الأربعاء 18 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

ماذا يكتب العالم؟

إرث عريق.. عصر نهضة «صحافة المراجعات»

حرف

كان آرون تيمز، الكاتب والناقد، يقف فى زاوية «تى جيه بيرنز» الأيرلندية فى الحى المالى بنيويورك، يشرح مشروع مترو باريس. قال لى: «إنهم يبنون شبكة ستتيح ربطًا أفضل بين الضواحى المختلفة»، حين قاطعته امرأة. 

قالت وهى تشق طريقها عبر الغرفة الخلفية المزدحمة ذات الإضاءة الخافتة: «مرحبًا، لقد أعجبتنى مقالتك». كان تيمز قد كتب عن الضواحى فى العدد الأخير من مجلة «نيويورك ريفيو أوف أركيتكتشر» «NYRA»، وقد تجمع فى تلك الليلة حشد من الإعلاميين الشباب وهواة التصميم تحت مصابيح الزجاج الملون للاحتفال بإطلاق العدد.

كارولينا أبوت جالفا

تأسست مجلة NYRA عام ٢٠١٩، وهى مجلة مقرها نيويورك تعنى بنشر النقد المعمارى، إلا أن نطاقها يتجاوز ذلك بكثير. وعلى عكس منشورات التصميم الأخرى، تسعى المجلة إلى استقطاب الجمهور الأدبى الذى تجذبه المجلات الصغيرة العريقة مثل n+١ وThe Baffler. 

يتضمن العدد الأخير مقالًا بقلم كيت واجنر، ناقدة العمارة فى مجلة The Nation، حول هدم الجناح الشرقى للبيت الأبيض؛ وتقييمًا لفيلا شارلوت برونتى فى برونكس؛ ومقالًا عن حراس القلاع. 

وهى ليست الجهد الجديد الوحيد من نوعه، فقد شهدت السنوات الأخيرة ظهور عدد من المنشورات المتخصصة التى تغطى مواضيع متنوعة، من الأعمال إلى الفنون الجميلة إلى المقابر، مثل: New York Review of Finance، وMetropolitan Review، وWhitney Review of New Writing، وGraveyard Review، وManhattan Art Review، وSan Francisco Review of Whatever. 

وقد حققت هذه المشاريع نجاحًا ملحوظًا، إذ تحظى فعالياتها بحضور كبير، ويصل سعر النسخة المطبوعة منها إلى عشرة دولارات. أخبرتنى كلوى وايما، نائبة رئيس تحرير NYRA، أننا نعيش فى «عصر النهضة النقدية».

هذا تصريح جدير بالملاحظة، خاصة أن السنوات القليلة الماضية لم تكن رحيمة بالنقاد. فقد توقفت وكالة «أسوشيتد برس» عن نشر مراجعات الكتب العام الماضى، وأقالت مجلة «فانيتى فير» كبير نقادها، وأعادت صحيفة «نيويورك تايمز» توزيع أربعة نقاد فنيين. 

ومؤخرًا، وفى خضم موجة تسريح جماعى، أغلقت صحيفة «واشنطن بوست» قسم الكتب. ومع ذلك، لا يزال فن النقد الأدبى مزدهرًا، وإن كان مطبوعًا على ورق جرائد رخيصًا بلون واحد. وإذا كانت أقسام النقد فى الصحف تغلق أبوابها، فثمة شعور بأن هذه اللحظة قد تفسح المجال لنوعٍ أعمق وأكثر غرابة من النقد.

تستند «نهضة المراجعات» إلى إرث عريق. فمجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس»، التى تعد نموذجًا للعديد من المجلات الجديدة، ظهرت هى الأخرى خلال أزمة ما. ففى عام ١٩٦٣، أضربت كل من صحيفتى «تايمز» و«هيرالد تريبيون»، وكذلك أقسام مراجعات الكتب فيهما. 

وفى إحدى الليالى، كان روبرت لويل، وباربرا إبستين، وجيسون إبستين، وإليزابيث هاردويك، وجميعهم فى الثلاثينات والأربعينات من عمرهم آنذاك، يتذمرون من افتقار تلك الأقسام إلى الشغف والتميز، وقد كتبت هاردويك مقالًا فى مجلة «هاربرز» بهذا المعنى بعنوان «تراجع مراجعة الكتب» عام ١٩٥٩، حين قرروا إطلاق منشورهم الخاص، الذى أصبح فيما بعد «نيويورك ريفيو أوف بوكس». 

وقد شكل الإضراب خيارًا: «إما أن نقدم نوع المراجعة الذى طالبت به ليزى»- هاردويك- «إلى الأبد، أو أن نتوقف عن التذمر»، كما كتبت إبستين، مستذكرة تلك الأمسية فى مقال لها فى المجلة عام ٢٠١٣.

«المراجعة تعنى التقييم، والوزن، والنظر، والحكم - بعناية، بالطبع، مع التركيز على الوضوح والجمال. هذا جزء مهم من المشاركة فى الديمقراطية»، هكذا أخبرتنى إميلى جرينهاوس، المحررة الحالية لمجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس».

«فى زمن تدمر فيه صناعة الصحف على يد المليارديرات، لا يسعنا إلا أن نهتف بحرارة لمزيد من المنشورات التى تعلى من شأن التفكير النقدى».

ومثل مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس»، تسعى المنافذ الجديدة إلى نشر «المحتوى غير المألوف، والصعب، والطويل»، كما وصفته هاردويك فى مقالها فى مجلة هاربرز. 

يقول صموئيل ميدينا، محرر مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس»: «بلغ عدد أطول عدد لدينا حتى الآن ثمانين ألف كلمة. ربما نولى اهتمامًا مفرطًا لعدد الكلمات، وأشك فى أن أحدًا فى العالم يهتم حقًا. لكن بالنسبة لى، هذا مصدر فخر لأنه يميزنا عن مجلات التصميم أو الهندسة المعمارية التقليدية».

كان مايكل نيكولاس حاضرًا أيضًا فى تلك الليلة فى تى جيه بيرنز، وهو مخطط حضرى يعمل فى المدينة ويكتب عمودًا عن المقاهى فى مجلة «نيويورك ريفيو أوف أركيتكتشر» بعنوان «نيويورك ريفيو أوف كوفى». 

بجوار علاقة ملابس عليها مجموعة من السترات السوداء المنتفخة المتشابهة، أخبرنى عن أحدث مشاريعه، وهو «نيويورك ريفيو أوف فاينانس».

على مدى السنوات القليلة الماضية، أمضى نيكولاس، إلى جانب بايج أوميك ونيكولو بورسيلو، المؤسسين الآخرين لمجلة «نيويورك ريفيو أوف نيويورك»، وقتًا طويلًا فى التفكير فى التوسع المفرط للقطاع المالى وكيف جعل هذا التوسع الحياة أكثر صعوبة على الشباب. 

قرروا تأسيس المجلة العام الماضى، لأنهم شعروا بأن الصحافة الاقتصادية التقليدية لا تتناول الموضوع بطريقة تجذب جيلهم. فقد رأوا، على سبيل المثال، أنها تفتقر إلى الفكاهة.

قالت أوميك: «أجل، أعنى، لا أحد يملك وظيفة أو مالًا، لذا إذا كنت تكتب عن التمويل لجمهور شاب، فإن الأمر فى النهاية أشبه بنوع من الفكاهة السوداء».

إذا كان مجالا التمويل والهندسة المعمارية مشغولين بالفعل، فهل هناك ما يمكن مراجعته؟ أجاب بورسيلو: «مجلة نيويورك ريفيو أوف نيويورك جاهزة تمامًا، تنتظر من يتولى الأمر».

قالت أوميك بجدية تامة: «أريد مجلة نيويورك ريفيو فى ميامى». ثم ذكرت صديقتها ليونور جريف، وهى بائعة كتب ومشترية، والتى أسست مؤخرًا مجلة «جريف يارد ريفيو»، التى تغطى عالم أفلام الرعب ومراجعاتها، كما قالت، و«المقابر فى كل مكان».

وأخبرتنى جريف: «أعتقد أن الكثير من هذه المراجعات تستغل الفكرة نفسها، حيث تتوقع أن تكون منشورًا مرموقًا للغاية، مثل مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» أو مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس»، اللتين تقدمان عملًا رائعًا حقًا. لكن الأمر أشبه بقول: حسنًا، لسنا كذلك، لكننا نستطيع أن نأخذ الأمور على محمل الجد.

أسست ويتنى ماليت مجلة «ويتنى ريفيو أوف نيو رايتينج» عام ٢٠٢٣ كمجلة للنقد الأدبى تنشر مقابلات مع مؤلفين وقصائد شعرية، بالإضافة إلى كتب، يصدر العديد منها عن دور نشر صغيرة مثل «سيميو تكست» و«كاتابولت». 

وعندما تواصلت معها، أشارت إلى نقطة مماثلة، قائلة: «أرى مشروعى بمثابة مختبر لأساليب جديدة فى النقد الأدبى»، مضيفة أن الناس لا يجدون الأمان إلا لفترة وجيزة فى وظائف الإعلام. وأقرت ماليت بأنها لا تتمتع بهذا النوع من الأمان أيضًا، لكنها قالت إنها تنشئ بديلًا. وأضافت: «أبنى شيئًا أتحكم فيه».

أما بالنسبة للمؤسسين المشاركين فى «نيويورك ريفيو أوف نيو رايتينج»، فيبدو المستقبل غامضًا أيضًا. يقول بورسيلو: «إنها وسيلة إعلام مطبوعة، إما أن تنمو بشكل طبيعى أو لا». سيصدر العدد الثانى هذا الربيع. «لكننا نستمتع كثيرًا».

فى مقهى تى جيه بيرنز، بدا كل من كيرا بيتوخوفا، وتشارلى ريتشاردسون، وماكس جوميز، وهم ثلاثة شباب فى العشرينات من عمرهم، متفائلين بشأن مستقبل الطباعة. 

ورغم أنهم ليسوا كتابًا- فبيتوخوفا تعمل فى العلاقات العامة، وجوميز فى شركة ناشئة فى مجال التكنولوجيا، وريتشاردسون فى مجال الإعلان- إلا أنهم يشتركون فى الاهتمام بأن يكونوا جزءًا من الحياة الثقافية للمدينة.

قال ريتشاردسون، وهو منحنى على الطاولة المشتركة: «أعتقد أننا نفقد فن الملموسية، ولذا من المهم أن نحضر فعاليات كهذه، ونحصل على نسخة، ونقرأها». وأضاف: «فضلًا عن ذلك، سعرها يعادل سعر كوب ماتشا».