الثلاثاء 26 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

الآباء المؤسسون لقصيدة النثر المصرية 4

إبراهيم شكر الله.. شاعر القطيعة مع الماضى

حرف

- «موقف المعصية» و«موقف الشهادة» قصيدتان مجهولتان لشكر الله منشورتان فى «الأديب» اللبنانية لم يدرجهما الشاعر فى الديوان

- شكر الله اختار قصيدة النثر شكلًا جماليًا لقدرتها على استيعاب تحولات الشاعر بين الأشكال والإيقاعات والصور

إبراهيم شكر الله «1921- 1995» أحد الشعراء المصريين الكبار المؤسسين لقصيدة النثر، المعلومات والصور عنه شحيحة للغاية، تخرج فى قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، ودرس الأدب واللغة الألمانية فى جامعة بون بألمانيا، ثم التحق عام 1945 بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وشغل منصب السفير لها فى عدة عواصم حول العالم، الأمر الذى أبعده سنوات عن الانخراط فى الحركة الثقافية المصرية، وكانت الفترة من 1954 إلى 1961 من أنشط السنوات التى كتب ونشر خلالها شعرًا طليعيًا ونقدًا وترجمة فى دوريات لبنان «الأديب» و«الآداب» و«شعر» و«أدب»، بالإضافة إلى العام 1981 الذى شهد عودته إلى الشعر وكتابة معظم نصوص ديوانه الوحيد «مواقف العشق والهوان وطيور البحر».

<strong>إبراهيم شكر الله</strong>
إبراهيم شكر الله

تتبع مؤلفات الشاعر إبراهيم شكر الله أمر صعب، وإذا لم يكن لديك نسخة من ديوانه الوحيد، أو كتاب الشاعر عبدالعزيز موافى، الصادر عام ٢٠٠٣ عن المجلس الأعلى للثقافة بعنوان «إبراهيم شكر الله.. الأعمال الكاملة» والذى يتضمن إلى جانب الديوان الوحيد، مسرحية من فصل واحد بعنوان «رحلة السندباد الأخيرة (نفد)»، فعليك أن تبحث فى أرشيف الدوريات القديمة على الإنترنت خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى لتحصل على صور ضوئية من قصائده ودراساته التى لم يضمها فى ديوانه الوحيد، ولم يدرجها عبدالعزيز موافى فى كتابه عن الشاعر، وستجد أن شكر الله نشر ترجمات ودراسات نقدية شديدة الثراء منها ترجمته لمسرحية ت س إليوت «جريمة قتل فى الكاتدرائية»، التى نشرت مجلة شعر الفصل الأول منها فى العدد الخامس شتاء ١٩٥٨، وصدرت فى كتاب عن المجلة فى العام ١٩٥٩، كما نشر دراسة بعنوان «أبو العلاء المعرى ومشكلة الزمان» فى مجلة الأديب اللبنانية، يناير ١٩٥٤، ودراسة بعنوان «الحركة الرومانسية فى الأدب والحياة» بمجلة الآداب اللبنانية، يناير ١٩٥٤، ودراسة ثالثة عن كتاب «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج البغدادى، فى مجلة أدب اللبنانية عدد يناير ١٩٦٣، كما وجدنا قصيدتين للشاعر لم يضمهما فى ديوانه، هما «موقف المعصية»، و«موقف الشهادة»، نشرتهما مجلة الأديب البيروتية عامى ١٩٥٤ و١٩٥٦، لكننا لم نعثر على كتابه «صور من العالم العربى» المنشور بالإنجليزية فى لندن ويتضمن مختارات من الشعر العربى. 

كان اتجاه إبراهيم شكر الله إلى كتابة قصيدة النثر فى الخمسينيات من القرن الماضى، بدافع البحث عن درب جديد للتعبير، يمثل العصر الذى يعيشه ولا يرتهن للمكرر المعاد من طرائق الكتابة المتوارثة، وتوهج شكر الله كالشهاب بين السنوات ١٩٥٤- ١٩٦٣، ورأينا له قصائد طليعية وترجمات ودراسات نقدية فى مجلات لبنان التى كانت رافدًا أساسيًا فى التجريب والحداثة، وكان الصوت المصرى الوحيد الذى رافق تيار التجريب الهادر فى مجلة شعر البيروتية بقيادة يوسف الخال وأدونيس، وفى الوقت الذى كنا ننتظر منه الاستمرار، وتأكيد هويته الفنية والمساهمة فى إزاحة الأوشاب والبقايا من صفحة نهر الشعر، اختفى شكر الله عشرين عامًا أو أكثر، ليعود متدفقًا بالشعر من جديد فى العام ١٩٨٢، مفصحًا عن قوة ومكانة ونظر متفرد للقصيدة وللشعر فى لحظته التى يحياها، بينما كان الواقع الشعرى المصرى آنذاك يتخبط فى اشتباكات مفتعلة وقضايا مدرسية كأننا أهل الكهف لا نفعل إلا أن نجتر ما يعلق بذاكرتنا من مقولات مأثورة ومعارك زائفة ساذجة.

لقد فوجئ الوسط الثقافى المصرى عام ١٩٨٢ بصدور ديوان إبراهيم شكر الله الوحيد «مواقف العشق والهوان وطيور البحر»، عن دار العالم العربى للطباعة، متضمنًا سبع وعشرين قصيدة فى مائة وثمان وعشرين صفحة من القطع الصغير. لأن الديوان كان مفاجئًا وصادمًا ومختلفًا عما هو سائد فى تلك الفترة، فرغم حركات التجريب والشعارات التجديدية التى كانت تموج بها الحركة الثقافية المصرية، إلا أن هذه الشعارات لم تجد لها ظهيرًا سامقًا من الإبداع الشعرى، أو بتعبير المناطقة لم تجد المفاهيم والشعارت الرنانة حول التجديد آنذاك، «الماصدق» الذى يطابقها. ولأن قصائد ديوان شكر الله «تسع عشرة قصيدة بالديوان مكتوبة بين ١٩٨٠-١٩٨١» كانت تقدم وجهًا تجريبيًا أصيلًا، لا ينزع للتقليد أو يذوب فى صوت من أصوات الشعراء المشاهير، فقد عجزت الحركة النقدية عن الاستجابة له ووضعه فى المكانة التى يستحقها، ولأن الديوان كان كاشفًا لألاعيب الصغار الذين يملأون الدنيا ضجيجًا فارغًا، فقد تواطئوا عليه بالصمت والتجاهل، وكأنه لم يكن، بل إن الصمت والتجاهل المقصودين من شعراء تلك الفترة، وكان هناك كبار أحياء ما زالوا، جاء فى بعض منه خوفًا على مكانة متخيلة، ورعبًا مما أتى به من كشف وتعرية للخيال الحاكم للقصيدة فى مصر آنذاك، نقدًا فى المقدمة التى وضعها الشاعر، أو إبداعًا متمثلًا فى القصائد نفسها.

يقدم إبراهيم شكر الله فى مقدمة ديوانه الوحيد «مواقف العشق والهوان وطيور البحر» العناصر الجمالية والفكرية الأساسية التى انطلق منها إلى الكتابة شعرًا وترجمة ونقدًا، وكان ملتفتًا مبكرًا إلى العوامل الأساسية التى عطلت التطور الشعرى ليكون مواكبًا للتحولات فى العالم أجمع، وهى عوامل يتداخل فيها الاجتماعى بالدينى والسياسى، ما دفع الشعراء العرب إلى الكفر بعصرهم وبجدوى الشعر وقيمته واللجوء إلى تحصيل مجد زائف من خلال إرضاء الجماهير بالمواصفات الشكلية مثل حسن السبك والقافية الرنانة والألاعيب اللغوية، بدلًا من اضطلاع الشاعر بمسئوليته فى اكتشاف إيقاع الحياة فى زمنه وتحولات النفس البشرية ومجابهة المصائر فى تبدياتها من عصر إلى عصر، كما التفت شكر الله إلى الدور الخطير الذى يلعبه النظام الاجتماعى الدينى باستنكاره لما يسمى البدع وتأكيده لمبدأ الإجماع، الأمر الذى كان يحول بين الشعراء والنزوع للتمرد والاختلاف والسير عكس ذلك فى طرق الإتباع والتقليد، يترافق مع ذلك، التقليد المتوارث بين الشعراء بالوقوف على باب العظيم أو الخليفة أو الحاكم أو تجلياته فى أشكال السلطة المختلفة، ليمدح ويتلقى الهبات والأعطيات، وبالتالى عليهم أن يسيروا فى طريق لا يحيدون عنه لاستمرار الرضا السامى.

يقول إبراهيم شكر الله فى المقدمة: «كل جيل- إذا أراد أن يصدق مع نفسه- أن يحيا التجارب الإنسانية من جديد بعد أن يزيح عن كاهله عبء القديم وتراكماته، بما يعنى ضرورة التحرر من النماذج والأشكال الموروثة والسعى إلى مخاطبة الطبيعة مباشرة (...) وما من شىء قيل فى الماضى- حتى إذا صدق- يمكن أن يتضمن الحاضر»- ص٦.

ويؤكد هذا المعنى بقوله: «التزام الشاعر الأول هو أن يعيد النظر فى كل ما ورثه من نظم وتقاليد وشرائع هى مبعث اغترابه عن ذاته وعن المجتمع الذى يعيش فيه. ألا يتقبل شيئًا على علاته، وإنما يخلق كل شىء خلقًا جديدًا من مداركه، وأن يقول إن نشوتى بالوجود بمباهجه وتباريحه، هى من أجل الوجود ذاته، فيندد بكل ما يحد هذا الوجود ويمزقه ويجفف ينابيعه من عبودية ونفاق وتهالك، وأن يصبح التعبير عن هذا الالتزام هو جوهر الحرية وتصبح القصيدة بالتالى عملًا حرًا يعكس الحرية المتحققة والمحبطة على السواء بما يلزم أن تبتدع لنفسها حريتها وقانونها معًا، وهو قانون الإبداع لا قانون التقليد والمحاكاة- المقدمة ص٧.

إننا أمام مانيفستو شعرى متكامل فى مقدمة ديوان إبراهيم شكر الله، جوهره الحرية الكاملة، والسبيل إلى هذه الحرية الكاملة لا يتأتى إلا بالقطيعة المعرفية مع الماضى والبدء من جديد بأشواق إلى صناعة المستقبل، عيوننا إلى الأمام لا إلى ماض ولى وانتهى وإلى أزمنة انقضت وانتهت صراعاتها وأحلامها وإخفاقاتها، علينا نحن شعراء اللحظة الراهنة وكل لحظة راهنة أن نقطع مع الاجتماعى المتكلس وأن نقطع مع الدينى الجامد المتجمد الباحث عن إجماع لا وجود له فى الحقيقة، والقطع مع أى سلطة تسعى لرصف الخيال وتعميم الإبداع ووأد الاختلاف والفردية.

تشيع فى قصائد إبراهيم شكر الله نزعة وجودية، تتصل بالعبث التراجيدى الكامن فى الحياة من حولنا، ومأزق الشاعر الحديث الذى يدرك هذا العبث واللاجدوى، وعليه أن يواصل طريقه فى التمرد المحكوم بالهزيمة، تمامًا مثل سيزيف الذى يعرف أنه مجبر على حمل الصخرة من السفح صاعدًا بها قمة الجبل وأنه فور نجاحه فى الصعود إلى القمة، يستعيد السفح صخرته ويكون على الشاعر أن يصعد بها من جديد لتكون محاولته المستمرة تلك، هى المفهوم الذى يعطى لحياته القيمة والمعنى، أنه لم يدر ظهره لتلك النواميس العبثية الحاكمة، مستسلمًا إلى نوع من العدمية الفارغة، كما انتزع لنفسه المعنى، أو الجوهرة التى يحرسها وحش الزمن.

يقول فى قصيدة «أورفيوس»

كيف يعيش الإنسان

الذى ولد فى لحظة عبث

ليجد نفسه فجأة وقد شاخ؟ ص٢٦ 

وفى القصيدة نفسها يقول:

من هذا المقبل من بعيد؟

أهو أورفيوس الجميل

الذى كنا ننتظر عودته

هذا الوجه الكسيف المغطى بالبثور

هذه القامة الحزينة

لابسة ثوب السجن

ما باله لا يحمل غير ظله وعصاه 

وطاقية الهوان؟-ص٢٧

إننا هنا أمام محنة كبيرة، كيف لأورفيوس الوسيم صاحب الألحان العذبة الذى أنقذ بحارة الأرجو من غناء السيرينات الساحر والمميت، ببراعة عزفه وغنائه، والذى طاوعته آلهة الجحيم ووافقت على تحرير زوجته يوربيدس من الموت والعودة معه للعالم الأرضى، كيف له أن يكون على هذه الصورة من الدمامة والحزن مرتديًا ملابس السجن وطاقية الهوان والذل.

يستخدم إبراهيم شكر الله فى قصائده الأقنعة التاريخية جنبًا إلى جنب مع نثار الحياة وتعبيرات الزمن الحاضر ليصنع مناخًا متصلًا بين الأزمنة، كاشفًا عن زمن جديد هو زمن القصيدة الذى يبدعه الشاعر ويصنع تدفقه، زمن المأساة والحلم بوجود جديد أفضل وأكثر اكتمالًا، يقول فى مقدمته للديوان: «أحاول صياغة الشكل الذى ينبئ بالضرورة عن موضوعاتى وجميعها تعكس الوحشة والقلق والخوف والشبق إلى المجهول والمستتر والتشوف إلى المطلق والسعى وراء الوجود الكامل والحب الكامل والتواصل الكامل والاندماج الكامل، مع علمى أنه هدف لا سبيل إليه، مقضى عليه بالحبوط وعدم التحقق، ومن هنا كانت رنة الأسى وإحساس اليأس الذى يسود شعرى»- ص٩ 

كان اكتشاف عيون الأدب الصوفى شعرًا ونثرًا، مصدر انفعال وتفاعل بين الشعراء والكتاب فى العالم أجمع، فقد حاولت جميع الحركات التجريبية مد الجسور مع الأدب الصوفى، وليس فقط الحركة السوريالية التى انتشرت فى النصف الأول من القرن العشرين، وربما يأتى هذا الولع بالتجليات الأدبية الصوفية، من أنها تركز على البصيرة لا على البصر، على نفس الإنسان ومعاناته الداخلية لا على ما يشتعل خارجه من صراعات وما يذيع من موضات وصرعات وكليشيهات يهرع إليه الأنصاف والأرباع تحت وهم أنهم وجدوا الطريق إلى الإبداع، وما من طريق إلى الإبداع إلا فى نفس الشاعر، معبد فى خياله ثم يخرج إلى العلن. 

وعلى منوال النفرى فى «المواقف والمخاطبات» نجد إبراهيم شكر الله ينسج أربع قصائد بعناوين: «موقف اللذة» و«موقف العشق» و«موقف الخوف» و«موقف الطير»، بحثًا عن تلك الحساسية التى تمزج بين الخوف والتوجس والشك والسعى إلى الكشف مع إثارة الأسئلة عما يعتمل فى داخل الإنسان المبصر من أسئلة الوجود والمصير والجدوى والقيمة، وصولًا إلى البحث عن الحب القيمة الأسمى الضرورية لإبقائنا على قيد الحياة.

إن الإنسان والشاعر خصوصًا، يمكنه تحمل الحقائق الكونية بشجاعة، كلنا ميتون، نسعى فى حياتنا ونحن نعرف أن كل خطوة تقربنا من حتفنا ونهايتنا المكتوبة، وكلنا عاجزون، لا نستطيع أن نقفز على الموت أو حتى تغيير مسار أجسادنا إلى الشيخوخة والضعف، وجميعنا محكوم عليه بالعزلة والوحدة، فلا يمكن لإنسان أن يتحمل عنك ألمك أو موتك أو خوفك، ومع ذلك فالحب وحده يمكن أن يمنح الإنسان الرضا والسعادة، الرضا حتى بالموت، والسعادة فى مواجهة كل مصاعب الحياة أو تشوهات الكائنات أو الصمت والتواطؤ.

يقول إبراهيم شكر الله: «وجدت فى الأدب الصوفى اقترابًا من الحساسية المعاصرة، بهجة الكشف والتوجس والفزع، الهمس بأسرار الحب العميقة التى يصبح المحب فى أغوارها محبوبًا، تأكيد قدسية الإنسان فى مواجهة قوى القهر والامتهان الكونية من موت وعجز ومحدودية، وقدرته على الخروج من عزلته ووحدته المحتومة عن طريق الذوبان أو الفناء فى الآخر»، المقدمة ص٧

كان الشاعر إبراهيم شكر الله تواقًا إلى الحرية الكاملة، وهى تلك الحرية التى لا تصنع بالممارسات الخارجية، كأن يخرج فى مظاهرة أو يرفع صوته بالصراخ بما يريد، بل هى حرية تبدأ باللغة والخيال والتعبير، لغة جديدة قادرة على التعبير عن مخاوف وأحلام وزمن الشاعر، لغة تستوعب أسئلته، ليس فيها انزلاق إلى وحل التكرار أو غواية الإنشاء أو فذلكة السابقين، وفى الوقت نفسه هى لغة من المستقبل وإلى المستقبل، ليس فيها من الماضى إلا الحرف كوحدة أساسية، والكلمة مغسولة من محيط علاقاتها السابقة كأنها ولدت من جديد، أما الإيقاع فهو بعيد عن المطروق المتكرر من بحور الخليل، كلى وليس جزئيا، أى أنه إيقاع يحيط بالصورة كلها وبالقصيدة بكاملها، يتدرج بين الخفوت والصراخ بين التكرار والوحدانية بحسب ما يرى الشاعر وما يشعر وما يتخيل، حيث التناغم داخلى فى النص الشعرى وليس قيدًا خارجيًا مفروضًا أو حليه تزينية أو حتى ضروة تفرض زلاتها وتنازلاتها وزوائدها، وهنا يتوحد الشكل والمضمون ويخلق المضمون شكله أو يخلق الخيال قصيدته على صورة من كلمات.

ومن هنا وجد إبراهيم شكر الله ضالته فى قصيدة النثر، لأنها تعنى الحرية الكاملة، ولا تفرض على الشاعر شيئًا من الماضى، بل تلزمه بأن ينتزع ما يستطيع من المستقبل وألا يتلوث بشىء من الماضى المطروق، وهو هنا حر فى أن يصنع السياقات والحبكات والصدمات من خلال إعادة ترتيب وتشكيل الأزمنة والكلمات ليصنع الجديد البكر غير المسبوق، وليثير الأسئلة من جديد بعيدًا عن كل ضعف أو قصور أو عجز، وما الضعف أو القصور أو العجز إلا فى الاستسلام لما هو ماض سابق مهتوك. 

يقول شكر الله: «حاولت كسر الحواجز التى أقامتها الواقعية، حتى يمتزج الصحو بالحلم والظاهر بالمخبوء، صخر الواقع الخارجى وهلامية الهذيان ونبض الحس الداخلى، بحيث تصبح جميعًا شيئًا سيالًا دافقًا يختلط فيه الواقع بالنبض الداخلى، ويمتزجان فى خليط جديد يتساوق فيه الحلم والنبوءة والأسطورة جنبًا إلى جنب مع القوى الجاثمة للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية»، المقدمة ص ٩

فى سياق البحث عن آثار الشاعر الراحل إبراهيم شكر الله، وجدنا قصيدتين لم يضمهما الشاعر فى ديوانه، القصيدتان منشورتان فى مجلة الأديب اللبنانبة، الأولى بعنوان «موقف المعصية»- عدد ديسمبر ١٩٥٤، والثانية بعنوان «موقف الشهادة»- عدد أبريل ١٩٥٦، وفى القصيدتان نزعة مسيحية صوفية تدمج الرموز المسيحية مع الأقنعة المصرية القديمة وتفتح باب الحوار مع الرب على طريقة العهد القديم، فى مراثى إرميا، كما يبدو إبراهيم شكر الله متأثرًا فى قصيدته «موقف المعصية»، بأجواء ديوان الشاعر السورى الفلسطينى توفيق صايغ «ثلاثون قصيدة»، والذى كان فتحًا كبيرًا على مستوى قصيدة النثر العربية، بلغته المشحونة وعباراته المكثفة وتعبيراته المسيحية المشتبكة مع الثوابت والباحثة عن الخلاص من خلال القصيدة.

وربما كان وراء استبعاد إبراهيم شكر الله لهاتين القصيدتين من ديوانه المنشور فى العام ١٩٨٢، وضم جديده وقديمه معًا، أنه لم يشأ أن يصنفه النقاد على أنه شاعر مسيحى، أو أن يستسهل البعض فيرون- كما حدث مع توفيق صايغ- أن مجاهداته الروحية المغلفة فى إطار مسيحى إيمانى أحيانًا، وتصادمى أحيانًا أخرى، والتى تظهر فى بعض قصائده، هى المدخل الوحيد لشعره، وآثر على ذلك أن تكون قصائده إنسانية مصرية فى جوهرها، وأن تشتبك مع القضايا والظواهر فى عصرها.

أما الدراسة التى عثرنا عليها فهى منشورة أيضًا فى مجلة الأديب البيروتية، عدد يناير ١٩٥٤، بعنوان «أبو العلاء المعرى ومشكلة الزمان»، يوضح فيها بالتفصيل كيف تبدى الزمان بمفاهيمه الفلسفية المختلفة فى أشعار أبى العلاء، ما بين الزمان البدائى المرتبط فى أذهان القدماء بالظواهر الطبيعية والزمان الأبوللى أو اليونانى الذى يبدأ من مقولة أن الزمن غير مخلوق وأن ثمة محرك لا يتحرك وراء الحركة الدائرية للزمن، وثالثا ما يعرف بتعبير أشبنجلر بالزمان المجوسى الذى يسيرفى خط مستقيم من الماضى إلى المستقبل، وصولًا إلى ما قاله الأشاعرة المسلمون بأن الزمان ذاتى قائم فى العقل وليس خارجه، وهو ما أكدته الفلسفات الحديثة من مزج بين الزمان الذاتى والزمان الخطى، ماض وحاضر ومستقبل، وفى كل ذلك كان أبا العلاء المعرى يرى الزمان عدوا وقوة قاهرة تسحق الإنسان.

إن الشاعر المؤسس إبراهيم شكر الله يحتاج منا جميعًا أن نسعى وراء أعماله، بأن نجمعها كاملة غير منقوصة أولًا، وأن نعكف عليها بالدراسة، خاصة ما تركه من قصائد، لأهميتها فى سياق التقعيد والتأصيل لقصيدة النثر المصرية خلال مائة عام.

شكر الله.. شاعر القطيعة مع الماضى