطقة دمرها التفكير الراديكالى الدينى بالكامل، وتمكين القوة الناعمة من أداء دورها فى بناء مصر الجديدة، لتلعب مصر دورها التاريخى الطبيعى كمنارة للتنوير ومركز للإشعاع الحضارى فى العالم.