المحرر العام
محمد الباز

لا شىء أصلح من النوم.. «كتالوج» سفيان الثورى للهروب من قسوة الحرب

حرف

- الفيلسوف الصوفى كان يقول «لا أرى أفضل من الحفرة التى نفر إليها ونختبئ فيها»

- الصوفيون يمارسون الخلوة ليحموا أنفسهم من أذى الآخرين والآخرين من أثر أفعالهم

فى أواخر شهر رمضان المبارك، بينما تتجلى ألوان الصفاء الروحى والسكينة الداخلية، يجد الإنسان نفسه مُحَاطًا بضجيج الحرب الدائرة، وصخب الأحداث المتلاحقة.

الحروب تتفجر على الأرض، والفتن تتشكل على صعيد الفكر والكلمة، وفى الشائعات التى تنتشر عبر الشاشات الصغيرة، ووسائل التواصل الاجتماعى، التى أضحت ساحات صراع واضطراب موازية. ومن المعروف أن البشرية فى تلك الأوقات تبتعد كثيرًا عن السكينة وعن معنى الحياة، وتغدوا الأفئدة مشتتة بين ما هو حقيقى وما هو وهمى. 

من هنا، تبدو دعوة سفيان الثورى للصمت، واللجوء إلى البيت والاعتكاف الروحى والخلوة بعيدًا عن صخب العالم، أكثر أهمية وملاءمة من أى وقت مضى. فالخلوة ليست مجرد عزلة جسدية، بل ملاذ داخلى للروح، يُمكِن الإنسان من أن يستعيد حضوره الكامل، ويجد السلام وسط الفوضى، ويصقل وعيه فى مواجهة كل ما يحاول تشويشه أو اقتلاع صفاء قلبه. 

عن ذلك نشر الباحث فى التراث الصوفى، سلطان أدانير، مقالًا مهمًا فى موقع جريدة «ديلى صباح» التركية، تترجمه «حرف» فى السطور التالية.

المشتاقون للصفاء

هذا زمن يجب فيه أن تصمت، وتنأى بنفسك عن ضوضاء العالم، زمن للهدوء والسكينة، للبقاء فى البيت، والابتعاد عن كل ما يشوش على روحك.

يقول الشاعر الفارسى «العطار» إن أكثر ما يميّز حياة الشاعر والفيلسوف الصوفى الكبير سفيان الثورى، الفقيه الزاهد والرحّال فى مسالك الباطن، والملقب بأمير المؤمنين، هو ترحاله المستمر من مدينة إلى أخرى واختفائه عن أعين الناس، متجنبًا الأضواء والسلطة. 

لكن «الثورى» لم يكن أبدًا ثائرًا، ولم يسعَ يومًا لمعارضة الحكام علانية. ومع ذلك، كان واعيًا تمامًا لمدى خطورة الاقتراب من السلطة، وما قد يلحق بالروح من دمار إذا ارتبط الإنسان بمصالحها. 

الهروب بالنسبة له لم يكن فقط من السلطة أو الشهرة، بل حتى من الفقر والزهد المفرط. فكل حالة يمكن أن تصبح فَخًا يحيد بالنفس عن طريقها الصحيح. بروح تتسم بالحساسية الشديدة والعجلة شبه الهستيرية، كان ينادى الناس، موجهًا إياهم باللجوء إلى هدوء بيوتهم، والاعتكاف فى رحابها. فممَّا كان يهرب؟ وفى أى ملاذ كان يبتغى الطمأنينة؟ وما الذى كان يرجو أن يجده فى هذا الانعزال؟

كان الصوفيون يمارسون الخلوة، ليس فقط ليحموا أنفسهم من أذى الآخرين، بل أيضًا ليحموا الآخرين من أثر أفعالهم. ومع ذلك، فإن الهدف الحقيقى من الانعزال أو الوحدة الروحية، هو شىء لا يمكن إدراكه بالكامل. لأن من يعتزل حقًا لا يكون وحيدًا أبدًا: فالله هو الرفيق الدائم، الحاضر الذى يملأ الفراغ ويجعل الانعزال تجربة سرمدية للسكينة والطمأنينة.

وُلِد سفيان الثورى بعد حوالى ٨٠ عامًا من وفاة النبى محمد، صلى الله عليه وسلم. ورغم الاضطرابات السياسية التى قد تكون سادت عصره، يرى العقل المعاصر فى هذه الحقبة واحدة من أزهى فترات الإسلام المبكر، فترة ازدهرت فيها العلوم الدينية، وانتشرت فيها معارف الإيمان الروحى.

لقد كان هذا العصر، بما حمله من تحديات وتقلبات، فرصة للنفس المشتاقة للسكينة والصفاء، فقد ازدهرت الدراسات الشرعية، وراجت الأبحاث فى علوم الدين، ولم يكن ذلك مجرد تراكم معرفى، بل كان رحلة للروح للتأمل والارتقاء، زمنٌ يمكن فيه للقلوب أن ترتفع فوق صخب العالم لتلامس جوهر الحقائق الإلهية.

فى هذا المناخ، وُلد «سفيان»، محمّلًا بروح الزهد، مجتهّدًا فى سبيل الله، يعيش بين حركة الناس وصخب المدن، لكنه يختار لنفسه الانسحاب الصوفى إلى دروب الباطن، بحثًا عن نقاء الروح، ورفقة الله فى الخلوة.

فى هذا العصر الزاخر بالعلم والفكر، الذى بدا للوهلة الأولى متواضعًا، ويتسم ببساطة اجتماعية واقتصادية ومادية نسبية، كان سفيان الثورى يدعو معاصريه إلى الانسحاب إلى بيوتهم واعتناق الخلوة والانعزال الروحى. لكن إلى ماذا كان بالتحديد يدعوا الناس، ويدعونا نحن الذين صارت حياتنا تتأرجح بين نوع من العبثية الحديثة، وأعيننا معلقة بشاشات صغيرة بدلًا من التواصل المباشر مع وجوه الآخرين، مختارين وحدة العالم الافتراضى فى منازلنا على دفء الصحبة البشرية الحقيقية؟

اليوم، لم يعد «البيت» مجرد مساحة مادية نسكنها، بل أصبح ملاذًا داخليًا، فضاءً للاختباء والسكينة الروحية، ومكانًا يعيد للروح توازنها ويمنحها فرصة للقاء الذات والرفيق الأعلى. فى هذا الانعزال، يُمكن للإنسان أن يستعيد هدوءه الداخلى، بعيدًا عن ضوضاء الحياة، ويشعر بأن قلبه يتحرر ليصبح حاضنًا للطمأنينة والصفاء، وتصبح الخلوة تجربة للروح قبل أن تكون مكانًا ماديًا.

الصوفى ابن الوقت

نحن لا نهدر فقط موارد هذا العالم بلا مبالاة وكأنها لا تنفد أبدًا، بل نُبدّد أيضًا أثمن ما نملكه حقًا: الوقت، وكأنه شىء يمكن إنفاقه بلا حساب. فى غمضة عين، تأخذنا الشاشات إلى عوالم لم نكن نعرف بوجودها، لكن فى تلك اللحظة نفسها، كأننا نحن أنفسنا نتلاشى ونكاد نغيب عن الوجود.

فى كثير من الأحيان، يحتاج المرء إلى من يُذكّره بالحضور الكامل، بصوت حاد يشبه صدى الظواهر: «انظر، فقط انظر إلى العالم الذى يُقدّم نفسه لك». وهذه بالضبط الرسالة التى كان الصوفيون يكرّرونها منذ القدم: كن حاضرًا!

إن مفهوم «الصوفى ابن الوقت» يشير تمامًا إلى هذه الحالة: أن تكون حاضر اللحظة حقًا، وأن تفعل ما تقتضيه اللحظة منك بكل وعى وإدراك. لكن فى عصرنا الحديث، انقلبت المعانى بهدوء. فقد أصبح الحضور يُفهم على أنه الانغماس فى الحياة الاجتماعية، بينما أصبح البقاء فى البيت نوعًا من النشاط الغريب، لكنه يبدو سلبيًا.

لكن فى الخلوة يحدث العكس، يكمن الحضور الحقيقى للروح. الحضور الذى يفتح العينين على كل لحظة، ويحرّر النفس من الانجراف وراء أهواء الزمان والمكان، ويجعل كل لحظة مُعبِّرة ومليئة بالمعنى الإلهى.

عندما قال سفيان الثورى «لا أرى الشخص أفضل من الحفرة التى يفر إليها ويختبئ فيها»، لم يكن يقصد الهروب الجسدى أو الاختباء المادى، بل كان يشير إلى الاعتكاف الروحى، والانزواء عن ضوضاء العالم المشتت، الذى يمنح النفس الفرصة لتكون حاضرة بالكامل فى لحظة وجودها. 

من وجهة نظره، الملاذ الذى يختاره المرء، سواء كان مكانًا هادئًا أو مجرد زاوية بعيدة عن صخب الحياة، هو ما يكشف عن قيمة الإنسان الحقيقية، فالحضور الروحى والوعى الكامل باللحظة أسمى بكثير من أى تظاهر بالوجود وسط صخب الناس أو العالم الخارجى.

الانزواء فى البيت أو فى أى مكان يوفر الخلوة، لا يعنى الانعزال عن الحياة بمعناها السلبى، بل فتح مساحة للروح لتتسع ويصبح القلب منفتحًا على المعانى الخفية للحظة، متصالحًا مع الذات، ومستعدًا للقاء الله فى كل نفس وكل خطوة. 

فى هذا الفضاء، تتعلم الروح أن تكون حاضرة بلا تشويش، تراقب الداخل والخارج بعين القلب، وتستجيب للوجود بما يليق به من حضور صادق ووعى عميق.

يُروى أيضًا أن سفيان الثورى قال «لا أعلم شيئًا أصلح لأهل هذا العصر من النوم». قد تبدو هذه الكلمات بسيطة للوهلة الأولى، لكنها فى جوهرها تعبير عن إدراك صوفى عميق، تحذير من الغفلة ومن الانشغال بما يُلهينا عن جوهر الوجود، إلى درجة أنه حتى النوم، الذى يُنظر إليه عادة على أنه خمول، قد يكون أفضل من حالة الغفلة واللا مبالاة الروحية.

فى هذا القول، يمكن أن نستشعر دعوة صوفية صامتة: كونوا واعين، حافظوا على حضوركم، ولا تسمحوا للضوضاء الداخلية أو الخارجية أن تسلبكم إدراككم للحقائق الروحية. فالغفلة ليست مجرد ضعف، بل هى فقدان للحياة فى جوهرها، وللقدرة على أن تكون الروح متيقظة وحاضرة ومتصالحة مع اللحظة والوجود الإلهى.

الغفلة الإيجابية

يكون من المفيد هنا أن نتذكر كيف تناول ابن عربى هذه المسألة فى كتاباته: فبالنسبة له، الغفلة ليست مجرد غياب الوعى العقلى، بل انحراف عن الإدراك الحقيقى للحظة والاتصال بالله، الذى يملأ كل نفس حاضرة بالمعنى والوعى. هكذا، يصبح كل نوم، وكل لحظة من الهدوء، فرصة للنفس لتتأمل فى حقيقتها، لتستعيد حضورها، وتقترب من الحق الإلهى الذى يتجاوز كل تشويش وصخب العالم.

يستشهد ابن عربى كثيرًا بالقول المأثور عن الإمام علىّ ابن أبى طالب «الناس نيام فإذا ماتوا استيقظوا» ليس فقط ليشير إلى زوال الدنيا وفناء أمورها، بل أيضًا ليكشف عن حقيقتها العميقة والخفية. فى هذا السياق، يُنظر إلى الناس على أنهم نائمون بمعناها المجازى، فقد قطعوا صلتهم بما يحيط بهم، وانصرفوا عن إدراك جوهر الواقع، فلا أحد منهم حاضر بالكامل فى هذه الحياة، غافل عن حقيقة وجوده.

ومع ذلك، يرى ابن عربى أن النوم نفسه يمكن أن يكون نوعًا من اليقظة، إذ يمثل عبورًا إلى عالم آخر، ولو بشكل مؤقت. من هذا المنظور، يتلاشى التباين التقليدى بين «النائم» و«اليقظ» ليصبح النوم وسيلة للوعى، وتجربة تنبه الروح إلى ما يتجاوز حدود الإدراك الحسى والزمنى.

ويضيف ابن عربى، أن هناك من يصلون إلى اليقظة الكاملة حتى فى هذه الحياة، مثل الأنبياء وأولياء الله، الذين يعيشون حاضرين حقًا فى كل لحظة، مطلعين على العالم كما هو حقًا، ومنسجمين مع جوهره، متصلين بالرفيق الأعلى فى كل نفس ونبضة قلب. هؤلاء هم من يحققون معنى اليقظة الروحية الحقيقية، حيث يصبح وجودهم مليئًا بالوعى والصفاء، لا تلهيه ضوضاء الدنيا ولا تحجبه الغفلة.

من المعروف أن ابن عربى، كان يمارس الخلوة الروحية بشكل متكرر، وقد كانت بعض هذه الخلوات بمثابة مِنارات ضوء تنير الطريق الداخلى للنفس، إذا جاز التعبير. لكنه سرعان ما أدرك أن الانعزال وحده، كممارسة مجردة، لا يكفى لتحقيق الكمال الروحى. فالخلوة، مهما كانت طويلة ومكتفية تبقى وسيلة وليست غاية.

فى الخلوة الصوفية، يعتزل الإنسان العالم الخارجى ليعُمق رابطه بالله، ويصبح قلبه وعقله مستعدين لاستقبال الحقائق العليا. إنها فترة توقف، نوع من الانقطاع المؤقت عن الضوضاء، حيث تُصفّى الذهن والروح، ويُفسح المجال للحق المطلق أن يسكن فى النفس، ويصبح الحاضر فيها بالكامل.

من هذا المنظور، يؤكد ابن عربى أن الكون لا يخلو من أى شىء، وأن الفراغ المزعوم غير موجود. فالروح، حتى فى عزلة خلوية، محاطة دومًا بالوجود الإلهى، وكل شىء من حولها يشهد على حضور الحق. فالخلوة ليست انفصالًا عن العالم، بل وصولًا أعمق إلى جوهره، وانفتاحًا كاملًا على الحقيقة التى تسرى فى كل مكان وتحيط بكل النفس، فتمنحها حضورًا مطلقًا وطمأنينة لا تنقطع.

لذلك، المسألة تتعلق بكيفية ملء هذا الفراغ الظاهر، الذى هو رمز للحياة نفسها، بالمعنى والوعى والوجود الحقيقى. لم يكن دعاء «سفيان» للجوء إلى مأوى مجرد مبالغة، فوسط اضطرابات الوجود وهبوب صخب الحياة، يحتاج كل إنسان إلى ملاذ، إلى مكان يمكن فيه لقلبه أن يجد الطمأنينة والسكينة.

ينظر الصوفى إلى الأمور بطريقة مختلفة، حيث يعكس المفاهيم المعتادة ويعيد تشكيلها لتفتح الأفق على رؤية أوسع وأكثر شمولًا. إنه يعلمنا أن ما يبدو عاديًا أو مألوفًا يمكن أن يتحول إلى فرصة للحضور، وأن كل لحظة تحمل إمكانية اكتشاف الحقيقة الإلهية إذا ما تمت ملاحظتها بوعى.

وفى عصرنا الحديث، أكثر من أى وقت مضى، يحتاج البشر إلى سماع دعوة «سفيان» للتوقف والتأمل فى مسار حياتهم. فالإلهاءات قد اتخذت أشكالًا جديدة، لكن هذا لم يقلل من أهمية التعرف عليها واليقظة تجاهها، ولم تغب أهمية المقاومة الروحية لها.

سواء فى وحدة البيت وخلوة النفس أو وسط حركة العالم وصخبه، فإن كل شىء يكون فى مكانه الصحيح طالما أن لا شىء يغشى العين والقلب، ولا يغيب الوعى عن الحقيقة الأعمق.

الخلوة ليست هروبًا، والحركة ليست تشتتًا، بل كل منهما فضاء للحضور إذا أُحسن استخدامه، وساحة لاستعادة الروح من غفلتها وملتقى للقاء الذات والرفيق الأعلى فى كل لحظة من الوجود.