الجمعة 27 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

لا سمع ولا طاعة.. عبلة الروينى تكتب عن فئران الإخوان المذعورة

حرف

- عندما التقينا مرسى بدا مرتبكًا، لا ثقة، لا هيبة، لا حضور

- الخلاف مع الإخوان ليس كما يظن البعض خلافًا سياسيًا أو دينيًا لكنه بالأساس خلاف فكرى ثقافى واجتماعى

- خلال حكم محمد مرسى أصبحت عاطلة عن العمل حبيسة البيت عامًا ونصف العام

الكاتبة الكبيرة عبلة الروينى واحدة من أهم الأصوات الصحفية والثقافية فى مصر خلال العقود الأخيرة، وارتبط اسمها بالجرأة فى الطرح والقدرة على كشف ما وراء الكواليس فى الوسطين الإعلامى والأدبى. 

فى كتابها الجديد «لا سمع ولا طاعة»، تقدم عبلة الروينى شهادة شخصية ومهنية ثرية، تستعيد من خلالها محطات بارزة من مسيرتها الصحفية، وتوثّق تجاربها مع المهنة بما حملته من تحديات وصراعات ومواقف إنسانية، مقدمة ما يمكن وصفه بنافذة على تاريخ الصحافة المصرية فى العقود الأخيرة، بما فيه من تحولات سياسية واجتماعية ألقت بظلالها على المهنة.

وخصصت «الروينى» فصلًا مهمًا فى كتابها للحديث عن سنة حكم جماعة الإخوان، وما تركته تلك المرحلة من تأثير مباشر على الصحافة والإعلام، كاشفةً عن تفاصيل دقيقة من واقع عاشته عن قرب. 

وفى الملف التالى، تنشر «حرف» أجزاءً من هذا الفصل المهم بلسان الكاتبة، لتضع القارئ أمام تجربة حية من ذاكرة صاحبة «لا سمع ولا طاعة».

لم أشعر يومها أنى ذاهبة للقاء رئيس الجمهورية، رغم أن اللقاء فى قصر الاتحادية الرئاسى بمصر الجديدة، ورغم أن الدعوة رسمية لرؤساء تحرير الصحف المصرية، للاجتماع بمحمد مرسى، بعد حلف اليمين الدستورية.

بدا مرتبكًا، لا ثقة، لا هيبة، لا حضور! غير مدرب بالتأكيد، وغير مطمئن، لم يُجب عن الكثير من الأسئلة، ليس بالضرورة من باب الحرص وحسابات السياسة، فى الأغلب، لغياب الرؤية والعجز عن الإجابة!

لم يجب عن سؤال المرأة، ولا سؤال الأقباط، ولا سؤال المجتمع المدنى!.. كان يستمع إلى الأسئلة مجتمعة، ثم يجيب بعد ذلك، وهى طريقة فى الهرب من بعض الأسئلة.

سألت عن الإخوان المسلمين، وتكاثرت أسئلة الجميع بصيغ مختلفة عن الإخوان ووجودهم، وحدود حركتهم داخل الدولة وداخل السلطة أيضًا.

دُهش مرسى من حجم المخاوف والتساؤلات المتكررة عن أخونة الصحافة، وربما أخونة الدولة، نافيًا بشدة: مستحيل أن يحدث هذا!.. وحين طالبه الجميع برسائل التطمين، ضحك قائلًا: ومن الذى يطمئننى أنا؟

لم يكن مرسى يضحك تمامًا، قدر ما كان يعبر عن مأزقه الوجودى، المأزق الذى وجد نفسه فيه.. الجماعة التى منحتها السرية، ومنحها الحظر، والمنع لسنوات طويلة، بعض التعاطف، اليوم يمنحها العلن الكثير من الرفض والكثير من الكراهية.

لم تستطع جماعة الإخوان استيعاب المسافة بين أكثر من ٨٥ عامًا من العمل السرى خارج دوائر الدولة، وبين الاستحواذ على الحكم! وهو ما عبر عنه القيادى الإخوانى السابق محمد حبيب، «العقل السياسى والإدارى، لم يكن من مواصفات تنظيم الإخوان».

صعد الإخوان المسلمون فى المشهد السياسى المصرى، وصعد أيضًا النفور الشعبى منهم والعداء لهم.. لم يعد الخوف والابتعاد عنهم ومحاولة تجنبهم، بل صار أكثر خوفهم وتوترهم وقلقهم!

بات العداء صريحًا، والصراع علنيًا، أشعرهم بالفزع والخوف، خصوصًا والخصم هنا، يتجاوز السلطة والمؤسسة والجهات الأمنية، التى تدربوا كثيرًا على التعامل والتآمر معها وعقد الصفقات!

هذه المرة الخصم هو المجتمع مباشرة، وجهًا لوجه أمام الناس، حين لا ينبغى ألا تكون صادقًا ومخلصًا وحقيقيًا.. لا مجال للتحايل ولا التآمر، وهى قيم لا يعرفها الإخوان المسلمون على امتداد تاريخهم.

علق صاحب مقهى فى أحد شوارع القاهرة، لافتة ضخمة أمام المقهى: «أنا مسلم، وممنوع دخول الإخوان المسلمين»!.. وعلق المتظاهرون فى ميدان التحرير فى أحد احتجاجاتهم الغاضبة، نفس اللافتة: «ممنوع دخول الإخوان»!

صعود الإخوان دفع تيار الإسلام السياسى، باختلاف فصائله، لتصعيد نشاطه وحركته، حتى السلفيون الذين ابتعدوا دائمًا عن العمل السياسى، رأوا وجوب التعاون مع الإخوان باعتبارهم رجال المرحلة! وقبلوا- لأول مرة- ممارسة العمل السياسى والحرص على الوجود الإعلامى.

قبل أسابيع من انتخاب مرسى، كنت ما أزال رئيس تحرير أخبار الأدب، أعد الزملاء: أحمد وائل، نائل الطوخى ومحمد فرج، ندوة مع رموز تيار الإسلام السياسى حول: «الثقافة فى دولة الذقون»، كان ضيوف الندوة دكتور خالد فهمى، أستاذ التاريخ بجامعة الفيوم، وهو من الإخوان المسلمين، وهو بالتأكيد غير د. خالد فهمى، أستاذ التاريخ بجامعة تافتس الأمريكية.. شارك أيضًا بالندوة رئيس إذاعة القرآن الكريم، «إخوانى أيضًا أو متعاطف»، ونادر بكار، نائب رئيس حزب النور السلفى.. جميعهم جاءوا بملابس عصرية تمامًا، لفتت نظرى بشدة أناقة نادر بكار المتعمدة، شاب عصرى يرتدى نظارة طبية أنيقة، بلوفر نبيتى فوقه جاكت بنى اللون، سرعان ما قام بخلعه فى حركة تلقائية رشيقة، لا تخلو من استعراضية محسوبة بعناية، وابتسامة لم تفارق وجهه طوال الندوة.

ملابس نادر بكار عصرية ومختلفة تمامًا، بينما آلاف السلفيين يجوبون شوارع القاهرة علانية بملابس غريبة، يتظاهرون أمام مسجد النور بالعباسية، ومسجد الفتح برمسيس، وأمام دار الإفتاء، يطالبون بالبحث عن أختى كاميليا، «سيدة مسيحية، قيل إنها أسلمت واختفت»!!، ملابس السلفيين تفزعنى، ثمة خلل فى النسق، يعكس خلل صاحبه، جلباب قصير حتى منتصف الساق، أصابع الأرجل الخارجة من النعال المفتوحة واللحى الطويلة الشعثاء!

بدا نادر بكار فى الندوة مختلفًا، منقلبًا على الصورة النمطية للسلفيين، محاولة مقصودة لصناعة صورة مغايرة وجديدة.. أسابيع وأصبح نادر بكار نجمًا إعلاميًا، حاضرًا على شاشات التليفزيون، ضيفًا دائمًا فى كل برامج «التوك شو»، شريكًا فى كل اللقاءات والندوات!.. فجأة سافر فى منحة دراسية إلى جامعة هارفارد بأمريكا!! بعد سنتين أو ثلاث أصبح يحاضر فى جامعة هارفارد نفسها!! ثم أصبح رجل أعمال، «بيزنس مان»، مقيمًا فى أمريكا منذ أكثر من ١٢ عامًا!

لم ينس مرسى فى خطابه الرئاسى الأول أن يشكر الجميع، بداية من الأهل والعشيرة.. ومن الإسكندرية حتى أسوان وحلايب.. ومن القوات المسلحة حتى سائقى التوك توك والزبالين! لكنه نسىَ سهوًا أو عمدًا شكر المثقفين، وتجاهل تمامًا الإشارة إلى مدنية الدولة، التى ما كان له أن يأتى، إلا من خلالها!

النسيان، سهوًا أو عمدًا، يكشف تاريخًا طويلاً لجماعة تخشى الثقافة، ترتعد من ذكرها، وترتعد من حضورها، فتتحسس خناجرها!.. جماعة تكره الموسيقى وتحارب الغناء، تغطى التماثيل فى الشوارع وتقيّدها بالحبال.. فى المنصورة قامت جماعة من الإخوان، بتغطية تمثال أم كلثوم، بوضع إيشارب فوق رأس التمثال!.. وفى الإسكندرية قامت جماعة أخرى بشد تمثال عروس البحر بالحبال بعد تغطيته بأقمشة من الدّمور الأبيض أشبه بالكفن!.. جماعة تطارد الخيال وتحاكم الكتّاب والمبدعين، تجرجرهم إلى ساحات المحاكم، وتطعنهم مباشرة فى وضح النهار.

الخلاف مع الإخوان ليس كما يظن البعض، خلافًا سياسيًا أو دينيًا، لكنه بالأساس خلاف فكرى ثقافى واجتماعى، خلاف فى المنهج والمفهوم، خلاف وموقف كانا دائمًا شديدى الوضوح والصدام بينهم وبين المثقفين فى كل الأوقات.. كان العقاد من أشد خصوم الإخوان، وصفهم بالخيانة والغدر، «خوّان المسلمين».. ووصفهم طه حسين بأنهم من زمن الخوارج، «قبضة من نيران الحروب التى أشعلها المحتلون فى العالم، يخالفون الطبيعة الوديعة للمصريين، ويعملون على نشر القتل بينهم».

فور اختياره رئيسًا، كانت أولى خطوات مرسى العمل على إقصاء الجميع، إقصاء القوى السياسية من المشاركة فى إدارة البلاد، أصدر إعلانًا دستوريًا عاجلاً، يختزل صناعة القرار فى مؤسسة الرئاسة، ويحصّن قراراته الرئاسية ضد الرقابة القضائية، أقال النائب العام، وأعد قانونًا للسلطة القضائية يقضى بعزل ٣٥٠٠ قاضٍ، وخفض سن التقاعد من ٧٠ إلى ٦٠ عامًا، وهو ما نال غضب القضاة وعداءهم، وخرجت مظاهرات نقابة المحامين دفاعًا عن دولة القانون، وأوصى نادى القضاة بتعليق العمل فى المحاكم والنيابات فى كل أنحاء مصر.

غضب القضاة والمحامون، وسبق أن غضب الجيش والشرطة والصحافة والإعلام بالطبع الذين اعتبرهم الإخوان دائمًا ليسوا سوى «جماعة من الجواسيس»!!

وكان من أولى خطوات مرسى الرئاسية أيضًا، تغيير رؤساء تحرير الصحف القومية، واختيار المتوافقين- بالطبع- مع الطبيعة الجديدة لحكم الإخوان.

فى ٨ أغسطس ٢٠١٢، كان قرار مجلس الشورى، المختص بشئون الصحافة، بتغيير ٧٥٪ من رؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير الصحف القومية! وهو ما قوبل باستهجان ورفض جموع الصحفيين الذين تظاهروا على سلم النقابة، رافضين هذه التغييرات، والتشكيك أيضًا فى صلاحيتها خاصة بعد صدور قرار المحكمة الدستورية العليا، بعدم دستورية قانون تشكيل مجلس الشورى أساسًا، وبالطبع عدم دستورية قراراته.

وكان خروجى من رئاسة تحرير «أخبار الأدب».. على إيقاع رقصة المولوية، حركة الراقص الدائرية ويديه المرفوعتين لأعلى شوقًا إلى العدل والحرية، كان غلاف أخبار الأدب: «إلى مجلس الشورى، لا سمع ولا طاعة»، وهو نفس عنوان مقالى الأخير للجريدة! وعنوان كتابى هذا أو عنوان مشوارى المهنى.

خرجتُ من أخبار الأدب أغسطس ٢٠١٢، مواصلة عمودى اليومى: «نهار»، فى جريدة الأخبار.. وكان خروج ياسر رزق من رئاسة تحرير الأخبار اليومية، وخروج رؤساء تحرير الصحف القومية الأخرى!

فى اليوم التالى لقرار مجلس الشورى، «أكثر من نصف أعضائه من الإخوان المسلمين»، اختار كتّاب الأعمدة اليومية بجريدة الأخبار، «جمال الغيطانى، جلال عارف، عبلة الروينى»، تعبيرًا عن احتجاجهم، ترك مساحة أعمدتهم بيضاء، فقط ترك توقيعهم دون كتابة المقال! وهو ما لم يسمح به محمد حسن البنا، رئيس تحرير جريدة الأخبار الجديد، المُعيّن من قبل مجلس الشورى، وصدرت الجريدة بالفعل فى ذلك اليوم دون الأعمدة اليومية للكتّاب.

فى اليوم التالى واصلت كتابة مقالى «نهار»، تحت عنوان «أخونة الصحافة»، موضحة للقارئ أسباب الاحتجاج واحتجاب عمود الأمس، الأسباب التى أطاحت بـ٥٥ رئيس تحرير، فى الصحف الأخرى، وأطاحت بى شخصيًا!

لم يشأ رئيس التحرير الجديد، أن يبدأ عمله بمصادرة مقال، لكنه قام بحذف كل المفردات داخل المقال، التى تشير إلى الإخوان من قريب أو بعيد، حذف كل ما يشير إلى أخونة الصحافة، وبالطبع حذف عنوان المقال.. أحال المقال إلى بنيان فارغ مثقوب، لكن الثقوب أوجعت، وأوجعت بشدة!

يوم، يومان وبدأ عمودى اليومى: «نهار»، يتحرك، من يمين الصفحة إلى يسارها، ومن مكانه الثابت صفحة ٦، إلى صفحات أخرى مختلفة، ثم إلى صفحة الرأى المكدسة بالعديد من المقالات، ومن شكل العمود الطولى، إلى مساحة مربعة مختصرة!

غضبتُ بالطبع، معبرة عن استيائى بكتابة مقال: «الملك عاريًا»، رفض رئيس التحرير نشره، واعتبره تطاولاً شخصيًا عليه وتشهيرًا به، خصوصًا بعد أن قمت بنشره فى جريدة الوطن، ومنها قامت بنشره صحف أخرى ومواقع إلكترونية كثيرة، فى حملة تضامنية اشتعل فيها غضب المثقفين تجاه الحضور الإخوانى، ليس فقط فى الصحافة، لكن فى الواقع المصرى بأكمله.

وامتد التضامن حتى خارج مصر، عبر الكثير من الكتّاب، خصوصًا بالصحف المغربية، معبرين عن تخوفهم من الهجمة الشرسة على الثقافة والصحافة.

كتبت القاصة لطيفة باقا: «ما يحدث يشكل تراجعًا بشكل خطير عن المكتسبات التى حققها المثقفون فى مصر، على مستوى حرية التعبير والرأى والصحافة والإبداع»، وكتب الشاعر صلاح بوسريف، على صفحات القدس العربى «رسالة إلى عبلة الروينى»: «لا أتصور أن ما قطعته المجتمعات من تحديث فى الفكر والثقافة، وما يجرى من اتصال بالعالم عبر الوسائل التقنية الحديثة، سيسمح بالتراجع إلى الوراء، أو بالعودة إلى زمن الخلافة، الذى ليس زمننا، ولن يكون أبدًا».

لم يستطع وزير الإعلام الإخوانى، صلاح عبدالمقصود، الصمت، فكان تصريحه الغريب بأن جريدة الأخبار لم تحذف شيئًا من مقال عبلة الروينى، بل هى- يقصدنى- من قامت بسب الصحفيين جميعًا واتهامهم بالخنوع، ولبس الطُرح.

لم يزعجنى تصريح الوزير ولا ادعاؤه، بقدر ما أزعجنى افتراؤه على لغتى بمفردات تعكر قاموسى!

حينما تهبط لغة الحوار، يهبط الحوار نفسه، يتلاشى، وتنتفى قيم التواصل واللقاء.. حينما يسيطر النفى والإقصاء والإصرار على إزاحة الآخر بكل الطرق والوسائل، نكون أمام انتهاكٍ فعلى لإنسانيتنا.. حينما تتحول تفاصيل حياتنا اليومية إلى متابعة للعنف، وملاحقة للكوارث.. حين تضغط السياسة والمؤامرات والصفقات على كل تفاصيل اليوم، وتتراجع الثقافة والفنون، وتظلم واجهات المسارح، وتغلق دور العرض السينمائى، ويتوقف معظم الفنانين عن العمل، والأدباء عن الكتابة.. وتخفض دور النشر إنتاجها، وينخفض الإنتاج الفنى عامة، ونحاصر بالجهالة والادعاء، حين يتم إلغاء الدورى، وتتوقف الأنشطة الرياضية، ويبحث اللاعبون عن الخروج من الأزمة بالهجرة والهروب الجماعى.. حين تتراجع مكانة المرأة وحقوقها، وتتسلل جماعة الإخوان إلى قاعات الدرس والمناهج التعليمية، وتقص معلمة فى إحدى المدارس شعر تلميذتين بالصف السادس الابتدائى لعدم ارتدائهما الحجاب.. نكون أمام مصيبة، تهدد سلامتنا النفسية والاجتماعية، وتهدد أمن الوطن، وتعود بنا سنوات إلى الوراء.

وكان طبيعيًا أن يصل الصدام المدوى إلى لحظة لا تسمح بالمواءمة ولا التوافق، لا هم قادرون على احتمالى ولا أنا أيضًا.. أرسل رئيس التحرير مَن يُبلغنى بإعفائى من كتابة العمود اليومى، وإعفائى من الكتابة عمومًا، «١٩ أكتوبر ٢٠١٢».

أصبحت عاطلة عن العمل، حبيسة البيت عامًا ونصف العام، ١٨ شهرًا كاملة!!.. بادر مجدى الجلاد، رئيس تحرير جريدة الوطن، بدعوتى للكتابة، وكان عمودى: «اختيار»، نفس عنوان مقالى الافتتاحى فى جريدة أخبار الأدب، قبل الإطاحة بى، ونفس مساحة الحرية فى كتابة ما أريد دون مساءلة، ودون عيون وبصاصين.

لم أكن وحدى التى تمت محاصرتها وعزلها.. بعد معركة تغيير رؤساء تحرير الصحف القومية، بدأ التضييق والمنع وتوقف الكثير من الكتّاب عن الكتابة فى الصحف القومية، تحديدًا تم منعهم.. فى الأخبار، منعت مقالات إبراهيم عبدالمجيد، أحمد طه النقر، يوسف القعيد، مدحت العدل، وتوقفت صفحة آراء حرة.. وفى الأهرام توقفت مقالات: نبيل عبدالفتاح، نبيل عمر، محمود مراد، وإبراهيم حجازى، وتم التضييق على أحمد عبدالمعطى حجازى، ود. صلاح فضل، حتى هاجروا للكتابة إلى صحف أخرى.. مُنع الكثير من المقالات فى جريدة الجمهورية، ومجلة آخر ساعة، وصودرت بعض الصحف والقنوات التليفزيونية، واقتحم رجال الأمن مطابع الأهرام وصادروا «الزنكات»!!

لكن منع مقالى ومصادرتى ومطاردتى حتى أبواب البيت، كان حادًا ولاذعًا، تجاوز منع المقال إلى منع الكتابة.. وتجاوز منع الكتابة إلى منع العمل، وفك كل ارتباط وتعاقد، وإبعادى تمامًا عن مؤسسة أخبار اليوم!

صرت حكاية وأمثولة للصدام بين الإخوان والصحافة، صرت معنى وراء تضامن الكثيرين من الكتّاب والصحفيين داخل وخارج مصر.. فى تظاهرة بميدان طلعت حرب قال لى عادل حمودة: «لعلك سبب وراء هذه التظاهرة.. الجميع يتضامنون معك». كثير من مؤسسات المجتمع المدنى، جبهة الإبداع بالمجلس الأعلى للثقافة، اتحاد الكتّاب الذى أعلن استعداده للتضامن معى قضائيًا وإعلاميًا، وهو نفس بيان ورشة الزيتون، واصفًا عزلى بالفاشية.

تضاعف الغضب وتزايدت الوقفات الاحتجاجية، اعتصامات ومؤتمرات واجتماعات فى المقاهى والنقابات والميادين، عشرات المبادرات الثقافية فى اتجاه النزول إلى الشارع، تعبيرًا عن موقف المثقفين من الإخوان، حكمًا وفكرًا ومنهجًا وسلوكًا.. فكرة تنطوى على حماية الثقافة والفن والإبداع بالقوة والفعل، بالعقل والجسد مباشرة، وتنطوى على ربط الثقافة بالناس، وتحويلها لمسئولية عامة ورأى عام ونمط حياة.

كانت تظاهرة المثقفين فى ميدان طلعت حرب تحت شعار: «لا لقمع الحريات ومنع الأصوات»، تعبيرًا عن غضب عارم، وتنديدًا بالهجمة الحادة على الثقافة، ومصادرة بعض الصحف، ومنع كتّاب وصحفيين من الكتابة.. كان الساتر الحديدى يفصل بين المتظاهرين وضباط وجنود الأمن المركزى المصطفّين حول السور الحديدى المتحرك، يتوسطهم ضابط شاب نحيل تقدم فى اتجاه السور، حين بدأ شاب أسمر من المتظاهرين يعلو صوته بأغنية محمد منير «حدوتة مصرية»: «لا يهمنى اسمك.. لا يهمنى عنوانك.. لا يهمنى لونك ولا ميلادك، مكانك.. يهمنى الإنسان ولو مالوش عنوان.. يا ناس يا مكبوتة، هى دى الحدوتة.. حدوتة مصرية».

صوت الشاب عذب وجميل، مشحون بالمشاعر والأداء القوى، كان يغنى فى وجه الجنود المتفاعلين معه بشكل أقرب للانبهار، المدهش أكثر، كان الضابط الشاب قد توحّد تمامًا مع الأغنية، يتمتم مع المغنى بكلمات الأغنية وعيناه تلمعان أو تدمعان من فرط الإعجاب والتأثر، ليصفّق فى نهاية الأغنية، ويمد يده للسلام وتحية المغنى الأسمر..

هى دى الحدوتة.. حدوتة مصرية.

نزول المثقف إلى الشارع حدث دال ولافت للنظر، أحد أهم إنجازات ثورة يناير، انكسار حاجز الخوف من ناحية، وحجم التحديات التى تواجة الثقافة فى زمن الإخوان، أعاد تشكيل وصياغة صورة المثقف ودوره، انتهت ثقافة الغرف المغلقة، العالية والمتعالية، المكتفية بذاتها، المعزولة والمنسحبة، تراجعت صورة المثقف النخبوى المنعزل، وسقطت الحدود الفاصلة بين الثقافة والناس، فعل امتلك فرادته وإيجابيته، وأفزع الإخوان حقًا؛ لأن المثقفين يخيفونهم بالفعل، أو هم خصومهم الأساسيون الأكثر عداوة والأكثر كرهًا.

لم تكن مقالاتى فى «الوطن» وحدها ما يمارس النقد والغضب والاحتجاج طوال حكم الإخوان ومرسى، لم تكن صحيفة الوطن وحدها التى تناهض الإخوان، كانت الصحف المستقلة جميعًا، المواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية، الكتّاب والمبدعون والمثقفون، يعبرون جميعًا عن غضبهم بأشكال وطرق مختلفة، الأدق؛ كانوا يجابهون ويناهضون بقوة حكم الإخوان.. علقت المذيعة، بثينة كامل، خلال النشرة الإخبارية التى تقدمها بالتليفزيون المصرى: «نواصل مع حضراتكم النشرة الإخوانية»، وكان إيقافها والتحقيق معها!!.. نفس ما حدث مع زميلتها، هالة فهمى، بسبب الألفاظ الحادة والساخرة التى استخدمتها فى برنامجها: «الضمير» مخاطبة الرئيس بالحاج مرسى!

كان الإعلام المستقل والقومى- أحيانا- يطاردون الإخوان المذعورين كالفئران، وبالفعل تقدمت الرئاسة، أو تقدم الإخوان ببلاغات عديدة إلى النائب العام، كتبت على أوراق الرئاسة، ضد الكثير من رؤساء التحرير والصحفيين، بتهمة إهانة الرئيس والسخرية منه، وإثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار، بلاغات عديدة رفعتها الرئاسة، ضد عادل حمودة «جريدة الفجر»، عبدالحليم قنديل «جريدة صوت الأمة»، إسلام عفيفى «الدستور»، ياسر رزق «المصرى اليوم»، مجدى الجلاد «الوطن»، جمال فهمى «وكيل نقابة الصحفيين».. حفظت تلك البلاغات، فلم يعد بوسع قانون «إهانة الرئيس» أن يفعل شيئًا سوى إلقاء القبض على الشعب كله، وإلقائه فى السجون أو تحويل الوطن إلى زنزانة من أجل حرية الرئيس!!

لم يواجه الإعلام فقط محمد مرسى، لكنه لعب دورًا مهمًا فى إسقاط حكم جماعة الإخوان، تصدى للإعلان الدستورى الفاسد الذى أعلنه مرسى، ليمنح صلاحيات استثنائية، فضح مخطط مرسى وتفريطه فى الأمن القومى فى سيناء وحلايب وشلاتين، ولعبت الصحافة والإعلام عمومًا، والإعلام الافتراضى «تويتر، فيسبوك، يوتيوب، مواقع إلكترونية»، دورًا تحريضيًا فى حشد الجماهير للتظاهرات.. فى «جمعة الكارت الأحمر»، زحفت الجماهير إلى القصر الرئاسى مطالبة بإلغاء الإعلان الدستورى، وكان سلاح المهندسين العسكريين قد قام بتشييد جدار خرسانى أمام نادى هليوبوليس، المقابل لقصر الاتحادية الرئاسى بمصر الجديدة، ووضعت الأسلاك الشائكة وأغلقت المداخل المؤدية للقصر، لكن الحشود تجاوزت الأسلاك الشائكة والحائط الأسمنتى، وتمكنوا من الوصول إلى أبواب القصر، مسجلين على جدرانه عبارات: «ارحل، ارحل».. «عيش، حرية، إسقاط الإخوانجية»، بينما تم تهريب مرسى من الأبواب الخلفية للقصر!

وفى مسجد «فاطمة الشربتلى»، المجاور لمنزل محمد مرسى بالتجمع الخامس، وبينما مرسى يؤدى صلاة الجمعة، بالغ خطيب المسجد فى نفاق الرئيس، إلى حد تشبيه مرسى بالرسول الكريم، يلاقى ما لاقاه الرسول من كفار قريش!! همهم المصلون بالغضب، وفور انتهاء الصلاة تعالت صيحاتهم: «خطيب السلطة باطل»، «يسقط يسقط حكم المرشد»، والخطيب ينادى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا»، بينما الحرس يُخرجون مرسى من الباب الخلفى للمسجد!

نزول المثقف إلى الشارع، لحظة فارقة ومهمة، لحظة ملهمة وفاعلة فى مطاردة الفئران، وتنظيف المدينة من كل أشكال التخلف والجمود.