الخميس 05 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

لا شىء عشوائى.. قصة مؤسس دار «رندوم هاوس» الأسطورية

حرف

- رحلة الرجل الذى أعاد تشكيل صناعة النشر فى أمريكا وجعل الكتب جزءًا من ثقافة المشاهير الأمريكيين

- كيف نجحت «رندوم هاوس» فى نشر ثانى أكثر روايات الجريمة مبيعًا فى العالم؟

- بينيت.. ناشر فريد خاض معركة تاريخية ضد الرقابة منحت الأمريكيين حرية قراءة رواية «يوليسيس» 

- ناشر متهور شكل أدب القرن العشرين

فى منتصف القرن العشرين، كان الجميع يعرف بينيت سيرف: ذلك الشاب الوسيم، المحبوب، ذو الشخصية المتناقضة، الذى كان يشارك فى برنامج «ما هو خطى؟» الذى كان يعرض على شاشات التليفزيون فى منازل الأمريكيين أسبوعيًا. 

لكنهم لم يكونوا يعلمون أن هذا الشاب الوسيم، الطموح، ذا الشخصية المتناقضة، فى عشرينيات القرن الماضى، قد عزم على أن يصبح ناشرًا عظيمًا، وبعد عقد من الزمن، أصبح كذلك. 

بحلول ذلك الوقت، كان قد وقع عقودًا مع يوجين أونيل، وجيرترود شتاين، وويليام فوكنر، وخاض معركة تاريخية ضد الرقابة، منحت الأمريكيين حرية قراءة رواية «يوليسيس» لجيمس جويس.

مع صديقه المقرب وشريكه التجارى مدى الحياة، دونالد كلوبفر، ورواد أعمال يهود شباب آخرين مثل عائلة كنوبف ودار نشر «سيمون وشوستر»، أعاد سيرف تشكيل صناعة النشر: ما ينشر، وكيف ينشر. 

فى عام ١٩٢٥، اشترى هو وكلوبفر مكتبة «مودرن لايبرارى» وحولاها إلى مؤسسة عريقة، ثم أسسا دار رندوم هاوس، التى أصبحت فيما بعد دار نشر تضم أعمالًا لترومان كابوتى، ورالف إليسون، وآين راند، ودكتور سوس، وتونى موريسون، وجيمس ميشنر، وغيرهم الكثير.

حتى قبل التليفزيون، كان سيرف مؤلفًا وكاتب عمود من أكثر الكتب مبيعًا، بالإضافة إلى كونه ناشرًا؛ وقد ضاعف البرنامج شهرته، وجلب له الشهرة، ولكنه جلب معه أيضًا الانتقادات. 

كان بينيت سيرف شخصية بارزة فى عالم التواصل الاجتماعى، ومؤثرًا بارزًا قبل ظهور هذه المصطلحات، إذ ربط الكتب ببرودواى والتليفزيون وهوليوود والسياسة. 

وبصفته داعيًا متحمسًا للديمقراطية، نشر أعمالًا متنوعة، من الأدب الراقى إلى الأدب الشعبى، وجمع خلال فترة ازدهار العشرينيات وحتى الستينيات مجموعة رائعة من الأصدقاء، من جورج جيرشوين إلى فرانك سيناترا، مستمتعًا بأوقات لا تنسى.

وباستخدام مقابلات مع أكثر من مئتى شخص، ومواد أرشيفية موثقة بدقة، ورسائل من مجموعات خاصة لم تكن متاحة من قبل، يحيى كتاب «لا شىء عشوائى: بينيت سيرف ودار النشر التى بناها» للكاتبة جايل فيلدمان، شخصية بينيت سيرف بأسلوب حيوى، جاذبًا عشاق الكتب إلى عالمه، وكاشفًا النقاب أخيرًا عن شخصية أمريكية فريدة من نوعها.

الكتاب صدر فى ١٣ يناير الحالى، فى ١٠٧٢ صفحة، عن دار نشر «رندوم هاوس»، ويأتى فى المركز الثانى للكتب الأكثر مبيعًا فى بيزنس الكتابة وصناعة النشر، والمركز التاسع فى سير الصحفيين.

جايل فيلدمان كتبت فى مجلة «ببلشرز ويكلى» لمدة أربعين عامًا، بما فى ذلك منصبها كمحررة أولى. ومنذ عام ١٩٩٩، بصفتها مراسلة أمريكية لمجلة «ذا بوكسيلر»، قامت بتحليل سوق الكتب الأمريكية للقراء فى المملكة المتحدة. 

وأسهمت بمقالات ومراجعات وتقارير فى صحف «نيويورك تايمز»، و«لوس أنجلوس تايمز»، و«فيلادلفيا إنكوايرر»، و«تايمز أوف لندن»، و«ذا نيشن»، و«ذا ديلى بيست»، وغيرها. 

وهى مؤلفة كتاب «أفضل وأسوأ الأوقات: التحولات فى تجارة الكتب»، الذى نشر بفضل منحة من البرنامج الوطنى للصحافة الفنية فى كلية الصحافة بجامعة كولومبيا. 

وقد دعمت المؤسسة الوطنية للعلوم الإنسانية عملها على كتاب «لا شىء عشوائى: بينيت سيرف ودار النشر التى بناها» من خلال جائزة الباحث العام. وتقيم فيلدمان فى مدينة نيويورك.

تفاصيل عائلية

يبدأ الكتاب فى فصله الأول بسرد تفاصيل عائلية تخص أصول سيرف وعائلته اليهودية الرائدة فى مجال الأعمال، فعندما بلغ التاسعة والستين من عمره، طلبت منه جامعته الأم توثيق قصته فى نيويورك للأجيال القادمة فى سلسلة من المقابلات، فوافق.

بدأ حديثه قائلًا: «أنا حالة فريدة من نوعها». وأوضح بفخر أنه لم يكن هو ووالداه فقط، بل أجداده الأربعة أيضًا، قد ولدوا فى جزيرة مانهاتن. بالنسبة لشخصية مرموقة فى عصره، فى بلد كان يشعر بتناقض عميق تجاه جذوره المهاجرة، فإن نسب ثلاثة أجيال من مواليد أمريكا منحهم مزايا وأسكت تحيزاتهم. 

مع ذلك، حذر قائلًا إن خلفيته «محاطة ببعض الغموض»، ولم يكلف نفسه عناء البحث فى تاريخ أسلافه. كان يعلم أن جده لأبيه، مارسيل سيرف، كان صائغ مجوهرات، وأن جده لأمه كان يعمل فى تجارة التبغ.

تشير المؤلفة إلى أن نيويورك، المدينة البارعة فى إخفاء ماضيها، تضم العديد من المواطنين البارعين فى إخفاء ماضيهم، ولم يكن أصل بينيت لغزًا بالنسبة له على الإطلاق. 

فى عام ١٩٤١، كان يبلغ من العمر ثلاثة وأربعين عامًا، عندما اضطر إلى تقديم تفاصيل عائلية حيوية لمدينة نيويورك بعد وفاة والده، جوستاف. أشارت شهادة الوفاة إلى أن والدة جوستاف ولدت فى ألمانيا، وليس فى أمريكا. 

بعد أيام قليلة من فقدان والده، استلهم بينيت فكرة تدوين شجرة عائلة مختصرة باسم «عائلة سيرف»، حيث دون أن جده لأبيه ولد فى قرية فى شمال ولاية نيويورك عام ١٨٣٤. 

مع ذلك، لم يكن اسم الجد مارسيل، وهو الاسم الذى ذكره بينيت فى روايته الشفوية؛ بل كان اسمه بينوا. التفسير الأرجح هو أن بينيت كان يحاول النأى بنفسه عن الاسم الأجنبى المحرج الموجود فى شهادة ميلاده. 

فى التقاليد اليهودية، يسمى الطفل على اسم قريب متوفى، وعندما ولد ابن جوستاف فى ٢٥ مايو ١٨٩٨، سمى الرجل الذى سيعرفه الأمريكيون باسم «بينيت سيرف» رسميًا «بينوا». كان جده قد توفى قبل ثلاث سنوات.

نموذج غير عادى

توضح الكاتبة أن فى منتصف القرن التاسع عشر، تعرف العديد من سكان مدينة نيويورك المتنامية على بعضهم البعض من خلال الأدلة السنوية التى كان يصدرها ناشرون طموحون. 

فى عامى ١٨٤٣-١٨٤٤، من بين إجمالى عدد سكان بلغ ٣٧١٫٠٠٠ نسمة، أدرج دليل دوجيت لمدينة نيويورك ٥٥٫٠٠٠ اسم، من بينهم لازاروس سيرف، جد بينيت الأكبر، الذى كان بائعًا متجولًا فى ٢٥٨ شارع ريفينجتون. بعد عام، أُدرجت كارولين، زوجته الأرملة حديثا، فى نفس العنوان.

وصل لازاروس وكارولين إلى أمريكا من فرنسا، على الأرجح من الألزاس؛ وكان بينيت يمزح أحيانا بأن أسلافه كانوا لصوص خيول فى ستراسبورج. اسم عائلتهم، المشتق من العبرية، يعنى حرفيا «غزال» أو «أيل»، ولم يكن غريبًا على اليهود الفرنسيين. «على الجانب الناطق بالألمانية من الحدود، كان الاسم «هيرش» أو «هارت»، ويحمل المعنى نفسه». 

من المحتمل أن لازاروس كان يصنع الساعات فى فرنسا: ففى عام ١٨٥٠، كان ابنه بينوا، البالغ من العمر ستة عشر عامًا، مسجلًا كصانع ساعات يعيش مع والدته، وبعد عام- مع شقيقه- أصبح صانع ساعات. 

بمجرد اندلاع الحرب الأهلية، خدم بينوا فى ميليشيا ولاية نيويورك. بعد عودته إلى الوطن، توسع الأخوان فى صناعة المجوهرات. بحلول عام ١٨٧٠، تزوج من ماتيلدا نيوويتر، المولودة فى بافاريا، وأنجبا أربعة أطفال. 

كان أوجستين، البالغ من العمر عامين، يعرف لاحقًا باسم جوستاف. جمع بينوا عقارات بقيمة ٣٥٠٠ دولار، وهو مبلغ لا بأس به؛ وفى غضون عقد من الزمن، نقل منزله وعمله إلى بروكلين عبر النهر.

كانت والدة بينيت، فريدريكا وايز سيرف، الخامسة من بين تسعة أبناء لناثان ودلفين وايز. ولدت الجدة دلفين فى لوكسمبورج أو ألمانيا- كانت الحدود غير ثابتة، تبعًا للحرب الأخيرة- ولكن بالتأكيد لم تكن فى نيويورك. 

توفيت فى يناير ١٨٩٣، بعد تسعة وعشرين يومًا من ولادة طفلها الأخير، هربرت، لذلك لم يعرفها بينيت قط، لكنه عرف زوجها. حتى بلغ العاشرة من عمره، كان على بينيت أن يقضى كل يوم أحد فى منزل جده. 

كان ناثان وايز يمتلك لحية «مثل الأخوين سميث»، كما يتذكر بينيت هذين الزوجين الشهيرين من الطبقة الأرستقراطية البروتستانتية البيضاء، واللذين زينت صورتهما علب أقراص السعال التى بيعت فى جميع أنحاء أمريكا فى القرن العشرين. 

لكن ناثان لم يكن من الطبقة الأرستقراطية البيضاء البروتستانتية: بل كان مهاجرًا يهوديًا صارمًا وصل من بريمن أثناء الحرب الأهلية. وذكر فى طلب جواز سفره أنه ذو أنف كبير ووجه طويل ولحية، وكان أول عنوان معروف له هو ١٧٠ شارع ريفينجتون. لذلك، وعلى الرغم من تباهى بينيت، فإن جدًا واحدًا فقط من أجداده ولد فى أمريكا «وليس فى مانهاتن». إنه حقًا نموذج غير عادى.

جايل فيلدمان

إعادة ابتكار

يعلق آرثر جيلب، رئيس تحرير صحيفة نيويورك تايمز سابقًا فى الكتاب على هذا الغموض، قائلًا: «كان سيرف مبالغًا بارعًا». كان يعرف كيف يخاطب جمهورًا غفيرًا، أو حتى مسجلًا صوتيًا وشخصًا واحدًا. 

وكأى بائع ناجح، كان يسوق لنفسه قبل كل شىء، وبصفته شخصية عامة وناشرًا، كان طمس الخط الفاصل بين الحقيقة والأسطورة سمة بارزة فى شخصية بينيت، وأثبتت فائدته الكبيرة.

تستكمل فيلدمان: لا يتذكر كريستوفر وجوناثان سيرف أن والدهما، الراوى البارع، قد أخبرهما شيئًا عن عائلة والدته. ومع ذلك، فإن ناثان وايز، رغم نسيانه، ليس من السهل نسيانه. فبين وصوله إلى الولايات المتحدة عام ١٨٦٣ ووفاته عام ١٩٠٨، جمع وايز ثروة طائلة. 

لم يقتصر تأثيره على طفولة بينيت فحسب، بل امتد ليشمل حياته بأكملها، وكان الإرث الذى تركه هو ما مكن حفيده من دخول عالم النشر. إلى حد ما، كان نسيان بينيت الذاتى بمثابة إعادة ابتكار نموذجية لليهود فى عصره، حين كانت معاداة السامية متفشية. 

تلفت إلى أنه بدلًا من البحث عن جذورهم ودراستها، كان من الأسهل دفنها تحت وطأة النسيان التاريخى والأسماء الأمريكية. لكن من المرجح أن هناك عوامل أخرى لعبت دورًا فى هذه الحالة.

تسرد المؤلفة بداية ناثان وايز ومسيرته فى تجارة التبغ. ففى خلال القرن التاسع عشر، كان السيجار هو المفضل لدى معظم الرجال، وأصبحت نيويورك مركزًا صناعيًا رئيسيًا فى البلاد. 

انخرطت فى هذه التجارة تقريبًا جميع جنسيات المهاجرين، لكن الألمان كانوا الأكثر انتشارًا، ومن بينهم اليهود. ومع بدء انتشار السجائر فى ستينيات القرن التاسع عشر، انخرط اليهود بقوة فى هذا المجال أيضًا. 

فى دليل المدينة لعام ١٨٧٤، ورد اسم «ناثان وايز، تاجر تبغ» فى ١٧٠ شارع ريفينجتون، ولكن بحلول عام ١٨٨٠، كان قد أسهم فى تأسيس رابطة تجارية، هى رابطة «تجار التبغ بالجملة» فى مدينة نيويورك، وانضم إلى يهودى ألمانى آخر، أدولف إم. بيندهايم، للعمل فى تجارة التبغ فى ٢٥٤ شارع كانال.

لكن سرعان ما ظهر لاعب جديد فى سوق التبغ. وصل جيمس بوكانان ديوك من ولاية كارولينا الشمالية عام ١٨٨٤ بطموح كبير، وفى غضون أشهر قليلة، أنشأ هذا الشاب الطموح مصنعًا لإنتاج السجائر بكميات كبيرة. 

بعد خمس سنوات، كان ديوك يصنع ويبيع ما يقارب نصف سجائر البلاد، وضغط على أربعة منافسين للانضمام إليه فى تأسيس شركة التبغ الأمريكية. كما تآمر للاستحواذ على تجارة السيجار، مستخدمًا منافسين مستقلين تعاونوا معه لسحق البقية.

وفى عام ١٨٩٩، أعلنت كل من صحيفتى نيويورك تايمز وول ستريت جورنال عن ظهور شركة «جديدة ضخمة»، هى شركة متروبوليتان للتبغ. ضم مجلس إدارتها أحد عشر مديرًا، من بينهم ثلاثة من عائلة بيندهايم، وزوجة أحد أفرادها، وناثان وايز. 

مع ذلك، انتقدت صحيفة بروكلين إيجل، فى صفحتها الأولى، شركة متروبوليتان لما كانت عليه: مجرد ستار لبارون جشع، وهى الشركة الاحتكارية التى استخدمها ديوك للسيطرة على توزيع التبغ فى منطقة نيويورك بأكملها.

وصف غامض

أشار بينيت إلى هذا الأمر عرضًا فى روايته الشفوية، قائلًا إن شابًا عرض على ناثان شراكة لم يرق ذلك لجده «المحافظ». «كان اسم الرجل ديوك.. اعتبره جدى شابًا طائشًا، وهو كذلك بالفعل. لكن مع ذلك، فقد جمع جدى مليون دولار عند وفاته».

تلفت الكاتبة إلى أن وصف الشراكة المقترحة يبدو غامضًا بشكل غريب. ففى البداية، يبدو أن ناثان رفض ديوك، إلا أن عبارة «لكن مع ذلك» توحى بأن ناثان جنى أمواله من خلال ديوك- وبالطبع، جمع ديوك ثروة طائلة. 

ومن الغريب أيضًا أن يكون بينيت، المعروف بتفاخره بأسماء المشاهير، غامضًا إلى هذا الحد، لا سيما وأن دار النشر «آر إتش» قد نشرت سيرة ذاتية لديوك ذكرت فيها شركة متروبوليتان. 

بل إنه كتب مقالًا موجزًا عن الكتاب، وعن «صندوق ديوك الاستئمانى متعدد الرءوس». ولكن على الرغم من استمتاعه الواضح بالارتباط بالمشاهير، إلا أن بينيت كان دائمًا ما يقول إنه يؤمن «بالخير». أما القسوة التى ربما كانت متأصلة فى العلاقة التجارية بين وايز ودوك فكانت شيئًا آخر تمامًا.

إنجاز بارز

بينوا سيرف «١٨٩٨-١٩٧١»، الذى غير اسمه إلى بينيت، ودخل عالم النشر بعد عمله فى صحيفة جامعة كولومبيا، متسلحًا فى سن الحادية والعشرين بهذه الثروة الطائلة. 

كان قد أمضى عدة سنوات فى شركة وساطة مالية فى وول ستريت، قبل أن يلتحق بالعمل لدى الناشر هوراس ليفررايت، المدافع البارز عن التعديل الأول للدستور الأمريكى «والذى كانت شركته أول من نشر أعمال إرنست همنجواى وويليام فوكنر الروائية». 

وفى عام ١٩٢٥، اشترى بينيت وصديقه المقرب دونالد من خلال جزء من هذه الثروة، سلسلة إعادة طبع الكتب التى كانت تعد جوهرة تاج ليفررايت، وهى سلسلة «المكتبة الحديثة»، وأسسا دار النشر الخاصة بهما. 

والتى بنت سمعتها من خلال توقيع كتب مثل «موت فى البندقية» لتوماس مان و«يوليسيس» لجيمس جويس. كان دفاعه القانونى الحازم عن الأخيرة هو ما سمح ببيع رواية جويس، التى منعت باعتبارها إباحية، فى الولايات المتحدة.

تصف فيلدمان، ذلك بالإنجاز البارز الذى دفع بسيرف وشريكه كلوبفر ودار النشر الناشئة رندوم هاوس إلى صدارة مشهد النشر فى أمريكا والعالم. 

تروى تفاصيل هذا الإنجاز فتقول: منذ عشرينيات القرن العشرين، حاول الناشرون نشر الرواية فى أمريكا على حلقات وفى كتب. 

إلا أن مجلاتهم «أعداد محلية من مجلة (ذا ليتل ريفيو) لمارجريت أندرسون وجين هيب، والتى كانت تنشر فصولًا من أعمال جويس وكتبهم أسست بائعة الكتب الأمريكية المغتربة، سيلفيا بيتش، دار نشر شكسبير وشركاه فى باريس عام ١٩١٩، ونجحت فى نشر يوليسيس هناك عام ١٩٢٢» صودرت وأحرقت، ومنعت باعتبارها موادا فاحشة، بموجب قانون كومستوك لعام ١٨٧٣.

ولكن تمكنت آلاف النسخ من التسلل، مخبأة فى حقائب المسافرين العائدين من أوروبا، أو بيعت سرًا من قبل قراصنة نسخوا طبعة بيتش، لكن الناشرين الأمريكيين حذروا من أنهم سيواجهون الاعتقال والسجن، إذا حاولوا نشر الكتاب علنًا. 

لم يكن جويس، الأيرلندى المنفى الذى عاش فى باريس، يجنى شيئًا من النسخ المقرصنة، وكان يتوق بشدة إلى العائدات التى ستمنحها له حقوق النشر المشروعة.

بحلول أواخر عشرينيات القرن العشرين، بدأ المشهد الرقابى يتغير. فقد كان موريس إرنست، المحامى البارع من نيويورك، يحقق انتصارات فى المحاكم؛ مما سمح بنشر كتب مثل رواية رادكليف هول عن الحب المثلى، «بئر الوحدة»، بشكل قانونى. 

وفى عام ١٩٣١، فكر «بن هوبش»، الذى نشرت دار النشر التى تحمل اسمه روايتى جويس «أهل دبلن» و«صورة الفنان فى شبابه» عام ١٩١٦، والتى اندمجت لاحقًا مع دار «فايكنج برس»، فى رفع دعوى قضائية لإطلاق سراح رواية «يوليسيس». وكذلك فعل آخرون، بمن فيهم بينيت سيرف ودونالد كلوبفر، الأقل خبرة بكثير.

عرض منافس

توضح المؤلفة أنه بعد إعادة تنظيم سلسلة «المكتبة الحديثة»، أسسا فى عام ١٩٢٧ دار «رندوم هاوس» لنشر كتب جديدة. كانت «المكتبة الحديثة» قد اشترت حقوق إعادة طبع كتابى جويس من هوبش، وأحسنت التعامل معهما. 

مع ذلك، أدرك بينيت ودونالد أنه نظرًا لتاريخ هوبش الطويل مع جويس، فإنه يملك الأولوية، واقترحا أنه فى حال نجح فى نشر رواية «يوليسيس» بشكل قانونى، فسيمنحان «المكتبة الحديثة» حقوق إعادة الطبع فى المستقبل.

التقى إرنست وهوبش. كان إرنست يرغب بشدة فى اللجوء إلى القضاء لتحرير رواية «يوليسيس». قدم هوبش عرضًا لجويس، لكن لأسباب مختلفة، لم تستكمل المفاوضات، فسلم هوبش زمام الأمور إلى بينيت ودونالد، اللذين قدما عرضهما الخاص. 

مع ذلك، كان جويس نفسه قد تعاقد بالفعل مع وكيلين أدبيين عبر الأطلسى، وهما الأخوان بينكر، اللذان تمكنا من الحصول على عرض منافس من دار نشر «ويليام مورو»، وهى دار نشر فى نيويورك تأسست قبل عام من دار «رندوم هاوس». 

فضل الأخوان بينكر دار مورو على الأرجح لأسباب مالية، وربما أيضًا لأنها كانت دار نشر ذات أغلبية بيضاء بروتستانتية، بينما كان بينيت ودونالد يهوديين. فى ذلك الوقت، كانت معاداة السامية منتشرة على نطاق واسع فى الولايات المتحدة. 

كان إرنست سيخوض القضية نيابة عن دار النشر التى يفضل جويس عرضها. كان كلا العرضين متشابهين إلى حد كبير. لكن كيف نجحت دار رندوم هاوس فى إقناع جويس بقبول عرضها بدلًا من عرض مورو؟.

طبيعة عفوية

تشير الكاتبة إلى أن اسم دار «رندوم هاوس» كان أشبه بنكتة، دلالة على الطبيعة العفوية لبرنامج النشر المبكر، لكن نية سيرف فى أن يصبح «أحد أعظم ناشرى البلاد» كانت مدروسة جيدًا: فقد دافع عن مسيرة الكتاب، ووعد أمثال تيد جيزل، المعروف أيضا باسم دكتور سوس، بأنه «سينشر كل ما يكتبه، للكبار والصغار»، ونشر سلسلة من أعمال عظماء، بعضها صعب الفهم: شتاين، فوكنر، أودن، إليسون، ميشنر، كابوتى، أنجيلو، ويلتى- والقائمة تطول. 

فى الوقت نفسه، بنى لنفسه سمعة خاصة كمؤلف لكتب نكات غالبًا ما تكون مملة، وكاتب عمود فى إحدى الصحف، وصديقًا لنخبة هوليوود «كانت ابنة عم زوجته جينجر روجرز»، وظهورًا تلفزيونيا متكررًا، كل هذا يتناسب مع طبيعة رجل وصف نفسه بأنه «ممثل فاشل». 

تعلق فيلدمان، أنه على الرغم من أن العديد من مساعى سيرف اللا منهجية ربما أثارت إعجاب بعض دعاة النشر المتشددين باعتبارها غير لائقة، إلا أنها ساعدت جميعها فى بيع الكتب، من الروايات الرومانسية الرخيصة إلى أرقى الأعمال الأدبية.

تدخل مقنع

تذهب المؤلفة إلى فبراير ١٩٣٤، بعد فترة وجيزة من نشر دار «رندوم هاوس» نسخة يوليسيس فى الولايات المتحدة. فى ذلك الشهر، نشر مقال بقلم بينيت فى مجلة كونتمبو الأدبية، يروى فيه قصة نشر الكتاب. 

ذكر بينيت شخصيتين «بارزتين» تعملان فى مكتب وساطة بوسط المدينة، أحدهما إيرفينج سارتوريوس والآخر روبرت كاستور. وقد حرص بينيت على وصف كاستور بأنه «خجول لدرجة أن قلة من الغرباء سمعوا باسمه.. ويقال إنه يمتلك ثروة طائلة».

فى ديسمبر ١٩٣١، كتب بينيت أنه استدعى من قبل كاستور، الذى كان على وشك السفر إلى أوروبا، وسأله عما إذا كان يرغب فى أن يبلغ بينيت جويس شخصيًا أنه ودونالد مستعدان «للمشاركة فى المعركة» من أجل يوليسيس.

توضح الكاتبة أن سارتوريوس الذى كان يرأس شركة وول ستريت التى تحمل اسمه، والتى عمل بها بينيت قبل دخوله عالم النشر، كان كاستور شريكًا له فى الشركة.

وكان ابن جويس، جورجيو، قد تزوج من امرأة تدعى هيلين كاستور فليشمان، وهى مطلقة ثرية من مواليد نيويورك، تكبره بأحد عشر عامًا. 

تروى فيلدمان أن هذه المرأة قد بذلت جهدًا لإقناع جويس وابنه، كما كتب كاستور فى إحدى رسائله، بأن «مصلحة جويس الفضلى» تكمن فى بينيت سيرف. 

تقول: لم يكن كاستور «ثريًا جدًا»، ولم يكن خجولًا. أكد لى أقاربه أنه كان «اجتماعيًا»، بل و«صوته جهوريًا». كان بينيت يحب المزاح واللعب والمبالغة، وقد أوحى لى حسى المرهف تجاه ذلك بأن ثمة أمرًا أهم يدور فى هذه القصة تحديدًا.

تتساءل: لولا التدخل المقنع لروبرت كاستور وهيلين كاستور جويس- اللذين منحا والد زوجها فى منعطف حاسم من المفاوضات الحفيد الذى طالما رغب فيه- هل كانت دار رندوم هاوس، حتى مع قدرات بينيت الإقناعية وذكائه، ستنتصر فى النهاية؟٪

تشير إلى أنه قبل اثنين وتسعين عامًا، فى السادس من ديسمبر عام ١٩٣٣، عندما أصدر القاضى جون مونرو وولسى حكمه النهائى لصالح رواية «يوليسيس» فى إحدى قاعات محاكم نيويورك، كان مؤلفها أيرلنديًا. لكن المحامين والناشرين والوسطاء الأساسيين كانوا من سكان نيويورك.

بدم بارد

تنتقل المؤلفة إلى قرار بينيت سيرف ببيع دار «رندوم هاوس» لشركة راديو أمريكا فى أوائل عام ١٩٦٦، الذى تصفه بأنه فتح بابًا للمجهول، لكن أيامه ظلت مرتبطة بالعمل الذى عرفه وأحبه. 

امتلأت مذكراته بأسماء فيليب روث، وجون أوهارا، وتيد سوس جيزل، وجيمس ميشنر، وويليام ستيرون، لكن لم يكن هناك كاتب أكثر حضورًا من ترومان كابوتى، الذى نشر كتابه الأخير، رواية «بدم بارد»، التى كانت فى الأصل تحقيقًا صحفيًا طويلًا على أربع حلقات أسبوعية فى مجلة «ذا نيويوركر».

وتعتبر اليوم ثانى أكثر روايات الجريمة مبيعًا فى تاريخ نشر الكتب فى العالم، بعد أسبوع من الإعلان عن اتفاقية شركة راديو أمريكا.

مر أكثر من ست سنوات منذ أن عثر كابوتى، الذى كان يبحث عن مشروع كتابى سريع لكسب بعض المال، على خبر من وكالة أنباء من كانساس أثناء تصفحه الصفحات الأخيرة من صحيفة نيويورك تايمز. 

كان الخبر، المؤرخ فى ١٦ نوفمبر ١٩٥٩، بعنوان «مقتل مزارع ثرى وثلاثة من أفراد عائلته». قرأ أن هربرت دبليو. كلوتر، البالغ من العمر ٤٨ عامًا، مالك ألف فدان، قد قتل مع زوجته وابنه وابنته المراهقين، بعد أن تم تقييدهم وتكميم أفواههم، برصاص بندقية صيد من مسافة قريبة فى مزرعتهم المعزولة خارج بلدة هولكومب. 

قُطعت خطوط الهاتف، لكن لم يُسرق شىء. اكتشف اثنان من زملاء ابنة كلوتر فى المدرسة هذه الجريمة البشعة؛ حتى وقت كتابة هذا التقرير، لم يتم تحديد أى مشتبه به.

آثار الجرائم

حصل كابوتى على موافقة ويليام شون، محرر مجلة نيويوركر، لتوضيح آثار جرائم القتل على مجتمع كانساس الصغير. كان عليه السفر إلى البرارى المسطحة الباردة، واستكشافها، والتعرف على مكان غريب عنه تمامًا، كأى مكان عرفه خلال أسفاره فى الخارج. 

مع أن كابوتى لم يتوقع حينها أن يمتد المقال إلى حجم كتاب، إلا أنه سارع لإخبار بينيت، لأنه كان بحاجة إلى مساعدته: لم يكن يعرف أحدًا فى كانساس، وشون، الرجل الخجول جدًا، لم يكن لديه أى معارف. من ناحية أخرى، كان «بيج دادى»، كما كان ترومان يحب أن ينادى ناشره مازحًا، لديه أصدقاء فى كل مكان.

«أنت؟ فى قرية صغيرة غرب كانساس؟» ضحك بينيت، ثم عاد إلى جديته: يمكن لترومان الاعتماد على مساعدته. فى رحلة لإلقاء محاضرات قبل خمس سنوات، زار كلية ولاية كانساس، حيث أمضى، بالإضافة إلى محاضرته الرسمية، يومًا مع طلاب اللغة الإنجليزية. 

وبصفته شخصية مشهورة، التقى أيضًا رئيس الكلية، جيمس مكين، وأعجب به لدرجة أنه أشاد بالكلية فى عموده «رياح التجارة» فى مجلة «ساترداى ريفيو». طلب منه مكين التواصل معه إذا كان بإمكانه تقديم أى مساعدة. 

الآن، رفع بينيت سماعة الهاتف لتجديد التواصل، وكان محظوظًا. كان مكين يعرف عائلة كلاتر، وكان على دراية بشخصيات بارزة فى جاردن سيتى، أقرب مدينة كبيرة إلى هولكومب. 

سيكتب رسائل تعريفية ويجرى مكالمات، لكنه فى المقابل يريد من كابوتى قضاء أمسية مع قسم اللغة الإنجليزية. لم يكن كتاب نيويورك يترددون على مانهاتن «كانساس» كل أسبوع.

قبل بينيت دعوة ترومان، وعندما أخبره ماكين بأنه سيزور نيويورك مع عائلته فى عيد الميلاد، سارع بدعوتهم لتناول الغداء فى منزله رقم ٢١. كانت دعوة شكر، وفرصة لسماع تقرير مباشر عن أنشطة ترومان، إذ كان وراء مزاحهما الخفيف مودة حقيقية بين الرجل المسن و«الفتى الصغير الغريب» الذى نشأ فى رندوم. 

فى بعض الأحيان، كان بينيت قلقًا عليه، وتولى بنفسه مهمة إعداد ماكين- ليتمكن ماكين من إعداد الآخرين- لهذا اللقاء. اعترف بينيت بأن الناس عندما يلتقون كابوتى، غالبًا ما يميلون إلى «الضحك»، لكن «لا تدع الانطباع الأول يخدعك».

مع ذلك، حتى مع وجود ماكين، كان كابوتى يدرك تمامًا أن قرية ريفية متوترة تعانى من جرائم قتل متعددة قد لا ترحب بشخص غريب ذى صوت حاد، يبدو أصغر بكثير من عمره البالغ خمسة وثلاثين عامًا، يتجول فيها.

دور المحقق

تشير الكاتبة إلى أن كابوتى أراد صديقًا يرافقه ليؤنسه ويساعده فى البحث، حتى لا يطيل البقاء. كان التوقيت مثاليًا لرفيقة طفولته نيل هاربر لى، التى كانت سعيدة بلعب دور المحقق بجانبه: فالمغامرة ستصرفه عن حالة الترقب المزعجة لانتظار نشر روايتها «أن تقتل طائرًا بريئًا» فى الصيف التالى. 

قبل ذلك بثلاث سنوات تقريبًا، أتيحت لها فرصة عرض كتاباتها على دار رندوم هاوس للنشر؛ تحدث كابوتى مع المحرر ألبرت إرسكين عنها، وطلب إرسكين الاطلاع على أعمال لى. 

كانت قد أعطت بعض القصص لوكيل أدبى، وسرعان ما تبعتها الصفحات الخمسون الأولى من رواية. ومع ذلك، أخبرت إرسكين بأن ما لديها معروض بالفعل للنشر، رافضة عرضه بأدب. 

أرسل الوكيل الصفحات إلى دار ليبينكوت للنشر. كان بينيت- الذى اعتبر لاحقًا رواية «أن تقتل طائرا بريئًا» من أروع الروايات فى السنوات الأخيرة- مقتنعًا بأن لى ظنت أن آر إتش ستنشرها «لمجرد إرضاء ترومان»، وأرادت «نشرها بنفسها». 

لكن مساعدة كابوتى فى عمله كانت مختلفة. كانت هناك حاجة ماسة إليها: عندما وصلوا فى الأسبوع الثانى من ديسمبر، أثارت أولى مشاهدات كابوتى الشكوك والريبة.

مسار مأساوى

فى ٣٠ ديسمبر، أُلقى القبض على مشتبهين اثنين، ديك هيكوك وبيرى سميث، فى لاس فيجاس. اعترفا، وأعادهما ديوى إلى كانساس. أدرك كابوتى حينها أنه أمام ما هو أكثر من مجرد مقال فى مجلة نيويوركر: بل أمامه مسار مأساوى كامل لرواية. 

مع أن محققين آخرين شاركوا فى القضية، إلا أنه وجد بطلًا فى آل ديوى الوسيم، ومجرمين فى الرجلين. سيتعمق فى فهم ما شكل شخصياتهما ودوافع جرائم القتل، وما يخبئه لهما القدر، مع خطته الأصلية لتحليل الضحايا ومجتمعهم. 

بمعنى ما، سيسلك طريقًا عريقًا: فقد استقى روائيون مثل بلزاك ودرايزر من وقائع الصحف كنقطة انطلاق. 

لكن ما ميز كابوتى هو رغبته فى ابتكار سرد واقعى يظهر، من خلال اهتمامه بالأسلوب والشخصيات والأجواء والصوت والإيقاع، جميع سمات أفضل الأعمال الروائية، مع الالتزام بالحقائق. 

تلفت فيلدمان إلى أن هذا كان شيئًا جديدًا. وبحماس شديد، وقع بسرعة عقدًا مع بينيت، وسرعان ما أصبح يزور القتلة فى السجن يومًا بعد يوم، مصممًا على كسب ثقتهم، والتحديق فى أعماق أرواحهم.

كان ديك هيكوك أبيض البشرة فى الثامنة والعشرين من عمره، وبيرى سميث أسمر البشرة فى الحادية والثلاثين- قريبين فى العمر من كاتب قصتهما. وبينما ميز قصر قامة كابوتى وصوته الحاد عن غيره، كان هناك شىء ما غير طبيعى فى كليهما. 

فقد تعرض هيكوك لحادث سيارة ترك عينيه غير متساويتين ووجهه مشوهًا بعض الشىء؛ ونشأ فقيرًا فى مزرعة صغيرة، وتطلق مرتين، وارتكب جرائم بحثًا عن المال السهل، وكان لئيمًا وقاسيًا، وكان يعلم ذلك. 

أما وجه سميث، بعينيه السوداوين، فكان يبدو وكأنه يتوسل التعاطف. فقد ألحق حادث دراجة نارية أضرارًا بالغة بساقيه، حتى أصبح قصير القامة تقريبًا مثل كابوتى، لكن ما ميزه حقًا هو ما يخفيه من حزن: أم مهملة مدمنة على الكحول ماتت صغيرة، وأب هجر العائلة، وطفولة قاسية فى دور الأيتام والملاجئ. 

اعترف سميث بأنه قتل اثنين من عائلة كلاتر، مع أن هيكوك قال إن سميث هو من قضى عليهم جميعًا، وهو ما وافق عليه كابوتى لاحقًا. ومع ذلك، فقد سحر سميث كابوتى، بطريقة مرعبة للغاية. استطاع كابوتى أن يرى فيه الكثير.

بعد عودته من كانساس فى أواخر يناير ١٩٦٠، التقى بينيت كثيرًا. وفى مارس، عاد هو ولى لمتابعة محاكمة سريعة استمرت أسبوعًا واحدًا، وكانت نتيجتها واضحة. 

أُدين سميث وهيكوك، وحكم عليهما بالإعدام شنقًا فى ١٣ مايو، لكن كابوتى لم يكن ينوى القيام برحلة أخرى لمشاهدة ذلك. وبمجرد عودته إلى نيويورك، ألمح إلى أن الكتابة لن تستغرق وقتًا طويلًا- على الأقل، هذا ما كان انطباع بينيت. 

عجلة العدالة

توضح المؤلفة أن كابوتى كان عائدًا إلى أوروبا هربًا من صخب الحياة الاجتماعية، ليتفرغ للكتابة. وفى مؤتمر المبيعات الربيعى، لم يستطع بينيت إلا أن يخبر مندوبى المبيعات عن الكتاب. 

كتب إلى ترومان قائلًا: «كانت ألسنتهم متلهفة» و«أقلامهم جاهزة» لتلقى الطلبات، لكن الأمر سيستغرق وقتًا أطول بكثير مما تخيل أى منهما قبل أن يتمكنا من ذلك: فقد استأنف سميث وهيكوك الأحكام، ودارت عجلة العدالة وفقًا لإدراكهما الخاص للوقت.

بينما كان كابوتى يعمل عبر المحيط الأطلسى، ظل بينيت على اتصال به. كانت دار رندوم هاوس قد طرحت أسهمها للاكتتاب العام، فأرسل له آل سيرف هدية عيد ميلاد عبارة عن خمسة أسهم. 

كان بينيت يعلم جيدًا ألا يلح عليه بشأن الكتاب. مع ذلك، عندما توفى إرنست همنجواى فى يوليو ١٩٦١، ما أثار تساؤلات حول مكانة الأدباء الأمريكيين، توقع بينيت أن كابوتى، الذى يبعد عنه آلاف الأميال، سيتساءل عن موقعه بينهم. 

كان ترومان قد أمضى فى الخارج قرابة عام ونصف، ولتخفيف قلقه بشأن التقدم، ذكره بينيت قائلًا: «كم نفتقدك بشدة!»، مضيفًا: «لقد صنفك بيل ستيرون كواحد من أهم الكتاب.. اليوم». 

عندها فقط ذكر الكتاب، معترفًا بنفاد صبره، لكنه كان يعلم أن كابوتى سينهيه «عندما يرقى إلى المستوى العالى الذى وضعته لنفسك وحافظت عليه». 

لكن مهما كانت دقة تذكيره، بعد بضعة أشهر، أرسل ترومان برقية «مستاء للغاية» يطالب فيها بمعرفة ما إذا كانت دار رندوم هاوس تنوى نشر كتاب آخر عن كلاتر، من تأليف شخص يدعى «ماك نيشنز».

أجاب بينيت على الفور بأنه بالطبع «لن يفعل شيئًا كهذا أبدًا»، متسائلًا من أين استقى ترومان هذه الفكرة. لكن اتضح أن مشروع نيشنز كان موجودًا بالفعل. فقد أجرى نيشنز، وهو مراسل من بلدة صغيرة فى كانساس يتمتع بنفوذ سياسى، مقابلات مع ديك هيكوك والعديد من السجناء الآخرين لكتابة قصة عن المحكوم عليهم بالإعدام.

وبينما كان كابوتى فى الخارج، قرر هيكوك أنه إذا كان لأحد أن يستفيد من كتاب عن حياته، فهو هو. فوقع عقدًا يقضى بتقسيم الأرباح مناصفة بينه وبين نيشنز، الذى أجرى معه مقابلة، وفى ديسمبر من ذلك العام، نشر نسخة مختصرة من مخطوطته فى مجلة «مال»، وهى مجلة مغامرات رخيصة.

كان كابوتى قلقًا للغاية، حتى إنه أفصح لعائلة ديوى أن ضغط الكتاب كان يصيبه بالغثيان كل صباح. ولكن سرعان ما أصبح بينيت هو مَن يسعى إلى الطمأنينة.

بدأت شائعة تنتشر مفادها أن كابوتى يفكر فى عرض من دار «ماكجرو هيل» للحصول على المزيد من المال. وعندما نقلت هذه الشائعة إلى عائلة سيرف فى حفل عشاء، انفجرت فيليس غضبًا: «سيبقى ترومان كابوتى مع دار رندوم هاوس ما دمنا أنا وبينيت وهو على قيد الحياة، ومن أخبركم بهذه القصة كاذب مخادع!».

لم يجد الراحة الحقيقية إلا بعد شهرين، عندما عاد ترومان نفسه إلى نيويورك لفترة وجيزة فى طريقه إلى كانساس، حيث سيجرى مقابلة مع شقيقة سميث، ويلتقى القتلة المحكوم عليهم بالإعدام. 

كان قد سمع أنهم قد يمنحون محاكمة جديدة بسبب خطأ قانونى فادح، وكان يائسًا من التأخير. مكث مع عائلة سيرف لمدة خمسة أيام، مطمئنًا إلى عاطفتهم ولطف بينيت الذى وجده فيه. 

الرواية اللعينة

تلفت الكاتبة إلى أنه بعد سنوات، أخبر كابونى كاتب سيرته كيف استطاع التحدث بصدق إلى ناشره، الذى كان، وراء مظهره العام البراق، رجلًا «حساسًا للغاية». عندما كانا معًا، كان بينيت هو المستمع. 

لكن من نواحٍ أخرى، أثبتت زيارة نيويورك صعوبتها. شعر كابوتى بالغربة عن أصدقائه الذين كانوا يتهافتون لرؤيته، والذين تدافعوا إليه، متوقعين أن يستمتعوا بشخصيته المرحة التى يعرفونها. 

بدلًا من ذلك، شعر بأنه محاصر فى مكان كئيب شديد الوضوح، لدرجة أنه شعر بالرعب من أحلامه. انغمس فى روتين كتابة لا يهدأ، وفى سعيه الدءوب نحو الكمال، فلم يعد يفكر إلا فى رواية «بدم بارد». أراد التخلص من تلك الرواية اللعينة، لكن السبيل الوحيد كان كتابة تلك الرواية اللعينة. لقد أصبحت حياته.

أحضر هدية ثمينة إلى دار نشر سيرف: مائتى صفحة من المخطوطة. لم يسمح إلا لبينيت وشون من مجلة نيويوركر بقراءتهما، وقد انبهر بينيت بمدى تطور كابوتى ككاتب. ورغبة منه فى مشاركة مشاعره مع شخص يفهمها، كتب إلى جيم مكين أن رواية «بدم بارد» ستكون «واحدة من أعظم» الكتب الأمريكية فى هذا النصف قرن، ثم أكد لاحقًا للناشر البريطانى جيمى هاميلتون أنها «واحدة من أهم» الكتب التى حظيت أى من الدارين «بشرف» طباعتها.

حظ القتلة

عاد كابوتى إلى أوروبا، لكن رغم إيمان بينيت وتشجيعه، ازداد شعوره سوءًا، وتضاربت مشاعره واضطربت. لقد أصبح مولعًا بسميث بشكل خطير، متماهيًا جدًا مع شبيهه المظلم. علاوة على ذلك، كان يعلم أن كلا الرجلين يعتمدان عليه لمساعدتهما فى النجاة من حبل المشنقة. حاول مساعدتهما، مقترحًا عليهما محامين وما إلى ذلك، لكنه كان بحاجة أيضًا إلى أن يتحدثا، فكيف له أن يثنيهما عن أوهامهما؟ 

أخبر بينيت بأنه يحتاج إلى عام آخر على الأقل لإكمال الكتاب، لكنه أدرك بوضوح تام أن الفصل الأخير لا يمكن كتابته إلا بعد تنفيذ حكم الإعدام.

مر أربع سنوات على نشر رواية «فطور فى تيفاني». وللحفاظ على اسم كابوتى حاضرًا فى أذهان القراء، رأى بينيت أنه من الحكمة تجميع مختارات من أعماله السابقة التى لم تنشر فى كتاب من قبل. 

وساعده ترومان فى اختيار هذه المختارات، فقد يكون هذا التغيير مفيدًا له. وعندما نشرت «مختارات من كتاباته» عام ١٩٦٣، أُهديت إلى بينيت. وأعيد طبع الكتاب لاحقًا فى مكتبة «مودرن لايبرارى»، وهو تكريم أسعد مؤلفه كثيرًا. 

أنهى بينيت الجزء الثالث من «بدم بارد» فى فبراير ١٩٦٣، واستمر فى العمل، لكن القلق تملكه بعد أن علم بأن هيكوك وسميث قدما استئنافًا فى المحكمة الفيدرالية لإعادة المحاكمة. 

وخشى أن ينهار نفسيًا إذا قبل استئنافهما، وكان قد بدأ بالفعل فى الإفراط فى الشرب. وأخيرًا، فى ٢٠ فبراير ١٩٦٥، بعد أكثر من خمس سنوات من وصوله هولكومب، كتب إلى بينيت قائلًا: «لقد انتهيت بالأمس.. باستثناء بضع فقرات»، وقال إنه سيرسل المخطوطة بالبريد إلى محرره فى دار رندوم هاوس، جو فوكس.

رفضت المحكمة الاستئناف الأخير، لكن المحامين حصلوا على تأجيل آخر لتنفيذ الحكم. مع ذلك، كان كابوتى متأكدًا من أن حظ القتلة قد نفد. فى مارس ١٩٦٠، عندما صدر بحقهم الحكم لأول مرة، لم يشعر بالحاجة إلى حضور الإعدام. 

الآن، أصبحت حياته مرتبطة ارتباطا وثيقا بحياتهم. كان لكل منهم الحق فى طلب شاهد، وكانوا يريدونه. بعد أن تورطوا إلى هذا الحد، أدرك أنه لا بد له من إنهاء الأمر برؤيتهم يشنقون. 

رحلة طويلة

تشير فيلدمان إلى أنه لم يستطع الذهاب بمفرده. جعلت الظروف الدور غير مناسب لبينيت، وكان الجميع يعلم أن شون يعانى من رهاب. مع ذلك، لن يخذله بينيت: سيذهب شخص آخر من دار رندوم. 

كما فعل ساكس كومينز، أول محرر عظيم فى دار رندوم، سيتولى جو فوكس، بصفته محررًا، رعاية كابوتى. كان الرجلان نقيضين تمامًا، لكن فوكس كان يعرف كيف يتحدث معه.

وصلوا إلى مدينة كانساس سيتى ولجأوا إلى فندق موهلباش. اضطر فوكس للرد على مكالمات متكررة من مساعد مدير السجن، الذى كان يتصل نيابة عن سميث وهيكوك، اللذين كانا يرغبان بشدة فى التحدث إلى كابوتى. 

لم يستطع فوكس ذلك. لم يستطع النوم أو مغادرة الغرفة؛ جلس يبكى. لقد قطع كل هذه المسافة، لكنه لم يكن متأكدًا من قدرته على حضور الإعدام شنقًا. ومع ذلك، فى ليلة ربيعية باردة ممطرة فى وقت متأخر من يوم ١٣ أبريل، انضم هو وفوكس إلى ثلاثة محققين من كانساس وتوجهوا إلى السجن، الذى يبعد نصف الساعة. 

دخل هو والمحققون لرؤية المحكوم عليهم. مر الوقت، ثم عاد، وأشار إلى فوكس ليتبعه، ثم قدمه إلى هيكوك وسميث: كان موقفًا محرجًا وغير مدروس، ولكنه مفهوم. 

لم يكن لديه أدنى فكرة عما يفعله. بعد منتصف الليل، نقل الرجال إلى مستودع حيث كانت المشنقة تنتظرهم. بقى فوكس فى الخارج، لكن كابوتى شاهد ديك هيكوك يشنق. عندما جاء دور بيرى سميث، لم يستطع المشاهدة.

قبل صعودهم إلى الطائرة فى مدينة كانساس، اتصلوا ببينيت. انخرط كابوتى فى البكاء طوال رحلة العودة إلى نيويورك، ممسكًا بيد فوكس بقوة. كانت رحلة طويلة، وشعروا بأنها أطول: لم يتوقف بكاؤه. 

لم يكن بوسع فوكس سوى أن يحتضن يد ترومان، ويحدق أمامه مباشرة، متظاهرًا بكبرياء حزين، ويحاول أن يتظاهر بأن الناس من حولهم غير موجودين.