جمال الشيمى.. الراعى الرسمى للحركة الثقافية فى البحر الأحمر
لـم يكن الشاعـر جمال الشيمى مجـرد شـاعـر، يحضـر نــدوة أو أمسيـة؛ ليقــول قصيــدة ثـــم ينصرف، فقـد كـان «رحمـة الله عليه» بمثابـة الراعى الرسمى لأمسيات ونـدوات نـادى الأدب بقصر ثقافـة الغردقـة.
حبـه للشعر جعلـه يحـول منزله إلى استراحة، لاستضافـة الشعراء والأدباء، وكان «من خلال علاقاته الطيبة» يدعـو الشعراء من محافظات أخرى، ليقيم لهم أمسيات فى قصر الثقافة، فعن طريق جمال الشيمى عرفت الغردقة الشاعر عماد على قطرى «رحمه الله» والشعـراء حسنين السيـد وحاتـم مـرعى وياســر بطيخ وعمــرو الشيخ وسعيــد عبدالمقصـود ومصبــاح المهـدى والشاعرة حنـان شاهين وتقى المرسى، والشاعـر محمـد حسنى إبراهيـم والفنان عهدى شاكر وغيرهم وغيرهم.

كان جمـال الشيمى يعـد همـزة الوصل بين شعـراء البحـر الأحمر وشعراء وجه بحرى، قبل أن يبتعـد عن الحيـاة الثقافيـة، بعد موجـة من الإحباطات أصابت الوسط الثقافى بالبحر الأحمر من ناحية، ومروره بعدة أزمات صحية من ناحية أخـرى.
ولد جمـال الشيمى فى قريــة الرئيسية التابعة لمركز نجع حمادى بمحافظة قنا.
تخــرج فى كليــة الحقــوق بجامعـة طنطــا، وعمـل كمحـام فى بدايـة حياته فى إحدى الشركات بأسـوان، ولأنـه لا يحب القيـود فقـد تخلص من الوظيفـة، وكأى شـاب داعبــه حلم السفر إلى الخـارج، لكنـه لـم يختـر؛ كأبنـاء الصعيد السفر إلى الخليج، إذ كيف لهارب من قيود الوظيفة يسلم نفسه لقيـود الكفيـل، وهــو الذى يرى أنه «ما فيش أجمل من الحرية، ولو على كرسى متحرك داخل زنزانة اختيارية»؟
اختار جمال الشيمى السفر إلى بلجيكا، وبعـد غربة امتدت لأكثر من عشرين عامًا، عاد ليستقر بــه المقـام فى الغردقـة، ومن خـلال إقامتـه فى الغردقة وحبه للشعر والثقافة، بدأ يحتك بقصر ثقـافــة الغـردقـة وبالشعــراء، وراح يواظب على حضـور النــدوات والأمسيــــات ويشـارك فى المؤتمرات، ويدعمها من ماله الخاص.
أصدر حوالى ست مجموعـات شعـرية، نال من خلالها عضوية اتحاد الكتاب، منها «أنا وأنت والبحـر» و«المـرأة والمجنـون» و«العجـوز والجـارة»، وجميعهــا صـدرت على نفقتــه الخاصة، علمًا بأن علاقاته كانت كفيلة بأن تجعله يصدرها عن مؤسسات ثقافية حكومية، دون أن يتكفل بدفع مليم واحد، لكنه كان لا يحب استخدام الآخرين واستغلال صداقاته لخدمة مآربه الخاصة، وتلك المجمـوعات الشعريـة هى ما أفصح عنها، لكنه لم يفصح عن قصصه القصيرة التى كتبها وظل محتفظًا بها، لم يفصح عنها بعد، أو ينشرها فى كتاب.

يأخـذ البحـر فى شعـر جمـال الشيمى مساحـة كبيـرة، فعلاقتـه بالبحـر علاقة عاشق ومعشوق ربما لأن اختياره العيش فى البحر الأحمر كان عن حب «وكأن البحـر بيغنيلـه كل صباح، نغم يشبه حنان الأم، وهى تضم، وتيجى الريح تغطى ضهره بالنسمات، وطير البحـر عدى وفات وهدى المـوج على الآخـر، يقـوم الشط يتأخـر، يعـوم البحـر فى عمقه وموجـه يجيب، تقــوم الشمس تحلف إنها ما تغيب».
لـم يتوقف شعـر جمال الشيمى عند شاطئ البحر، والتغزل فى الأصداف، ومتابعة الموجة وهى تجــرى وراء الموجـة، تريـد أن تطولهـا، تضمهـا وتشتكى لهــا أحوالها، كما هـو فى أغنية «شمس الأصيل» التى كتبهـا بيرم التونسى وغنتها أم كلثوم، فكان جمال الشيمى يلجأ للبحر من باب الفضفضة وبث همومه..
«عندما أجد البحر الضائع
سوف أبحث عن حوت يلتقم النقمة
أما الآن
سوف أجلس للتلفاز، أشاهد ما يحدث
وأسجل تاريخ السذاجة فى بيتنا
وأنام على أمل الموج».
وكما أن للبحـر مساحـة فى شعـره، كان للحزن أيضًا مساحة فى شعره، يلجـأ إليه عندما يمر بأزمـة، فهـو يـرى فى «الحـزن محنـة تولد منها الأنوار، كالليل الذى يحمل فى جوفه الفجر والقبر الذى يخفى فى أعماقه البعث، فيا قلبى احـزن أكثـر، ما الحزن إلا رحمة الله المتجسدة لتذكرك أنك غريب فى دار الغربـة، وأن الفراق ليس إلا وهمًا، وأن اللقيا هى الحقيقة الأزلية من ذاق الحـزن أدرك أنه قربان على مذبح الحب، ومن بكى كانت دموعــه نــورًا يمحو ظلمة الغفلة».
للموت عنـد جمال الشيمى فلسفـة، فقـد كان يلجـأ إلى المـوتى، ويستدعى شخصيـة كشخصية والـده، قدوتـه ومعلمـه..
« أبوى أهو مات
كان سبع الرجالة وفات
وحياته حياة... هربت من مخ نجيب
لا كتبها فى حرافيشه
ولا قالها ف بستانه وريشه
أبوى
وبدون العيلة
كان وحده قبيلة وخال
والشال على كتفه بميت موال».

ويجىء لجـوء جمال الشيمى فى الأزمات للمـوتى، لأنـه يريـــد أن يقول : لا حلـول فى أيدى الموتى، ليحث الأحياء على التحرك لحل مشاكلهم بأنفسهم.
برحيـل الشاعـر جمـال الشيمى فى ٢٠ فبـراير ٢٠٢٦ تكـون الحركـة الثقافية فى البحر الأحمر فقدت واحدًا من رعاتها.

