الحبيبة.. صفحات من تاريخ فاطمة الزهراء مع أبيها النبى
- فاطمة لم تشعر فى عالمها النفسى بمن هو أقرب إليها من «على» وأعز موضعًا
- حتى دخلت «عائشة بنت أبى بكر» فى حياة محمد أحست «الزهراء» أن قد آن لها أن تنتقل من بيت أبيها راضية أو كارهة
- لم يكن «على» مع ذاك أول من طمع فى الزواج من «فاطمة» فقد تسامى إلى ذلك الشرف قبله صاحبا الرسول أبو بكر وعمر
فى الرواية أن امرأة من قريش سرقت بعد أن أسلمت، وبلغ الرسول أمرها فأشفقت قريش أن تُقطع يدها، فاستشفعوا لها عند الرسول حتى جاءوا «أسامة بن زيد» ليشفع فيها، وكان الرسول يشفّعه، فلما فعل قال، صلى الله عليه وسلم: «لا تكلمنى يا أسامة، فإن الحدود إذا انتهت إلىّ، فليس لها مترك، ولو كانت بنت محمد فاطمة لقطعت يدها».
لم يقل الرسول: «لو كانت بنت محمد» على الإطلاق والتعميم، بل سمّى «فاطمة» وهى من عرفت قريش مكانتها الأثيرة عند أبيها الرسول، ولقد سُمع، صلى الله عليه وسلم، يقول: «خير نساء العالمين أربع: مريم وآسية وخديجة وفاطمة».
وسُمع كذلك يقول لها: إن الله ليرضى لرضاك ويغضب لغضبك.
وعن ابن جريج: قال لى غير واحد: كانت فاطمة أصغر بنات النبى، صلى الله عليه وسلم، وأحبهن اليه.

وهذه المرويات تلفتنا إلى موقف متعصبى المستشرقين فى اتهام ما يملأ كتب السيرة والحديث من حب النبى لابنته فاطمة، والزعم بأنها مرويات صُنعت بأَخَرَة، بعد ما تطورت فكرة الشيعة تطورها السياسى والدينى، ذا الأثر البالغ فى التاريخ الإسلامى كله.
وفى ذلك يقول «لامنس»: إن المؤرخين المسلمين تناسوا فاطمة فلم يحفلوا بها أول الأمر، حتى إذا ظهرت فكرة التشيع فى الإسلام، عادوا يطيلون الحديث عنها، وأخذت شهرتها تذيع وتنتشر على حين ظلت أخواتها وليس لهن ذكر ولا عنهن حديث.
ويرد أحد الكتاب المسلمين الأستاذ عمر أبوالنصر على هذا الزعم قائلًا: فأما عدم ذكر مؤرخى السيرة فاطمة وغير فاطمة من بنات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فمرده أن مؤرخى السيرة إنما كانوا يؤرخون للنبوة والإسلام، ولم تكن النبوة والإسلام معلقين ببنات الرسول متصلين بهن، خصوصًا أنهن لم يخضن حربًا ولا اندفعن فى معركة ولا كان لهن من الشأن فى سياسة الرسول وشريعته ما يدفع المؤرخ إلى ذكرهن والتبسط فى تاريخهن. ومن البداهة والحالة هذه ألا يذكر المؤرخون من أخبارهن إلا ما كان له كبير شأن أو عظيم أثر.
وهو رد لا ينفى زعم «لامنس».
وكان الأستاذ أبوالنصر مرجوًا عندنا لأن يدحض الفرية بما فى كتب السيرة والحديث عن فاطمة بصفة خاصة، وهذا الذى جئنا ونجىء به من أخبارها فى حياة أبيها النبى، ومكانتها لديه، لم نأتِ به من عندنا، ولا نقلناه عن مصادر متأخرة قد تظن بها الظنون وتحمل على أنها من مخترعات الشيعة أو مختلقات الرواة، بعد أن دخلت الزهراء فى تاريخ الإسلام وشارك اسمها فى سيره واتجاهه أعنف مشاركة، كلا.. وإنما كان مرجعنا الأول هو «ابن إسحاق» شيخ كُتّاب السيرة، و«ابن سعد الزهرى» أول مؤرخ لطبقات الصحابة، والطبرى عميد مؤرخى الإسلام المتقدمين، وكتب الحديث الستة الأمهات. ولا أذكر أنى سقت هنا خبرًا واحدًا غير مأخوذ من هذه الأصول.
وليس يغيب عنى ما قيل فى حاجة هذه المراجع إلى التحرير والتوثيق، ولا أنا بجاهلة ما حف بها من ظلال لم تسلم من مثلها الآثار النقلية قط، لكنى هنا إنما أرد على الزعم القائل بأن المؤرخين المسلمين وكتاب السيرة، تناسوا فاطمة كما تناسوا أخواتها، ثم عادوا فآثروها بكبير العناية والاهتمام بعد ظهور التشيع.
فهذه هى كتبهم بين يدىّ، أقرأ فيها وأنقل منها ما أنقل من أخبار «الزهراء» ثم لا أرى بى حاجة إلى رد الزعم الباطل بأكثر من هذا، اللهم إلا أن أعرض مثلًا آخر من تهافت هذه العصبة الحاقدة من المستشرقين.
فى حديث الحلية التى رُوىَ أن الرسول قال عنها: «لأهبنها أحب أهلى إلىّ» ثم دفعها إلى حفيدته «أمامة بنت أبى العاص ابن الربيع» فلقد تلكأ غير واحد من المستشرقين عند هذا الحديث، يريدون أن ينقضوا به كل ما تواترت به الأخبار من حب الرسول لابنته فاطمة، ومن عجب أنهم جعلوا خبر الحلية محل الثقة التى لا يرتفع إليها ظن ولا تجوز عليها ريبة، وتلقوا أخبار «فاطمة» بالتكذيب والاتهام، مع أن الراوى واحد.
ولو أنصفوا، لما رأوا فى أمر الحلية سوى مظهر من مظاهر عطفه، صلى الله عليه وسلم، على حفيدته الطفلة التى حرمت من أمها زينب، ولفتة كريمة من لفتاته التى طالما أسعدت النساء من أهله وعشيرته.

وسنجده، صلى الله عليه وسلم، فى موقف آخر، يُهدِى حلةً من استبرق، فيقول لابن عمه على: «اجعلها خُمُرًا بين الفواطم» فشقها «على» أربعة أخمرة، أحدها لفاطمة بنت محمد، والثانى لفاطمة بنت أسد بن هاشم، زوج أبى طالب وأم بنيه على وجعفر وعقيل، والثالث لفاطمة بنت الشهيد حمزة بن عبدالمطلب، والرابع لفاطمة بنت أبى طالب «أم هانئ»، وفى رواية، لفاطمة بنت شيبة بن ربيعة، زوج عقيل بن أبى طالب.
وندع هذا لنسأل: لمَ استأثرت السيدة فاطمة بهذه المكانة الخاصة عند أبيها، صلى الله عليه وسلم؟
وهو سؤال يعرض دائمًا لكل من يكتب عن الزهراء، أما متعصبو المستشرقين فأراحوا أنفسهم كما رأينا بجواب سهل قريب، هو أن ما رُوى عن حب محمد لفاطمة إنما اخترعته الشيعة بعد وفاته، صلى الله عليه وسلم، وما هذا بمستغرب من بعض المستشرقين، فهكذا يلتوى تاريخ الإسلام فى أيديهم ويصطبغ بصبغة من التعصب لا نلومهم عليها وهم بشر لا يبرأون من ضعف وهوى، وإن كنا فى الوقت نفسه نأسف لما ضاع ويضيع على الإنسانية من جهود هؤلاء العلماء الذين نقدر ما أتيح لهم من صبر على البحث ودأب فى الدرس كانا جديرين بأن يؤتيا خير الثمر، لو برئا مما شابهما من شوائب هذا التعصب، وهيهات.
وأحسب أنهم لو حاولوا الحياد الفكرى ليواجهوا موضوع حب الرسول لابنته «فاطمة»، لاستطاعوا أن يصلوا إلى نتائج أعمق وأبعد من هذه التى وصلوا إليها ارتجالًا من أقرب الطرق، وربما أتيح لهم أن يربطوا بين هذا الحب للبنت الرابعة، وبين ما عرف عن العرب بخاصة من كراهة للإناث، فهل كان الرسول فى حبه لفاطمة متأثرًا بما كان يشفّن من عدم ترحيبه بمولدها بعد أن سبقتها أخوات ثلاث؟
لست أستبعد هذا، فمحمد فى أبوته الرحيمة وإنسانيته المهذبة أهلٌ لأن يغمر بحبه هذه البنت التى شاء لها القدر أن تجىء حيث يشفّن ألا تلقى ترحابًا، وأحق بأن يحبوها مزيدًا من عطفه حتى لا تحس ولو على سبيل الوهم أنها غير مرغوب فيها، ونحن الأمهات قد بلونا هذا الشعور الغامر بالحنان والرحمة، حين تُولد لنا بنت ثانية أو ثالثة، فكيف إذن يكون موقف الأب الكريم الذى اصطفى ليبعث رسولًا؟.. مثله بلا ريب من يذود عن طفلته تلك الظلال الكئيبة التى تحيط بمولد البنت الرابعة، ويحميها من ذلك الإحساس المر الذى قد يكسر قلبها ويعقد نفسيتها.

ولنا أن نقول بعد هذا، إن تلك المكانة الخاصة لفاطمة عند أبيها، لم تنقص حبه لأخواتها الثلاث، ولنا أن نقول كذلك إن حظ الزهراء من حب أبيها، صلى الله عليه وسلم، قد ازداد بعد موت هؤلاء الأخوات، ثم تضاعف بمولد الحسنين، وانحصار ذريته، صلى الله عليه وسلم، فى نسل هذه الابنة الوحيدة التى بقيت له.
كانت «فاطمة» قد قاربت عامها الثامن عشر، ولا تزال منصرفة عن الزواج زاهدة فيه، متأثرة بنفورها القديم منه، يوم انتزعوا أختها الحبيبة «زينب» من بيت أبويها، وزفوها إلى دار أبى العاص بن الربيع، وفاطمة طفلة فى عامها الرابع.
ولقد مضت الأعوام، ونمت الطفلة فأدركت مع الزمن حكمة الزواج، وأعدتها فطرتها لأن تستجيب لهذا الوضع الطبيعى الذى بلته كل أنثى قبلها: من حواء، إلى خديجة وزينب ورقية وأم كلثوم، وكانت إلى ذلك كله، تحس ابن العم، على بن أبى طالب، قريبًا منها فى المنزل الجديد، وتلمحه يحوم حول أبيها الرسول وفى نفسه أمر يكتمه لا يريد أن يفصح عنه، وعلى لسانه كلمات يمسكها قبل أن تمس شفتيه، على أن «فاطمة» لم تكن بالتى يخفى عليها سر ابن العم، فمنذ بلغت سن الزواج وهى تحس بإلهام فطرتها ووحى قلبها، أن «عليًا» متعلق بها غير منصرف عنها ولا راغب فى سواها من بنات المسلمين.
وكذلك هى: لم تشعر فى عالمها النفسى بمن هو أقرب إليها من «على» وأعز موضعًا، وهو بعد أكثر من أخ عزيز وابن عم قريب، فليس بين فتية قريش من يفوقه شجاعة وذكاءً وعزيمة، ولا بين شباب المسلمين جميعًا من هو أسبق منه إلى الإسلام أو أقرب إلى رسول الله.
ولكنها مع ذلك أغلقت قلبها دونه، كما أغلقته دون الرجال جميعًا، مؤثرة مكانها إلى جانب أبيها الحبيب، متشبثة بموضعها فى بيته الكريم، فمنذ ماتت أمها «السيدة خديجة»، رضى الله عنها، وهى ترى نفسها ربة هذا البيت الذى تحمل عبء إدارته، وخليفة الأم الراحلة فى الوقوف إلى جانب البطل المجاهد، تهيئ له راحة وسكنًا، وقد بلغت فى ذلك المجال ما جعلها تظفر بأجلّ كنية، فتدعى «أُم أبيها».. وما كانت لتعدل بموضعها ذاك الأعز، موضعًا سواه.
لكن إلى متى؟
هذا ما لم تفكر فيه فاطمة بنت محمد، أو لعلها فكرت فيه حينًا ثم انصرفت عنه، كيلا تفسد حاضرها بما يحتمل أن يأتى به الغد المجهول.

حتى دخلت «عائشة بنت أبى بكر» فى حياة محمد، صلى الله عليه وسلم، زوجة وربة بيت، فأحست «الزهراء» أن قد آن لها أن تنتقل من بيت أبيها راضية أو كارهة، لكى تخلى المكان لربته الشابة الذكية الحسناء.
ولا عجب أن لم يمضِ على دخولها بيت زوجها النبى أربعة أشهر، حتى كانت «الزهراء» فى طريقها إلى بيت على بن أبى طالب.
والواقع أن «عليًا» كان يتلبث حتى تحين فرصة مواتية مسعفة يستطيع فيها أن يطمع فى قبول الزهراء الانتقال من بيت أبيها إلى بيت الزوجية.
وطال انتظاره سنين عددًا، حتى إذا دخل الرسول بعائشة الحبيبة، خامر «عليًا» الرجاء فى تحقيق رغبته، لكنه ظل محجمًا فترة، لا يدرى بمَ يمهرها وليس فى يده مال. ثم زاد إحجامه، حين بلغه أن أبا بكر وعمر، رضى الله عنهما، قد طلبا يد الزهراء، فردهما أبوها، صلى الله عليه وسلم، فى رفق بالغ، وشعر خاصة أصحاب «على» بما يهمه، فشجعوه على خطبة الزهراء، وذكروا له قرابته من أبيها، ومكانته عنده، ومكانة أبويه من قبله: والده أبى طالب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
قال «على» يائسًا: بعد أبى بكر وعمر؟
أجابوه: ولمَ لا؟.. ووالله ما بين المسلمين وفيهم أبوبكر وعمر من له مثل قرابتك من رسول الله، وقد كفله أبوك، ورعته أمك، ثم نشأت فى كنفه ورُبيت فى بيته، وكنت أسبق رجل إلى الإسلام به.
وتشجع «على» وأخذ طريقه إلى ابن عمه، حتى إذا جاءه حيّاه بتحية الإسلام، ثم جلس قريبًا منه على استحياء، لا يذكر حاجته.. وأدرك، صلى الله عليه وسلم، أن أخاه وابن عمه وصاحبه، جاء لأمر لا يقوى على الإفصاح عنه، فأقبل عليه يسأله فى تلطف: ما حاجة ابن أبى طالب؟
أجاب بصوت خفيض، وهو يغض من بصره: ذكرتُ فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قال الرسول ولا يزال على بشره وتلطفه: «مرحبًا وأهلًا؟
ثم أمسك لا يزيد، وطال صمته، فانصرف «على» حائرًا قلقًا، لا يدرى بمَ يجيب أهله وأصدقاءه الذين كانوا فى انتظاره، يترقبون عودته برأى الرسول، فلما ألحوا عليه، قال: «ما أدرى والله شيئًا: تحدثت إلى رسول الله بالأمر، فما زاد على قوله: «مرحبًا وأهلًا».
هتفوا جميعًا: «يكفيك من رسول الله إحداهما.
وأقبل فى اليوم التالى فوقف غير بعيد من الرسول، وقال بحيث يسمعه، عليه الصلاة والسلام: أردت أن أخطب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ابنته، فقلت: والله مالى من شىء، ثم ذكرت صلته وعائدته فخطبتها إليه.
فما راعه إلا أن التفت إليه أبوالزهراء وسأله مترفقًا: وهل عندك شىء؟
أجاب على: «لا يارسول الله».
لكن الرسول ذكر أن «عليًا» أصاب درعًا من مغانم بدر، فعاد يسأله: «فأين درعك التى أعطيتك يوم كذا»؟
أجاب وقد غلبه التأثر لما يلقى من بر النبى ورعايته: هى عندى يا رسول الله.
قال، عليه الصلاة والسلام: فأعطها إياها.
فانطلق «على» مسرعًا، وجاء بالدرع، فأمره النبى أن يبيعها ليجهز العروس بثمنها..
وتقدم «عثمان بن عفان» فاشترى الدرع بأربعمائة وسبعين درهمًا، حملها «على» ووضعها أمام الرسول، فتناولها بيده الكريمة ثم دفعها إلى «بلال» ليشترى ببعضها طيبًا وعطرًا، ثم يدفع الباقى إلى «أم سلمة» لتشترى جهاز العروس.
ودعا الرسول صحابته فأشهدهم أنه زوّج ابنته فاطمة من على بن أبى طالب، على أربعمائة مثقال من فضة، على السنة القائمة والفريضة الواجبة، وختم خطبة الزواج بمباركة العروسين الهاشميين، والدعاء لهما بالذرية الصالحة،ثم قدم إلى الضيوف وعاء تمر.
كانت سن «الزهراء» عندما تزوجت ثمانية عشر عامًا، ولكن الهوى جنح بالمستشرق «لامنس» فخيل إليه أنها كانت أسنّ من ذلك بكثير، وإنما عمد بعض كُتّاب السيرة إلى تأخير ميلادها، كيلا يقال إنها ظلت مزهودًا فيها مرغوبًا عنها إلى أن فاتت سن الشباب.
ولعلنا لو سألناه: فلم لم يفعل كُتاب السيرة مثل هذا مع خديجة وعائشة؟.. لم لم يجعلوا الأولى أصغر سنًا ويضيفوا إلى الأخرى عشر سنين أو عشرين، ليلائموا بينها وبين زوجها النبى فى السن؟
أقول: لعلنا لو سألنا «لامنس» مثل هذا السؤال لما حار جوابًا.
و«لامنس» فيما أرجح قد اعتمد فى ذلك على خلاف يسير الشأن فى تاريخ مولد الزهراء، فاستغله إلى أبعد حد فى إرضاء هواه، وبدلًا من أن يزن الروايات المختلفة ويعرضها على مقاييس النقد والتقويم، نراه يضع إصبعه على قول نقله «المسعودى» بولادة الزهراء قبل الهجرة بثمانية أعوام فحسب، وآخر ذكره «اليعقوبى» بأنها ولدت بعد نزول الوحى، يضع «لامنس» إصبعه على هذا القول أو ذاك، ثم يصوب الطعنة المسمومة، متجاهلًا أقوال الكثرة من الثقات الذين عليهم المعتمد فى هذا الشأن، كابن إسحاق، وابن هشام، والطبرى، وهم يكادون يجمعون على أن مولدها قد كان قبل البعثة بخمس سنين.
والخلاف يسير الشأن، لأننا تعودنا أن نلقى مثله وأكثر منه فى تاريخنا النقلى، وبخاصة ذاك الذى يعتمد على المروى شفاهًا قبل عصر التدوين، حيث لا تكاد تخلو ترجمة شخص من خلاف كهذا، وبخاصة فى سنة مولده، إذ المألوف ألا تتجه العناية إلى ترجمة شخص إلا بعد أن ينمو وتظهر شخصيته ويبدو أنه جدير بالعناية، وكان للمستشرق أن يأخذ من هذه الظاهرة العامة ما شاء، لا أن يتمسك بجزئية بعينها، ثم يخصها بالتجريح والطعن وسيئ التأويل.
وما أظن «لامنس» بالذى يغيب عنه الموقف المنهجى حين يختلف الرواة، لكنه تجاهل عامدًا، «ابن إسحاق» وهو مرجعنا الأول فى السيرة، لأنه أقرب كتابها عهدًا بالرسول وبناته، وابن إسحاق لم يذكر فى مولد «فاطمة» غير قول واحد اقتصر عليه، وهو السنة الخامسة قبل البعثة، ثم أيده بحكم عام هو أن بنات محمد وُلدن جميعًا قبل أن يبعث، صلى الله عليه وسلم، وهذا القول أغفله «لامنس» كما أغفل من بعده أقوال الأئمة من رجال الحديث والثقات من المؤرخين، ليتمسك برواية المسعودى، حتى إذا استغلها ماشاء له التعصب والهوى، واتكأ عليها فى الزعم بأن كُتّاب السيرة أخروا مولد فاطمة لكى ينفوا عنها تهمة البوار، عاد فنقضها برواية «اليعقوبى» التى تقول بولادة الزهراء بعد المبعث.

إلى ذلك الحد، بلغ بمتعصبى المستشرقين التواء الأسلوب وانحراف المنهج واغتصاب الدليل. وكانوا فى غنى عن هذا كله، ليصلوا إلى ما شاءوا تقريره من تأخر زواج فاطمة، مستندين إلى قول ابن إسحاق نفسه، فسن الثامنة عشرة جد متأخرة إذا قيست بسن أخواتها الثلاث حين تزوجن، وهى أبعد تأخرًا إذا قيست بسن أم المؤمنين «عائشة» بنت أبى بكر، لكن معاذ الحق أن يكون هذا التأخر عن زهد فيها ورغبة عنها، فهى بنت الأمين الطاهرة، وهى أخت زينب، ورقية، وأم كلثوم، اللواتى تنافس شبان قريش على الزواج منهن ولما يزلن فى مستهل الصبا، وكانت بعد هذا كله، أقرب الناس شبهًا بأبيها فى الخلقة، وهو من هو بهاء طلعة وجمال صورة، وإنما عرف القوم زهد الزهراء فى الزواج، وتشبثها بمكانها إلى جانب أبيها الرسول، وقدروا موضعها من البيت المحمدى وحاجته إليها بعد وفاة أمها رضى الله عنها.
ثم، لم لا نقول إذا لم يكف كل ما قدمت إن تأخر زواجها كان عن تهيب لها؟
لقد بعث أبوها صلى الله عليه وسلم، وهى وحدها التى لم تتزوج، إذ كان عمرها خمس سنوات، والناس بعد المبعث أحد رجلين: إما كافر بنبوة محمد وهيهات أن يفكر فى مصاهرته، وقد علمنا ما كان من سعى قريش إلى أصهار محمد فى رد بناته الثلاث إليه كى يشغلوه بهن، وإما مسلم يؤمن بنبوة محمد ويصدق برسالته، وقد عرفنا موقف المسلمين من نبيهم وإلى أى مدى كانوا يجلونه ويعظمونه ويفتدونه بالمهج والأرواح. فغير مستغرب ألا يروا أنفسهم كفئًا لمصاهرته، وأن يغضوا الطرف عن «أم أبيها، الزهراء» إجلالًا وتهيبًا ولا يرد على هذا بأن «عثمان» رأى فى نفسه كفئًا لرقية، فلقد قلّ فى أصحاب الرسول بل فى قريش بعامة مثل عثمان ثراءً وشرفًا وجاهًا، وهو بعد قد طمع فى الزواج من بنت النبى، بعد أن طلقها ابن أبى لهب كيدًا وحقدًا. وليس الأمر كذلك مع الزهراء.
ونحن حتى يومنا هذا نرى بنات الأسر الكريمة يتأخر زواجهن فى انتظار الأكفاء وهم عادة القلة. إذ القاعدة المطردة هى أنه كلما تميزت الفتاة لعلمها أو ثرائها أو عزتها، قلّ أكفاؤها.
ولم يكن «على» مع ذاك أول من طمع فى الزواج من «فاطمة» بعد تهيب وتردد، فقد تسامى إلى ذلك الشرف قبله، صاحبا الرسول أبو بكر وعمر، على ما روى «البلاذرى» فى «أنساب الأشراف»، وابن سعد فى طبقاته، والنسائى فى سننه، فردهما أبوها ردًا كريمًا.
ويأبى «لامنس» بعد ذلك كله إلا أن يعلل الزهد المزعوم فى «الزهراء» بأنها كانت محرومة من الجمال والذكاء والمرح، ولست أطيل الوقوف عند هذا الزعم المريض، بعد أن تهاوى كلام صاحبه على ما بيّنا.
ونرجع إلى حيث تركنا «الزهراء» تستقبل فى عامها الثامن عشر حياتها الجديدة، فلا نرى أحدًا من رواة المسلمين حاول أن ينفى عنها ما كانت تجده من شظف العيش، أو يجىء فى جهازها بفراش وثير وأثاث جميل، بل نقرأ أنها دخلت بيت زوجها بخميلة، ووسادة حشوها ليف، ورحاءين وسقاءين، وشىء من العطر والطيب.
وكان زوجها من الفقر بحيث لم يستطع أن يستأجر لها خادمة تعينها أو تقوم عنها بالعمل الشاق. فكان عليها رضى الله عنها أن تنفرد بهذا العبء الثقيل، لكن «عليًا» لم يكن يهون عليه أن يراها هكذا كادحة مجهدة، فحاول أن يساعدها فى بعض أعمال البيت ما مكنته ظروفه من ذلك، إذ كان يخشى أن يستنفد العبء ما بقى لها من قوة جسدية، بعد الذى كابدته منذ عامها الخامس من محنة الحصار ومشقة الهجرة ومتاعب الجهاد.
حتى ناء كلاهما بما يحمل، فانتهز- كرم الله وجهه- فرصة موأتية، وقال لها ذات يوم وقد عرف أن أباها النبى عاد من إحدى غزواته الظافرة بغنائم وسبايا: لقد شقوتِ يا فاطمة حتى أسليت صدرى، وقد جاء الله بسبى، فاذهبى فالتمسى واحدة تخدمك.
أجابته وهى تنحى الرحى جانبًا فى تعب وكلال: أفعل إن شاء الله.
ثم لبثت ساعة حيث هى فى ساحة الدار ريثما استردت بعض قواها الذاهبة، وقامت فتلفعت بخمارها وخرجت تسعى إلى بيت أبيها بخطوات بطيئة وانية، فلما رآها- صلى الله عليه وسلم - هش لها وسأل: ما جاء بكِ يا بنية؟..
أجابت: جئت لأسلم عليك.
ومنعها الحياء أن تسأله فيما جاءت من أجله، ثم عادت من حيث أتت، لتنبئ زوجها أنها استحت أن تطلب من أبيها شيئًا، فقام- كرم الله وجهه- وصحبها إلى بيت الرسول، وتولى عنها السؤال وهى مطرقة من استحياء.
أجاب صلى الله عليه وسلم: لا والله، لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تتلوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيع، وأنفق عليهم بالثمن.
فانصرفا شاكرين، وما يدريان أن شكواهما مست قلب الأب الحنون، وشغلته نهاره كله.
وجن الليل وكان البرد قارسًا ثقيل الوطأة، فرقدا على فراشهما الخشن يحاولان النوم فلا يجدان إليه سبيلًا لفرط ما يشعران به من قسوة البرد، فإذا بالباب يفتح، ويقبل عليهما الرسول وقد انكمشا فى غطائهما مقرورين، إذا غطيا رأسيهما بدت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما انكشفت رأساهما، فهبّا للقاء الضيف الكريم، لكنه- صلى الله عليه وسلم- ابتدرهما قائلًا: «مكانكما»، ثم أضاف فى رفق وهو يقدر حالهما: ألا أخبركما بخير مما سألتانى.
أجابا معًا: بلى يا رسول الله.
قال: كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان الله فى دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما، تسبحان ثلاثًا وثلاثين، وتحمدان ثلاثًا وثلاثين، وتكبران ثلاثًا وثلاثين.. ثم ودعهما ومضى، بعد أن زودهما بهذا المدد الإلهى، ولقنهما هذه الرياضة النفسية التى تغلب المصاعب وتهزم المتاعب.
كاد يأتى غير متعمد شيئًا تكرهه فاطمة أشد الكره، وتألم منه أفدح الألم، وأى شىء أبغض إلى زوجة كالزهراء، من أن يأتيها زوجها وابن عمها بضرة؟
لقد همّ «على» بالزواج على فاطمة، وفى حسابه أنه إنما يجرى على مألوف عادة قومه فى الجمع بين زوجتين وأكثر، ويفعل ما أباحه له الإسلام من تعدد الزوجات، دون أن يخطر بباله أن فى هذا ما تنكره بنت نبى الإسلام.
لكن الأمر جرى على غير ما قدّر على.
فما كاد يهم بالزواج من بنت عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومى، حتى راعه أن يرى أبا الزهراء يقبل على المسجد مغضبًا، ويخطب فى الناس منكرًا على «ابن أبى طالب» أن يتزوج على فاطمة، بنت عمرو هذا.
لكن كيف والإسلام يبيح تعدد الزوجات، ومحمد- صلى الله عليه وسلم- كان يجمع فى بيته يومئذ بين زوجات ثلاث أو أربع، فيهن عائشة بنت أبى بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب الذى أعز الله به الإسلام؟
كيف يحرم النبى ما أحله الله، وينكر على ابن عمه ما لم ينكره على نفسه؟
ليكن هذا الزواج مؤذيًا لفاطمة، أفلم تتعرض لمثله بنتا أبى بكر وعمر؟
وهل يأبى النبى أن يجوز على ابنته ما يجوز على كل مسلمة، وهو القائل فى المرأة السارقة: لو كانت بنت محمد فاطمة، لقطعت يدها؟
وهل استثنى الإسلام من تعدد الزوجات، بنات نبيه الذى بلّغ رسالته؟..
يا له من موقف بالغ الدقة والصعوبة والحرج!
فالنبى يعلم حق «على» فى الزواج ولو على فاطمة بنت محمد، ومحمد فى أبوته الرحيمة وبشريته السوية، يؤذيه أن تروّع أحب بناته بضرة، ويشفق عليها من تجربة قاسية كهذه، يعلم أنها لا قبل لها باحتمالها.
ألا ليت «عليًا» قد صبر على واحدة، أسوة بابن عمه حين اكتفى بخديجة زوجة، مدى ربع قرن من الزمان!.. إذن لأعفى الأب النبى من الحرج، وأغناه عن ذلك الموقف الشائك الصعب.
وإنى لأتمثله- صلى الله عليه وسلم-، يرنو إلى بنته الغالية وهى تترقب المحنة فى خوف وقهر، فتكاد لفرط أساها وقلقها، تذوب من ضعف وكمد، ويود بكل ما استطاع أن يدفع عنها ما تكره، وأن يحميها من الخوف الذى يقرح أجفانها ويروع أمنها، ويؤرق لياليها، لكن الأمر يبدو معقدًا، فما كان لنبى أن يحرم ما أحلّ الله.
وفى ظلمات الحيرة، يلوح شعاع من الضوء ينير السبيل: إنّ عليًا ذكر بنت «عمرو بن هشام المخزومى»، فهل يرضى الله أن يجمع بيت «على» بين بنت رسول الله، وبنت عدو الله؟
فعمرو هذا، هو «أبو الحكم بن هشام» أبو جهل الذى لم ينس الرسول والمؤمنون ما اقترف من آثام فى اضطهاد الدعوة الإسلامية. أتكون بنت هذا الرجل، ضرة لفاطمة بنت النبى؟
يأبى الرسول ذلك، وانطلق- صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد مغضبًا حتى بلغ المنبر فخطب فى صحبه قائلًا: إن بنى هشام بن المغيرة استأذنونى أن ينكحوا ابنتهم علىّ بن أبى طالب، فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم، اللهم إلا أن يحب ابن أبى طالب أن يطلق ابنتى وينكح ابنتهم، فإن ابنتى بضعة منى يريبنى ما أرابها ويؤذينى ما آذاها، وإنى أتخوف أن تفتن فى دينها.
ثم ذكر- صلى الله عليه وسلم- صهره أبا العاص وهو من بنى عبد شمس، لا من بنى عبدالمطلب كعلى فأثنى عليه فى مصاهرته إياه أحسن الثناء وقال: حدثنى فصدقنى، ووعدنى فأوفى لى، وإنى لست أحرم حلالًا ولا أحل حرامًا، ولكن الله لا يجمع بنت رسول الله وبنت عدو الله ببيت واحد أبدًا.
ولقد ورد هذا الحديث فى الكتب الستة الأمهات ولكن أحدًا من الرواة لم يذكر لنا وقعه على المسلمين وصداه فى المدينة.
فهل ترى يعيبنا أن نتصور مدينة الرسول وقد باتت ليلتها ساهرة، تؤمّن على قول النبى، وترى فيه مظهرًا جميلًا من مظاهر بشريته التى طالما أصر على الاعتراف بها، وآية ناطقة بأبوته الرحيمة التى كانت مضرب الأمثال، ودليلًا جديدًا من أدلة حبه لبناته، هذا الحب الذى شاء الله أن يملأ به قلب النبى المختار، فى بيئة وأدت بناتها؟
أو هل يقصر خيالنا عن متابعة «على» وهو ينصرف من المسجد إثر سماعه خطبة صهره النبى، ويأخذ طريقه إلى بيته بطىء الخطو، مثقل القلب يفكر فيما كان؟
أتراه حقًا قد أراد الزواج على فاطمة، من بنت عدو الإسلام؟ كيف هان عليه جهاده الطويل الباسل فى سبيل الدعوة المحمدية؟ بل كيف هان عليه أن يروع أمن الحبيبة بنت الحبيب، ويكسر قلبها بزواج مثل هذا لا يمكن أن يُؤوّل إلا بالرغبة فى متاع حسى مادى، لا يجده لديها؟
شكا أبو الزهراء- صلى الله عليه وسلم- من مرض ألمّ به، فى ليال بقين من صفر فى السنة الحادية عشرة للهجرة، فحسب آل البيت والمسلمون أنها وعكة طارئة لا تلبث أن تزول، دون أن يجرؤ أحد على الظن بأنه مرض الموت، غير أن «أم أبيها، الزهراء» لم تكد تسمع بشكوى أبيها النبى، حتى أجفلت وكأنما لسعتها نار، ذلك أنها ذكرت حديثًا أسَرّ به صلى الله عليه وسلم إليها منذ أيام، وكانت قد جاءت لزيارته وهو عند أم المؤمنين عائشة، فلما رآها أبوها مقبلة، أشبه أحد به سمتًا وهديًا، على ما وصفت عائشة، هشّ للقائها قائلًا: «مرحبًا بابنتى».
ثم قبّلها وأجلسها إلى يمينه وأسرّ إليها أنه يحسب أن قد حان أجله، فلما بكت هوّن عليها بقوله: وإنك أول أهل بيتى لحوقًا بى، ثم أضاف: «ألا ترضين أن تكونى سيدة نساء هذه الأمة؟
فسرّها ما سمعت، وضحكت بعد بكاء، فعجبت عائشة وقالت: «ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب إلى حزن!»
ثم سألت الزهراء حين سنحت فرصة، عما أسرّ به الرسول إليها، فأجابت أم أبيها: ما كنت لأفشى على رسول الله سرّه.
وانصرفت يومئذ إلى دارها، وقد رد إليها بعض طمأنينتها بأن رأت أباها صلى الله عليه وسلم صحيحًا معافى، فلما بلغها بعد أيام أنه يشكو، ساورها قلق مشوب بالخوف، وأسرعت إلى بيت أبيها وهى تحس أن قلبها قد سقط من موضعه فى صدرها.
ورأته يتحامل على نفسه، ويتجمل بالصبر، ويدور على نسائه أمهات المؤمنين كمألوف عادته، حتى إذا بلغ بيت «أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية» تتامّ به وجعه فدعا زوجاته إليه واستأذنهن فى أن يمرض فى بيت عائشة، وأقامت «الزهراء» إلى جانبه تخدمه وتسهر عليه حانية متجلدة، تتكلف الصبر، ولا تكف عن الدعاء والابتهال، لكن تجلدها خانها حين رأته وقد اشتد به الوجع، يأخذ الماء بيده ويجعله على رأسه وهو يقول: وا كرباه.
فخنقتها العبرة وقالت بصوت يفيض حزنًا ولوعة: وا كربى لكربك يا أبتاه.
فرد عليها وهو يرنو إليها فى عطف وحنو: لا كرب على أبيك بعد اليوم.
ثم حمّ القضاء، ولحق محمد بالرفيق الأعلى، وترك الزهراء من بعده يتيمة حزينة، لا تجد إلى العزاء سبيلًا. وأذهلها المصاب الفادح، فما أفاقت من غشيتها إلا وقد تمت البيعة «لأبى بكر الصديق» فى السقيفة، ولما يكد يمضى على وفاة الرسول غير ثمان وأربعين ساعة فحسب، وجمعت كيانها الممزق، وتحاملت تسعى إلى قبر الحبيب وما تقوى قدماها على حملها، حتى إذا بلغته أخذت قبضة من تراب القبر فأدنتها من عينيها اللتين قرحهما البكاء، ثم راحت تشمها وهى تقول متفجعة: ماذا على مَن شمّ تربة أحمد.. ألا يشم مدى الزمان غواليا؟ صُبّت علىّ مصائب لو أنها صبت على الأيام عُدن لياليا.
واستعبرت باكية، فبكى الناس لبكائها، وتقطعت قلوبهم وهم يرونها تفلت التراب من بين أناملها فى حركة يائسة، ثم تحدق فى يديها الفارغتين، وتمضى، كمن فرغت من الدنيا، وأتبعوها عيونهم الدامعة وقلوبهم المتصدعة، حتى إذا بلغت دارها استأذن عليها «أنس بن مالك: خادم أبيها النبى» وراح يسألها الصبر الجميل.
قالت له معاتبة: «كيف مكنك قلبك أن تسلم للأرض جثة رسول الله؟»
فشهق بدمعه دون أن يجرؤ هو أو سواه على أن يعاود الحديث فى الصبر والعزاء
الصبر والعزاء؟.. كيف وكل مصاب بعد مصابها لمم!؟..
أسلمت فاطمة نفسها للحزن، فلم تُـرَ قط منذ مات أبوها- صلى الله عليه وسلم-، إلا محزونة باكية.. وعز العزاء وغُلب الصبر، ولم يبق لها من رجاء إلا أن تلحق بأبيها كما بشرها قبل الرحيل، وما أسرع ما لحقت به.
أصبحت يوم الإثنين، الثانى من رمضان سنة إحدى عشرة، فعانقت أهلها وملأت عينيها منهم، ثم دعت إليها «أم رافع» مولاة أبيها عليه الصلاة والسلام، فقالت لها بصوت واهن خفيض: يا أمه، اسكبى لى غسلًا.
واغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل، ثم لبست ثيابًا لها جددًا كانت قد نبذتها حدادًا، ثم قالت لأم رافع: اجعلى فراشى فى وسط البيت.
فلما فعلت، اضطجعت عليه واستقبلت القبلة، تتهيأ للقاء ربها، ولقاء أبيها الحبيب، ثم أغمضت عينيها ونامت، وقام «على» فاحتملها باكيًا، ودفنها بالبقيع، ثم ودّعها وعاد محزونًا إلى صغاره، وإلى البيت الذى أوحش من بعد الزهراء، وبات المسلمون محزونين، بعد أن شيعوا إلى القبر آخر بنات النبى، ولما تمض ستة أشهر بعد وفاته، على أرجح الأقوال.
بتصرف من كتاب «بنات النبى»







