الجمعة 29 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

عالى الجبين خداه ملائكيان.. فيكتور هوجو يكتب فى مدح الرسول

حرف

- أنا رماد كإنسان ونار كنبى.. أنجزت ما بقى غير كامل من نور عيسى

- القصيدة تتناول السيرة العطرة للنبى وتنتهى بوصف أيامه الأخيرة

القصيدة جزء من ملحمة شعرية تسمى أسطورة القرون (La Légende des siècles) هى ملحمة شعرية كبرى للكاتب والأديب الفرنسى العالمى فيكتور هوجو. تُمثل هذه التحفة الفنية رحلة إنسانية وتاريخية ترصد مسيرة البشرية وتطورها عبر العصور، حيث تمزج بعبقرية بين التاريخ، والأساطير، والرموز الدينية، والفلسفية. 

لا تتبع الملحمة السرد التاريخى التقليدى، بل تتألف من سلسلة قصائد تسمى «الملاحم الصغيرة» (petites épopées)، والتى تستعرض محطات رئيسية من مسار الإنسانية بدءًا من خلق آدم، مرورًا بالعصور الوسطى وعصر النهضة، وصولًا إلى العصر الحديث.

الفكرة الفلسفية: تبرز الملحمة صراع الإنسان الدائم بين الظلمات والنور، وتنقله من فترات التوحش والجهل نحو آفاق الحرية، والعدالة، والمعرفة.

فترة الكتابة: عكف هوجو على كتابة ونشر هذه الملحمة على فترات متقطعة بين عامى 1855 و1883.

قصيدة «السنة التاسعة للهجرة» (1858) لـ فيكتور هيجو (1802 - 1885)

فيكتور هوجو
فيكتور هوجو

كمن خالجه الإحساس بدنو الموت منه.

فلم يُنْحِ أبدًا باللائمة على أحد مهما كان.

مشى وهو يرد على تحية العابرين بمثلها.

ويومًا عن يوم خط الشيب سواد شعر لحيته.

توقف وهو يرى النوق تطفئ غلتها فى الماء

كمن يتذكر ماضيه إبان رحلاته صحبة القوافل.

بدا وكأنه يرى زمن الحب فى جنات عدن

وفى العهود السالفة التى لا تنسى.

كان عالى الجبين، خداه ملائكيان.

حاجباه غير كثيفين وعيناه عميقتان.

عنقه أشبه شىء بمحبقة زهور فضية.

سَمْتُ نُوح ذلك العارف بسر الطوفان.

حاكم إذا احتكم إليه رجلان فإنه بهيبته

يترك المُدان معترفًا والمتضرر مطمئنًا

يصغى بصمت ولا يتكلم إلا آخر المتكلمين.

لا يجرى على لسانه دائمًا غير ذكر الله.

قليل الميل إلى الطعام. يشد الحزام على بطنه.

يسهر بنفسه على حلب نعاجه.

يجلس على الأرض ويرتق ثيابه.

كثير الصوم خارج الأيام الرمضانية، 

لهذا ضعفت قوته حتى كأنه غير شاب.

داهمته حمى وهو ذو ثلاثة وستين عامًا

قرأ القرآن وبيده كتبه

ثم أسلم البيْرق إلى «ابن السيد»

قائلًا له: أنا قريب من فجرى الأخير.

ليس هناك من إله إلا الله فجاهد من أجله.

وبما أن ظلًا حجب النظر عن عينه كان

شبيهًا بنسر عجوز مرغم على هجران الطيران.

أتى إلى المسجد فى الوقت العادى

متكئًا على على ووراءه أنصاره

بينما يخفق البيْرق المقدس تُحركه الريح.

متعبًا شاحبًا اِلتفت الى الجموع.

أيها الناس. النهار إلى انطفاء والإنسان إلى زوال

نحن كالغبار وكالليل، والله وحده الأكبر.

أيها الناس، أنا الجاهل وأنا الأعمى

بدون إله لن أكون غير كائن من كائنات الغاب.

قال له شيخ: «يا أمير المؤمنين الحقيقين: إن العالم

بمجرد ما يسمع قولك يومن به

ففى يوم ميلادك أشرق نجم

وتهدمت ثلاثة أروقة من إيوان كسرى».

وتابع قوله: قد تداول الملائكة شىءون موتي

الساعة دقت. أنصتوا. إذا كنت قد ذكرت أحدكم بسوء

فليقف أمامى وليسبنى وليشهرْ بى أمام الجميع

قبل أن تفيض روحى.

وإذا كنت قد اعتديت على إنسان فليقف ويعتدى على.

وهادئًا يشهر على المارة عصاه.

عجوز تجز صوف خروف

جالسة على عتبة قالت له صائحة : «أعانك الله».

بدا وكأنه رأى رؤيا حزينة

ومباشرة تأمل كمن يفكر وقال: انظروا كلكم:

أنا كلمة على لسان الله.

أنا رماد كإنسان ونار كنبي.

أنجزت ما بقى غير كامل من نور عيسى.

أنا القوة وطفلًا كان عيسى صاحب السلوك الحلو.

كان الفجر للشمس رديفًا.

سبقنى عيسى ولم يكن السبب

بل كان ابن عذراء يفوح منها عطر زهرة.

احفظوا ما أقول جيدًا، أنا لست إلا مخلوقًا حيًا

ما أنا إلا طمىٌ متكون من سوابق مسودة، 

لقد عانيت من فرط الذنوب كل أنواع الضنى

ليس لإهابى من ميزة غير طريق لا دليل لها

وجسدى بالشر ملوث.

يا أنتم عن قريب سوف أصبح سهل الالتهام

وأنا فى ظلام النعش وحيد

كل خطأ تتولد عنه دُودة تراب.

إن المعذب فى عمق مغارة باردة

ولد من أجل أن يكون من جديد غذاء لدُود الأرض، 

أبدًا يتجدد إهابه إلى حد أن الشقاء النهائى

يفتح المدى الصاحى أمام تحليقاته.

أبنائى، ما أنا إلا حقل وضيع تجرى فيه معارك سامية

حينًا يعلو فيه الإنسان وحينًا آخر يسفل فيه.

الشر على لسانى يوازيه الخير.

شبيه بالصحراء تجمع بين الرمال والآبار، 

الشىء الذى لا يمنع من أننى ولدت يا أيها المؤمنون

لأجابه فى الظل ملائكة مرعبين

يريدون إعادة إغراق الإنسان فى الدياجير، 

أحيانًا تكون قبضتا يدى ملتويتين وساعداهما ميتتين.

وشبيهًا بيعقوب، كثيرًا ما كنت خطوةً إثر خطوة

أقاوم فى الليل إنسانًا لا أراه، 

ولكن الناس على الأخص هم من تسببوا فى نزيف حياتى، 

فقد انقضوا على وأثقلونى بكراهيتهم وشراهتهم، 

وبما أننى أحسست بالحقيقة فى ذاتى

فإننى قاومتهم دون أن أصاب بسوء، 

وأثناء المعركة صرخت: اتركوه يفعل.

أنا الوحيد العارى الدامى المجروح: أنا أفضل ذلك.

ليضربنى أعدائى كلهم وليكن مسموحًا لهم بفعل كل شىء.

فهم مهما يكن الأمر أعدائى الذين يتجهون صوبى

من أجل أن يهاجمونى فى هذا الدرب الضيق

الشمس على يسارهم والقمر على يمينهم

إنهم لم يستطيعوا إجبارى على التقهقر. هكذا

وبعد كفاحى مدة أربعين عامًا ها أنذا

قريب من وهدة القبر العميق

وأمامى الله وخلفى العالم.

أما أنتم يا من وضعتمونى موضع اختبار

مثل «هرامسة» الإغريق و«لاوى» العبريين

فقد عانيتم الألم، لكنكم ستشاهدون الشروق.

بعد الليل البارد، سترون الصبح يتفتح.

أيها الناس لا تشكوا فى هذا، فالذى جاد

بالسباع على خندق الجبل الشامخ

وباللؤلؤ على البحار وبالنجوم على الظلال، 

لقادر على منح قليل فرح إلى الإنسان الكالح، 

وأضاف قائلًا: آمنوا. تمنوا. طأطئوا الجباه، 

فالذين ليسوا أخيارًا ولا أشرارًا سيبقون

محاصرين بالسور الفاصل بين الجنة والنار، 

لأنهم قاتمو السواد عند الله وشديدو البياض عند اقتراف الجريمة.

إنه ليس هناك إنسان منزه عن ارتكاب الخطايا

فلا يستحق العقاب. حاولوا

وأنتم تصلون أن تجعلوا أجسادكم تلمس كلَ أنحاء الأرض

فالنار لن تحرق بأسرارها القدرية

غير الذين لم يمسوا الرماد، والله

بسط الأرض المظلمة وفتح سماء زرقاء.

كونوا كرماء. كونوا أتقياء. كونوا عادلين.

فى الأعالى هى الفواكه الخالصة سليلة الأشجار المهيبة

والجياد سُرُوجُها ذهبية، ولكى تـنأوا عن الآلهة السبع

فإن المدرعات الحية ليس فى أحشائها غير حمم صاعقة، 

كل حورية، صاحية مطمئنة سعيدة

تسكن مقصورة بنيت من جمانة مجوفة، 

أما جهنم فهى فى انتظار الأشقياء المدانين.

ينتعلون نعالًا نارية حرها

يغْلى رئوسهم غليان فرن.

بينما وجوه الصالحين رائعة ومعتزة بنفسها.

توقف متيحًا فرصة الكلام إلى الأمل.

ثم وهو يتابع سيره بخطىً بطيئة قال:

أيها الأحياء أقر للجميع بأن دُنُو الساعة التى

سأكون فيها ضيفًا على سكن آخر.

إذن عجلوا، فهذه هى اللحظة الموعودة

التى تسنح للذين فضحونى عن طريق الذين عرفونى

بأننى إذا ارتكبت خطأً فليبصقوا فى وجهى.

انفرط الجمع صامتين عند مروره

بلل لحيته بماء بئر «أبوفيلية».

طالبه رجل بثلاثة دراهم دفعها قائلًا:

خير لى أن أؤديها هنا من أن أؤديها فى القبر.

كانت عيون الحاضرين عذبة كما لو أنها عينا حمامة.

بكوا جميعًا لما رأوه بعد ذلك يدخل إلى بيته

كثير منهم لزموا المكان دون أن يغمض لهم جفن

قضوا الليل نائمين على الأرض

وفى الغد عندما طلع النهار

ذكر أبو بكر أن محمدًا لم يستطع أن يقوم من فراشه

وقال له: خذ المصحف وأقم الصلاة

تراجعت زوجته عائشة إلى الوراء

ومحمد ينصت إلى ترتيل أبى بكر

وكان غالبًا ما يخفض صوته عن نهاية الآية

شوهد محمد يبكى وأبو بكر يرتل بهذه الطريقة.

كان ملاك الموت عند المساء وراء الباب.

أهل طالبًا أن يسمح له بالدخول.

ليدخل، بدا نظر النبى يشع

بنفس الإشعاع الذى كان له يوم ميلاده.

فقال له الملاك: يريد الله حضورك.

قال النبى نعم. رعشة علت صدغيه

نفحة فتحت شفتيه ومات محمد.

ترجمة الشاعر السورى: عيسى حداد