الجمعة 29 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

فصول من رواية لـ«قوت القلوب الدمرداشية»

3 حكايات عن الحب والموت.. فصول من رواية لـ«قوت القلوب الدمرداشية»

حرف

- عَرَّفَ إبراهيم الشيخ مبروك للحاضرين فأقبلوا عليه يلثمون يده فى إجلالٍ وخشوعٍ

توطئة

ما إن يُسدِل الليل أستاره حتى يسود الهدوء والسكينة حياة الريف الصاخبة. فَتُقفِل الدَّوابُّ بخُطاها الوَئيدة عائدةً إلى حظائرها، ويَؤوب الفلاحون والفلاحات من حقولهم تملأ ضَحكاتهم الآفاق. ويتراكض الصِّبية خَلفهم، تتعالى صيحاتهم ويداعب بعضهم بَعضًا فى مرحٍ وصفاءٍ، وَيَترَدَّد صَدى الأغنيات الشَّجِيَّة مع آخر خيوط الشمس، قبل أن يلف الظلام الكون ويغشاه السُّكون. هُنالِك ترتعش أضواء الفوانيس الشاحبة من تحت أبواب البيوت المبنية من الطُّوب اللَّبِن، ويتحلّق القوم على مصاطبهم يَرقبون بزوغ القمر، ريثما يُداعِب الكرى أجفانهم. وكثيرًا ما كنت أغشى الريف، حيث أمتلك وأسرتى مساحاتٍ شاسِعةً من الأراضى الزراعية فى قلب دلتا النيل الخصبة. وفى لَيلةٍ من ليالى الصيف، طرَق بابى الحاج حسن، عُمدَة القرية المُسن، وكعادته معى، جلسنا فى هدوء الغَسق نرتَشِف الشاى، فانساب صوته يَقُصُّ عَلَىّ مأساة «ظريفة وأحمد»؛ تلك الحكاية التى امتزج فيها الحب بالموت فى أحضان الريف المصرى إبَّان الحرب العالمية الأولى. وإليك، قارئى، ما رَواه لى:

الحكاية الأولى.. ظـريفة

قوت القلوب مع زوجها مصطفى محمود مختار
قوت القلوب مع زوجها مصطفى محمود مختار

عائلةٌ بدويةٌ

لم تَكُن ظريفة ابنةً لوادى النيل، ولا نبتةً من نبت طينتنا. ورغم أن العديد من فتياتنا كنّ يرفلن فى أثواب الحُسن والجمال، إلا أن حُسن ظريفة كان ضَربًا من السِّحرِ الذى لا يُنسى. فقد كانت فى قوامها الممشوق المعتز بنفسه، وتقاسيمها الصافية، وعينيها اللتان تلمعان بالبريق، أشبه بغزالٍ نافرٍ يفيض حيويَّةً ورشاقةً. وما إن تقع العين عليها حتى تسرى فى النفس رعشةٌ كأنها شُعاع الشمس حين يَغمُر الصحراء بضيائه المبهر.

وذات يومٍ، فى سالف الزمان حين كُنتُ فى مِيعَةِ الصِّبَا، حطّت قافلةٌ من البدو رحالها فى قريتنا. فاستأذن المسافرون فى نَصب خيامهم، مُعلنين أنهم جاءوا من واحات الفيوم يقصدون الأسواق لبيع صغار إبلهم، وما عُرف عن رجال تلك الأصقاع إلا النبل والمروءة والبسالة. وبصفتى عُمدَةً للقرية آنذاك، هَشَشتُ لهم وبَشَشتُ فى وجوههم، وتسابق الأهالى فى إكرام وفادتهم وتلبية حوائجهم؛ فبسطنا لهم موائد الكرم الأصيل، وقدمنا لهم أطيب ما فى ضيافتنا، ومكثوا بين ظهرانينا ثلاثة أيامٍ قبل أن يواصلوا مسيرهم.

وما كاد أن ينقضى يومٌ على رحيل القافلة، حتى عاد أحد رجالها أدراجه، تصحبه زوجته، تعتلى كتفيها طفلةٌ صغيرةٌ. لم تكن تلك الصغيرة «ظريفة» قد جاوزت ربيعها الثانى، وكان والدها «عبداللطيف» رجلًا قليل الكلام، يفيض وجهه بصدقٍ يبعث الطمأنينة فى القلوب من فورها؛ وأفضى إلينا بأنه قد عقد العزم على فراق القافلة ومفارقة إخوته، وعاد إلينا يحدوه الأمل فى أن يبنى لنفسه ولأسرته حياةً جديدة فى كنفنا، مؤكدًا لى أنه لم يأتِ فارًا من خطيئةٍ، فما هو باللص ولا بسافك الدماء.

ولما كانت مواسم جنى القطن قد أظلتنا، يسّرتُ له سبيلًا للعمل فى الحقول. وسرعان ما أثبت الرجل أنه سواعد لا تعرف الكَلل، وروحٌ تفيضُ بالنيات الحسان. وبذلك تبددت سحائب الشك التى طافت حول دوافع هجره لعشيرته. بنى لنفسه بيتًا صغيرًا مُتواضعًا فى قريتنا، ولطالما امتدت يده بالعون لكل مُحتاجٍ، فما لبث أن ذاب فى نسيجنا وصار واحدًا منا. ولم نقف يومًا على السِّرِّ الذى صَرَفه عن قومه، ولم يسأله أحدٌ قط. غير أن الجميع أدركوا، بوجدانهم، أن إعراضه عن ماضيه كان يُخَبِّئُ بين طياته حُزنًا دفينًا وَأَسًى عَمِيقًا.

ومع انقضاء ساعات الكدح والنصب، كان القوم يتحلّقون حول وهج النار يتناولون كئوس الشاى. فكان عبداللطيف يَفِيضُ علينا بحديثه عن موطنه الأصلى «الفيوم»، فيأخذ بمجامع قلوبنا وهو يصف لنا تلك البلاد الغامضة بما يجعلنا نغرق فى أحلام اليقظة. وكانت ترتسم فى عينيه نظرةٌ شاردةٌ تنم عن حنينٍ جارفٍ وهو يرسم لنا معالم موطنه القديم. كان يتحدث بصوتٍ رخيمٍ خفيضٍ عن فيض مياهها، وجداولها المنحدرة المنسابة، وحقولها الخضراء الوارفة النضرة. ويصف لنا تلك التلال التى تكللها أشجار الزيتون الوارفة، وكروم العنب التى تحف ببحيرةٍ خضراءٍ واسعةٍ كأنها البحر، تمخُر عبابها القوارب الشراعية فى سكونٍ كأنها طيورٌ بيضاء عملاقةٌ.

أما إذا انتقل بحديثه عن الصحراء المترامية، فقد كان بريق عينيه يزداد اتقادًا، ويتهدج صوته بحيويةٍ دافقةٍ. لقد قضى زهرة شبابه هناك، يرعى الإبل والغنم فى تلك الفيافى. حيث كانت أنعامه تصارع من أجل البقاء، وتزاحم الأرانب والظباء البرية فى طلب الرزق، تقتات جميعًا على أوراق شجر الأكاسيا الشائكة. وكان يُبهرنا بقصصه عن ذكاء البدو وفراستهم، وكيف يميز الرجل منهم أثر أقدام ناقته من بين آلاف الإبل الأخرى مهما نأت بها الديار. وكان يحكى لنا كيف تَشرد الإبل أحيانًا حتى تبلغ تخوم الصحراء الغربية عند مشارف «ليبيا»، فيضطر الرعاة إلى اقتفاء أثرها وملاحقتها؛ وفى إحدى تلك الرحلات البعيدة، التقى عبداللطيف بأم ظريفة وعقد قرانه عليها.

بينما نحن- معشر الفلاحين البؤساء- لم تطأ أقدامنا أرضًا خارج قريتنا فى الدلتا، ولم تقع أبصارنا على أبعد من ضفاف نيلنا. فكنا ننصت لحكاياته ونحن مأخوذون بسحر قوله، ونتخيل أن تلك الأساطير والحكايات القديمة التى نشأنا عليها لم تقع أحداثها إلا فى تلك الأصقاع الغامضة. وبالرغم من أن أرضنا خصبةٌ معطاءة، إلا أن حياتنا بدت باهتةً ضئيلةً أمام تلك الحياة الحافلة بالمغامرات التى كان يصفها جارنا الجديد. ولطالما تساءلنا فى نجوانا: ما الذى حمله على الزُهد فى تلك الحرية وتلك العجائب ليرضى بالاستقرار فى كنفنا؟ 

بيد أنه استطاع أن يتآلف مع عيشتنا بيُسرٍ وسهولةٍ، ورُزق بأربعة أبناءٍ آخرين، شبوا مع أبنائنا، وشاركوهم ألعابهم، ثم عملوا معهم جنبًا إلى جنبٍ. أما ظريفة- كبرى بناته- فقد استبدت بقلوب الجميع بجمالها الآسر ودلالها الفاتن. حتى بات كل شباب القرية صرعى فى حُبها، هائمين فى هواها ومفتونين بها.

أحمد عبده

كان أحمد عبده رفيق ظريفة الأول فى فجر صباها. وقد نَصّب هذا الفتى- ابن الدلتا- نفسه فارسًا يَذود عن حمى هذه «الأميرة الصحراوية»، فكان دومًا على أهبة الاستعداد ليدرأ عنها أذى الصبية وعبثهم. وفى أوان نضوج التوت، كان يتسلق الأغصان المثقلة ليملأ منديله بالثمر اليانع لأجلها. وإذا ما ظفر بشىءٍ من طيبات الطعام؛ سواءٌ أكان كوز ذرةٍ مشوى، أم حفنةً من القمح المحمص على النار، أم كعكة «شعيرٍ» حلوة، لم تكن نفسه لتهنأ بها حتى يدخر لها شَيئًا منه. وكانا يمضيان يدًا بيدٍ إلى حقول البرسيم، أو يجلسان معًا فى المراعى تحت ظلال شجرة أكاسيا، يتبادلان الأحاديث التى لا تنقطع، ويقتسمان ما معهما فى غبطةٍ وصفاءٍ.

ولطالما كانا يلعبان دور الصيادين؛ فيستلقيان على بطونهما فوق الثرى يرقبان الحشرات المختبئة بين الأعشاب. فإذا ما أبصرا جُندبًا قد تخفى بلون الخضرة حوله، تعالت صيحاتهما فرحًا، ثم ينسلان فى حَذرٍ ليقبضا عليه بكفوفهما، ويضحكان إذا ما تلوى الكائن الضعيف بين أصابعهما. وكانا يتقاذفان ذلك المخلوق المسكين وسط سربٍ من البعوض كأنه جواد حربٍ باسلٍ. حتى إذا ما استبد به العجز، قذفا به فى قناة الرى بقسوةٍ لا يعرفها إلا الأطفال، يرقبان فى مرحٍ كيف يُصارع التيار الذى سيمضى به إلى حتفه.

ولما بلغت ظريفة العاشرة من عُمرها أو قريبًا منها، بدأت تمارس دلالها الأنثوى على أحمد، فتتظاهر بالصد والامتناع. فأعرضت عن مرافقته إلى الحقول كما كانت تفعل فى السابق، وآثرت صحبة أترابها من الفتيات، فكنّ يقلدن أمهاتهن فى خبز فطائرٍ من الطين. وكنساءٍ ناضجاتٍ، كنّ يغنين أغنياتٍ تفيض بالدلال يداعبن بها الصبية الواقفين يرقبونهن، كنّ يغنين أن الرجال لا يساوون نُقارةً من الطين العالق بين أصابعهن؛ وهى أغنياتٌ كانت تشى فى ذلك الحين ببوادر الحب والفتنة، وتتحدث عن الإغواء.

كان أحمد عبده يتجرع مرارة هذا الدلال فى صمتٍ، وتأكله الغيرة إذا ما أُقصى عن المشاركة فى ألعابها، لكنه ظل يطوف حول حماها. فقد سحرته ظريفة بصوتها الذى كان يراه أعذب من أصوات رفيقاتها جميعًا. وأحيانًا كان يضيق ذرعًا بصدها، وينفد صبره، فيقتحم حلقتهن ويجذب ظريفة من يدها لتمضى معه وتجلس بجواره على ضفة القناة. وهناك، كان يقطف لها أعواد عُشب «الفلايا» التى تنمو على ضفاف الماء، فيتجاذبان أطراف الحديث وهم يمتصون رحيق هذا العُشب الحلو.

ومع حلول شهر سبتمبر، تَخرُج القرية قاطبةً- كِبارًا وصِغارًا- لجنى القطن. فكان أحمد وظريفة يحيلان الكدح إلى لَعِبٍ، إذ كان الأهل يسمحون لهما بالعمل- قطف القطن- جنبًا إلى جنبٍ لعلمهم أن التنافس سيشحذ همتيهما. كانت ظريفة ترمق أحمد بعينيها، وكانت أصابعها أخف من أصابعه وأسرع، فكثيرًا ما غلبته. وربما لجأت إلى الحيلة لتسبقه إلى نهاية الصف، فتترك خلفها بعض الأغصان دون جنى تامٍّ، فكان أحمد يهرع لمداراتها وجنى ما تركته، ليدفع عنها لوم وتوبيخ الغَفَّال.

وفى أحيانٍ أخرى، إبان انشغال الغَفَّال عن العمال، كانت الغيرة تأكل قلوب الصبية تجاه ظريفة، فيرمونها بجوزات القطن. فكان أحمد يهرع للذود عنها، يتملكه الخوف أن تخدش بذور القطن الصلبة رقتها، فيجعل من جسده ترسًا يقيها الأذى وهو يزجر المعتدين. وكم ذاق أحمد وخز عصا الغَفَّال فوق كتفيه حين كانت تشرد به أحلامه فى ظريفة، أو حين يطول به الوجد وهو يرقب حركاتها الرشيقة التى تأخذ بمجامع قلبه. فكان يلحظها وهى تمضى بين صفوف الزرع، وتنحنى لتملأ حجرها وَجُبَّتَها بجوزات القطن، بينما تُرفرف طرحتها السوداء خلفها كأنها جناح طائرٍ يُحلّق فى الأفق. وقد سَحره غناؤها أيما سِحرٍ، بل إن صوتها الرخيم كان يبعث الغبطة والسرور فى نفوس الكادحين من حولها.

ومع تَدَرُّجِها فى مَدارِج الصبا وَالنُّضُوجِ، غَدَت عيناها تفيضان بريقًا واتقادًا، واكتمل قوامها وأخذ ثدياها يمتلأن ويستديران، وحلمتاها الصغيرتان يُبرِزانِ كحبات الكريز من تحت ردائها. كانت تمشى ممتشقة القامة، يتمايل جسدها كما يتمايل الغصن النضير، وبدأت مشيتها تُحاكى مشية الكواعب من رفيقاتها. وكانت تَخضبُ كفيها بالحناء، وتَفرُك عقبيها لتجعلهما يلمعان ببريقٍ ساحرٍ، فتنةً وجاذبيةً. وكثيرًا ما كانت، حين تخلو إلى نفسها، تُخرِج مرآةً صغيرةً من جيبها لتتملى فى محاسن وجهها الفتان. وتستعين بكحل أمها لترسم به جفونها، فتزداد عيناها اتساعًا وجمالًا. فكانت نظراتها ناعمةً وادعةً كنظرات الغزال، وكانت تُدرك تمام الإدراك أنها جميلةٌ وأصبحت آيةً فى الحُسن، وأنها قد بلغت مبلغ النساء وهى لما تتجاوز ربيعها الثانى عشر.

الرواية عن دار سما<br>ترجمة بهاء الحسينى
الرواية عن دار سما
ترجمة بهاء الحسينى

مناجاة فى الحقول

مع تباشير فجر اليوم التالى، شدَّت القافلة رحالها تؤم الديار. وكان أحمد يستحث الخُطى ويستعجل الأيام ليعود إلى قريته، فقد عقد العزم على أن يُرسل والده «إبراهيم» إلى «عبداللطيف» يطلب يد ظريفة. فامتثل والده لرجائه، ولكن «عبداللطيف» رَدَّهُ رَدًا جميلًا مُعتذرًا بأن أحمد لا يزال فى مقتبل العمر ولم يبلغ بعد مبلغ الرجال. والحق أن الرجل لم يكن راضيًا عن هذه المصاهرة، فقد كان يرى فى ابنته من الفتنة والجمال ما يجعلها تسمو عن الاقتران بفتى متواضع الحال مثل أحمد، فأضمر فى نفسه أن يماطل ويُسوّف، لعل الأيام تأتيه بخاطبٍ أكثر ثراءً وجاهًا. ومع ذلك، لم ينقطع الوصال بين الحبيبين، فكان الكدح فى الحقول يجمعهما يومًا بعد يومٍ.

فى الشتاء الذى تلا رحلتهم إلى طنطا، خرج أهل القرية لجنى البرتقال فى بساتين «الباشا»، أكبر مُلّاك الأراضى فى تلك الناحية. فكانت النسوة والصبايا يقطفن الثمار، والرجال والصبية يودعونها فى الصناديق الخشبية. وكان أحمد عبده يجلس القرفصاء فى باحةٍ فسيحةٍ عند مدخل البستان، يعمل فى صمتٍ وسكونٍ. وكان يرى من خلال الأشجار، وتحت أديم السماء الزرقاء الصافية، أشرعةً بيضاء شاهقةً تنساب فى هدوءٍ. ولما كانت القناة والسفن متواريةً خلف كثافة الأفنان، بدت تلك الأشرعة كأنها مناصل محاريث عملاقةٌ تمخر عباب الثرى.

وكانت خيالات النساء ببرادعهن السوداء تَظهَر وتختفى بين صفوف الشجر، فتتعالى أصواتُهُنَّ تارةً بالنداء وتارةً بالضحك، ينشُدنَ المواويل أو يرتجلن الشِّعرَ لمداعبة الرجال. وكانت أصداء الغناء تتردد فى الأجواء كما يتردد أريج زهر البرتقال المسكر، تطفو حينًا ثم لا تلبث أن تتلاشى فى الفضاء.

وبين الحين والآخر كانت ظريفة تخرج من البستان تحمل فوق رأسها سلة البرتقال، تطأ الأرض بقدميها العاريتين فى خفةٍ ورشاقةٍ كأنها لا تلمس الثرى. كان قوامها قد اشتد عُوده واكتملت أنوثته، فاستدار ثَدياها وضَاقَ بهما صدر ثوبها الأسود. وكانت كلما رمت أحمد بنظرةٍ، ارتجفت أجفانُها من فَرطِ الغبطة، وافتر ثغرها عن ابتسامةٍ تَفِيضُ عُذوبةً وهناءً. فكانت تقف بجانبه، وتضع حملها عن رأسها فى دلالٍ، ثم تحتضن السلة بذراعيها الممتلئتين وتميل بها، فتتدحرج حبات البرتقال فوق الأرض؛ منها ما احمرّ وجهه ومنها ما تذهّب، كأنها كراتٌ من العقيق والذهب. ثم لا تلبث أن تواريها الجموع فى لمح البصر، فيبقى أحمد يتلفت خلفها، وقد غلبه الشوق ويريد أن يصرخ بأعلى صوته معلنًا حبه لها. ولن أنسى أبدًا ذلك الشَّدو العَفوىّ الذى نطق به لسانه، ولا رَدَّ ظريفة عليه.. لقد غنّى أحمد قائلًا:

يا غزالًا ماسَ فى بُرتُقَالٍ

وتثنّى دلالًا بين الظلالِ

يا جَمالًا فى زوايا الرَّوضِ يلهو

ساحرَ الفتنةِ عند الآصالِ

أنتِ أبهى من ضُحى الشمسِ سناءً

فوقَ نيلٍ زانَ عذبَ السَّلْسَالِ

ولِحاظٌ منكِ كالنَّدوى تَهادى

فَلثَمْنَ «البرسيمَ» عند اشتعالِ

إنَّ قلبى يَرعَ عهدَكِ حُبًا

ويصونُ الودَّ فى كلِّ حـالِ

ليتَ أُذنى لا تَعى قولَ حبٍّ

غيرَ نجواكِ ففيها مآلِ

وإِذا عينى لغيركِ يومـًا

أومَأتْ، فليغشَها ليلُ الوبالِ

ضجَّ رفاقُ أحمد بالاستحسان لارتجاله، ولِمَا جادَت به قريحتُهُ من ذلك الشَّدو العفوىّ، وهنالك، ومن بين كَثافة الأغصانِ، انطلقَ صوتُ ظريفة ينسابُ بهذا الرد قائلةً:

فُؤادى لَكَ يَا فَتَى الحُسْنِ مَالِ

بَيْنَ “«نارِنْجٍ» شِتَائِىّ الظِّلالِ

تَهادى فى جُلوسِكَ مِثْلَ غُصْنٍ

رَقيقِ المَيْسِ مَحفوفِ الجَمَالِ

لَكَ لَحْنٌ يَمَسُّ الروحَ مَسًا

رَفيقًا، طَابَ فِى عَذْبِ المَقَالِ

يُبَرِّدُ غُلّةَ الوجدانِ شَدوًا

كَبَرْدِ الرِّيحِ فِى حَرِّ الرِّمَالِ

لَعَمْرِى لَوْ صَمَتَّ عَنِ احتِوائى

لَغَاضَ القَوْلُ فى بَحْرِ الوَبَالِ

وَلَخَرِسَ اللِّسَانُ فَلا يَنِمُّ

بِحَرْفٍ، بَلْ سَيَرْسُو فى اعْتِزَالِ

فَصُنْ عَيْنَيْكَ بِالرّحمنِ دَوْمًا

فَإنْ نَأَتَا عَنِ الوَجْهِ المُنَالِ

لَخَدَشْتُ الخَدّ مِنْ وَجَعٍ وَقَهْرٍ

وَسَأَلْتُ المَوْتَ صَبًا فى ارْتِحَالِ

فَمَا طِيبُ الحَيَاةِ إذا تَوَلّى

حَبيبى، أوْ نأى طَيْفُ الخَيَالِ

لم تكن صروف العمل وحدها هى التى تجمع بين أحمد وظريفة، بل كانت تجمعهُما كذلك أيام الأعياد ومواسم الأفراح. ففى يوم «شم النسيم»، مع تباشير الربيع الأولى، كان القرويون يهجرون حقولهم ليمضوا إلى الأجران، يستقبلون الفصل الجديد بالغناء والرقص. وما هى إلا أسابيعُ معدوداتٌ حتى تراهم يطوفون مع دوابهم فوق «النُّورَجِ»، يستخرجون حبات القمح الوازنة من أكمامِها، مستعينين بشفرات تلك الآلة الحادة والمستديرة.

ومع شروق الشمس فى يوم رَبِيعىٍّ وادعٍ، تحلّق القوم فى دائرةٍ يرقبون ملاحم «التحطيب» بين الرجال؛ فكان المتبارزان يقفان وجهًا لوجهٍ فى وقارٍ وجلالٍ، والعُصى مرفوعةٌ فوق الرءوس، تتمايل أجسادهم فى مرونةٍ وبراعةٍ عفويةٍ، حتى يلمس أحد المتنافسين صاحبه. وهنالك ينسحب المغلوب فى صمتٍ، ليفسح المجال لمنافسٍ جديدٍ. وكان يرافق ذلك الرقص عزف ثلاثةٍ من المزامير مع ضربات الدُّفِّ؛ فكانت المزامير ترسل ألحانًا شَجِيَّةً تودع المغلوب، ثم تنقلب إلى ألحانٍ مُبهجةٍ تحيةً للمنتصر.

وقفت ظريفة وصويحباتُها يَرقبن هذا المشهد فى طريق عودتهنَّ من القناة، وقد استقرت فوق رءوسهن الجرار التى يلمع بللها وقد علقت بها حشائش النيل. وهنالك تجلى أحمد عبده فى حلبة التحطيب، فأتى من فنون المهارة والبراعة ما أدهش الناظرين، فضجت الجموع بالهتاف إعجابًا بما أبدعه من حركاتٍ قبل أن يُغادر الحلقة لينضم إلى رفاقه. وبالرغم من نظرات الإعجاب التى كانت تلاحقه من كل جانبٍ، لم تكن عينا أحمد تبصران غير ظريفة، التى جعلت نظرتها الخجول قلبه يضطرب بين جوانحه، فحث رفاقه على إنشاد موالٍ، تحيةً وإِجلَالًا لتلك الفتيات:

أَيَا حِسَانَ السُّمْرِ... يَا طِيبَ العُمْرِ

أَيَا حِسَانَ السُّمْرِ... يَا سِرَّ السِّحْرِ

لا تَنْظُرنَ لِمَا حَبَتْ سُلْطَانَةً

تِلْكَ الْخَصْلَاتُ الَّتِى مِثْلُ التِّبْرِ

وَبَيَاضُ بَشْرَتِها، فَلا تَرْغَبْنَهُ

فَالزَّيْنُ كُلُّ الزَّيْنِ فِى هَذَا السُّمْرِ

ضَوْءُ المَلِيكَةِ عِنْدَ سِحْرِ جَمَالِكُنَّ

يَخْبُو وَيَذْوى مِثْلَ ضَوْءِ الفَجْرِ

بَلْ تِلْكَ فِى حَضَرَاتِكُنَّ وَصِيفَةٌ

تَمْشِى الهُوَيْنَا فِى جَلَالِ القَدْرِ

أَيَا حِسَانَ السُّمْرِ... هَلْ مِنْ مَسْمَعٍ

لِنَشِيدِ حُبٍّ صِيغَ بَيْنَ السَّطْرِ؟

وَلْتَفْتَحْنَ القَلْبَ رِقَّةَ عَاطِفٍ

لِنَجْوَى الهَوَى، وَلِبَوْحِ عاتِى الصَّدْرِ

فأجابت ظريفة وصديقاتُها فى نغمةٍ واحدةٍ مُتسقةٍ:

أَيَا مَعْشَرَ الفِتْيَانِ... يَا مَنْ شَدْوُكُمْ

نَادَى بِرَحْبِ الشَّوْقِ وَالبِشْرِ

أَنْتُمْ نَخِيلٌ بَاسِقٌ فى مَجْدِهِ

مَحْضُ الشُّموخِ وَقُوَّةُ الظَّهْرِ

وَنَحْنُ رَيْحَانُ البِلادِ وَزَهْرُهَا

نُصْغِى لِهَذَا اللَّحْنِ كالسِّحْرِ

نَحْنُ العَصَافِيرُ الَّتِى فِى كَنْفِكُمْ

تَأْوِى لِظِلِّ الوَارِفِ النَّضْرِ

فِى سَعْفِكُمْ نَجِدُ الأَمَانَ وَنَسْتَقِى

عِزًا يَدُومُ عَلَى مَدَى الدَّهْرِ

ومع غروب الشمس، تلاشت تلك الأصوات فى الفضاء، وانقضت الاحتفالات بذهاب ضوئها، فوضع الفتية عُصى التحطيب، ومضت الفتيات يتهادين إلى دورهن ليشرعن فى شئونهن المسائية

مولد السيد البدوى

فى العام الذى بلغت فيه ظريفة الثانية عشرة من عُمرها، تيسر لها هى وأحمد عبده حضور «المولد»؛ وهو الاحتفال بذكرى ميلاد القطب الصوفى الجليل السيد البدوى. فقد انطلقت قافلةٌ تضم نحو عشرين جَملًا، تحمل أهالى القرية إلى «طنطا» حيث تُرفع الزينات وتُقام الاحتفالات. وكانت أعنة الإبل وسروجها مُزدانة بزخارف فاخرةٍ وخرزٍ ملونٍ، وشراباتٍ زاهيةٍ، وارتدى الزوار والحجاج أحسن ما عندهم من ثيابٍ. 

انطلقت القافلة عند بزوغ الفجر، يودعها من تَخلَّف عن الرحيل بالدعوات بأن يكتب الله لهم السلامة، مستحلفين إياهم أن يعودوا وهم يحملون «النفحات»- سبحٍ وقماشٍ وحمصٍ وحلوياتٍ ومُعجناتٍ- مما اشتهر به ذلك المولد.

وكان أحمد عبده يحرص أن يكون جَمَلهُ خلف جَمَلَ ظريفة ووالدها مباشرةً. وكانت هى تلتفت إليه بين الفينة والأخرى، فيجيبها بابتسامةٍ دافئةٍ تفيض ودًا. مضت الإبل فى صفٍ واحدٍ على الطريق الواسع المحفوف بالأشجار، والمحاذى للقناة، تمر بالحقول الجرداء التى لم يبقَ فيها سوى بقايا الحصاد. وكما هى عادة الحُجّاجِ والزوار فى تلك المحافل، انطلق القرويون بالأناشيد والمدائح الجماعية. وأحيانًا كانَ يَرتفِعُ صوتٌ مُنفرِدٌ، فَتردُّ عليه الجماعةُ فى نَسقٍ وَصوتٍ وَاحدٍ. أما أحمد عبده فقد كان غارقًا فى أحلامه، تملأه الرعشة وهو يميز صوت ظريفة من بين الأصوات. وكان ينصت إليها فى وَجدٍ، مُتخيلًا أنها تبعث إليه برسائل سريةٍ من خلال كلمات الأغنية:

أوه! يا سيدى البدوى جُد علىّ بلقائهِ

واجعل جليسى مَن هويتُ المُقَرَّبِ

ولكَ نذرُ شمعتينِ أُنيرُهما

فى رَحْابِ رَوضِكَ يا زكىَّ المَناقبِ

إنَّ لصوتِ الحبيبِ بمسمعى لَحلاوةٌ

فاقَت مذاقَ الشَّهدِ عِندَ الشاربِ

وعيناه لَمَسَت فؤادى رِقَّةً

كالبدرِ يَسرى فى الظلامِ الناصبِ

لحَظاتُه مِثلُ الشُّعاعِ إذا بَدا

يُذكى السحابَ بنارهِ كالثاقبِ

إنَّ فى حضرتهِ أُنسٌ يفيضُ مَسرةً

ويُفيقُ قلبى من سُباتٍ واصبِ

كالشمـسِ إذ بَعَثَت لِيومٍ نُورَها

تُحيى البسيطةَ بالضِّياءِ الواهبِ

وقعت أغنية الصبية من نفس والدها موقع الغرابة، فسألها فى عجبٍ من أين اقتبست هذا القول، فأجابته فى دلالٍ وعينها تلمع بالمكر: «إنما هو بعض ما تردده الألسنة فى أرجاء القرية».

وفى تمام الساعة الخامسة من أصيل ذلك اليوم، بلغت القافلة مشارف المدينة، فإذا بنا حيال أولى لياليها. يومئذٍ كانت «طنطا» بحرًا يموج بالزائرين، وتَعجّ بالحجاج، وغصّت شوارعها بخلائق من شتى الهيئات؛ فهؤلاء رجال قد اعتمروا الطرابيش، وأولئك قد تعمموا بالعمائم. وترى الفلاحين قد ارتدوا من الجلاليب أجددها وأزهاها لونًا، بينما اتشحت الفلاحات بالسواد، تُداعب الريح بَراقِعهُنَّ فى خفةٍ ورقةٍ. أما الصبايا والعوايد، فقد تزيّنّ بشالاتٍ من «القطيفة» الحمراء والصفراء فوق أثوابهن الزاهية، بينما المشايخ كانوا يرفلون فى أرديتهم المهيبة وعمائمهم التى لُفّت فى إتقانٍ وجلالٍ. لقد هبّ القوم من كل فَجٍّ عميقٍ فى الريف المجاور، ليحتفوا بذكرى ولىّ الله، ويحظوا بزيارة مسجد السيد البدوى.

ونُصبت الخيام للزائرين فى الساحة الكبرى، فصُفّت المقاعد للأعيان والوجهاء، بينما افترش عامة الخلق الثرى. وكان يعلو فى الجو صوت خفق القماش كلما عصفت به الريح. وفى زوايا منزويةٍ، اتخذ الفقراء من الخرق والبطاطيم المتهالكة مآوى لهم، وكان من بين هؤلاء ظريفة وأحمد عبده ورفاقهما.

وكانت رائحة الشواء الشهية تنبعث من كل جانبٍ، فتجمّع الصبية الجُوعَى حول موائد الطعام يرجون نوال لُقمةٍ سائِغةٍ. أما أحمد وظريفة فقد انطلقا يدًا بيدٍ يستكشفان معالم المولد فى دهشةٍ وحبورٍ؛ يرقبان الصبية وهم يتعالون بصيحاتهم فوق «السواقى» الدوارة، واستمعا لصرخات أترابهما فى المراجيح التى تتهادى كالسفن. وعجبا لأولئك الراقصين الذين يتلاعبون بالكراسى فوق جباههم، وأخذا يجيلان الطرف فى البضائع المعروضة فى الحوانيت المُزَيَّنة؛ يا للروعة، مَشهدٌ يأخذ بالألباب! فوانيس ولعبٌ وأثوابٌ حسنةٌ، وكعكٌ وحلوياتٌ يشتهيها الناظر. وسمعا نداء «السقاء» وهو يقرع صاجاته، معلنًا عن فضائل مشروبه المرطب الذى يطفئ غلة الظمأ، فابتاعا منه بقرشٍ واحدٍ قدحًا من «عرق السوس» يقتسمانه فى غبطةٍ، كما اقتسما قطعةً من كعك الشهد والعسل، ابتاعاها من خبازٍ بدينٍ دعا لهما بطول العمر والهناء، وتمنى لهما مستقبلًا مليئًا بالصحة والسعادة. وهنالك، سرت فى جسد أحمد رعشةٌ دافئةٌ، خُيّل إليه معها أنه يتطعم برد ريق ظريفة فى ثنايا الكعك.

وعندما جنّ الليل، عادت ظريفة إلى خيمة والدها مُرتديةً قلادةً جديدةً من الخرز الأزرق، وأظهرت منديلًا حريريًا اشتراه لها أحمد عبده، فهنأها الجميع. لم يكن الحب الذى يجمع بين قلبى هذين الشابين سرًا خفيًا، بل كان عطاء أحمد لها بمثابة ميثاقٍ غليظٍ، وعهدٍ وثيقٍ، تأكيدًا على ارتباطهما، استبشر به الجميع، وتطلعوا بشوقٍ إلى ذلك اليوم الذى تَزُف فيه القرية أحمد إلى ظريفة.

ولما انبلج صباح اليوم التالى، انطلقت زرافاتُ المحتفلين فى موكبٍ مَهيبٍ إجلالًا لولِىّ الله، وكان ذلك الموكب هو غُرَّة الاحتفالات وتاج المحافل. فتعالت الأصوات وتجاوبت الأرجاء بالضجيج، وعزّ على القوم أن يرى بينهم فى ذلك اليوم كئيبًا أو منقبض الصدر، بل خلع الجميع عذار الوقار، حتى إن الرزيناتِ من النساء والمخدراتِ من العذارى كُنّ يطلقن زغاريد الابتهاج كلما مر الموكب حذاء دورهن. وقد ترقبت عائلاتٌ كثيرةٌ هذا اليوم المبارك لتعقد فيه قرانًا أو تحتفل بختان وليدٍ، تيمنًا ببركته.

وسط تلك الغبطة الغامرة، أحسّ أحمد عبده بغصةٍ غريبةٍ تساورُ نفسه، وسرى إليه حزنٌ غامضٌ لم يدرِ له سببًا. فذلك الضجيج الذى كان يملأ نفسه نشوةً بالأمس، غدا اليوم حملًا ثقيلًا ينوء به صدره، وتاقت روحه إلى العودة إلى قريته الهادئة، حيث السكينة فى حقولها الوادعة. كان يرجو لو يختلى بظريفة بعيدًا عن هذا الصخب المتلاطم، وقد داخله الروع وهو يراها بين هذا الحشد من الغرباء. أما ظريفة فقد كانت ترقب فى انبهارٍ ما عُرض فى الحوانيت من نفائس، وتنصت ببريق عينيها لنداءات الباعة، ثم تلتفت إليه فتمسح على جبينه لتبدد ما علق به من كدرٍ. وكشأن النساء إذا ما استبدّ بهن الوَجدُ، راحت تطمئنه قائلةً: «سنظلّ سُعداء دائمًا يا أحمد ما دام الحب يجمع بين قلبينا». ثم أخذت بيده، وانضما إلى جموع الزائرين الواقفين أمام مسجد التلميذ الأثير لدى السيد البدوى. وهناك، استمعوا إلى القصاصين وهم يروون سيرة الشيخ الجليل وتلميذه الوفىّ. ولما خرج من المسجد شيخٌ جليلٌ يتصدر الموكب، لم يتمالك أحمد وظريفة نفسيهما من الضحك وهما يرقبان مشيته الوئيدة، فقد أثقل كاهله بُردٌ مُزركشٌ قيل إنه كان يخص السيد البدوى نفسه. وكان الناس يتناجون فيما بينهم بأن روح الولِىّ قد حلّت بجسد هذا الشيخ، الذى كان يتهادى فى خُطاه وقد علاه الشحوب، فبدا وكأنه الولِىّ «السيد البدوى» نفسه، وكأنما أوفى عمره على المئة عامٍ!

أحاط الحُجاج بالشيخ من كل جانبٍ، وأخذوا يتمسحون ببرده طلبًا للبركة ونيل الأمانى؛ فالمريض يرجو الشفاء، والفقير يطلب الغنى، والعقيم والعاقر يبتهلان أن يرزقهما الله بالولد، والمحب يتضرع أن يجمعه القدر بحبيبه؛ فكلٌّ يبتغى من الله العافية والهناء. وقد حاولت ظريفة وأحمد أن يظفرا بلمسةٍ من ذلك البرد، لكن الحشود المتلاطمة حالت بينهما وبين ما يرجوان. فرأى الفتى فى هذا الإخفاق نذير شؤمٍ وطالع نحسٍ، وتوجَّس خِيفةً مما يخبئه القدر.

ولما انقضى الموكب، رُفع الشيخ فوق صهوة جوادٍ، وأُقيمت تمثيليةٌ شعبيةٌ تحكى سيرة السيد البدوى؛ فترى رجالًا قد ارتدوا ثياب النساء ليحاكوا العجائز اللَّاتِى كُنّ فى خدمة الولى، وآخرين فى ثيابٍ رثةٍ ملونةٍ يمثلون صحابته الذين أنهكتهم الحروب، وآخرين قُيدوا بالأغلال فى مسوحٍ من الخيش، تغل أعناقهم أطواق الحديد، وكأنهم أسرى حربٍ. وكان أهل المدينة وتجارها يرفعون أصواتهم بالحمد لوليهم وشفيعهم الصالح، سائلين إياه أن يديم عليهم نعمة الرزق والرخاء، حين كان الطلاب يلهجون بالشكر لما أولاهم لهم من عونٍ فى دراستهم. حتى الغوانى والراقصات، ذوات الوجوه المُزيّنة بألوانٍ فاقعةٍ، شاركن فى هذا الموكب والمحفل وهن يهززن الدفوف ويحملن فوق رءوسهن صوانى القربان.

ولما استبد الهوس بالنفوس، وغلب الوَجد على العقول فى ذلك المشهد الحاشد، أخذ أحمد بيد ظريفة وجذبها بعيدًا عن لَجَبِ الجموع، فمضيا يطويان سككًا خاليةً حتى أفضت بهما المسالك إلى ضفة القناة. وهنالك، وبينما كان أحمد يشير بيده إلى مقعدٍ يستريحان فوقه، انطلقت من صدر ظريفة صرخة ذُعرٍ مُفاجئةً؛ فقد تلمست جَيبها فلم تجد منديل الحرير الذى أهداها إياه، فإذا به قد ضاع منها وسط الزحام. أجهشت الفتاة بالبكاء، فراح أحمد يواسيها فى رفقٍ ويخفف من روعها قائلًا إن الخطب يَسِيرٌ والأمر هَيِّنٌ، ولكنها أبت، ولم تقتنع، فظلت تهز رأسها وعبراتها تنحدر على وجنتيها مِدرارًا؛ فقد كانت تُدرِكُ فى قرارة نفسها ما ينطوى عليه ضياع المنديل من نذير شؤمٍ، ولم يكن أحمد بأقل منها تَطيُّرًا، فقد رأى فى ذلك الحادث طالع نحسٍ يترصد حبهما، فرمقها بنظرةٍ ملؤها الوجل وهو يتساءل فى نجواه عما يخبئه لهما القدر فى طياته المجهولة.

.. ومع مربيتها

مبروك الجبلى

بعد فترةٍ، بدأ عبداللطيف يَضيقُ ذَرعًا بما يُبديه أحمد عبده من لجاجٍ فى خطبة ابنته وما يُظهره من كلفٍ بها، فأخبر الفتى أن تلك اللقاءات المتواترة يجب أن تنتهى، فما عادوا أطفالًا يرتعون فى براءة الصبا، وطفق يرقب غدو ابنتيه ورواحهما بعين الرقيب الحذر.

أما أحمد عبده، فقد غَشِيته سحابةٌ من اليأس، وعاف الطعام وهجره الكرى، حتى ذبل عوده وشحب لونه، وكأنما سَرَى فى جسده دَاءٌ لا بُرءَ منه. فضاق أهله به ذَرعًا وأخذوا يلحون عليه بالشكوى، إذ بات يقضى يومه مُتسكعًا لا يلوى على شىءٍ، قاعدًا عن العمل والكدحِ، فساءت حالتهم المادية، واحتاجوا إلى كَسبه ليعينهم على نوائب الدهر، حتى إنهم اضطروا للتخلى عما ألفوه من تناول لحم الضأن المشوى الذى كانوا يأكلونه كل ثلاثاءٍ. ولم يكن فى الدار من يَشعر بمرارة وَجدِه ويُدرك كُنهَ آلامه إلا والِدُه.

وفى أحد الأيام، عزم إبراهيم على زيارة عبداللطيف للتوسط لولده، فاصطحب معه نفرًا من وُجَهاء القرية وأعيانها، فاستقبل زواره بحفاوةٍ بالغةٍ، وقدّم لهم كئوس القهوة والشاى تلو الأخرى، غير أنه لم يقطع لهم بوعدٍ، إذ كان رجُلًا لا يَسلس قيده ولا يَزِير عن رأيه إلا بعد طول مماطلةٍ ومساومةٍ.

وفى هذه الأثناء، حاول إبراهيم أن يَصرف ذهن ولده عما هو فيه، فاصطحبه معه إلى السوق لبيع أحد عجولهم، فمضى أحمد معه، غير أنه ظل غير مُبالٍ بكل ما يدور حوله، فلا تثير انتباهه رنات صاجات سقاء الماء، ولا نداءات باعة الخضار، ولا ثرثرة تجار الدواجن، بل كان يشعر بذهولٍ وخذلانٍ كأنما هبطت فوق رأسه صاعقةٌ، حتى إذا حيّاه صديقٌ أو قريبٌ، أجابه ببالٍ لاهٍ وفكرٍ شاردٍ، ولم يجد فى كل ما حوله شيئًا يُزيح عن صدره هذا العبء الثقيل.

كان إبراهيم ينتظر المشترى مُترَقِّبًا، فى سكونٍ وصبرٍ طويلٍ، فجلس بجوار دكان نجارٍ يرقبه وهو يقطع جذعًا غليظًا بجهدٍ كبيرٍ، فأدرك أن الحياة فى قسوتها وعُسرها تشبه ذلك الجذع الصلب إلى حدٍّ كبيرٍ. وفجأةً، وقعت عينه على مبروك الجبلى، ذلك الشيخ البدوى الذى كانت هيبته تملأ القلوب رُعبًا فى ربوع مصر السفلى. وكان الشيخ مبروك صاحب فضلٍ على إبراهيم مُنذ صباه، فَلَاحَ له أن هذا الشيخ، الذى لا يزال يحمل له ودًّا قديمًا، هو وحده القادر على مساعدته ونجدته.

لقد غَدت قصص أسلاف مبروك الجبلى أساطير تروى، حتى إن الحُكام والولاة ليهابون صولته، ولقد التقى الجناب العالى الخديو نفسه الشيخ مبروك، فما نكس الشيخ رأسه أمام أفندينا ولا غض من طرفه! وكان يقال إن هؤلاء الرجال من قبيلته إذا ما خانتهم سيوفهم فى الوغى، انقضوا على أعناق أعدائهم بأسنانهم فَيَردُوهُم قتلى من فورهم. وانتشرت شائعاتٌ مفادها أن رجال عشيرة الشيخ مبروك كانوا يغيرون على القرى فيختطفون النساء، اللَّاتِى كُنَّ يظهرن الجزع والاحتجاج، بينما يَضمُرنَ فى نُفُوسِهِنَّ إعجابًا بقوة هؤلاء الرجال وبأسهم. وكان إبراهيم فى صغره قد رعى الغنم للشيخ مبروك فى فجر حياته، فاسترجع فى مُخَيلته تلك الأيام الخالية فى الصحراء وما ألفه من جود الشيخ وفضله.

فهب إبراهيم مُهَلِّلًا للقاء سيده وشيخه القديم، وأفضى إليه بما فى نفسه من شجنٍ، وسأله أن يتوسط لولده، واصفًا له كبرياء عبداللطيف ورفضه تزويج ظريفة لابنه، مُبينًا له أنهما متحابان بشدةٍ، وأن القلبين قد تعاهدا على الوفاء مُنذ نعومة أظفارهما. فوافق الشيخ مبروك، وبسط له يَد المساعدة.

وفى ليلةٍ من الليالى، بعد ذلك اللقاء بوقتٍ قصيرٍ، لم يلبث السكون أن تبدد حتى تناهى إلى أسماع القَرَوِيِّين صليل حوافر الخيل تضرب الأرض ضربًا من بعيدٍ، ففزعوا ورهفوا أسماعهم فى ذُعرٍ، وهم يتناجون فيما بينهم: «لعلهم لصوصٌ أغاروا على القرية!». فأوصد الخائفون أبوابهم، وأسرع الأغنياء يوارون أموالهم فى مخابئ حصينةٍ. أما إبراهيم وأهل بيته، فلم يَنل منهم الروع مَنالًا، فقد كانوا على بينةٍ من أمرهم، ينتظرون قدوم الشيخ «مبروك الجبلى». وما إن لاحت البُشرى حتى هرع الأب والابن لاستقبال الضيوف، يحمل كل منهما عجلًا أعده لهذه الساعة، فلما أطل شيخ البدو وفرسانه رجال عشيرته، نحر إبراهيم العجلين إكرامًا لوفادتهم وبسطًا لموائد القِرى، وصهلت الخيول ودَقّت حوافرها فى برك الدماء النازفة، بينما اطمأن الصبية الصغار بأنه لا خطر مُحدقًا، حين رأوا إبراهيم يهش للزائرين، فالتفّوا فى مرحٍ حول الفرسان المتشحين بأرديتهم البيضاء المهيبة.

تبادل الشيخ مبروك مع إبراهيم تَحايا الوقار، ثم طلب منه أن يصطحبه إلى دار عبداللطيف. وهنالك، انتفخت أوداج والد ظريفة زهوًا وفخرًا بمَقدَم هذا الزائر الجليل الذى لا تُرد له كلمةٌ، فارتدى أحسن «جلاليبه»، وصاح فى أهله أن أوقدوا النار وأعِدُّوا القهوة، واستعار من جيرانه المصابيح ليملأ الدار ضياءً وبهاءً. 

عَرَّفَ إبراهيم الشيخ مبروك للحاضرين، فأقبلوا عليه يلثمون يده فى إجلالٍ وخشوعٍ، وبعد أن تبادل الشيخ مع مضيفه عبارات الثناء والترحيب، تشابكت الأيدى، فغطى أحدهم الأيدى المتصافحة بمنديلٍ، بينما تلا الشيخ فاتحة الكتاب تبركًا بهذا اللقاء الميمون. ثم توجه الشيخ إلى مضيفه بصوتٍ رزينٍ يملؤه الجلال قائلًا: «يا عبداللطيف، إن ابنتك هى ابنتى، وابن إبراهيم هو ابنى، وقد جئت اليوم لأعقد بينهما ميثاق الزواج، فتلك رغبتى، وهى قبل ذلك مشيئة وإرادة الله».

لم يَكُن لعبداللطيف أن يَرُدَّ للشيخ طلبًا أو يرفض له رجاءً، إذ إن القول إذا خرج من فَمِ الجبلى كان قضاءً مُبرمًا، والعدول عنه إهانةٌ لا تُغسل إلا بنحر أربعين جَملًا تُهدى إلى قبيلته، وهو ما لا طاقة لعبداللطيف به، فما كان يملك إلا الإذعان والطاعة. بل إنه، من فرط دهائه، أظهر لضيفه أن هذا الوصال كان أسمى أمانيه وأعز رغبات قلبه، وأنه نال شرفًا لا يُدانيه شرفٌ بقدوم الشيخ، ولن يكتمل «هناؤه» إلا إذا تولى الضيف الكريم بنفسه الإشراف على عقد القران. فَقَبِلَ الشيخ مبروك ذلك، وضُربَ لِلقِرَانِ موعدٌ بعد أيامٍ قَلِيلةٍ، ثم ما لبث الفرسان أن انطلقوا كما جاءوا فى لمح البصر، عائدين إلى فضاء الصحراء المترامية.