الجمعة 02 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

«ذا نيويوركر».. 100 عام من الكتابة المؤثرة

حرف

- «ذا نيويوركر» فازت بجائزة بوليتزر 11 مرة ونشرت 13 ألف قصة خيالية منذ تأسيسها

- فيلم وثائقى جديد يكشف قصة صمود واحدة من أهم المجلات الثقافية

مجلة غنية عن التعريف، تعرف قدر نفسها حق المعرفة، يتهمها الناس بأنها نخبوية، لكنها على العكس تشتهر بتعقيباتها على الثقافة الشعبية، وعلى الثقافة الأمريكية غير الاعتيادية، لتصبح واحدة من أهم الصحف الأسبوعية فى أمريكا والعالم.

هى مجلة «ذا نيويوركر» التى تعنى بالعربية «النيويوركى»، أو الشخص الذى يسكن فى مدينة أو ولاية نيويورك، ولا عجب فى أن يخرج من هذه المدينة- التى تشتهر بأنها المركز الرئيسى للمال والأعمال- مجلة أمريكية رائدة فى النقد والمقالات والقصص والروايات الخيالية والمراجعات الأدبية والرسوم الكاريكاتيرية والشعر.

إلى جانب ذلك تشتهر بتغطيتها الصحفية للمواضيع السياسية والاجتماعية. ورسومها الكرتونية الموزعة داخل كل عدد، والتى جعلتها منصة للفكاهة الذكية، كما عرفت بتقديمها لمفاهيم مثل «تفاهة الشر».

لتتربع بذلك على عرش أهم ثلاث مجلات ثقافية أمريكية بجانب هاربرز وذا أتلانتيك، وتفوز بإحدى عشرة جائزة بوليتزر منذ عام 2014، ولا تزال تصدر مطبوعة حتى اليوم، مع التوسع فى تقديم خدماتها الرقمية.

الذكرى المئوية

«صحافة جريئة لا تخفى الحقيقة، ومؤلفات خيالية شكلت ملامح العصر، ورسوم متحركة فكاهية»… عبر هذه اللمحة عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها، احتفلت المجلة العريقة بالذكرى المئوية لإصدارها، وذلك فى فيلم وثائقى جديد على نيتفلكس، إلى جانب مجموعة من الإصدارات الخاصة والفعاليات.

الفيلم الذى جاء باسم «نيويوركر فى عامها المئة» صدر فى ٥ ديسمبر الحالى، بعد أن عرض لأول مرة فى مهرجان «تيلورايد السينمائى الثانى والخمسين» فى أغسطس الماضى، ويستغرق ٩٧ دقيقة، وهو من إخراج مارشال كارى.

يبدأ الفيلم باجتماع للتحضير لعدد الذكرى السنوية المائة، وتكون الكلمة الأولى لرئيس التحرير الحالى ومحرر المجلة من عام ١٩٩٨ وحتى الآن، ديفيد ريمنيك، والذى يقول: «كل قصة رائعة قدمناها على مدار الـ١٠٠ عام الماضية تبدأ بفكرة رائعة، يتبع كتابنا هذه الأفكار أينما تقودهم، يعمل الكتاب مع المحررين، ثم يرسل المقال إلى قسم تدقيق الحقائق».

يضيف ريمنيك: المجلة عبارة عن منشور يحتوى على ١٥ ألف كلمة، يتخللها رسوم هزلية، ولا تضع صورة على الغلاف ومع ذلك نجحت وازدهرت- هذا مذهل.

تقوم حبكة الفيلم على الانتقال بين الماضى والحاضر الخاص بالمجلة من خلال شهادات متنوعة تاريخية وآنية، حول أهم القضايا التى غيرت بها المجلة الثقافة العالمية، وأيضًا تأثيرها الحالى وأسرار العمل بها، وقصة حفاظها على نجاحها.

يذهب بعدها الفيلم إلى الكشف عن تاريخ تأسيس المجلة فى نيويورك، على يد مؤسسها «هارولد روس» فى عام ١٩٢٠، والذى صادق مجموعة من الكتاب العاملين بدوام جزئى وكتاب فكاهيين.

عرف وقتها أنه هو وزوجته «جين جرانت»، ابتكرا فكرة عمل نوع جديد من المجلات الفكاهية، قالا للناس أنها ستكون مجلة أسبوعية لمثقفى «مانهاتن» النبلاء.

لم يتوسع الفيلم فى الحديث عن جرانت، المؤسسة المشاركة للمجلة، التى كانت أول صحفية فى قسم الشئون المحلية بصحيفة نيويورك تايمز. التقت روس فى أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى، وتزوجا لاحقًا وأسسا المجلة معًا، بعد أن استقطبا الممول الرئيسى للمجلة، رائول فليشمان.

الطريف أن روس نفسه لم يكمل تعليمه الثانوى، وكان قادمًا من بلدة تعدين بسيطة فى ولاية «كولورادو» الأمريكية، غير أنه استقطب أصدقائه الأذكياء لكتابة مقالات ساخرة ورسومات هزلية حول المجتمع والثقافة.

عين مصممًا لعمل خط فريد وشعار رمزي يتهكم على المظهر المتأنق للمجلة، ومن باب المزاح أسموا ذلك المغرور المتأنق «يوستاس تيلى» ذا القبعة العالية، وأنشأت مجلة ذا نيويوركر.

الغريب أيضًا أن الفيلم لم يشر إلى اسم هذا المصمم «ريا إيرفين»، رغم أنه يعتبر هو مؤسس الصورة البصرية التى عرفت بها المجلة وشخصيتها الفريدة، هذا المحرر الفنى أيضًا كان له دور محورى فى تطوير رسوم المجلة الكاريكاتورية، التى مثلت تعليقاتها الموجزة ثورة فى عالم الفكاهة المصورة.

قصة صمود

حسب الفيلم، فإن المائة عام التى تلت ذلك، تمثل قصة صمود ومقاومة عنيدة وتغييرات جريئة وبعض من أكثر الأعمال الصحفية والقصص والرسوم تأثيرًا فى القرن.

يأخذنا الفيلم إلى فرانسواز مولى، المديرة الفنية للمجلة، والمسئولة عن إعداد الأغلفة، تقول مولى: «إلى أن ترى الغلاف لن تدرك ماهية شخصية العدد، يجب أن يخاطب الغلاف روح العصر، وفى الوقت ذاته يكون قطعة فنية لا يمحوها الزمن، والتى يمكن أن يتم تأطيرها وتعليقها على الحائط».

تعلق مولى: بصراحة هذا السعى المتكرر أسبوع بعد أسبوع، يطرد النوم من عينى قلقًا، حتى بعد ٣٠ عامًا.

تضيف: فى عدد المائة عام قال رئيس التحرير يجب أن نستخدم «يوستاس تيلى»، الذى كان موجودًا على غلاف أول عدد، مشيرة إلى أنها تفهم دافع القيام بذلك، لكنها كانت تريد فعل شىء مبتكر، لم يقدم من قبل.

حديث المدينة 

يوضح الكاتب الصحفى نيك بومجارتن، ماهية صفحات «حديث المدينة»، التى تعتبر أول صفحات المجلة، ويصفها بأنها أشبه بالمقبلات، فهى عبارة عن مقالات قصيرة فيها صورة صغيرة وتقارير بسيطة، بحيث يقدم كل مقال قصة صغيرة، من خلال البحث عن أشخاص وأمور مثيرة للاهتمام فى مدينة نيويورك.

يقدم المنتج التنفيذى لقسم الفيديو فى المجلة، بول موكلى، مجموعة من الشهادات لكتاب وفنانين ومفكرين من خلال سلسلة فيديوهات، وذلك لتكوين سجل تاريخى وشخصى، من خلال خبراتهم فى المجلة فى إطار الاحتفال بالمئوية.

يصف رونى تشينج، ممثل ومؤدى كوميديا، رسوم المجلة الهزلية، بأنها تجعلك تبدو وكأنها أذكى منك قليلا دوما.

تشرح فى الإطار نفسه روز تشاست، رسامة بالمجلة، عملها، فتقول: لم أفكر فى القيام بأى شىء باستثناء الرسم منذ وصلت لعمر الثالثة أو الرابعة، أظن إنك لا تعمل بهذه الوظيفة إلا إذا كنت لا تستطيع القيام بغيرها.

تضيف: أدون الأفكار طوال الأسبوع تكون نصف مكتملة ومجرد رسومات عادية، وفى العادى أرسمها جزافًا.

يقدم الفيلم تعريفًا بسيطًا لبطل الفيلم، وهو رئيس تحرير المجلة الحالى والذى يعد الخامس فى تاريخ المجلة، فيقول إن البعض دعاه ب «مايكل جوردان» الصحافة، وهو يبلغ من العمر ٦٥ عامًا.

بدأ ديفيد ريمنيك حياته المهنية ككاتب فى مجلة «ذا واشنطن بوست»، حيث قدم كمراسل أجنبى فى روسيا، وصنع الفائز بجائزة بوليتزر اسمًا لنفسه، بكتابة مقالات عميقة تقدم لمحات تعريفية، بداية من البابا إلى الملاكم الأمريكى «مايك تايسون».

تنتقل دفة الحديث إلى رئيس التحرير مرة أخرى، فيوضح أن فى اليوم العادى تتم إقامة اجتماعات تخطيط، واجتماعات لطرح الأفكار، واجتماعات للتحدث عن السياسة، واجتماع بمحرر أو آخر لمجرد التحدث باستفاضة عن مقال معين، ويتفقد الأوضاع مع الكتاب.

تتدخل هنا إيما ألين، محررة رسوم الكاريكاتير، فتقول إن رئيس التحرير يذكرها أنها لا تعمل فى وظيفة شاقة، وتعلق إنها وظيفة تتعب العقل عمومًا، حيث تساور المرء موجات من الحيرة والاهتياج والاكتئاب.

تضيف: عندما أصل إلى الرسمة ٨٠٠ أحتاج إلى استراحة، تشير إلى أن ريمنيك يختار فى اجتماع الكاريكاتير من ١٠ إلى ٢٠ رسمة، من أصل ٥٠ إلى ٦٠ أحضرتها، والتى يفترض وضعها وسط المقالات الطويلة.

فالغرض منها هو اعتراضك فى أثناء القراءة ومفاجآتك، لتقدم لك لحظة وجيزة من الراحة والبهجة.

قصف هيروشيما

يعود الفيلم إلى عام ١٩٤٠، ويروى أن خلال أول عقدين أصبحت ذا نيويوركر هى المجلة الفكاهية والأدبية الناجحة، وذلك من مكاتبها فى شارع ٤٣، بنشر مقالات مشاكسة وساخرة مثل «لماذا نذهب إلى الكباريهات»، ورسوم هزلية جريئة وبها نقد، لكن تغير كل شىء، بحدوث الحرب العالمية الثانية.

بعد قصف هيروشيما، حظرت الحكومة الأمريكية نشر أى صور تظهر معاناة المدنيين، ولم يكن الشعب الأمريكى على دراية بما خاضه أولئك الناس، لكن رأى كاتب شاب يدعى «جون هيرسى» وجود قصة يلزم أن ترى.

تحدث إلى «ويليام شون» الذى كان فى ذلك الوقت المسئول الثانى فى المجلة، لكتابة مقال عن «هيروشيما»، حيث كانت معظم المقالات تتحدث عن قوة القنبلة الذرية، والتى كانت أقوى بألفين مرة من أى قنبلة صنعت قبلًا.

يروى هيرسى قصة المقال، فيقول إن بناء على ذلك ذهب إلى اليابان، وبدأ البحث عن ٥ أو ٦ أشخاص تقاطعت طرقهم معًا، وعاصروا ما حدث بشكل شخصى.

وفقًا للفيلم، فإن المقال الذى كتبه تسبب فى ثورة فى عالم الصحافة.. لم يكن مقالًا خياليًا، لكنه كتب من القلب وبدراما كانت موجودة فى قصة خيالية، ذلك الخيال كان له أثر قوى بكثير على القراء، حيث نسج هيرسى قصص ٦ أشخاص معًا، شهدوا ما حدث، ومن ضمنهم قس وطبيب وعامل مصنع، كان المقال طويلًا ويتكون من ٣٠ ألف كلمة، لكنه كان استثنائيًا للغاية، لدرجة أن روس وشون قررا تكريس العدد بالكامل لتلك القصة، من دون كاريكاتير أو قصص خيالية أو مقالات طريفة.

بيعت نسخ العدد فى خلال ساعات، وطلب ألبرت إينشتاين إعادة طبع ألف نسخة لإرسالها إلى كبار العلماء، تمت قراءة المقال فى الإذاعة الأمريكية وحول العالم «هيروشيما بقلم جون هيرسى»، قتل ١٠٠ ألف شخص بالقنبلة الذرية.

ورغم أن روس المؤسس ليس معروفًا بالثناء الشديد على كتابه، فإنه أثنى على هيرسى قائلًا: «من قالوا إن هيروشيما كانت قصة العام قللوا من شأن الأمر، لأنها من دون شك أفضل قصة صحفية شهدتها فى حياتى. إن لم تكن الأفضل على الإطلاق».

حسب الفيلم، غير مقال هيرسى بشكل جذرى طريقة نظر العالم إلى الأسلحة النووية، كما أنه ساعد على تحول المجلة من فكاهية خفيفة إلى عامل صحفى مؤثر على الساحة العالمية.

سرد القصص

يقول الكاتب «أندروا مارانتز»: أظن أن وظيفتى تقتضى جمع أفضل نسخة من قصصى قدر استطاعتى.

أما الكاتب المساهم الطبيب دروف خولار، فيقول إنه يغطى موضوعات العلوم والطب والرعاية الصحية، وأنه يحب معرفة كيفية سرد قصة عن شىء معقد جدًا، بطريقة تجذب القارئ، الذى يعرف عن تلك الأمور بمحض الصدفة.

يشير خولار إلى أنه لطالما أراد الكتابة فى المجلة، ففكرة نشرك للأفكار إلى العالم، وأن من شأنها تغيير تفكير أحدهم بخصوص مشكلة معينة، فهذا جذاب جدًا، وأظن أن كل العاملين تقريبًا فى نيويوركر، مهووسين بطريقة أو بأخرى، ويجذبنى هذا الهوس.

يقول جون لى أندرسون، الكاتب المتخصص فى الحروب والصراعات، رغم أن المجلة ليس لديها ميزانية كبيرة مثل نيويورك تايمز وطاقم عمل أصغر، لكن طالما كان رئيس التحرير داعمًا لفكرة الانطلاق إلى الميدان ومشاهدة التاريخ بأعيننا.

يضيف: عندما أقدم تقريرًا عن قصة أحب أن أكون فى قلب أحداثها بكل كيانى، وأنقل ما شعرت به إلى القارئ.

يحكى الكاتب كيليفا سانيه، أنه عندما انضم فى عام ٢٠٠٨ إلى ذا نيويوركر لم يتخصص فى تغطية موضوع معين، كان الأمر أشبه ب «تظن أن بوسعك كتابة قصص مثيرة للاهتمام لنا»، كانت مهمتى الوحيدة تقديم ما يثير الاهتمام.

يضيف سانيه: واحدة من النعم التى تحصل عليها عند الكتابة لنيويوركر، وجود قراء فضوليين مستعدين لخوض الرحلة معك، يمكنك تقديم أى قصة، وجزء من الاتفاق بينك وبين القارئ: سأمتعك، لذا واصل قراءة مقالى.

يشير إلى أن جزءًا من هوية المجلة فى رأيه هو إرسال شخص إلى مجال مختلف والعودة بتقرير، مضيفًا: لطالما أحببت تمتع المجلة بالسمعة رفيعة المستوى، وأنه يفترض أن تكون مجلة راقية، هذا يجعل انضمامى إليها ممتعًا أكثر.

وهو الأمر الذى يؤكد عليه رونى تشينج، عندما سأل عن كيفية معرفة بمجلة ذا نيويوركر فقال: «لا أعرف كيف عرفت بشأنها، لكنها دخلت إلى حياتى. إنها واحدة من المؤسسات التى تدخل حياتك من دون استئذان، الأمر أشبه بسؤالك كيف عرف بشأن تمثال الحرية لأول مرة».

احترام الفن

يوضح ريتشارد برودى، الناقد السينمائى، وظيفته فى المجلة بعد مشاهدة الأفلام، فيقول إنه يشعر بضرورة التصرف باحترام عند تقديم النقد، فجوهر تقديم النقد هو إظهار العاطفة وما أثر فى الروح، لا تتعلق المسألة باعتداد النقاد بأنفسهم.. إنما تتعلق باحترام الفن.

تنقل ديبورا تريزمان، محررة الروايات، الحديث إلى مجال آخر، وهو الكتابة الخيالية، فتقول إن المجلة يردها من وكلاء وناشرين وكتاب فى خلال عام من ٧ إلى ١٠ آلاف طلب، تنشر منها ٥٠ فقط، وأنها قامت بنشر أكثر من ١٣ ألف قصة فى المجلة منذ تأسيسها.

يذهب الفيلم إلى السنوات التالية للحرب العالمية الثانية، حين دخلت المجلة حقبة جديدة، بعد أن مات المؤسس بسبب سرطان الرئة بعد ٢٥ عامًا من القيادة، واستبدل بنائبه «ويليام شون»، ورغم خجله الشديد، كان شون رئيس تحرير شجاع.

لقبه بعض الموظفين بالفأر الحديدى، ودفع المجلة لتقديم تقارير عن قصص مثيرة للجدل، وواجه أصحاب النفوذ.

الربيع الصامت

يروى الفيلم أن ذات يوم عام ١٩٨٥ حصل شون على عرض تقديمى من كاتبه وعالمة أحياء حاصلة على جوائز تدعى «رايتشل كارسون»، أرادت معرفة سبب موت آلاف الطيور، بعد رش مبيد الـ«دى دى تى» الحشرى، والذى كان يستخدم بشكل عشوائى على المحاصيل والمروح وحتى داخل المنازل.

أصر صناعه على أنه مبيد آمن، لكن «كارسون» أرادت تحرى الأمر، وبدعم شون، بدأت بإجراء دراسات ميدانية ومقابلات مع خبراء والبحث فى أرجاء العلم المعقد، وبعد مرور ٤ سنوات، أرسلت مسودة إلى شون «الربيع الصامت، الفصل الأول».

عندما نشر المقال كسلسلة مقالات من ٣ أجزاء، تحولت كتابة «كارسون» من الكتابة العلمية إلى الأدبية. كتبت: «فى مساحات واسعة من الولايات المتحدة وبشكل متزايد، يحل الربيع الآن فى ظل عدم التأكد من عودة الطيور والصباحات الباكرة التى كانت تملؤها أصوات العصافير الجميلة، سادها الصمت بشكل غريب».

نشرت المقالات على شكل كتاب، وأصبح من أكثر الكتب مبيعا فورًا، وأثار جدالًا وطنيًا بشأن خطر المواد الكيميائية على البشر والحيوانات، لكن تسبب ذلك فى رد فعل عنيف.

قال الكيميائيون إن الكاتبة مخطئة بشأن المبيدات، وهوجمت من قبل الشركات الكيميائية، ورغم تعبها من سرطان الثدى، فإنها دافعت عن عملها أمام الكونجرس: «ما لم نسيطر بشكل أفضل على تلك المواد الكيميائية، فسنتوجه بالتأكيد نحو كارثة».

هددت بعض الشركات بمقاضاة المجلة، لكن شون رفض التراجع، وماتت كارسون بعد أقل من عامين من نشر الكتاب، لكن رغم عدم رؤيتها الأمر، فإن عملها سيساعد فى إصدار قانون الهواء النظيف وقانون الحياة النظيفة وولادة الحركة البيئية الحديثة «أنقذوا الأرض».

بعد سنوات، عبر شون عن فلسفة المجلة ببساطة بهذه الطريقة: «نقول رأينا فى الأمور.. هذا رأينا الصادق فعلا. وإن لم يكن هذا رأينا الصادق، فينبغى أن نصارح القراء بذلك».

دليل للأناقة

يؤكد نيكولاس بليشمان، المدير الإبداعى فى المجلة، أنها تواكب الأحداث الجارية كلها، لكن شكلها البصرى لم يتغير كثيرا منذ عام ١٩٢٥.

يقول فى بداية انضمامى كانت نيتى هى استخدام أرقام غير متساوية الارتفاع، مثلًا حين ننشر الرقم ١٩٢٦، تجد أن رقم ٩ يكتب بشكل منخفض قليلًا، ولا تكون الأرقام كلها متساوية، ما يجعلها تبدو أكثر أناقة. لقد استغرق الأمر أسابيع لإقناع أصحاب القرار بأن هذا التغيير كان خطوة صائبة تمامًا.

يعلق هنا رئيس التحرير، قائلًا: تحتوى المجلة على دليل للأناقة عن مختلف الأمور، مواضيع وتوقيت استخدام نقطتى الفصل، وكيفية استعمل الفواصل أو أساليبنا الإملائية الغريبة فى بعض الأحيان.

تعبر الكاتبة مولى رينجوالد عن هذه الحالة، فتقول: أول مرة ترى فيها اسمك بخط المجلة المميز، تشعر بحالة غرور غير عادية، أرى أن حماسى حيال ذلك سيتخطى حماس فوزى بجائزة الأوسكار مثلًا.

يصف الكاتب جيسى أيزينبيرج سعادته بالعمل فى المجلة، فيقول: شعرت بفخر كبير فكتاب المجلة يحتلون صدارة المجال، من حيث تقديم الأفكار والأدب فى ثقافتنا، لم أكن أصدق عندما نشر أول مقال لى، شعرت بأننى حككت مصباحًا وحقق لى عفريته أمنيتى بنشر مقالى، وشعرت بأننى مجنون أتوهم ولا أحد يخبرنى بذلك.

يعلق رئيس التحرير: «أريد تحقيق أمرين للمجلة، أريدها أن تكون عظيمة، وأريدها أن تكون إنسانية».

صوت رائد

وفقًا للفيلم، بعد ٤ عقود من إنشائها، فى ستينيات القرن الماضى، كانت المجلة تنشر آراء عديد من الناس، وعندما تظهر السود فى نيويوركر، يكونون خدما أو حمالين حرف فى رسومات هزلية عنصرية.

فى عام ١٩٦١، اكتسبت حركة الحقوق المدنية دفعة قوية، وطلب رئيس التحرير شون من روائى شاب يدعى «جيمس بالدوين» كتابة مقال لصالح المجلة.

وبالفعل سلم بالدوين واحدة من أقوى المقالات التى كتبت عن العرق، كان المقال فى منتهى الصدق والصراحة، بعنوان «رسالة من أحد أركان عقلى»، كتب فى المقال: «أصبحت خلال عامى الـ١٤ ولأول مرة فى حياتى، خائفًا من الشر الموجود فى داخلى ومن حولى».

اكتشف «بالدوين» الدوامة المعقدة المليئة بالغضب والكبرياء والألم التى شعر بها كرجل أسود، ووجه قراء المجلة: «الوحشية التى يعامل بها السود فى هذا البلد لا يمكن المبالغة فى وصفها من فرط فظاعتها».

كان رد الفعل على المقال مذهلًا، وانهالت خطابات المدح «مذهل/ جميل/ غير عادى»، لكن عبر كاتب واحد عن خيبة أمله من عرض المقال إلى جانب إعلان ويسكى ماركة فرجينيا مجسدًا لوحة عنصرية لرجل أسود يعمل كنادل.

وأصبح المقال أساس كتابه الكلاسيكى «ذا فاير نيكست تايم»، وجعله صوتًا رائدًا فى النضال من أجل تحقيق العدالة العرقية.

تشير الكاتبة راشيل سيم إلى أن بعض الناس تظن أن صحافة المشاهير تافهة، لا تقدم تقارير عن حروب لكن بالنسبة إلى، هذا يؤثر على الثقافة. الخرافات التى نسردها عن أنفسنا وكيف يسعى الفنانون للوصول إلى ما هم عليه. هذه قصص عالمية ومثيرة للاهتمام.

تضيف سيم، يقول البعض إن المجلة خلقت مفهوم «لمحات تعريفية» وأنهم ابتكروا جملة «لمحة تعريفية» لوصف هذه النوعية من التقارير التى تبدو وكأنها مقابلة بين الصحفى والشخصية، مقدمة ما يشبه وثائقيًا صغيرًا فى الصفحة عن الوقت الذى قضيناه معًا.

عندما تكتب بروفايل عن شخصية تقرأ كل مقابلة أجراها ذلك الشخص، تقرأ أحيانًا مذكراته. وهكذا، تكتشف وجود حكايات معينة واقتباسات قاموا بترديدها دومًا آلاف المرات، لذا أحاول إيجاد أسئلة إضافية لتلك الأمور. أسئلة تخرج الناس من مناطق راحتهم ومن قوقعتهم.

قيل لى ذات مرة: «إن كنت تظن أن السؤال يعجبهم، فأنت تطرح السؤال غير المناسب». بالنسبة للمحاور فأهم صفاته هى الإنصات. عليك الإنصات ومعرفة ما بين السطور. ماذا يحاولون القول وماذا يريدون؟ ما الذى يشغل بالهم؟

أجد أن عملية الكتابة هى الأصعب فى المسألة كلها.

تدقيق الحقائق

يلفت رئيس التحرير إلى أنه من الصعب جدا تخيل التأثير الذى أحدثته رواية «ترومان كابوتى» الشهيرة «كولد بلود» على المجلة وعلى الحياة الأدبية الأمريكية، حيث اخترع كابوتى تأليف قصص الجرائم على أعلى مستوى.

حسب الفيلم، فى عام ١٩٦٥ نشرت المجلة مقالًا ناجحًا للغاية من ٤ أجزاء، أصبحت لاحقًا الكتاب الأكثر مبيعًا وفيلما ناجحًا: «إن كولد بلود» ستكون واحدة من أشهر المقالات التى نشرت فى المجلة أو «توثيق جريمة بدم بارد»، لكن أيضًا من أكثر المقالات إثارة للجدل كذلك.

وذلك عندما عينت المجلة المؤلف كابوتى فى الـ١٧ من عمره، لإحضار القهوة وإنجاز المهام البسيطة، لكن سرعان ما أصبح مشهورًا فى المكتب بسبب كثرة نميمته وسلوكه المسىء، لدرجة أنه كان يفترض أن يطرد لإهانته للشاعر «روبرت فروست»، لكن أنبهر رئيس التحرير شون بكتابته.

لذا بعد سنوات، عندما عرض كابوتى قصته عن جريمة قتل شنيعة فى منزل مزرعة فى «كانساس»، سانده شون.

وهى المغامرة التى أطلق عليها المؤلف اسم الرواية الواقعية، وهى فئة من الروايات ابتكرت جراء المزج بين الصحافة وتقنية الكتابة الخيالية، لكن بعد فترة وجيزة من النشر، بدأ النقاد فى التشكيك فى المقالات.

وأعرب شون عن مخاوفه أثناء عملية التحرير، نتيجة عدم اقتناعه ببعض الأجزاء التى وردت فى المقالات، وواجه كابوتى أسئلة حول أعماله لعقود، وفى النهاية ندم شون على نشر «إن كولد بلود».

وعلى مدى العقود التالية، كثفت المجلة عملية «تفقد» الحقائق، لمحاولة منع تكرار هذه الأمور.

يتحدث هنا زاك هيلفاند، الكاتب ومدقق الحقائق السابق، فيقول إنه كان هناك لافتة مكتوب عليها فى القسم عبارة «إتقان العمل أفضل من إنجازه»، وأنه يضم ٢٩ شخصًا، وهم ليسوا وظيفتهم التأكد فقط من الأسماء والتواريخ رغم أن هذا مهم جدًا، ولكن وضع أنفسهم فى محل القارئ، ويفكرون دومًا فى سياق تاريخ القصة.

فمن يكون مدقق الحقائق إذن: ما نفعله هو طباعة مقالة، ونضع خطًا تحت كل ما يمكن أن يكون حقيقة. نتفقد المواضيع والمصادر.

يوضح فيرجوس مكينتوش، رئيس تحرير قسم الأبحاث، ماهية عمل القسم أكثر، فيقول: نتحقق من صحة كل شىء نشر فى المجلة، الغلاف، الرسوم الساخرة، القصائد، القصص الخيالية.

تتطلب هذه الوظيفة قدرة على تحمل النقد، يجب أن تتمكن من التعامل مع غضب الناس منك، ويبدو أن عملنا هو أفضل ترياق لسيل الكذب الفظيع الذى بات يسممنا.

يشير رونان فارو، مساهم فى الكتابة، عمل على ملف تحديث برامج التجسس ومليارديرات التكنولوجيا، إلى أنه لا توجد أماكن كثيرة تميل إلى هذا النوع من العمل المكثف أو الصحافة الشديدة الموجهة. إنهم ليسوا نشطاء، لكنهم لا يعرفون الخوف عندما تكون الحقائق مدعومة بدليل.

يستكمل رئيس التحرير توضيح عملية تدقيق الحقائق، فيلفت إلى أن كل مقال فى المجلة يمر بمرحلة تسمى اجتماع إنهاء المقالات، حيث يجتمع المحرر والكاتب مع محرر طباعة ومدقق الحقائق لتفقد المقال سطرا بسطر.

يشير إلى أن آخر ما يفعلوه قبل إصدار العدد هو مراجعة نسخة بديلة مكبرة له، يتحققون من الرسومات والتصميم، فالأمر تطلب كثيرًا من المجهود والأشخاص والجدال والنقاش، لكنه يستحق.

تغييرات جريئة

يذهب الفيلم إلى مرحلة الثمانينيات، حين كانت الأمور جاهزة للتغيير، شون الذى عمل ٣٠ عاما، أصبح فى السبعينيات من عمره، وكان الناس يسخرون من أسلوب المجلة قديم الطراز ومقالاتها البالغة ٢٠ ألف كلمة عن مواضيع مثل تاريخ الأرز. مع انخفاض المبيعات.

فى عام ١٩٨٥، دخل «إس أى نيو هاوس» فى الصورة، فهذا المالك الجديد دفع ١٦٨ مليون دولار لشراء المجلة، والذى كانت لديه إمبراطورية اتصالات و٢٩ مجلة ودار نشر رندوم هاوس.

وبعد ٢٠ شهرًا، صدم نيو هاوس العالم الأدبى بطرد شون، وفى عام ١٩٩٢، طرد روبرت جوتليب بديل شون، وأحضر للقيادة شخصية جديدة مثيرة للجدل، وهى البريطانية الطائشة بعمر ٣٨ عامًا ورئيس تحرير مجلة «فانيتى فير»، تينا براون.

قلق النقاد من تحويلها المجلة إلى مجلة شعبية مبهرجة كغيرها، لكنها قالت: «أقول لكل من يشعرون بالقلق من فقدان المجلة لمعاييرها، انتظروا وشاهدوا، لأنكم لا تعرفوننى بعد، ولا تعرفون قدر التزامى بالجودة الرفيعة، لكنكم ستكتشفون أن المجلة تتحسن».

بعدها أقامت المجلة حفلات مبهرجة ونشرت أعدادًا مكرسة للأفلام والموضة، وأخبارًا خطيرة، وحولوا عددًا كاملًا إلى عرض مروع لمذبحة فى السلفادور على يد قوات دربتها الولايات المتحدة.

قالت براون: «مهمتنا جعل الأمر المثير خطيرًا، والعكس»، وعلى مدار عامين أو ثلاثة سرحت ٧١ شخصًا، وعينت ٥٠ شخصًا من الصحفيين الشباب وغيرت مظهر المجلة.

ولأول مرة بدأوا ينشروا الصور، وعينوا أحد أشهر المصورين فى العالم «ريتشارد أفيدون»، وجعلت الأغلفة أكثر إثارة وحثًا على القراءة، ورحبت بالجدل.

وفى فبراير ١٩٩٤، ارتكبت براون فعلًا لا يغتفر باستبدال «يوستاس تيلى» الذى كان يوضع على كل غلاف فى الأعداد السنوية لقرابة ٧٠ عامًا، بلمسة عصرية من رسم «روبرت كرامب»، وهو ما فزع التقليديين، لكنها أصرت على أنها كانت تفتح نافذة فقط، وتسمح لهواء عليل بدخول المؤسسة. 

تقول براون: بعد ٥ و٦ سنوات من العمل شعرت بأن الجانب التجارى للمجلة كان ضعيفًا. كنا بحاجة للتوسع بشكل جانبى فى مجال الموضة، وأتذكر مراسلتى للمالك وكتابتى أنه يمكننا التزود بقسم إنتاج لتقديم وثائقيات وكتب وأفلام وربما برنامج إذاعى.

قال: تينا، لا تخرجى عن المألوف. تعلق براون: لعل هذا أغبى ما فعلته فى حياتى.

يتحدث رئيس التحرير الحالى عن ظروف توليه منصبه فيلفت إلى أن براون غادرت المجلة فجأة فى يوليو ١٩٩٨، ولم يكن هناك رئيس تحرير، حيث حصلت على عرض عمل فتاك، لإطلاق مجلتها الخاصة التى تدعى «توك»، والتى كانت ستنتج أفلاما. 

وعندما عرضت عليه الوظيفة، تحول من كاتب إلى رئيس تحرير واستكمل العمل.

أصدرت المجلة فى الذكرى المئوية، التى حلت فى فبراير الماضى، عددًا مزدوجًا. فهم أشخاص مبدعون فضوليون عنيدون وغريبو الأطور ومهووسون.

وفقًا للفيلم، خلال السنوات الأولى من عمر المجلة، تواصل كاتب أراد الاستقالة مع رئيس التحرير المؤسس، فرد عليه روس كاتبًا: «هذه المجلة أشبه بحركة، ولا يمكنك الاستقالة بعد الانضمام إلى حركة».

يعلق رئيس التحرير الحالى: أفهم ما يعنى أنها مجلة لها روح وهدف وتتمتع باللباقة والجودة. ينبغى أن تحاسب نفسها وتتعلم من أخطائها. وينبغى أن تكون قادرة على تغيير رأيها.