الأخت نوال السعداوى.. كيف فضحت الكاتبة الكبيرة جماعة الإخوان من قبرها؟
- نوال السعداوى: لم أكن واحدة من الأخوات المسلمات ولم أنضم فى حياتى إلى حزب من الأحزاب
- كل صاحب عقل وصاحب كل رأى حر لا يمكن أن يكون فى يوم من الأيام من أعضاء الجماعة
- زعم محمود جامع أن نوال السعداوى كانت تسير على الطريق المستقيم عندما كانت عضوة فى جماعة الإخوان
كما أزعجت نوال السعداوى أدعياء الدين وهى تعيش بيننا متجددة بأفكارها وآرائها، التى كانت تصوغها بشجاعة وتتحدث عنها بجرأة، لا تزال تزعج أدعياء الدين أنفسهم بعد موتها، فالهجمة الشرسة التى شنها بعضهم عليها، وتحديدًا من بين المنتمين إلى جماعة الإخوان الإرهابية ومن يشايعونهم بعد وفاتها، تؤكد لنا ما الذى فعلته هذه الكاتبة الرائدة فى مواجهة طيور الظلام، فقد جعلتهم عرايا لا يسترهم شىء.
لم يترك أدعياء الدين نقيصة إلا وألحقوها بالسيدة نوال، حاولوا أن يشوهوا صورتها بالحد الأقصى من التشويه، معتقدين أنهم بذلك يمكن أن ينتصروا عليها، ويخفوا سيرتها إلى الأبد، ووصلت بهم الجلافة إلى حد تدخلهم فى شئون الله، فوصلوا بها إلى النار التى يتمنون أن تكون مصيرها، دون أن يدركوا أن الكلمة العليا فى مصائر البشر لله وحده دون سواه.
ولأن الكذب هو لغة أدعياء الدين، يدمنونه ولا يعرفون غيره، فقد ادعوا أنها انضمت إلى جماعة الإخوان المسلمين، عندما كانت طالبة فى كلية الطب- نوال تخرجت فى طب قصر العينى فى العام 1955، لكن غلبت عليها شقاوتها- من وجهة نظرهم طبعًا- فانقلبت على الجماعة.
ولأن لكل كذبة أصلًا، فحتى الأكاذيب لها جذور، فإن لفرية انتماء نوال السعداوى إلى جماعة الإخوان الإرهابية أصلًا.

هل تعرفون الدكتور محمود جامع؟
إذا كنتم لا تعرفونه، فهو أحد قيادات جماعة الإخوان، أصدر كتابًا أعتقد أنه يستحق المحاكمة عليه؛ بسبب كثرة الأكاذيب التى دفع بها إلينا فيه، الكتاب هو «وعرفت الإخوان»، الذى صدر عن دار النشر الإسلامية التى تملكها جماعة الإخوان فى العام ٢٠٠٤.
وقبل أن تسأل عن «واو» العطف التى فى العنوان، سأقول لك إن محمود جامع وقبل أن يصدر هذا الكتاب أصدر كتابًا آخر هو «عرفت السادات»، وهو الكتاب الذى حاول أن يوثق فيه للصلة بين الجماعة والرئيس السادات، فجاء عطفه بمعرفة الإخوان على سابق معرفته بالرئيس السادات.
سأفتح الآن أمامكم كتاب «وعرفت الإخوان»، وأرجو فقط أن تتحمل أعصابكم كم الأكاذيب فيما قاله محمود جامع.
يقول: قد لا يعرف البعض أن الدكتورة الشهيرة نوال السعداوى صاحبة الانحرافات الخطيرة والأقوال الكفرية التى تسخر فيها من نصوص الكتاب والسنة كانت فى يوم من الأيام من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، بل ومن المتحمسين لها.
يمكن هنا أن نتوقف عند الجريمة الكبرى التى ارتكبتها جماعة الإخوان الإرهابية فى حق نوال السعداوى، فما قاله محمود جامع فى حقها هنا تكفير كامل، وقد يحتج كما يحتج أدعياء الدين بأنه يصف أقوالها بالكفرية ولا يصفها هى، وهو قول متهافت، فالإنسان فى النهاية ما يقوله، وما دام يصف ما تقوله بالكفر فهو يكفرها ويستحل دمها.
لكن ما الذى جرى وجعل محمود جامع يجزم بأن نوال السعداوى كانت إخوانية، بل كانت متحمسة للجماعة، لنعد معًا إلى كتاب «وعرفت الإخوان» مرة أخرى.
يقول جامع: كان معنا فى نفس الدفعة فى كلية الطب الدكتورة نوال السعداوى التى نجحنا فى ضمها للإخوان، وتحجبت فى ملبسها، وغطت شعرها، وكانت ملابسها على الطريقة الشرعية، ونجحت فى أن تنشئ قسمًا للأخوات المسلمات من طالبات الكلية، كما أنشأت قسمًا للأخوات لهن فى الكلية، وكنت أنا ضابط اتصال بينها وبين الإخوان.
لم يكتف محمود جامع بذلك، بل ذهب فى حكايته الملفقة إلى أن قال: وأقنعت نوال كثيرًا من زميلاتها بالانضمام للأخوات المسلمات، تحضهن على الصلاة والتمسك بالزى الإسلامى فى وقت كان الحجاب بين النساء نادرًا، وكانت تخطب فى المناسبات الإسلامية وفى حفلات الكلية باستمرار، وكان والدها يرحمه الله من علماء كلية دار العلوم، وهو الشيخ السيد السعداوى، ولكن للأسف انقلب حالها وتغيرت أمورها إلى ما وصلت إليه الآن، واتهمت بالإلحاد والإباحية.

لم تكن هذه هى المرة الوحيدة التى تحدث فيها محمود جامع عن إخوانية نوال المزعومة، فعلها مع ناجح إبراهيم القيادى السابق بالجماعة الإسلامية، والذى هجرها بعد المراجعات التى قام بها فى سجنه.
كشف ناجح إبراهيم عما قاله له محمود جامع فى مقال نشره فى ٢٤ أبريل ٢٠١٤، أى بعد صدور الكتاب بعشر سنوات كاملة.
يقول ناجح: من أغرب ما فى حياة د. محمود جامع أنه كان فى نفس دفعة د. نوال السعداوى، وكان هو مسئولًا عن جماعة الإخوان فى الدفعة مع د. سالم نجم، الذى أصبح بعد ذلك عضوًا بمكتب الإرشاد، أما د. نوال السعداوى فكانت عضوة أيضًا فى جماعة الإخوان وقتها.
قال ناجح لجامع: حدثنى عن د. نوال السعداوى التى كانت طالبة فى قصر العينى معكم.
فقال جامع: لقد جلست فى أول يوم دراسة لى فى الكلية إلى جوار نوال السعداوى، ومن وقتها وهى تعرفنى وأعرفها جيدًا، وأنا كنت مسئول الطلبة الإخوان فى الدفعة، وهى أيضًا كانت مسئولة قسم الأخوات فى الكلية، وهذا القسم يتبع جماعة الإخوان.
نظر ناجح إلى جامع مندهشًا فاغرًا فمه- كما يقول- وسأله: نوال السعداوى صاحبة الأفكار المتصادمة مع الدين والمضادة لبعض ثوابته وبعض ما هو فطرى كانت من الداعيات الإخوان فى طب قصر العينى؟
فرد جامع بكل ثقة: بل كانت المسئولة عن الدعوة فى الكلية كلها، وكان لها نشاط دعوى كبير جدًا داخل الكلية، وهى قالت: أريد أن أقوم بنشاط دعوى فى الكلية، فوافقتها على ذلك، وهى أول من خصصت مصلى للفتيات فى الكلية، فلم يكن لهن مكان مخصص للصلاة، لكنها قامت بتجهيز جزء من المسجد وصنعت له ستائر، وكان نشاطها الدعوى جيدًا وقويًا، وعلى فكرة والدها رجل دين وشريعة، فهو من خريجى دار العلوم، وهؤلاء كانوا وقتها من كبار العلماء فى مصر، وكان خريج دار العلوم وقتها أقوى بكثير من الحاصل على الدكتوراه الآن.
تعجب ناجح إبراهيم مما سمعه، لكنه لم يشك فيه لحظة كما يدعى، وعاد ليسأل جامع: ما هو سر تغيرها وتحولها الشديد من التدين إلى مقاومة التدين، ومن النقيض إلى النقيض؟
فأجاب جامع: د. نوال السعداوى كانت لديها عقدة حب الظهور والرغبة القاتلة فى الشهرة بأى ثمن وبأى طريقة، وهى تريد دومًا أن يتحدث عنها الجميع وتتكلم عنها الصحف والقنوات، ولما فشلت فى ذلك مع توجهها الإسلامى، ووجدت رفضًا قويًا لها بيننا توجهت إلى الاتجاه العكس حتى إنها اليوم تصطنع الحديث فى قضايا غريبة وعجيبة ومصادمة للفطرة السوية لجذب الانتباه، فهى الوحيدة، مثلًا، التى تدعو إلى منع ختان الرجال مع أن كل الأبحاث العلمية فى أمريكا وأوروبا تقول إن ختان الرجل يحميه من سرطان العضو التناسلى، لكنها تريد أن تعمل فرقعة، وهذا داء عضال عندها لا تستطيع التداوى منه وهو حب الشهرة والظهور، حتى لو كان ذلك على حساب الدين والأخلاق والأعراف.

سأل ناجح: وهل كنتم تشعرون بمقدمات هذه المعانى وأنتم طلبة صغار فى الطب قليلو الخبرة والحنكة؟
فأجاب جامع: لقد شعرنا بأن نزعة د. نوال الدينية ودعوتها ليست خالصة لله، ولا تدرى يا أخى كيف أجمعنا على هذا الشعور القلبى العجيب ونحن صغار السن، لكن يبدو أن الله قذفه فى قلوبنا لما يعلمه من تبدل أحوالها، وعدم صدقها فى هذا التوجه والشاب أكثر إحساسًا بصدق الآخرين أو كذبهم لأنه شفاف لا يعرف «اللوع».
عاد ناجح ليسأل وهو المصدق للكلام دون أن يتأمله أو يدقق فيه: وهل ذكرت هذه الأمور من قبل أى صحيفة أو قناة؟
رد جامع: نعم ذكرت بعضها فى إحدى القنوات الفضائية، فكان رد فعلها هو سبى وشتمى، وقالت كذبًا: لا أعرف د. محمود جامع، رغم أننى أعرفها وزوجها جيدًا، وقد أنكرت انضمامها للإخوان فى أوائل الخمسينيات، ومشكلة د. نوال هى عدم صدقها مع نفسها أو مع الله، فأى مؤهلات شرعية دينية تلك التى تؤهل هذه السيدة لتدريس كورسات فى الإسلام والشريعة فى أوروبا، وتنال جوائز عالمية أوروبية وغربية، ولك أن تتصور أن دفعتى فى قصر العينى كانت تقيم حفلًا سنويًا لخريجيها فى موعد تخرجهم، والجميع يقول للآخرين: اعزموا وادعوا أى أحد مهما كان توجهه الفكرى أو السياسى ما عدا نوال السعداوى.
يحاول هنا محمود جامع الطعن فى نوال السعداوى من أكثر من زاوية، ويركز على أنها كانت تسير على الطريق المستقيم عندما كانت عضوة فى جماعة الإخوان.
ما قاله يشير إلى أنها كانت قيادية مهمة، تجند الطالبات وتخطب فيهن، وتحضهن على الصلاة ولبس الحجاب، لكنها بعد أن خرجت من الجماعة أصبحت على ما هى عليه، فى غمز ولمز فيها وفى سلوكها وأفكارها، وكأن من ينتمون إلى الجماعة هم الذين يسيرون على الطريق المستقيم، ومن لا ينتمون إلى الجماعة يظللهم الضلال.
كذب محمود جامع واضح، وتضليل ناجح إبراهيم أوضح.
أما لماذا أصف ناجح إبراهيم بالتضليل، فلأنه أعاد ما قاله محمود جامع، ولم يلتفت إلى ما قالته نوال السعداوى ردًا عليه، بل لم يفتح مذكراتها التى صدرت بعد صدور كتاب جامع، وفيه أشارت إلى ما كانت عليه فى كلية الطب.
يمكننا نحن أن نقرأ ما قالته نوال فى مذكراتها «أوراقى.. حياتى».
فى الجزء الأول قالت: عام ١٩٥١ انتقلت إلى سنة تانية مشرحة من دون امتحانات، سيكون الامتحان الصعب آخر هذا العام، يشمل العلوم كلها التى درسناها فى عامين اثنين ومنها التشريح، أكبر مدرج «على باشا إبراهيم» يتسع لمئات الطلبة، كنت أشارك الطلبة فى هذه الأنشطة خارج نطاق الطب، أخرج معهم فى المظاهرات، نهتف ضد الملك والإنجليز، فى عيد الهجرة النبوية يدعونى زعيم الطلبة من الإخوان المسلمين لإلقاء كلمة، وفى الاحتفال بإلغاء معاهدة ٣٦ يدعونى زعيم الطلبة الوفديين للمشاركة بإحدى الخطب، فى عيد العمال يأتى إلى زعيم الطلبة الشيوعيين ويطلب منى مقالًا لمجلة اسمها «الجميع»، وفى الندوات الثقافية أو الفنية أتلقى الدعوة للمشاركة بقصة قصيرة أو قطعة أدبية.

وقالت: كان زعيم الإخوان قصيرًا ممتلئ الجسم أبيض البشرة، له رأس مربع يشبه رأس أبى الهول، وصوت جهورى، يقف على المنصة ويلقى خطبة طويلة فى عيد الهجرة، يضرب بقبضة يده على منضدة المنصة، يحرك ذراعيه فى الهواء، يسبل جفونه، يبربش، يبلل شفته السفلى بطرف لسانه، يرفع عينيه نحو السقف، يتسرب الطلبة من المدرج دون أن يشعر بهم، يواصل الخطبة دون أن يسمعه أحد كأنما يكلم نفسه أو يخاطب السماء.
وفى الجزء الثانى تقول نوال عن ذكرياتها فى كلية الطب: ينهض زعيم الإخوان المسلمين «عمران عبدالموجود» بجسمه المربع داخل البدلة الضيقة، الصديرى تتدلى منه سلسلة ساعة فضية من قبر الرسول بأرض الحجاز، يقف على المنصة مائلًا بجذعه ناحية اليمين، واضعًا يده اليسرى فى جيبه رافعًا يده اليمنى. شفتاه الممتلئتان منفرجتان، يبتسم لقوة ما فى السماء، يقف صامتًا فى هذا الوضع بضع ثوان، كأنما عدسة سحرية فى الفضاء تلتقط له صورة، ثم يستدير ببطء ليواجه الحاضرين بصوت أشبه بالرعد، يبدأ خطبته ببسم الله العلى العليم، ويختمها بالصلاة على خاتم الأنبياء أجمعين، يتململ الزملاء فى مقاعدهم، يتسلل بعضهم من الباب الخلفى، ينهض أحدهم معترضًا: يا أخ عمران كفاية إنشا، عاوزين كلام مفيد.
وتضيف نوال إلى ملامح الصورة ملامح جديدة، تقول: ينهض فؤاد محيى الدين، وكان من أطباء الامتياز أو النواب فى قصر العينى، أطولهم قامة، شديد النحافة كعصا الخيزران، شديد الأناقة بدلته خطوطها مستقيمة مكوية، ياقة قميصه منشَّاة ناصعة البياض بلا ذرة تراب ولا عرق، ربطة عنقه زاهية الألوان الرفيعة، يشد عنقه الطويل بحركة الديك الرومى أو الطاووس، كبرياء ربما أو اختناقًا، فالمدرج تحت الأرض، النوافذ كلها مغلقة، الهواء شبه معدوم، دخان السجائر يتصاعد إلى السقف، جميعهم ينفخون الدخان من أنوفهم، كأنما هذا النفخ جزء من طقوس السياسة أو الرجولة، يخبط فؤاد محيى الدين المنصة بقبضة يده القوية، لا تقل قوة عن قبضة زعيم الإخوان، صوته لا يقل جهورية عن صوته، يردد كلمات مصطفى كامل باشا: لو لم أكن مصريًا لوددت أن أكون مصريًا، نحن يا زملاء مصريون، انتماؤنا إلى مصر مسلمين وأقباطًا، لا فرق، دستورنا هو القانون يصدر عن البرلمان وليس القرآن، الدين لله والوطن للجميع يا إخوان.
وعندما استشهد أحمد المنيسى صديق نوال فى معارك القنال، جاءت على سيرة الإخوان.
قالت: كان حفل تأبين أحمد المنيسى، امتلأ الصوان بطلبة الطب والكليات الأخرى، جلس الأساتذة فى الصفوف الأولى يتوسطهم العميد، زعماء الطلبة يروحون ويجيئون داخل بدل رصاصية اللون وربطة العنق سوداء، فؤاد محيى الدين يغطى عينيه بنظارة سوداء، يزم شفتيه علامة الحزن بشدة أكثر من اللازم، إبراهيم الشربينى من خلفه يمشى أقل قامة، أقل أناقة وأكثر حزنًا، يوسف إدريس من حول عنقه ربطة سوداء غير معقودة بإحكام، يصيح بصوت غاضب فى عمران عبدالموجود زعيم الإخوان: يعنى المنيسى شهيدكم إنتم بس يا إخوان يا مسلمين، ولا شهيد مصر كلها؟
ويرد عمران: المنيسى شهيدنا كلنا يا أخ يوسف، لكن البرنامج مليان وفيه ملفات تأبين كثيرة جاية فى السكة، تقدر تتكلم فيها.

يهتز الصوان مع حركة الهواء، زعيم الإخوان فوق المنصة يلقى خطبة طويلة، لم أسمع منها شيئًا.
وتعلق نوال فى إطار سرد علاقتها بأحمد المنيسى، تقول: أحمد المنيسى كانت له نظرة رغم البريق منكسرة، لا ترتفع عيناه إلى عينى، مثل زعيم الإخوان المسلمين عمران عبدالموجود، وكل الطلبة فى هذه الجماعة، لم تكن عيونهم تنظر مباشرة فى العيون الأخرى، فهى دائمًا مطرقة إلى السماء، لا ترى إلا الله أو الفراغ.
وفى اعتراف واضح لا يقبل تأويلًا، تقول نوال: «الأخت نوال السعداوى» كلمة الأخت ترن فى أذنى غريبة، لم أكن واحدة من الأخوات المسلمات، لم أنضم فى حياتى إلى حزب من الأحزاب، تكرر النداء «الزميلة نوال» رن فى أذنى «الشهيدة نوال» نهضت من مقعدى كما ينهضون من الموت، سرت فوق ممر طويل مفروش بالسجاد الأحمر، الحمرة قانية بلون الدم فوق الأسفلت، أمشى بحذر كأنما أمشى فوق الدم، أحسه تحت قدمى ينبض وينزلق، أمسك بعمود السلم الصاعد إلى المنصة، بضع درجات خشبية تهتز تحت جسدى، أقف وراء الميكروفون، أثبت قدمى فى الأرض، أثبت عينى فى آلاف العيون الشاخصة نحوى، يدوى الصوت الجهورى: والآن أيها الإخوة كلمة الزميلة نوال السعداوى.
تكمل نوال: أنهيت كلمتى وهبطت إلى مقعدى، صعد إلى المنصة بعدى واحد من زعماء الجامعة فى كلية الحقوق، اسمه «حسن دوح» كان يحمل لقب خطيب الجامعة، وقف وراء الميكروفون مطرقًا صامتًا، آلاف العيون مرفوعة نحوه، الأنفاس مكتومة، الصمت يدوى فى الصوان كالصفير، انتظرنا ماذا يقول، كان مشهورًا بالخطب السياسية النارية، لم يقل حسن دوح شيئًا، عبارة واحدة قالها ثم ترك المنصة: أيها الإخوان ليس عندى ما أقول بعد سماعى كلمة الزميلة نوال.
فى نهاية الحفل تجمع من حولى بعض الزملاء: كلمتك كانت رائعة، الكلمة اللى خرجت من القلب دخلت القلوب، أقصر وأحسن كلمة، خطيب الجامعة معرفش يقول حاجة بعدها.
لا يزال فى القصة بقية.
تقول نوال بعد أن خرجت من حفل التأبين، وهى واقفة فى محطة الأتوبيس: أفقت على صوت ينادى اسمى: زميلة نوال، تعرفت على وجهه، عمران عبدالموجود زعيم الإخوان، يده اليمنى ممدودة تقبض على ورقة صغيرة مطوية، وهو يقول بصوت مرتبك: الرسالة دى لك يا زميلة نوال.
عندما فتحت نوال الرسالة وجدته يقول لها: قبل أن أسمعك فى حفل تأبين الشهيد المنيسى، كنت أؤمن بالله والوطن ونفسى، الآن أصبحت أؤمن بك قبل نفسى.
وتحكى نوال: مع ذلك لم يخفق قلبى له خفقة واحدة، كنت ألتقى به أحيانًا فى فناء الكلية، يصافحنى بتلك اليد الصغيرة، القبضة الطرية، يكلمنى وعيناه شاخصتان إلى الفراغ، تخرج قبلى بعامين أو ثلاثة، أصبح طبيبًا لأمراض النساء، بعد انفصالى عن أحمد تقدم لى، لم أتصوره زوجًا، لم أتصور يده الصغيرة القبضة الطرية تلامسنى، وإن تصورتها تسرى فى جسدى قشعريرة، كأنما هى يد حيوان مائى ذى ذنب قرموط من السمك، ثم مضت عشرون سنة قبل أن أراه على شاشة التليفزيون، أصبح فى عهد السادات داعية إسلاميًا كبيرًا، سافر إلى أرض الحجاز أو السعودية، وعاد محملًا بالذهب والفضة، اشترى قصرًا كبيرًا فى مصر الجديدة، وجامعًا فى مصر القديمة، ثم مضت عشرون سنة أخرى قبل أن ألتقى به فى زيورخ فى المؤتمر الدولى للأديان، قدم بحثًا طويلًا عن الإسلام والديمقراطية، بعد أن ألقيت كلمتى جاء إلى وصافحنى، يده لم تتغير منذ أربعين عامًا، قبضة صغيرة طرية ندية بالعرق، وجهه تغير كثيرًا، أصبح شاحبًا متهدل العضلات، شعر رأسه سقط، نما الشعر فوق وجهه وذقنه، طالت لحيته حتى لامست صدره، يقف على المنصة بالطريقة نفسها منذ كان طالبًا بالكلية، يميل بجذعه ناحية اليمين، يده اليسرى فى جيبه، يده اليمنى تتحرك فى الهواء، يتوقف صامتًا عن الكلام لحظة أو بضع لحظات، شاخصًا فى الفراغ كأنما عدسة سحرية فى السماء تلتقط له صورة.

أعجبتك التفاصيل التى تصف نوال من خلالها ما رأته؟
مؤكد أنها أعجبتك.. لكن بعيدًا عن الإعجاب، أعتقد أن كاتبة ترصد كل ما كان يجرى أمامها ما كان لها أن تتجاهل قصة انتمائها المزعومة للجماعة، وعملها فى صفوفها، ثم إنها كانت تمتلك من الشجاعة قدرًا يجعلها تعترف بأنها كانت منهم، لكنها انقلبت عليهم وانشقت عنهم، لكنها لم تأت على شىء من ذلك بذكر أبدًا، بل عمدت إلى توصيف تهافتهم وضياع البوصلة الوطنية لديهم.
يمكنك أن تقول إن نوال أخفت الأمر ولم تأت على شىء منه فى مذكراتها حتى لا تخدش صورتها التى رسمتها لدى قرائها، ومن حقك أن تسألنى وما الذى يجعلنى أقول إن رواية محمود جامع كاذبة تمامًا وملفقة بشكل كامل؟
وهل لدى دليل على ذلك؟
أم أننى سأقول لك إن هذا ليس معقولًا ولا منطقيًا، فلا يمكن أن تكون كاتبة ومبدعة مثل نوال السعداوى فعلت ما قاله محمود جامع.
لن أفعل ذلك بالطبع، فلدى هنا رد من الدكتورة نوال السعداوى على هذه الواقعة، هى التى لم تسارع إلى الرد على محمود جامع، بل فعلت ذلك فى سياق آخر تمامًا.
بطل السياق الذى أتحدث عنه هو الإعلامى اللبنانى سامى كليب.
وسامى كليب لمن لا يعرفه هو إعلامى لبنانى يحمل الجنسية الفرنسية، كان يقدم برنامج «لعبة الأمم» فى قناة الميادين، وكان قد قدم برنامجى «زيارة خاصة» و«الملف» على قناة الجزيرة، وكان يشغل منصب رئيس تحرير فى إذاعة «مونت كارلو» إذاعة فرنسا الدولية، ثم أصبح المستشار الرئاسى للهولدينج الإعلامى الفرنسى الموجه للعالم العربى، والذى يضم إذاعة «مونت كارلو» الدولية وراديو فرنسا الدولى وتليفزيون فرنسا ٢٤، وكان أيضًا مديرًا لمكتب صحيفة السفير اللبنانى فى باريس، وله كتابات فى عدد من الصحف العربية والأجنبية.
بعد ساعات من وفاة نوال السعداوى كتب سامى كليب مقالًا مطولًا عن لقاءاته مع نوال السعداوى، يمكنكم أن تعودوا إليه على موقعه «نجوم».
لكن ما يهمنى هنا هو ما قالته نوال السعداوى عن افتراءات محمود جامع عليها، وقد يكون مناسبًا أن أوثق لحضراتكم نص الحوار، وفيه ما يكفى.
سامى: ما هى قصة انتمائك إلى حركة الإخوان المسلمين فى صباك، قرأت عن الأمر فى أماكن مختلفة؟
نوال: غير صحيح... أكذوبة كبيرة.
سامى: سأقرأ لك ما وجدت عند الدكتور محمود جامع.
نوال: أيوه.. ده حاول أن يشتهر على حسابى.
سامى: اسمحى لى أن أكمل السؤال، فالدكتور محمود جامع هو صاحب كتابين «عرفت السادات» و«وعرفت الإخوان»، يقول كانت الدكتورة نوال السعداوى معنا فى كلية الطب، ونجحنا فى ضمها للإخوان، وتحجبت، ونجحت فى أن تنشئ قسمًا للأخوات المسلمات، كما أنشأت مسجدًا لهن فى الكلية.
نوال: هذه أحلامه.. أنا شخصيًا لا أعرفه ولا أذكره.

سامى: لكن هو يقول إنه كان صديقًا لك؟
نوال: بتاتًا أنا لا أذكره، أنا أذكر زملاء كثيرين كانوا معى، لكن هو لا أذكره، يعنى أذكر من الإخوان المسلمين أنه كان معى الدكتور عمر شاهين زعيم الإخوان، كان يدعونى لأنى أنا طالبة الطب الوحيدة المتمردة التى أنزل المظاهرات، ووالدى كان يشجعنى على النزول فى المظاهرات، وكنا نهتف بسقوط الحكومة وسقوط الإنجليز، ودسنا على صورة الملك، وما إلى ذلك، وكان حبى للغة العربية سببًا فى أن يدعونى الشيوعيون لألقى كلمة فى عيد العمال، وكان الإخوان يأتون لى ويقول عمر شاهين: يا أخت نوال نريدك أن تلقى كلمة فى الهجرة، وعندما مات زميلنا أحمد المنيسى فى القنال، وكان فدائيًا، طلبوا منى أن ألقى كلمة، فصعدت إلى المنصة وألقيت كلمة، فتوهم هذا الطبيب الذى كتب هذا الكلام أنى أنا كنت مع الإخوان.
سامى: فقط لنوضح الصورة فى بعض المؤتمرات أو اللقاءات أو ندوات الإخوان.. لكن لم تترددى فى قبول دعوتهم لإلقاء كلمة فى حضور الإخوان المسلمين؟
نوال: كلا كانت كل الكلية تحضر فى تأبين أحمد المنيسى، وكانت الكلية كلها موجودة فى حفل الهجرة.
سامى: هل حاول الإخوان ضمك إليهم؟
نوال: بتاتًا لم يفاتحنى أحد، لم يأت أحد ويقول لى انضمى، أبدًا لم يحصل هذا، بل هم كانوا طيلة الوقت يروننى شيوعية وأكلم الشيوعيين.
سامى: هل كنت معجبة بأفكار الإخوان؟
نوال: كلا كلا بتاتًا.. وحجاب المرأة لم يدخل عقلى، ووالدى لم يطلب منى أن أتحجب، والحجاب لا علاقة له بالإسلام، يعنى لو درسنا التاريخ سنجد أن حجاب المرأة سابق على الإسلام وعلى المسيحية، المسيحيات يتحجبن فى الكنيسة واليهوديات محجبات.
عندما كانت نوال تتحدث عن افتراءات محمود جامع جاءت على ذكر زميلها فى كلية الطب أحمد المنيسى الذى استشهد فى معارك القناة، وكانت له معها قصة، فقد كان معجبًا بها، وكان يضع فى حقيبتها رسائله الغرامية.
تقول نوال عما جرى بينهما: سافر زميلى أحمد المنيسى مع كتائب الفدائيين ولم يعد، كنا نتبادل الحديث فى معمل الكيمياء الحيوية، رسالته الصغيرة بخط يده داخل كشكولى، كلماته المترددة الخجولة: ستكون صورتك أمامى وأنا أقاتل فى سبيل الله، منذ الرسالة الأولى لم أر المنيسى إلا مرة واحدة قبل أن يموت، كان يحارب الإنجليز فى القناة وسقط شهيدًا، أقاموا له حفل تأبين، حفروا اسمه فوق حجر فى مدخل كلية الطب، ثم سقط الحجر وسقط معه اسمه فى التاريخ، وأسماء فدائيين آخرين ماتوا أو لم يموتوا، عادوا من الحرب يطاردهم البوليس المصرى قبل الإنجليز، تحولوا بقدرة قادر من أبطال مدافعين عن الوطن إلى مجرمين فى نظر الحكومة وإرهابيين فى نظر الإنجليز.
من تعبير أحمد المنيسى لنوال أن صورتها ستكون أمامه وهو يقاتل فى سبيل الله، يمكن أن نفهم أنه كان من بين الإخوان أو يميل إليهم، لكنها رفضت حبه واختارت غيره، وقد يكون هذا من أسباب عداء الإخوان لها وبعدهم عنها ومحاولتهم تشويه صورتها.

لكن هناك ما هو أكثر، فقد كانت الجماعة تترصد نوال بعد موقفها منهم فى العام ٢٠٠٥ عندما حصدوا ٨٨ مقعدًا فى مجلس الشعب، وبدأ السؤال يتردد: هل يمكن أن يصل الإخوان إلى الحكم؟
وقتها نشرت صحيفة «لوبوان أفريك» تقريرًا حول حالة الهلع التى تسيطر على شريحة كبيرة من نساء مصر، بسبب ما أسفرت عنه الانتخابات البرلمانية من فوز الإخوان بـ٨٨ مقعدًا، وفى التقرير تحدثت نوال السعداوى.
قالت نوال: إننى فقط لست ضد سياسة الإخوان ولكنى أيضًا ضد ما يمارسونه من اضطهاد وقمع ضد النساء، حيث إننى لن أفاجأ عند وصول الإخوان للحكم أن يتم إجبار جميع سيدات مصر على ارتداء النقاب.
وأضافت نوال: أتوقع أن ينتشر البغاء على نطاق واسع إذا وصل الإخوان إلى الحكم، وهو ما سيتسبب فى هزة اجتماعية عنيفة وغير مسبوقة لم تمر بها مصر من قبل.
كان ما قالته نوال أقرب إلى الاغتيال المعنوى للجماعة، وهو ما قابلوه باغتيال معنوى ليس بتشويهها فقط، ولكن بزعم انتمائها السابق لهم، وأنها عندما خرجت منهم فكأنها خرجت من الإسلام كله، لكن الكاتبة دافعت عن نفسها، وعما كانت عليه، وعندما توفيت أحيت الجماعة قصة انتمائها لها، لكن الرواية لم تصمد أمام ما قالته نوال، وأعتقد أننا يمكن أن نكتفى به، لا ليكون ردًا على محمود جامع فقط، ولكن على كل متنطع يردد كلامه.
لم أصدق أبدًا أن تكون نوال من الإخوان، فقبل أن تقرأ عنهم أو تعرفهم أو تتعرف على أحد منهم، كانت قد وقرت فى قلبها حقيقتهم، تحكى عن والدها فى مذكراتها تقول: كان أبى يتعاطف مع حزب الوفد أو النحاس باشا حين يتصدى للإنجليز أو يصدر قرارات لصالح الموظفين والفقراء من الشعب، لم يتعاطف أبى مع الإخوان المسلمين أو زعيمهم حسن البنا، كان يراه مثل الشيخ المراغى متاجرًا بالدين فى حلبة السياسة.
ثم إن لدى دليلًا واضحًا على أن نوال لم تكن فى يوم من الأيام من الإخوان، وهو أن كل صاحب عقل، وصاحب كل رأى حر لا يمكن أن يكون فى يوم من الأيام من أعضاء الجماعة، ونوال كانت طوال عمرها صاحبة عقل ورأى حر.







