الثلاثاء 24 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

نجمات وعاصفات.. 3 نساء غيرن العمل والكتابة والعالم

حرف

-3 مراسلات أثرن فى طريقة تلقى الأمريكيين الأخبار: كتاب يروى قصة النساء الجريئات اللاتى غيرن وجه الصحافة

-مارثا جيلهورن دفعت تذاكر تغطية الحرب الأهلية الإسبانية بكتابة مقال فى مجلة فوج

- إميلى هان كانت تقاريرها تنبض بالفضول حول العلاقات الإنسانية
- أنجزن أعمالًا جبارة فى ظل الديكتاتوريات والصراعات العالمية ولم يستسلمن لليأس

اختبأت على متن قارب تابع للصليب الأحمر للوصول إلى شاطئ أوماها فى يوم الإنزال. سارت فى شوارع هونج كونج المهجورة لتوصيل الطعام إلى والد ابنتها، أسير الحرب. 
قاومت تحرشات الدبلوماسيين اليوغوسلافيين المتحمسين، واكتشفت تفاصيل تاريخية عالمية مغمورة فى مطبخ طبيب أسنان فى سراييفو.. سافرت بمفردها إلى المكسيك.. سافرت بمفردها إلى الكونغو.. سافرت بمفردها إلى جنوب الولايات المتحدة.. تزوجت من همنجواى.. تزوجت من شاعر صينى، ثم من ناشر، ثم من بطل حرب بريطانى.
 



وقعت فى غرام إتش. جى. ويلز.. أنجبت طفلًا وربته بمفردها.. تصدرت صورتها الصفحة الأولى من إحدى الصحف.. كتبت لأعظم مجلات عصرها- فوج، ونيويوركر، وهاربرز بازار..ألفت مسرحية.. كتبت مذكرات.. ألفت رواية رحلات رائدة.. حققت كتبها أعلى المبيعات. كتبت وكتبت وكتبت.
لقد غيرت نظرتنا إلى الكتابة، وطريقة صياغة الصحفيين للقصص- أى المصادر الموثوقة، وأى التفاصيل مهمة- وطريقة عمل النساء وتفاعلهن فى العالم.
كانت مارثا جيلهورن، كانت إميلى هان، كانت ريبيكا ويست.. كل واحدة منهن كانت تحلم بالنجاح والمغامرة، وأسهمت فى تمكين نساء أخريات طموحات لا يهدأن من بناء حياة لا تنسى.. ناضلن من أجل حياتهن وعملهن، نلن الثناء والنقد على كل ذلك.
تقدم جوليا كوك فى كتابها «نجمات وعاصفات: ثلاث نساء غيرن العمل والكتابة والعالم»، قصص ثلاث نساء على مدى ثلاثة عقود وخمس قارات: مارثا، ميكى، ريبيكا- صحفيات، كاتبات، أمهات، حبيبات، صديقات. 
الكتاب الذى يقع فى ٤٤٨ صفحة، صدر بنهاية فبراير الماضى، عن دار نشر «فارار، ستراوس وجيرو« الأمريكية التابعة لماكميلان، وتأتى أهميته فى أن هؤلاء النساء لم يكن مجرد شاهدات على التغييرات العظيمة التى شهدها القرن العشرون؛ بل غير فضولهن، وعزيمتهن، وطموحهن، وقصصهن العالم.
جوليا كوك صحفية ثقافية حائزة على جوائز، وكاتبة مقالات، ومدربة كتابة، ومؤلفة كتابى «تعال وحلق بالعالم» الذى وصل إلى القائمة النهائية لجائزة اختيار قراء جودريدز، واختاره نادى كتاب ملالا يوسف الأدبى، و«الجانب الآخر من الجنة». 

جوليا كوك 


نشرت مقالاتها فى مجلات «إيه بابليك سبيس»، و«صالون»، و«ذا ثرى بينى ريفيو» و«سميثسونيان»، و«تين هاوس»، و«فيرجينيا كوارترلى ريفيو». كما نشرت تقاريرها فى «كوندى ناست ترافيلر»، و«نيويورك تايمز» و«بلاى بوى» وغيرها من المطبوعات. وهى حاصلة على ماجستير فى الفنون الجميلة من جامعة كولومبيا.

قصص حياة

قبل ظهور التليفزيون والإنترنت، كان معظم الأمريكيين يقرأون المجلات. فقد كانت مجلات مثل كوليرز، وأتلانتيك، وهاربرز، ونيويوركر، وغيرها، فى حاجة ماسة إلى كتاب مستقلين لملء صفحاتها المرموقة، ومن هنا انطلقت حقبة ذهبية فى صحافة المجلات. 
ورغم قلة تمثيل النساء فى مجال الصحافة وعدم تقديرهن بالشكل اللائق، فإن ثلاثًا من أبرزهن برزن ككاتبات من بين أشهر كاتبات المجلات، بل ومن بين الأفضل على الإطلاق: ريبيكا ويست، ومارثا جيلهورن، وإيميلى هان.
تروى كوك قصص حياة هؤلاء الطموحات اللاتى لا يهدأن: إميلى هان «١٩٠٥-١٩٩٧»، ومارثا جيلهورن «١٩٠٨-١٩٩٨»، وريبيكا ويست «١٨٩٢-١٩٨٣». 
فى فصول متناوبة، تتتبع مسيرتهن المهنية، وعلاقاتهن، وزيجاتهن، وحياتهن الأسرية، والأهم من ذلك، أسفارهن الدءوبة، بينما كن يسعين جاهدات لتحقيق الشهرة فى مجال يهيمن عليه الرجال. 

تسليط الضوء

تقول الكاتبة عن تأليفها الكتاب إن الأمر المثير للدهشة هو أنهن كن مشهورات للغاية فى عصرهن، وهذا هو جوهر الفكرة الرئيسية. لقد كن كاتبات ورحالة يتمتعن بشعبية جارفة، ومستقلات تمامًا، وقد أثرن فى طريقة تلقى الأمريكيين الأخبار من العالم الخارجى وفهمها. 
عشن حياة رائعة ومترابطة، وكن صديقات وزوجات وأمهات، وكن فضوليات وطموحات للغاية طوال حياتهن، وقد غيرن قواعد اللعبة فى الصحافة الأدبية.
تضيف: كان أملى الأكبر أثناء كتابة الكتاب هو إعادة تسليط الضوء على هؤلاء النساء وإدراجهن فى مناهج كليات الصحافة وبرامج الكتابة الإبداعية غير الروائية، حيث لا يزال ينسب الفضل إلى جيل الستينيات، توم وولف وجاى تاليس وجوان ديديون، فى الابتكار الأسلوبى الواسع فى الصحافة الأدبية. 
لذا أردت كتابة كتاب ممتع وحافل بالمغامرات يجذب القراء إلى هؤلاء النساء وكتاباتهن.
تشير إلى أن فى العام الماضى، ومع تصاعد النزعة الاستبدادية وانتشار التمييز الجنسى البغيض، أصبحت آمالها أكثر تركيزًا على القضايا السياسية وأكثر اتساعًا فى الخيال. 
تلفت إلى أن هؤلاء النساء قد أنجزت أعمالًا جبارة فى ظل الديكتاتورية والصراعات العالمية؛ كان لديهن عائلات وصداقات، وكن قويات ومفعمات بالفرح والغضب أيضًا. 
لم يستسلمن للفاشية ولم يرضين باليأس. لقد كن يؤمن بقوة الشهادة ورواية القصص كوسيلة لردم الهوة ومكافحة التطرف. لقد كانت قراءة قصصهن وهن يؤدين عملهن يومًا بعد يوم، عامًا بعد عام- ويغطى هذا الكتاب الفترة من ١٩٣٠ إلى ١٩٥٤ - أمرًا تحويليًا بالنسبة لى، وأعتقد أن النساء يحتجن إلى طاقتهن ومرونتهن اليوم أكثر من أى وقت مضى.

تخصص نسائى

استوحى اسم الكتاب من رسالة كتبتها جيلهورن إلى همنجواى: «لا أحب هذه المرأة الآمنة والمسلحة التى أصبحت عليها. كانت الفتاة الصاخبة، الفوضوية، المتهورة، والفاشلة، أفضل منى».
وبصفتهن مراسلات لصحف كبرى، أضفى كل منهن منظورًا شخصيًا على تقاريرهن من إسبانيا والصين وأوروبا التى مزقتها الحرب والولايات المتحدة. وهو ما يجعل سرد كوك لهذا العصر المزدهر وكيف أصبحت المراسلة الخارجية تخصصًا نسائيًا، نموذجًا لكتابة تاريخ الإعلام النسائى.
تكتب المؤلفة: «كانت لدى ويست طريقة آسرة فى دمج الجوانب التاريخية والشخصية والقانونية والأخلاقية فى التقارير: كانت ملاحظاتها دقيقة للغاية، وأسلوبها حاضرًا فى صميم أى قصة». 
أما كتب هان الأكثر مبيعًا، مثل تقاريرها، فكانت تنبض بالفضول حول العلاقات الإنسانية: الديناميكيات الجندرية، والجنس، والصداقة، والحياة الأسرية. ووجهت جمل جيلهورن الأنيقة انتباه القارئ، غالبًا بوعى لا يتزعزع بالظلم، نحو الأشخاص المتضررين من الحرب».
تشير كوك إلى أن ذلك العصر واجهت فيه الصحفيات تحديات متكررة لعدم كفاءتهن، ولكنه كان أيضًا عصرًا توسع فيه الكتاب فى «ما يمكن للصحفى فعله فى الكتابة»، وقد استمتعت الصحفيات الثلاث بهذه الحرية الجديدة، فكتبن أعمالًا تعكس أسلوبهن الشخصى، وغالبًا ما تمحورت حول أسفارهن ومعاناتهن. 
تميزت كل واحدة منهن باستقلاليتها المذهلة، إلى جانب كونها أمًا وزوجة فى بعض الأحيان، ما أدى إلى مشاعر معقدة تجاه الحياة المنزلية «نصحت هان بناتها بعدم تعلم تدبير شئون المنزل حتى لا يستخدم ذلك ضدهن؛ وكانت جيلهورن مهووسة بتحويل منازلها إلى (أعشاش) دافئة». 
تلاحظ الكاتبة بذكاء كيف أن «الحياة الأسرية والكتابة والتجوال... تداخلت معًا» لدى هؤلاء النساء، ما فتح آفاقًا جديدة لمعنى حياة الكاتب، سواء للرجال أو النساء.
تشرح كيف استعددن لرحلاتهن الخارجية. كن يعلمن ضرورة السفر بأمتعة خفيفة وتدوين ملاحظات وافية عن الأشخاص الذين التقين بهم وكان لهم تأثير كبير عليهن للرجوع إليها لاحقًا. والأهم من ذلك، كن يعلمن أنه يجب عليهن الاهتمام بأنفسهن. وقد انبهرت بطلات الكتاب بما أسمته جيلهورن «حياة الاندفاع وطرح الأسئلة».

إميلى هان

شابة جرئية

تتحدث كوك عن نشأة إميلى هان. فتقول إنها كانت تنتمى لعائلة فنية فى سانت لويس، وكان والدها، تاجر الجملة، كثير السفر فى رحلات عمل. وكانت والدتها قلقة من ولع ابنتها بالقراءة والكتابة، إذ كانت تعتبره أمرًا غير لائق. 
مع ذلك، كانت هان طفلة شجاعة أصبحت شابة جريئة. فى عام ١٩٣٠، غادرت بمفردها إلى الكونغو البلجيكية حاملة مسدسًا مهربًا مخبأ داخل فستان فى حقيبتها. لقد ملت من الروتين؛ وكان السفر جواز سفرها إلى أماكن أخرى بعيدًا عن والدتها المتسلطة.
عندما وصلت هان إلى شنغهاى عام ١٩٣٦، أثارت ضجة فى المدينة بحضورها العديد من حفلات الغداء المرموقة برفقة قرد جيبون أليف على كتفها، فبدأت الألسن تتداول. 
تروى لنا المؤلفة الشائعات التى لاحقتها بشأن الرجال الذين ربما كانت على علاقة بهم. وتأخذنا إلى شنغهاى التى كانت «تعج بالشعراء والثوار ومدمنى الأفيون وأصحاب الملايين، وكانت أراضيها الدولية ثابتة كتاج يحيط بمدينة صينية مسورة، وكانت المتعة هى الأهم». 
كتبت هان إلى أختها فى سانت لويس: «ليس لدى أى رغبة فى الذهاب إلى أى مكان آخر- حسنًا، ليس كثيرًا». أصبحت الصين مركز اهتمام العالم، وكان الكثيرون يتحدثون عن الثورة الشيوعية الأخيرة فى البلاد.

زواج غير تقليدى

تنتقل الكاتبة إلى حياة هان الأسرية، فتقول إن بحلول عام ١٩٣٧، ذهبت هان إلى هونج كونج، حيث التقت بزوجها المستقبلى، وهو ضابط مخابرات بريطانى، تزوجته بعد الحرب، وأصبح والد ابنتيها. 
ثم تعرفنا على علاقة هان المعقدة بالأمومة التى ظلت تطاردها طوال حياتها. لم تغفر ابنتها الثانية لها ما اعتبرته إهمالًا من والدتها. نتعرف أيضًا على زواج هان غير التقليدى؛ فقد كان زوجها يعيش فى لندن، وهى فى نيويورك، وكان الأطفال فى الغالب فى مدارس داخلية. كانت العائلة تجتمع بشكل متقطع فى الأعياد والإجازات.

تغطية الحرب

تروى كوك تجربة مشاركة مارثا جيلهورن فى تغطية الحرب الأهلية الإسبانية «١٩٣٦-١٩٣٩»، حيث وصلت جيلهورن فى نهاية مارس ١٩٣٧، لتغطية الحرب. كان ذلك الشهر الخامس من قصف المدينة من قبل جيش فرانشيسكو فرانكو. حاصر الفاشيون مدريد من ثلاث جهات.

مارثا جيلهورن


لكن القوات الجمهورية المدافعة عن المدينة كانت قد حققت انتصارين حاسمين مؤخرًا. وكادت الإشارات المشئومة إلى «سقوط مدريد» أن تختفى من الأحاديث. وبدا وصول موجة من الصحفيين المتألقين القادمين من فرنسا، فى نظر رقيب الصحافة الإسبانى، بمثابة نذير بتغير فى أجواء الحرب. 
كما وصل عشرات الصحفيين الذين كانوا يأملون فقط فى نشر قصة تحمل تاريخ مدريد، وبالتالى إثبات نفوذهم وجرأتهم من خلال هذه الحرب الفاشية ضد الديمقراطية، التى تؤجج الصراع بين القوى العظمى فى العالم فى معركة خفية.
بغض النظر عن المظاهر، لم تتوقف الحرب. كان الطعام شحيحًا. اصطفت النساء لساعات، أحيانًا من منتصف الليل حتى الظهر، أمام متاجر البقالة شبه الفارغة، ولم يتفرقن إلا عندما تسقط القنابل وقت الغداء. 
أحيانًا لم تتحرك النساء حتى حينها. كان خط المواجهة يبعد ميلين عن منطقة التسوق الرئيسية فى مدريد؛ وكان الصحفيون الأجانب يستخدمون أدلة السفر للتنقل من نهايات خط الترام إلى الخنادق.
تستكمل المؤلفة: بعد ساعات من تأمل مارثا فى معاطف فراء الثعلب الفضية، «بجشعٍ شديد ورغبة جامحة فيها»، كما كتبت مارثا فى مذكراتها، ارتدت قذيفة عن برج تيليفونيكا المكون من ثلاثة عشر طابقًا والمبنى من الفولاذ والخرسانة، فقُتل خمس نساء فى شارع جران فيا. 
كان المبنى، كما قال البعض، أطول مبنى فى أوروبا، حيث كانت الصحافة ترسل تقاريرها عبر أحد خطين إلى لندن وباريس بعد مرورها عبر رقيب الصحافة، الذى كان يفحص النسخ بحثًا عن أى إشارات استراتيجية أو ذكر للأسلحة السوفيتية غير المشروعة التى استخدمتها الألوية الدولية فى انتهاك للمعاهدات الدولية.
تابع عشرات الملايين من القراء الأمريكيين بشغف هذه الحرب: فرانكو، مستخدمًا طائرات هتلر وطيارينه ودبابات موسولينى ورجاله، حارب ضد الجمهورية الإسبانية المنتخبة ديمقراطيًا والمتحالفة مع الشيوعيين. 
وقد قدم أربعون ألف رجل وعدد لا بأس به من النساء للقتال من خمسين دولة، من بينها الولايات المتحدة وبولندا وفرنسا والاتحاد السوفيتى وألمانيا.

كرنفال غريب

فى الأيام الأولى، كانت مدريد أشبه بـ«كرنفال غريب». تراكمت الأنقاض فى أكوام مرتبة فى خلال ساعتين من القصف. فى معرض لملصقات الحرب، بجانب ثقب صغير فى السقف من قذيفة، كتب على لافتة: «الفن كما مارسه الجنرال فرانكو». 
كان الإسبان يرتادون حانتين أنيقتين كل عصر: البنادق تتزاحم على خصور الجنود، والنساء بشعر مصبوغ بلونين، أشقر عند الكتفين وأسود عند الجذور. صادرت المستشفيات بيروكسيد الهيدروجين. 
شعرت مارثا بملل متزايد فى الساعات الطويلة التى لا يحدث فيها شىء على الإطلاق. بعد أيام من وصولها، سارت مارثا إلى الحديقة. تقول «نسيت الحرب وذلك القلق الغريب المبهم الذى يختلط فيه الملل بنوع من الفراغ الشخصى، لا أعرف من أنا، أو ما أحب، أو لماذا أعيش».
تشير الكاتبة إلى أن مارثا بدت وكأنها تعرف كيف تصل إلى وجهتها. فقد عبرت جبال البرانس بمفردها، وركبت القطارات مع جنود جمهوريين، وغفت أثناء قصف فى ليلتها الأولى فى فندق إسبانى. 

بنية رياضية

تصفها: كانت تتمتع ببنية رياضية طويلة القامة، ووجه حافظ على نعومة جذابة حول ذقنه حتى مع اقترابها من الثلاثين، ورواية حققت نجاحًا أدبيًا مؤخرًا، وعلاقات وصداقات مع مثقفين وسياسيين بارزين على جانبى المحيط الأطلسى.
انتشرت الشائعات حول مارثا. وكان المراسلون فى مدريد «يراقبون بعضهم البعض كالغربان». 
تضيف: كانت مارثا تتمتع بحس مرهف للأناقة، مع أنها بدت أيضًا منخرطة فى السياسة أكثر من اللازم، ومنفتحة أكثر من اللازم بالنسبة لمجتمع الموضة. 
قضت بعض الوقت فى باريس فى أوائل الثلاثينيات، تتناول وجبات مجانية مع الأثرياء، بينما كانت تدرك بغضب معاناة العاطلين عن العمل الذين يعانون من الجوع الشديد. 
اقتنت خزانة ملابس غريبة وإن كانت باهظة الثمن- بدلات شياباريلى من التويد الخشن مع مشابك جلدية وعينات اشترتها بأسعار زهيدة من مجموعات الموسم السابق- إلى أن جمعت ما يكفى من المال لشراء «ملابس عادية» بدلًا من الملابس الراقية من الدرجة الثانية.

أهمية الملابس

فى رحلتها إلى إسبانيا، ارتدت مارثا سترة واقية من الرياح ولفت شعرها الأشقر بوشاح شيفون أخضر. كانت النساء المسافرات يدركن أهمية الملابس؛ إذ كن ينتقينها بعناية لتجنب الأحكام المسبقة وضمان سلامتهن. 
فالقبعة المحجبة كانت تحجب التواصل البصرى. أما الملابس البسيطة والمحتشمة المصنوعة من قماش خشن فكانت توحى بالفضيلة والضرورة- سواء أكانت رحلة إلى مصنع بعيد أو عملًا منزليًا لرعاية قريب مريض. 
وكان من الممكن أن يجذب مظهر الضعف المدروس الرجال النبلاء والشجعان لمساعدة المرأة. ومع ذلك، نادرا ما كانت هؤلاء النساء يذهبن دون استعداد. اختارت مارثا ملابسها وحزمت حقيبة سفر مليئة بالأطعمة المعلبة.

أجرة الرحلة

تكشف كوك عن أنه لم تدفع أى مجلة ثمن تذاكر مارثا. اشترت أجرة رحلتها البحرية بكتابة مقال بعنوان «مشاكل جمال المرأة فى منتصف العمر» لمجلة فوج، حيث جربت فيه مقشرًا كيميائيًا جديدًا أضر ببشرتها ولكنه أوصلها عبر المحيط. 
لم تكن مارثا مهتمة بالقوميين الأرستقراطيين الفاشيين بقيادة فرانكو. ومثل معظم المثقفين الأجانب، مثل إرنست همنجواى وجون دوس باسوس ومراسل صحيفة «نيويورك تايمز» هربرت ماثيوز، الذين قدموا جميعًا إلى مدريد لتغطية الحرب، وصلت مارثا إلى إسبانيا مناصرة متحمسة للحرب.
كما كتبت ريبيكا ويست فى مساهمتها فى كتيب «المؤلفون ينحازون فى الحرب الإسبانية»، الذى نشرته نانسى كونارد وجمعت فيه ١٢٦ بيانًا من المثقفين حول الحرب، «إسبانيا نفسها، فى انتخابات نزيهة، اختارت الحكومة (الجمهورية) ورفضت الحزب الذى يدعم فرانكو الآن». 
نشر الكتيب خمس رسائل مؤيدة لفرانكو، بينما أعلن ستة عشر مؤلفًا حيادهم. اتفقت مارثا مع ريبيكا، فلم تر أى طرفين متناقضين. كانت معركة مدريد بمثابة صراع على مستقبل الديمقراطية، حيث اصطف فرانكو وهتلر وموسولينى كقطع الدومينو ذات الشوارب، مستعدين لاجتثاث الفاشية من الساحل إلى أوروبا. 
كانت تعلم أن السوفييت والمتطوعين اليساريين يدعمون الجمهوريين، وأن الألمان والإيطاليين يختبرون ذخائرهم ورجالهم بمساعدة قوات فرانكو.

مراسلة جيدة

ومع ذلك، لم تكن لدى مارثا أى خبرة حربية على الإطلاق. كتابها الأخير، «المشكلة التى رأيتها»، الذى استخلصته من العام الذى قضته فى إعداد التقارير لإدارة الإغاثة الطارئة الفيدرالية التابعة للرئيس فرانكلين روزفلت حول فقر حقبة ما بعد الكساد الكبير، رسخ مكانة مارثا كـ«مراسلة جيدة تتمتع بنظرة ثاقبة للتفاصيل الصغيرة والمهمة والمفجعة»، لكن الكتاب كان خياليًا، بغض النظر عن مدى دقة قصصه بالنسبة للقراء الأمريكيين.
كتبت مارثا إلى صديقة للعائلة فى سانت لويس قبل سفرها: «سأسافر إلى إسبانيا مع الشباب». كان الصحفيون الأمريكيون الوحيدون الذين تعرفهم مارثا هناك رجالًا، مع أن النساء كن يغطين الحرب أيضًا- ١٨٠ صحفية من مختلف البلدان، أرسلن تقاريرهن من إسبانيا بحلول نهاية الحرب. 
بعض الصحفيات استهجن مارثا لعلاقتها بهمنجواى بعد أسبوعين فقط فى إسبانيا، أو لطريقة «دخولها وخروجها ببنطالها الأنيق من ساكس فيفث أفينيو».
كافح معظم المراسلين للحصول على توصيلة إلى الجبهات البعيدة مع الجنود المتسخين الذين كانوا يصدون قوات فرانكو. لم تكد مارثا تصل حتى حملها همنجواى فى سيارته الجيب. كانا قد أصبحا صديقين قبل أشهر فى كى ويست. وقد أشارت إحدى النساء بتعب إلى أنها قد تعتبر نفسها «مدللة» فى ظل الظروف القاسية لمدريد المحاصرة.

القصة الكبرى

تعلق المؤلفة: كانت هذه هى الأماكن التى استطاعت فيها الصحفيات أن يصنعن لأنفسهن اسمًا، بينما رفضت جيوش العالم التقليدية السماح لهن بالوصول إلى الجبهة. غطت نحو أربعين امرأة، وهو عدد كبير بين الصحفيين الميدانيين، أحداث الحرب العالمية الأولى لصالح الصحف الأمريكية. 
لم يسمح لهن الجيشان الأمريكى والبريطانى بالاقتراب من أهم المعارك. «إن القصة الكبرى للحرب لا تكمن أبدًا فى الجبهة، بل فى المستشفيات والمنازل. الحرب فى جوهرها شأن نسائى»، هذا ما لاحظه رئيس تحرير مجلة «ذا ساترداى إيفنينج بوست»، الذى أرسل أربع نساء لتغطية الشئون المدنية فى الحرب العالمية الأولى.

ريبيكا ويست

الكاتبة الأولى

ترى الكاتبة أن ريبيكا ويست كانت أكثر تحفظًا من ميكى ومارثا، ربما بسبب محدودية إمكانياتها مقارنة بهما، ونشاطها فى مجال حق المرأة فى التصويت. 
لكن نعم، لقد أثرن جميعًا ضجة كبيرة. ثم تراجعن عن المخاطرة إلى حد ما، بسبب حياتهن الأسرية، أزواجهن/أطفالهن/منازلهن، ثم عدن إليها مباشرة. كن يعدن تقييم الأمور باستمرار.
تأخذنا كوك إلى لندن عام ١٩٤٦ عندما كانت ويست «روائية، ناقدة، صحفية» ترغب بالعودة إلى الساحة الأدبية، رغم مرور عشر سنوات على نشر كتابها «الخروف الأسود والصقر الرمادى»، دراستها الضخمة عن البلقان، والتى تقع فى ألف صفحة، بعد سقوط فرنسا مباشرة. 
تتجه ويست إلى نورمبرج لحضور محاكمات جرائم الحرب، مدركة أن أسلوبها الأدبى يجب أن يكون على مستوى تقارير جون هيرسى الاستثنائية عن هيروشيما. وقد كان كذلك. ففى عام ١٩٤٧، أعلنت مجلة «تايم» عن أنها «بلا منازع الكاتبة الأولى فى العالم».